array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 223

لا انتصار لمشروع إيران التوسعي وتبني الواقعية السياسية وإدارة الصراع بالتفاوض

الإثنين، 29 حزيران/يونيو 2026

واجهت إيران، لأول مرة منذ عقود، اختباراً عملياتياً مباشراً لقدرتها على حماية جغرافيتها السياسية وعمقها السيادي، بالتوازي مع محاولة الحفاظ على أدوارها الإقليمية المكتسبة. لقد أثبتت هذه الحرب أن التحولات المتسارعة في بنية النظامين الدولي والإقليمي التي يتصدرها صعود أنماط مستحدثة من التكنولوجيا العسكرية والحروب الهجينة والسيبرانية باتت تفرض قيوداً على النماذج التقليدية للقوى الإقليمية والمتوسطة في إدارة أمنها القومي، وفي ضوء كل ذلك، ماتزال المنطقة العربية تعيش تداعيات هذا الصراع وهي لا تواجه ذلك بمشروع ثالث غير المشروعين الذين يتصادمان على مسرح عمليات المنطقة العربية والخليجية.

لذا، الأهمية التحليلية لهذه الحرب لا تنحصر في نتائجها الميدانية المباشرة على أطراف الصراع فقط، بل تكمن في آثارها الممتدة على مصفوفة الخيارات الاستراتيجية الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية والدول الموجودة في بيئة الصراع.

أولاً: الاستعداد الاستراتيجي الإيراني ومعضلة الجبهة الداخلية

فرضت المواجهة العسكرية، على صانع القرار الإيراني تفعيل وتوظيف كافة مدخلات القوة الصلبة والناعمة التي جرى بناؤها في عقود، وشبكات الفاعلين من غير الدول في الإقليم، وتشير القراءة للهياكل العسكرية والأمنية الإيرانية إلى احتفاظها بمستويات من التماسك، ما حال دون انهيار شامل كما كانت تتوقع دوائر المخابرات العسكرية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية، وسمح لها باحتواء الصدمة الأولى ومنع تحول المواجهة إلى مهدد وجودي حتى الآن.

في المقابل، تظهر الانعكاسات الاقتصادية كأحد المعوقات الحرجة، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع معدلات التضخم بما يتجاوز 117% مقارنة بما قبل الحرب. وهذا التدهور في المؤشرات للاقتصاد يمثل ضغطاً مستمراً، دون أن يكون بمفرده كافياً لإحداث انهيار كامل في المدى المنظور.

على صعيد محددات القوة المرتبطة بالفاعلين الإقليميين، فقد استندت الاستراتيجية الإيرانية منذ عام 1979م، إلى فرضية : بناء "العمق الاستراتيجي" العابر للحدود وتصدير فكرة الثورة والدفاع عن المستضعفين يمثل أداة ردع متقدمة تبعد التهديدات العسكرية عن الجغرافيا الوطنية ضمن نقل مسرح العمليات إلى الخصوم عبر دعم الجماعات المضادة، وقد جرى تفعيل هذه الآلية خلال الحرب؛ إذ انخرطت الجبهة اللبنانية متمثلة بـ "حزب الله" في مواجهة مع إسرائيل عقب اغتيال المرشد علي خامنئي، ولا تزال هذه الجبهة محتفظة بديناميكيتها رغم مساعي التهدئة، كما تم تحفيز أجزاء من الفصائل العراقية لضرب الأهداف الأمريكية في المنطقة واستهداف دول الخليج العربي، لتخفيف الضغط على الداخل الإيراني.

ورغم نجاح هذه المقاربة في تعبئة جزء من شبكة النفوذ الإقليمي، إلا أن مخرجات الحرب أثبتت قصور هذه الأدوات عن منع انتقال الصراع للعمق الإيراني، وهو ما يتناقض مع جوهر العقيدة الأمنية التقليدية للدولة، لقد نجحت جبهات الإسناد في رفع الكلفة العسكرية والمالية للخصوم، لكنها عجزت عن فرض معادلة ردع مطلقة لحماية الأراضي الإيرانية، هذا الانكشاف أوضح فجوة بين "القدرة على صناعة النفوذ الإقليمي" و"الكفاءة الفعلية في حماية الأمن القومي المباشر"، الأمر الذي سيدفع صانع القرار الإيراني نحو مراجعة جذرية لجدوى استراتيجية "الوكلاء" مقارنة بمتطلبات الدفاع الداخلي ما بعد الحرب.

