منذ الحرب الأمريكية / الإسرائيلية ـ الإيرانية، خرجت منطقة الخليج تمامًا عن هيمنتها الأحادية التي دامت طويلًا، ودخلت مرحلة حاسمة لإعادة بناء النظام في خضم قرن من التغيرات. وقد أدى هذا الصدام المستمر إلى تقويض احتكار الولايات المتحدة للأمن الإقليمي، والتفوق العسكري المطلق لإسرائيل في المنطقة، والتوسع الجيوسياسي لإيران، مما أدى إلى تفكك شامل لنظام توازن القوى القائم. لم يعد الخليج ما بعد الحرب "دولة تابعة" لتنافس القوى العظمى، بل أصبح مشهدًا معقدًا يتسم بالوعي الإقليمي، والصراعات المتعددة الأطراف على السلطة، والانتقال بين النظامين القديم والجديد.
تتمتع المنطقة بفرصة تاريخية للتحرّر من التدخلات المهيمنة وبناء نظام مستقل ومتوازن، وفي الوقت نفسه تواجه مخاطر متعددة، تشمل إعادة التوازن، والانقسامات، وتفكك الأمن، وعودة الصراعات الجيوسياسية. في ظل هذه الخلفية، هل يُمكن إرساء نظام إقليمي مستقر دون احتكارات مهيمنة، أو مواجهة ثنائية القطب، أو تدخلات تعسفية من قوى خارجية؟ هل يُمكن بناء نظام أمني إقليمي جديد شامل، ومنسق، وجامع، ومُفيد للجميع؟ في هذا المشهد الخليجي الجديد، هل ستواصل الصين دورها الاقتصادي والتجاري المحايد التقليدي، أم ستُشارك بفعالية في بناء أنظمة الأمن والسياسة والحوكمة الإقليمية، لتُصبح قوة محورية في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي؟
أولًا: بنية منطقة الخليج بعد الحرب: انهيار النظام القديم وتشكيل مشهد جديد
لفترة طويلة، هيمنت الولايات المتحدة على نظام منطقة الخليج، مُرسّخةً نمطًا راسخًا من "هيمنة أمريكية إسرائيلية، وتوازن القوى العظمى، وتبعية الدول الصغيرة": سيطرت الولايات المتحدة على الخطاب الأمني الإقليمي من خلال وجودها العسكري، وتحالفاتها الأمنية، واحتكارها للأسلحة؛ وتقدمت إسرائيل على القوى الإقليمية المحيطة بتفوق عسكري مطلق؛ وتغلغلت إيران في دول الخليج بالطائفية؛ واعتمدت السعودية والإمارات ودول مجلس التعاون الأخرى على الضمانات الأمنية الغربية للحفاظ على مصالحها. خدم النظام الإقليمي مصالح القوى الخارجية الاستراتيجية بشكل كامل، مفتقرًا إلى التوازن الذاتي.
منذ بداية الحرب التي دامت أكثر من مئة يوم، أُعيد تشكيل بنية القوى الأصلية بالكامل، وبات المشهد الإقليمي يتميز بأربع سمات جديدة تمامًا.
الأول، حتمية تراجع الهيمنة الأمريكية الإقليمية. أضعفت الحرب بشكل كبير الاستثمارات العسكرية الأمريكية وقوتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وأفقدتها قدرتها على "السيطرة الشاملة والهيمنة الأحادية". كما واجهت سياستها المتمثلة في الدعم غير المشروط لإسرائيل وممارسة أقصى الضغوط على إيران مقاومة واسعة من دول المنطقة. وأدركت دول الخليج استقلاليتها الاستراتيجية، ولم تعد تعتمد كلياً على النظام الأمني الأمريكي، وبدأت في تبني نهج دبلوماسي متنوع.