ثانياً: الخسائر البنيوية وانعكاساتها على عملية صنع القرار

ألحقت العمليات العسكرية بإيران خسائر واسعة النطاق تجاوزت البعد العسكري لتشمل البنى التحتية والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ما جعلها المواجهة الأعلى كلفة في تاريخ إيران منذ الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988م)، فمن الناحية العسكرية، تعرضت منشآت القيادة والسيطرة، وقواعد الصواريخ البالستية، ومراكز الطائرات المسيرة، ومواقع البرنامج النووي لموجات استهداف دقيق استهدفت تقويض قدرات الردع، بالتزامن مع خسارة نوعية في الموارد البشرية والنخب، ما يمثل استنزافاً للتراكم المعرفي والعملياتي للمؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية.

هذه العمليات أشارت إلى أن أجزاء حيوية من البنية الدفاعية كانت عرضة للاختراق والتحييد، ما يحتم إعادة تقييم شاملة لمنظومات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي وحماية المرافق الحساسة، كما كشفت عن ثغرات استخبارية مكنت الخصوم من الحصول على معلومات دقيقة حول أهداف وشخصيات مهمة، وهو الجانب الأكثر حرجاً لصانع القرار الإيراني.

اقتصادياً، تزامنت الحرب مع معاناة الاقتصاد الإيراني من العقوبات الدولية وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وأسعار الصرف، وأدت الحرب لتضخم الإنفاق العام، وارتفاع كلفة إعادة الإعمار، ما سيؤدي حتماً إلى تراجع الثقة في الأسواق المحلية، لذا فإن إعادة توجيه الموارد المالية نحو القطاعين العسكري والأمني ستحد من قدرة الحكومة على الإنفاق التنموي والخدمي، ما يؤسس لمخرجات اجتماعية واقتصادية سالبة.

وتكمن خطورة هذه المعطيات في تأثيرها المباشر على صنع القرار؛ إذ كلما تصاعدت الكلفة المادية والبشرية للمواجهة العسكرية، برزت الحاجة لإعادة التوازن بين متطلبات الأمن الخارجي والاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي ، ومن المرجح أن تدفع هذه الحسابات القيادة الإيرانية لتبني مسارين متوازيين : تعزيز القدرات الدفاعية التكنولوجية من جهة، والبحث عن هوامش دبلوماسية لتخفيف الضغوط والقيود الخارجية من جهة أخرى، مما يجعل مرحلة ما بعد الحرب طوراً لإعادة التموضع الاستراتيجي بدلاً من كونها مرحلة تعافٍ سلبي من آثار الصراع.

ثالثاً: التموضع الإيراني في المعادلات الإقليمية والدولية

أفرزت الحرب تحولات في طبيعة ومكانة إيران كلاعب إقليمي، حيث وضعتها أمام اختبار غير مسبوق لقدرتها على إدارة أدوارها الجيوسياسية في ظل تعرضها لضغوط عسكرية واقتصادية متزامنة، إقليمياً، أظهرت الحرب أن النفوذ الإيراني فقد هوامش حركة واسعة كان يتمتع بها خلال العقدين الماضيين، جراء استهداف ركائزه وتغير الحسابات الأمنية للقوى المحيطة، فبعد أن كان الخطاب الإيراني يستند للقدرة على فرض معادلات ردع متعددة الساحات والصبر الاستراتيجي، أوضحت الحرب أن قدرة الدولة على حماية أمنها الداخلي ليست مطلقة، وأنها تواجه معضلة مستعصية في الموازنة بين كلفة النفوذ الخارجي واستحقاقات البناء الداخلي، بينما أثبتت الحرب صعوبة استبعاد أو تجاوز الدولة الإيرانية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في الشرق الأوسط، لامتلاكها قدرات عسكرية ومزايا جغرافية تمنحها قدرة التأثير في الاستقرار الإقليمي.

على المستوى الدولي، سلطت الحرب الضوء على القيود للشراكات مع القوى الدولية الكبرى، فرغم المواقف الدبلوماسية والسياسية الداعمة الصادرة من روسيا و الصين ، إلا أن تجربة الحرب أكدت أن رؤية القوتين للعلاقة مع إيران تنطلق من محددات "المصالح البراغماتية" وليس "التحالفات الأمنية الدائمة"، ولم تظهر الدولتان استعداداً لتحمل الكلفة السياسية أو العسكرية للمواجهة مع أمريكا أو إسرائيل دفاعاً عن إيران، واكتفتا بتقديم الدعم غير المباشر الذي يحافظ على مصالحهما الخاصة ويضمن عدم تحمل المسؤولية القانونية أو السياسية عن السلوك الإيراني، هذا الإدراك قد يدفع القيادة الإيرانية لتبني سياسة خارجية أكثر براغماتية قائمة على تنويع الشراكات.

رابعاً: إدراك النخبة الإيرانية للتهديدات

أحد أبرز مخرجات الحرب يتمثل في تغير إدراك النخبة الإيرانية لطبيعة ومصادر التهديدات الخارجية وأولويات التعامل معها. فعلى مدار عقود، تأسست العقيدة الأمنية الإيرانية على فرضية أن التهديد الرئيس يكمن في الاحتواء والتطويق الجغرافي والحروب بالوكالة، غير أن الحرب وضعت صانع القرار أمام نمط متطور ومركب من التهديدات يدمج بين التفوق التكنولوجي العسكري، والاختراقات الاستخبارية، والحروب السيبرانية، والاستهداف الدقيق لمراكز الثقل الاستراتيجي، ما فرض مراجعة جذرية للتصورات الحاكمة لدى النخبة الأمنية.

كما أثبتت المعارك أن التطورات التكنولوجية قلصت قيمة المحددات التقليدية للقوة المرتبطة بالجغرافيا والديموغرافيا؛ إذ لم يعد امتلاك المساحات الشاسعة أو العمق الجغرافي كافياً لتوفير الحماية في مواجهة الأسلحة الذكية والسيبرانية، ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تشهد المؤسسات العسكرية الإيرانية تحولاً تدريجياً نحو تعزيز قدرات الأمن السيبراني، ومكافحة التجسس، وتطوير الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي والمراقبة والإنذار المبكر، باعتبارها أدوات حاسمة تتساوى مع أدوات القوة التقليدية.

يفرض الصراع مراجعة لفرضية القدرة على "إدارة الأزمات المزمنة" دون الانزلاق نحو المواجهات المباشرة، فقد أظهرت الأحداث أن البيئة الإقليمية تتسم بسرعة التحول من الردع المتبادل إلى الصدام المفتوح، ما يتطلب مقاربات أكثر مرونة في إدارة التفاعلات مع القوى الإقليمية والدولية لمنع تكرار ظروف التهديد الوجودي، والبحث عن توازن دقيق بين الردع العسكري والمنظور الدبلوماسي لحماية استقلال القرار وتجنب العزلة.

خامساً: محددات العلاقة الإيرانية - الأمريكية: خيارات التصعيد والتسوية

تمثل العلاقات مع أمريكا المتغير الأكثر تأثيراً في صياغة مستقبل السياسة الخارجية الإيرانية؛ إذ لا يمكن حصر الحرب الأخيرة في كونها مواجهة عسكرية محدودة، بل هي اختبار مباشر لقدرة كل طرف على فرض إرادته على الآخر، ورغم نجاح الإدارة الأمريكية في إلحاق أضرار بنيوية بالقدرات الإيرانية، إلا أن العمليات لم تؤدِ إلى تقويض النظام السياسي أو إخراجه من معادلات النفوذ الإقليمي، وفي المقابل، عجزت إيران عن صياغة توازن ردع يمنع التدخلات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة في مسار الصراع.

وبينت الحرب أن كلفة المواجهة الشاملة والمفتوحة تظل مرتفعة للجانبين، وأن استمرارها قد يقود إلى نتائج عشوائية يصعب التحكم بتداعياتها، بناءً على ذلك، فإن التهدئة الحالية لا تعكس تسوية نهائية بقدر ما تعبر عن انتقال الصراع من المستوى العسكري الخشن إلى مستوى إدارة التنافس عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر تعقيداً، وفي ظل هذه المعطيات، تواجه القيادة الإيرانية مسارين:

  1. الاحتواء والردع المتجدد: الاستمرار في سياسة المواجهة طويلة الأمد، ومحاولة إعادة بناء أدوات الردع التقليدية والتكنولوجية بانتظار تحولات في السياسة الخارجية الأمريكية وخروج ترامب من السلطة.
  2. التفاوض البراغماتي: استثمار معطيات الدخول في مسار تفاوضي موسع مع الإدارة الأمريكية لتخفيف العقوبات والضغوط الأمنية، مقابل تنازلات مرحلية ترتبط بالبرنامج النووي والصاروخي، يظل مشروطاً باستعداد واشنطن للاعتراف بالمصالح الأمنية الحيوية لإيران، واستعداد الأخيرة لتقديم تنازلات في سلوكها الإقليمي، في ظل الدور الإسرائيلي الضاغط والمؤثر في توجيه السياسة الأمريكية.