الثاني، أُعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، وبرزت بوادر نظام متعدد الأقطاب. عززت إيران نفوذها الجيوسياسي من خلال المناورات الاستراتيجية، وازداد نفوذها الطائفي وقدرتها التفاوضية في التنافس الإقليمي. وبينما تحتفظ إسرائيل بتفوقها العسكري، فقد تم كبح توسعها الاستراتيجي بقوة، وتراجعت قدرتها الرادعة الإقليمية بشكل ملحوظ. وتسرّع السعودية والإمارات ودول المجلس الأخرى وتحولها إلى "صانعة نظام"، حيث تُنسق بنشاط الحوار الإقليمي، وتُسوي الخلافات الطائفية، وتكامل الموارد الإقليمية، لتُصبح بذلك الركيزة الأساسية لتحقيق التوازن في الوضع الإقليمي.
الثالث، أصبح نمط التدخل الخارجي أكثر تنوعًا ولا مركزية. فإلى جانب الولايات المتحدة، بدأت دول عديدة بالمشاركة الفعّالة في الخليج، لكن النموذج لم يعد قائمًا على هيمنة واحتكار جهة واحدة. بل تشكّل نظام توازن متعدد الأطراف، مما أدى إلى تفكيك المواجهة الثنائية التقليدية واحتكار السلطة، وبالتالي خلق مساحة استراتيجية لبناء نظام إقليمي مستقل.
الرابع، تجاوزت الرغبة في التعاون الإقليمي الصراعات بين الأطراف. فبعد الحرب، تخلّت الدول عمومًا عن عقلية "اختيار أحد الجانبين". وبدلًا من التركيز على المواجهة العسكرية والمناورات الطائفية، ركّزت أكثر على الانتعاش الاقتصادي، واستقرار الطاقة، والإدارة المشتركة للأمن، والتنمية.
ثانيًا. الأمن الأساسي والمخاطر السياسية وأزمة التوازن بعد الحرب
في حين تخفيف القيود يتيح فرصًا للتنمية، إلا أن مشاكل مثل إعادة توازن القوى، والاختلالات النظامية، والصراعات المستمرة، أغرقت منطقة الخليج في مأزق من أخطار متعددة ومتداخلة، لتصبح العقبة الرئيسية أمام بناء نظام جديد، يتركز أساسًا في أربعة أبعاد.
(1) خطر التشرذم في التفاعلات الإقليمية الناجم عن إعادة توازن القوى. بعد انهيار النظام الهيمني القديم، لم يتبلور نظام متوازن جديد بعد. وقد أدت إعادة توازن القوى المؤقتة إلى اضطراب في التفاعلات الإقليمية. فمن جهة، تسعى قوى إقليمية رئيسية مثل السعودية وإيران وتركيا إلى معالجة نقاط ضعفها الجيوسياسية وتوسيع نفوذها الإقليمي. وقد يؤدي تداخل المصالح وتضارب الأهداف الاستراتيجية بين هذه الأطراف إلى إشعال جولة جديدة من التنافس الجيوسياسي.
(2) مخاطر التدخل الخارجي المُقنّن والخفي. على الرغم من تراجع الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة، فإن منطقة الخليج، لا تزال تحتفظ بقيمة استراتيجية، لن تختفي لعبة القوى العظمى، بل ستتغير صورتها فقط. فبعد الحرب، من المرجح أن تتحول أمريكا من "الوجود العسكري المباشر" إلى "الموازنة "، محافظةً على نفوذها وعرقلة بناء نظام إقليمي مستقل، وخلق انقسامات إقليمية، وتصدير المعدات العسكرية، والتحكم في قواعد الطاقة. في الوقت نفسه، يمكن لتدخل قوى خارجية أخرى أن يُحدث بسهولة تأثيرًا تراكميًا في اللعبة، مما يؤدي إلى التلاعب بالشؤون الإقليمية من قِبل قوى خارجية، ويجعل تحقيق الاستقلال الحقيقي أمرًا صعبًا. لم تُستأصل المخاطر الكامنة للتدخل الهيمني والاستقطاب بشكل كامل.
(3) تُعيق التناقضات الهيكلية الداخلية المتجذرة التكامل السياسي بشدة. تختلف المطالب الاستراتيجية للدول اختلافًا كبيرًا: فدول مجلس التعاون الخليجي تُعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية والاستقرار الأمني؛ بينما تُعطي إيران الأولوية للمصالح الجيوسياسية وقوة الخطاب الطائفي؛ وتُعطي إسرائيل الأولوية لأمن البقاء والمزايا الإقليمية. يصعب بناء توافق في المصالح، مما يُشكل عقبة كبيرة أمام إرساء النظام.
(4) يُبرز تفشي المخاطر الأمنية غير التقليدية بشكل مُركّز مواطن الضعف في النظام الأمني. فبينما تراجعت مخاطر الصراع العسكري التقليدي إلى حدٍ ما، تصاعدت التهديدات الأمنية غير التقليدية على نطاق واسع. وقد تستمر قضايا التنمية الاقتصادية الإقليمية وسبل العيش في مرحلة ما بعد الحرب، ومشاكل اللاجئين، وأزمات الديون، والتضخم في الانتشار؛ وقد يعود التطرف والإرهاب إلى الظهور؛ وتتشابك مخاطر معقدة مثل أمن نقل الطاقة، والأمن السيبراني، والأمن الغذائي، والجريمة العابرة للحدود. علاوة على ذلك، يتسم النظام الأمني الحالي في الخليج بتجزئة شديدة، حيث تتصرف كل دولة بشكل مستقل، مما يجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات الأمنية النظامية والعالمية.
ثالثاً: جدوى نظام التوازن الذاتي في الخليج: تحقيق نمط جديد مستقر من نزع الهيمنة وعدم التدخل؟
فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية، تمتلك منطقة الخليج الظروف والإمكانات اللازمة لبناء نظام إقليمي جديد يتسم بالتوازن الذاتي والاستقرار الشامل، وينأى عن احتكار الهيمنة، والمواجهة الثنائية، والتدخل الخارجي التعسفي. إلا أن هذا النظام لا يمكن تشكيله في المدى القريب؛ بل يتطلب بناء آليات طويلة الأمد، وتكوين توافق في الآراء، وتكامل القوى، ويمتلك أساسًا واقعيًا ومنطقيًا كافيًا لتحقيقه.
الأول، أصبح الاستقلال الإقليمي اتجاهًا سائدًا لا رجعة فيه. فبعد سنوات من التنافس والاضطرابات بين القوى العظمى، أدركت دول الخليج أن الاعتماد على القوى الخارجية والانحياز لأحد الأطراف لن يؤدي إلا إلى صراعات داخلية مستمرة. ولا سبيل لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين إلا من خلال الاستقلال الإقليمي، والحكم المشترك، والتعاون المتكافئ والمتبادل المنفعة. وفي الوقت الراهن، تعمل دول مجلس التعاون الخليجي بنشاط على تعزيز الحوار الإقليمي، وتستمر آلية المصالحة السعودية الإيرانية في العمل، ويتعمق التعاون الإقليمي متعدد الأطراف، مما يوفر قاعدة من الرأي العام والإرادة السياسية لبناء نظام إقليمي مستقل.
الثاني، فقدت الهيمنة الأحادية القطبية والمواجهة الثنائية القطبية موطئ قدمهما تمامًا. تراجع النفوذ المطلق لأمريكا، ولم يعد بإمكانها احتكار النظام الخليجي بمفردها. في الوقت نفسه، ترفض دول المنطقة الانزلاق إلى مواجهة ثنائية قطبية جديدة، وتسعى إلى انتهاج دبلوماسية تعددية متوازنة، متخليةً عن التفكير القائم على التكتلات، وأصبح الهيكل الإقليمي متعدد الأقطاب القائم على التعايش والتوازن المتكافئ اتجاهًا حتميًا.
الثالث، يطغى التوافق الإقليمي على الخلافات، مما يوفر أساسًا للتكامل. على الرغم من وجود اختلافات طائفية ومصالحية بين الدول، إلا أنها تتشارك درجة عالية من المصالح المشتركة في مجالات جوهرية مثل أمن الطاقة، والتنمية الاقتصادية، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على الاستقرار، وأمن الممرات، والحوكمة الإقليمية. هذا هو الرابط الأساسي الذي يتجاوز الخلافات، ويبني التآزر، ويؤسس نظامًا موحدًا.