سادساً: حدود وآفاق الشراكة مع روسيا

أعادت الحرب اختبار أسس الشراكة الإيرانية-الروسية، كاشفةً عن التمايز الواضح بين الخطاب السياسي القائم على مفهوم الشراكة الاستراتيجية، وبين الواقع المحكوم بحسابات المصالح لكل طرف، ورغم التقارب الملحوظ بين الدولتين خلال السنوات الماضية في ملفات الأمن الإقليمي كالملف السوري، والتعاون العسكري، ومواجهة الضغوط الغربية، إلا أن سلوك روسيا خلال الحرب أكد تعاملها مع إيران كـ "شريك جيوسياسي مهم" وليس كـ "حليف أمني ملزم بالدفاع المشترك".

تنظر موسكو إيران كأداة ضغط جيوسياسية حيوية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وشريك فاعل في تقويض مشاريع الهيمنة الغربية. ومع ذلك، فإن مصالح روسيا الأوسع مع أمريكا، والاتحاد الأوروبي، وإسرائيل، وبعض القوى الإقليمية، تفرض عليها الحفاظ على هامش مناورة واسع، ما يفسر تجنبها الانخراط العسكري المباشر في الصراعات التي تخوضها إيران، حتى وإن كانت نتائج هذه الصراعات تؤثر في توازن القوى الإقليمي.

من الجانب الإيراني، تدفع مخرجات الحرب نحو إعادة تقييم حدود الرهان على الدعم الروسي؛ فالدعم السياسي والتقني غير المباشر أثبت أهميته في تعزيز قدرات صمود إيران، لكنه أوضح أن روسيا ليست بصدد تحويل العلاقة إلى تحالف أمني قائم على الدفاع المشترك. هذا الإدراك سيقود طهران لتبني مقاربة أكثر واقعية، ترتكز على تعظيم العوائد من مجالات التعاون المتاحة كالطاقة والتسليح المحدود دون بناء تقديرات استراتيجية مبالغ فيها بشأن مستوى الالتزام الروسي تجاه الأمن الإيراني.

سابعاً: محددات الدعم الصيني لإيران والقيود البنيوية

إذا كانت الحرب كشفت السقوف الأمنية للشراكة مع روسيا، فقد حددت أبعاد الرهان الإيراني على الصين كقوة اقتصادية قادرة على موازنة الضغوط والعقوبات الغربية، فالصين، أثبتت خلال الأزمة أن أولوياتها الاستراتيجية تفترق جوهرياً عن الأولويات الإيرانية؛ إذ تقع مسألة الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة في مضيق هرمز واستقرار أسعار الطاقة في قمة أهداف السياسة الصينية، وهي أهداف تدفع نحو التهدئة واحتواء الصراعات لا تصعيدها.

تتعامل الصين مع إيران كجزء حيوي من مشاريع الربط الدولي (مبادرة الحزام والطريق)، وكمتغير مفيد في إدارة تنافسها الاستراتيجي مع أمريكا على المستوى العالمي، إلا أن هذه الأهمية لا تصل لمستوى تحمل تكاليف سياسية أو عسكرية أو اقتصادية باهظة للدفاع عن إيران، لذا، اقتصرت الصين خلال الحرب على تقديم الدعم السياسي الدبلوماسي المطالب بالتهدئة، مع تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى صدام مباشر مع واشنطن أو تضر بعلاقاتها الاقتصادية المتشعبة مع دول الخليج العربية والغرب.

تؤدي هذه المعطيات بالقيادة الإيرانية إلى استنتاج أن الصين لا تمثل بديلاً استراتيجياً كاملاً عن الانفتاح على القوى الدولية؛ فهي قادرة على توفير أسواق وتعاون اقتصادي، لكن ليس للعب دور "الضامن الأمني" أو الدخول في تحالفات عسكرية صلبة خارج نطاق مجالها الجغرافي المباشر في شرق آسيا. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات المشتركة سيتجه نحو التوسع الاقتصادي والتنسيق السياسي الحذر، محكوماً بقيود تجعل من الصين شريكاً تجارياً ضرورياً في مرحلة ما بعد الحرب، لا حليفاً قادراً على تعويض إيران عن الحاجة لإيجاد تسويات أوسع مع القوى الإقليمية والدولية.