من منظور المعوقات، لا يزال بناء نظام مستقل يواجه أوجه قصور قصيرة الأجل: الأول، تفتقر المنطقة إلى قوة تنسيق مركزية؛ إن توازن القوى وتنوع مطالب الدول يجعل من الصعب تشكيل قوة قيادية موحدة للنظام. الثاني، لن تنسحب القوى الخارجية الكبرى طواعيةً من الساحة. ثالثاً، التناقضات التاريخية معقدة، وإعادة بناء الثقة، ووضع الآليات، وتوحيد القواعد سيتطلبان فترة طويلة.
باختصار، فإن الشكل النهائي للنظام الخليجي المستقبلي لا تهيمن عليه قوة مهيمنة واحدة، ولا هو صراع ثنائي القطب وتوازن قوى، بل هو نظام حكم تشاركي يتميز بـ “الاستقلال الإقليمي كركيزة أساسية، والمشاركة الخارجية كمكمل، والقواعد متعددة الأطراف كقيود، وتوازن المصالح بين مختلف الأطراف". ستضطلع دول المنطقة بدور قيادي في الشؤون، ولا يمكن للقوى الخارجية المشاركة في التعاون إلا بشرط احترام السيادة والالتزام بالقواعد الإقليمية، والتحرر التام من احتكارات الهيمنة والتدخل التعسفي، وتحقيق توازن واستقرار إقليميين حقيقيين.
وبناءً على ذلك، فإن بناء نظام أمني إقليمي شامل ومتناغم ومنسق أمر ممكن للغاية. سيُحدث النظام الأمني الجديد تحولاً جذرياً عن نموذج المواجهة العسكرية التقليدي، متخذاً "الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام" جوهراً له. وسينسق بين الأمن التقليدي وغير التقليدي، ويُنشئ آليات متعددة الأطراف للوساطة في النزاعات، والوقاية والسيطرة المشتركة، والحوار الأمني، وإدارة الأزمات، مُحققاً بذلك تحولاً من نموذج أمني قائم على "المواجهة والتوازن" إلى نموذج قائم على "الحوكمة المشتركة والربح المتبادل".
رابعاً: الدور الاستراتيجي للصين: تجاوز الحياد والمشاركة الفعّالة في بناء النظام الأمني لدول الخليج
بالنظر إلى الصراع الأمريكي / الإسرائيلي ـ الإيراني، حافظت الصين باستمرار على موقف محايد، ملتزمة بمبادئ عدم الانحياز، وعدم المواجهة، وعدم التدخل في النزاعات العسكرية. وكانت وسائل مشاركتها الرئيسية هي التعاون الاقتصادي والتجاري، وتقديم المساعدات المعيشية، والوساطة الدبلوماسية - وهو خيار منطقي في ظل ظروف الحرب الاستثنائية.
خلال هذه الفرصة التاريخية لإعادة إعمار منطقة الخليج بعد الحرب، لن تقتصر الصين على دور تجاري محايد تقليدي. بل ستنطلق، انطلاقاً من مسؤوليتها كدولة كبيرة، ومن عمق التعاون بينها وبين الدول العربية، ومن الثقة الاستراتيجية المتبادلة العالية بين الجانبين، لتتجاوز بذلك البُعد الأحادي للتعاون الاقتصادي، وتشارك بفعالية في مجمل عملية المصالحة السياسية في الخليج، والإدارة الأمنية المشتركة، وبناء النظام، والحوكمة الإقليمية. وستصبح الصين مُرسِّخةً للنظام المتوازن الجديد في الخليج، وبانيةً للنظام الأمني، ووسيطاً للسلام الإقليمي، وقائدةً في التعاون متبادل المنفعة. إن دور الصين ليس تدخلاً من أجل الهيمنة أو استرضاءً قائماً على التكتلات، بل هو دور محايد، ونزيه، ومُفيد للطرفين، ومحترم للسيادة، وملتزم بالقواعد، ومشارك بنّاء، ويتجلى ذلك تحديداً في4 مجالات أساسية.
(1) المستوى السياسي: التمسك بموقف عادل والمساهمة في المصالحة الإقليمية وتوحيد النظام
لطالما التزمت الصين بمبادئها الأساسية المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام سيادة جميع الدول وسلامتها الإقليمية، واحترام خيارات دول المنطقة المستقلة. وقد جعل هذا الموقف من الصين طرفًا ثالثًا محايدًا موثوقًا به بين جميع الأطراف في منطقة الخليج.