ثامناً: أمن منطقة الخليج وإعادة صياغة التوازن الإقليمي

لا ينحصر الأثر الاستراتيجي للحرب على العلاقات الإيرانية-الخليجية في تعديل موازين القوة التقليدية، بقدر ما يمتد لإعادة تعريف مفهوم "الأمن الإقليمي المشترك"، فقد أثبتت الحرب أن البيئة الأمنية لمنطقة الخليج لا يمكن إدارتها عبر سياسات الردع المنفردة أو الاعتماد الحصري على المظلات الأمنية الخارجية؛ إذ أوضحت الأحداث أن أي تصعيد عسكري واسع بين إيران وخصومها الدوليين يحول المنطقة إلى مسرح مباشر للتداعيات.

ربطت إيران أمنها الداخلي بمحيطها الجغرافي، مستخدمةً ورقة الملاحة عبر مضيق هرمز واستهداف المواقع العسكرية التابعة لأمريكا كأوراق لرفع كلفة الحرب ودفع القوى الإقليمية نحو ممارسة ضغوط للتهدئة. وفي المقابل، أثر عدم الحسم العسكري في حسابات الأمن الخليجي؛ إذ تبين أن الخيارات العسكرية الرامية لاستنزاف إيران يزيد المخاطر التي تهدد قطاعات الطاقة والتنمية في الدول الخليجية، مما يثبت صعوبة تجاوز الجغرافيا السياسية والديموغرافية لإيران عند صياغة أي ترتيبات أمنية.

ودفع هذا الانكشاف القوى الخليجية نحو التفكير الجدي في تطوير نظريات أمنية وقائية جديدة تقوم على فكرة "مركّب الأمن الوقائي المحلي"، لتحييد المنطقة عن الصراعات بين القوى الكبرى وإيران، ويتجه المنظور الخليجي لبناء آليات ردع واحتواء محلية تمنع استخدام أراضيها أو أجوائها في الصراع، وتمنع في الوقت ذاته أي هجمات من شأنها تقويض المكتسبات الاقتصادية.

لذلك، فإن المسار الأكثر ترجيحاً للمرحلة المقبلة لا يتمثل في تحالفات جديدة بين إيران ودول الخليج، ولا في العودة إلى أنماط الصراع الصفرية السابقة، بقدر ما يذهب لتبلور "إدراك متبادل" بأن كلفة انهيار التوازن الإقليمي الحالي في ظل التلكؤ الأمريكي تفوق كلفة التعايش وإدارة التنافس عبر آليات احتواء الأزمات والدبلوماسية الوقائية، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في ديناميكيات النظام الإقليمي الفرعي لمنطقة الخليج العربي.

تاسعاً: مستقبليات النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن

يتعلق التحدي الرئيس الذي يواجه النفوذ الإقليمي الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب بقابلية استدامة الحفاظ على "النموذج العملياتي" لإدارة هذا النفوذ، وليس بفقدانه بالكامل، فقد قامت الاستراتيجية الإيرانية تاريخياً على نموذج التوسع الأفقي وبناء شبكات من الفاعلين المحليين المسلحين القادرين على حماية مصالحها وموازنة الخصوم خارج حدودها السيادية، غير أن الحرب أثبتت أن امتلاك هذا العمق لم يعد كافياً لمنع الاستهداف المباشر للعمق الإيراني، ما يفرض المراجعة بين الكلفة الاقتصادية والعسكرية في هذه الساحات والعوائد الأمنية المتحققة منها.

وتواجه شبكات النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن تحديات واختبارات متباينة:

  1. الساحة اللبنانية: يمثل الملف الأكثر حرجاً وأولوية للأمن القومي الإيراني؛ نظراً لانخراط حزب الله المباشر في حرب مواجهة واستنزاف لم تتوقف رغم مساعي التهدئة ما يعرض بنيته العسكرية لضغوط بنيوية مستمرة.
  2. الساحة العراقية: يمثل العراق الشريان الاقتصادي والحيوي لإيران والنافذة الأساسية للالتفاف على العقوبات الدولية، برغم الضغوط السياسية والمالية المسلطة على الفصائل المتحالفة معها ومساعي الدولة العراقية لتعزيز سيادتها الوطنية وحظر استغلال أراضيها كمنصات للاشتباك العابر للحدود.
  3. الساحة اليمنية: حافظت جبهة اليمن على حياد نسبي ومؤقت خلال الحرب، ما يبقيها ورقة استراتيجية جاهزة لإعادة التفعيل عند الحاجة، لاسيما في ملف تهديد الملاحة في باب المندب.