بعد الحرب، ستواصل الصين الاستفادة من مزاياها الدبلوماسية، والبناء على التجربة الناجحة للمصالحة السعودية / الإيرانية، وتعزيز الحوار السياسي المنتظم بين دول المنطقة، وإنشاء منصات متعددة الأطراف لحل النزاعات، ومساعدة الدول على حل الخلافات التاريخية وإعادة بناء الثقة السياسية المتبادلة. وفي الوقت نفسه، ستعمل على تعزيز سيادة القانون وتوحيد النظام الإقليمي الخليجي، والدعوة إلى نبذ التفكير الهيمني والتكتلي والمواجه، والعمل على إرساء نظام متعدد الأطراف قائم على القواعد، ومستند إلى القانون الدولي والتوافق الإقليمي. وهذا من شأنه أن يمنع القوى الخارجية من التدخل التعسفي في الشؤون الإقليمية واحتكارها، ويوفر ضمانات مؤسسية لبناء نظام مستقل.
(2) المستوى الأمني: تجاوز القيود التقليدية وبناء نظام تعاون أمني متعدد الأوجه وتشاركي
كان يُعتقد سابقًا أن الصين تُعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية على حساب الأمن في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، متجاهلةً التعاون العسكري والأمني. سيتم تكييف هذا النموذج بشكل كامل مع الواقع الجديد وتطويره.
ولمعالجة نقاط الضعف في منطقة الخليج - ارتفاع معدل التهديدات الأمنية غير التقليدية، ونقص آليات الأمن، والتدخلات الأمنية الخارجية المتفشية - ستشارك الصين بفعالية في بناء النظام الأمني الإقليمي، مع التركيز على التعاون الأمني البنّاء والدفاعي والمربح للجميع. أولًا، ستُجري تعاونًا عمليًا في مجالات الأمن غير التقليدية مثل مكافحة الإرهاب، والحفاظ على الاستقرار، والأمن البحري، ومراقبة الحدود، والأمن السيبراني، لمساعدة دول الخليج على تحسين قدراتها الأمنية والوقائية المستقلة. ثانيًا، ستُنشئ آلية حوار أمني للشرق الأوسط والخليج وآلية لإدارة الأزمات لتعزيز تبادل المعلومات الأمنية الإقليمية والوقاية والسيطرة المشتركة، وسدّ الثغرات في آليات الأمن الإقليمية. ثالثًا، ستلتزم الصين بمبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة، وستجري تبادلات مناسبة في مجال التكنولوجيا الأمنية، والتعاون الدفاعي، والتعاون في حفظ السلام، متجنبةً التحالفات العسكرية، ونشر القوات لأغراض الهيمنة، وخلق المواجهة، متميزةً بذلك عن التدخل الأمني الغربي المهيمن. رابعًا، ستنفذ الصين مقترحها ذي النقاط الأربع لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، والذي يرتكز على تنسيق التنمية والأمن، وتعزيز الأمن من خلال التنمية، والحفاظ على الاستقرار من خلال الأمن، وبالتالي حل معضلة الأمن الإقليمي.
(3) المستويات الاقتصادية والحوكمة: تعزيز أسس النظام وبناء بيئة إقليمية رابحة للجميع. يُعد الترابط الاقتصادي الركيزة الأساسية للاستقرار الإقليمي والنظام الدائم، كما أنه يمثل مجال قوة تقليدي للتعاون بين الصين ودول الخليج. تحتاج دول الخليج ما بعد الحرب بشكل عاجل إلى الانتعاش الاقتصادي، والتحديث الصناعي، والتحول في قطاع الطاقة. ستواصل الصين تعميق التعاون العملي الشامل لتوفير الدعم الاقتصادي لنظام إقليمي جديد.
من جهة، ستعزز الصين التعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة، وتوطد الأسس التجارية للطاقة، وتشجع على تنويع مصادر الطاقة، والتعاون في مجال تكنولوجيا الطاقة، والتطوير المشترك لمصادر الطاقة الجديدة، مما يساعد دول الخليج على التحرر من احتكار الغرب للطاقة والحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي وأمن الطاقة الإقليمي. ومن جهة أخرى، ستوسع الصين تعاونها في مجالات البنية التحتية والاقتصاد الرقمي والتمويل ومشاريع سبل العيش وسلاسل التوريد، معتمدةً على منصات التعاون متعددة الأطراف لمساعدة دول الخليج على تحقيق تحول اقتصادي متنوع وتجاوز مأزق الاعتماد على مورد واحد. وفي الوقت نفسه، ومن خلال التعاون الاقتصادي والتجاري المربح للطرفين، ستعزز الصين الترابط الإقليمي، وتخفف من الآثار الانقسامية للمواجهة الجيوسياسية والخلافات الطائفية، وتعزز الثقة السياسية المتبادلة والحوكمة الأمنية المشتركة من خلال التكامل الاقتصادي، جاعلةً السلام والاستقرار والمنفعة المتبادلة قيماً إقليمية مشتركة.
(4) المستوى الاستراتيجي: موازنة التنافس بين القوى العظمى وحماية فضاء التنمية الإقليمي المستقل
في مواجهة محاولات بعض القوى الخارجية لمواصلة التدخل في شؤون الخليج، وخلق انقسامات إقليمية، وعرقلة بناء نظام مستقل، ستلعب الصين دوراً موازناً. ستدعم الصين باستمرار التعددية، وتعارض الهيمنة والأحادية والمواجهة التكتلية، وتحترم الاستقلال الاستراتيجي لدول الخليج، وتدعم الدور المحوري لمجلس التعاون الخليجي في الحوكمة الإقليمية.
لا يهدف تدخل الصين إلى استبدال القوى القائمة أو إرساء احتكار جديد، بل إلى كسر احتكار قوة عظمى واحدة من خلال تعاون استراتيجي متنوع، وموازنة التدخل الخارجي المفرط، وتوفير مساحة استراتيجية لدول الخليج لاستكشاف مساراتها الخاصة لبناء النظام، وضمان تطور البنية الإقليمية نحو المساواة والتوازن والاستقلال والاستقرار.
خامساً: الحل الأمثل لإعادة بناء النظام الإقليمي: حوكمة متعددة الأبعاد وتوازن داخلي وخارجي واستقرار طويل الأمد
بدمج المخاطر والتحديات وفرص التنمية في منطقة الخليج، وتكييف مسار مشاركة الصين، يمكن تلخيص الحل الأمثل لبناء نظام مستقر ومتوازن في منطقة الخليج ما بعد الحرب في حل نظامي ذي خمسة محاور: "تكامل داخلي مستقل، وضوابط وتوازنات خارجية متعددة الأوجه، وإعادة بناء النظام الأمني، وتنسيق التنمية والأمن، وحوكمة رشيدة من قبل القوى الكبرى".
الأول، بناء توافق داخلي وتعزيز التكامل الإقليمي. باستخدام مجلس التعاون الخليجي كمنصة أساسية، سنعمل على دمج نقاط قوة جميع الأطراف في المنطقة، وإنشاء آلية متعددة الأطراف منتظمة للحوار الإقليمي، والوساطة في النزاعات، والحوكمة الأمنية المشتركة، والتعاون الاقتصادي، وحل الخلافات الطائفية والعرقية والقائمة على المصالح، وبناء توافق في الآراء حول التنمية المستقلة، وتحقيق توازن القوى داخل المنطقة، ومنع الانقسامات الداخلية والمواجهات بين الكتل.
الثاني، سنعيد تشكيل النظام الأمني لتحقيق حوكمة أمنية شاملة مشتركة. سنتخلى عن نموذج المواجهة القائم على التحالفات العسكرية الغربية، ونبني نظامًا أمنيًا شاملًا بقيادة الحكم الذاتي الإقليمي، بمشاركة دول متعددة وبمساعدة صينية. سنركز على إدارة النزاعات التقليدية والحوكمة الأمنية غير التقليدية، ونؤسس آلية طويلة الأمد للاستجابة السريعة للأزمات، والوقاية المشتركة من المخاطر والسيطرة عليها، والوساطة السلمية في النزاعات، لتحقيق أمن مستدام.