وتشير المعطيات إلى أن إيران تتجه نحو الانتقال من "التوسع الأفقي" للنفوذ إلى "الترشيد والتنظيم العمودي" عبر تبني سياسات الحياد أو التنازلات المؤقتة والمرحلية لعبور هذه المرحلة، حيث على الأرجح ان صانع القرار الإيراني سيكرس جهوده لحماية ومأسسة مراكز النفوذ الأكثر حيوية وارتباطاً بأمنه القومي (لبنان والعراق أولاً ثم اليمن)، والتكيف مع البيئة الإقليمية المعقدة ومشاريع الترتيبات الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط، حيث بات الحفاظ على النفوذ القائم أكثر كلفة وتعقيداً وأقل إنتاجاً للمزايا الاستراتيجية مقارنة بالمراحل السابقة.

عاشراً: خيارات التحالفات والسيناريوهات المستقبلية

تؤكد المعطيات المستخلصة من الحرب دخول إيران مرحلة تاريخية جديدة تختلف عن الأطوار السياسية التي أعقبت عام 1979م؛ إذ أطلقت الحرب عملية مراجعة شاملة لدى صانع القرار تتجاوز البعد العسكري لتطال فلسفة الأمن القومي وموقع الدولة في النظامين الدولي والإقليمي، لقد رسخت الحرب حقيقة أن النفوذ الخارجي والقدرات العسكرية التقليدية لا يلغيان الحاجة للمظلات الدبلوماسية والاندماج الاقتصادي، وأن الاعتماد على الشركاء الدوليين يظل محكوماً بسقوف المصالح الضيقة لا بالالتزامات الاستراتيجية المطلقة.

لذلك، يتجه السلوك الايراني الدولي للانتقال من "استراتيجية التوسع" إلى "استراتيجية إدارة التوازنات"، وتُمنح الأولوية لحفظ الدولة، وتعزيز قدرتها على الصمود الداخلي، وإعادة بناء عناصر القوة الوطنية، مقارنة بالسعي للتمدد الخارجي. ويتمثل التحدي المركزي في صياغة توازن حرج بين المتطلبات الأمنية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي. وبناءً على ذلك، يمكن تحديد ملامح السلوك الخارجي الإيراني عبر السيناريوهات التالية:

  1. استراتيجية التحوط الهجين (السيناريو المرجح): عدم الارتماء الكامل في أحضان المعسكر الشرقي (روسيا والصين) لقصوره عن تقديم ضمانات أمنية مطلقة، وفي الوقت ذاته عدم القدرة على الوصول لتسوية تاريخية شاملة مع المعسكر الغربي وبناءً عليه، تسعى إيران لتنويع الشراكات الدولية وتوزيع الاعتمادية بين القوى الكبرى المختلفة.
  2. البراغماتية الإقليمية المقيدة: التحول على المستوى الإقليمي نحو مقاربة "إدارة التوازن" بدلاً من "إدارة النفوذ المنفرد"، حيث تدفع الكلفة العالية للصراعات نحو بناء ترتيبات أمنية مرنة مع القوى الإقليمية (دول الخليج العربي وتركيا) لاحتواء الأزمات ومنع تحولها إلى صدامات شاملة، دون التخلي الكامل عن الأوراق التقليدية.

الخلاصة:

السيناريو الأكثر قابلية للتحقق لا يشير إلى انتصار مشروع إيراني توسعي، ولا إلى انكفاء وانعزال تام، بل بروز نموذج يتسم بـ "الواقعية الدفاعية الحذرة والبراغماتية السياسية"، يسعى لإعادة بناء عناصر القوة، وتخفيف حدة العقوبات والضغوط الخارجية، وإدارة الصراع مع الخصوم عبر توليفة من الردع التكنولوجي والتفاوض الدبلوماسي، في ظل نظام دولي يتسارع نحو التعددية القطبية وإعادة توزيع مراكز النفوذ العالمية، وتحول السؤال المركزي في إيران الآن من: "كيف نوسع النفوذ الخارجي؟" إلى: "كيف المحافظة على كيان الدولة ومكانتها في بيئة دولية وإقليمية أضحت أقل قابلية للتنبؤ وأكثر اضطراباً؟".

مقالات لنفس الكاتب