الثالث، سنلتزم بالتوازن الداخلي والخارجي، وننظم حدود مشاركة القوى الخارجية. سنوضح المبدأ الأساسي لـ "القيادة الإقليمية والمساعدة الخارجية"، ونرفض احتكار أي دولة للشؤون الإقليمية والتدخل التعسفي في الشؤون الداخلية، ونوجه القوى الخارجية الكبرى نحو التعاون الإيجابي في إطار القانون الدولي، ونشكل نظامًا متعدد الأوجه للضوابط والتوازنات، بحيث لا يتجاوز أي طرف حدوده.
الرابع، تنسيق التنمية والأمن لترسيخ أسس الاستقرار طويل الأمد. ينبغي لنا حلّ النزاعات الإقليمية العميقة من خلال الانتعاش الاقتصادي، والتحديث الصناعي، وتحسين سُبل العيش. وبالاعتماد على التعاون الاستراتيجي الشامل بين الصين والدول العربية، ينبغي تعزيز تحديث منطقة الخليج، وتضييق فجوات التنمية الإقليمية، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع من خلال التنمية المشتركة، بما يُحقق التمكين المتبادل للأمن والتنمية.
الخامس، تعميق التعاون الصيني / العربي والاستفادة من الدور البنّاء للصين. وانطلاقًا من موقعها كطرف ثالث مُحايد، ستواصل الصين دورها كوسيط سلام، وباني أمن، وشريك تنمية، وحافظ للنظام. ولن تسعى إلى الهيمنة الجيوسياسية، أو تشكيل تحالفات عسكرية، أو التدخل في الشؤون الداخلية. ومن خلال نموذج تعاون مرن وعملي ومُربح للطرفين، ستُساعد الصين دول الخليج على بناء نظام متوازن جديد خالٍ من الهيمنة والاحتكارات والمواجهة والتدخل التعسفي.
خاتمة
تُشكل حرب المئة يوم نهايةً تامةً لنظام الهيمنة القديم في الخليج، مُدشّنةً عهداً جديداً من الاستقلال الإقليمي، والتوازن متعدد الأقطاب، والحوكمة القائمة على مبدأ الربح للجميع. تمتلك منطقة الخليج الظروف التاريخية اللازمة للابتعاد عن الهيمنة، والاستقطاب، وتدخل القوى. ومن خلال التكامل الداخلي، وبناء الآليات، والحوكمة الأمنية التعاونية، فهي قادرة تماماً على بناء نظام إقليمي جديد مستقر وشامل ومنسق، ونظام أمني متكامل.
لطالما تجاوز دور الصين في الخليج مجرد المراقبة المحايدة والعلاقات التجارية. وفي ظل تحولٍ غير مسبوق وإعادة هيكلة النظام الإقليمي، ستشارك الصين مشاركةً فعّالةً في مجمل عملية المصالحة السياسية، وبناء الأمن، والتنمية الاقتصادية، وإعادة تشكيل النظام في منطقة الخليج، من خلال موقف عادل ومحايد، وفلسفة الربح للجميع، وإجراءات عملية ومتنوعة. لن تغيب الصين ولن تتقاعس، بل ستضطلع بمسؤولياتها كقوة عظمى لمساعدة المنطقة على تجاوز المعضلات الأمنية والسياسية وتحقيق التوازن في تنافس القوى العظمى؛ ولن تتجاوز حدودها أو تمارس الهيمنة، بل ستحترم الخيارات المستقلة لدول المنطقة وتلتزم بمبادئ التعددية.
وفي المستقبل، ستواصل الصين تقديم تعاونٍ راسخ، ونهجٍ شامل، وخبرةٍ راسخة في الحوكمة، لمساعدة منطقة الخليج على تحقيق تحولٍ تاريخي من "الحرب والصراع" إلى "السلام والاستقرار"، ومن "التبعية الخارجية" إلى "التوازن الذاتي"، ومن "التشرذم والانقسام" إلى "التعاون المتكامل الرابح للجميع"، لتصبح بذلك القوة البناءة الأكثر موثوقية وثباتًا للنظام الإقليمي الجديد في الخليج.






