سلطت الحرب الإيرانية كما الحرب على غزة، الضوء على الحاجة الماسة لنظام إقليمي مستقر ينجح في بناء الثقة والتعاون بين كافة الدول المؤثرة في المنطقة إضافة لمنع أو احتواء النزاعات القديمة والمستحدثة ما يؤدي إلى منطقة آمنة وسلميّة. هناك أمثلة عديدة على مناطق أخرى في العالم نجحت في ذلك، ولعل المثال الأبرز ما حققته الدول الأوروبية قبل عقود وعددها 57 دولة.
وبالرغم أن الحديث عن ضرورة مثل هذا النظام يمتد لعقود ماضية، فإن أية خطوات عملية لتحقيق ذلك لم تؤخذ بعد. فالمنطقة العربية مقسمة اليوم أكثر من أي وقت مضى. وفي حين أن المنظمة الإقليمية الأبرز في المنطقة، أي الجامعة العربية، كان يمكن لها أن تلعب دورًا بارزًا في تعزيز التعاون، فإنها تجد نفسها اليوم في أضعف أحوالها، هي التي أريد لها عربيًا أن تولد ضعيفة. ولعل انتخاب الدبلوماسي النشط والمفكر العربي الوازن د. نبيل فهمي ليكون الأمين العام الجديد للجامعة يساهم في انتشال الجامعة اليوم من الوهن الذي تعاني منه. أما المنظمات العربية الإقليمية التي ظهرت في العقود الأخيرة، كمجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي، فإنها تعاني من نفس التشرذم والضعف. وفي حين كانت بدايات مجلس التعاون الخليجي مشجعة للغاية، فإنه يعاني اليوم من الانقسام السياسي الواضح بين أهم الأعضاء فيه.
إضافة لكل ذلك، فإن كل هذه التكتلات الإقليمية لا تشمل دولا فاعلة غير عربية في المنطقة تتفاوت تأثيراتها، وأعني إسرائيل وإيران وتركيا. حتى نتمكن من قطع أشواطاً إيجابية في بناء مثل هذا النظام الإقليمي، لا بد من مواجهة حقائق تشكل عوائق جادة تعرقل مثل هذا التوجه، بل تشكل اليوم خطرًا أمنيًا كبيرًا على المنطقة، أعني بذلك إسرائيل وإيران.
لقد شكلت إسرائيل تهديدًا أمنيًا لدول المنطقة منذ قيامها، إما مباشرة أو بشكل غير مباشر. إن الاحتلال الإسرائيل للأراضي العربية المحتلة، وهو الاطول في العصر الحديث، يجعل من المستحيل الحديث عن نظام أمنى إقليمي تشترك فيه إسرائيل ضمن سياساتها التوسعية الحالية. لا تكمن المشكلة اليوم في دوام الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل في نية إسرائيل المعلنة والمتكررة الاحتفاظ الدائم بهذه الأراضي المحتلة ومنع قيام دولة فلسطينية، التي وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأنها "مكافأة للإرهاب". واقع الحال اليوم إن المنطقة تواجه نظامًا إسرائيليًا عنصريًا متطرفًا أدى لتقويض الأمن في المنطقة بشكل كبير، ولعقود سبقت الحرب على غزة والحرب الإيرانية. كما لا بد من إدراك حقيقة أن الوقوف ضد قيام دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لا يتفق عليه الائتلاف الإسرائيلي الحاكم فحسب، ولكن المجتمع الإسرائيلي برمته. الانقسام الداخلي الحالي في إسرائيل اليوم يتمحور حول المعسكر الداعم لنتنياهو من عدمه، ولا علاقة له بالعملية السلمية التي يكاد يجمع المجتمع الإسرائيلي اليوم على رفضها. يحدث كل ذلك بعد أن تقدم المجتمع الدولي بمبادرات عدة مبنية على حل الدولتين، وبعد أن تقدمت كافة الدول العربية بالمبادرة العربية للسلام التي تلتزم كافة الدول العربية فيها باتفاقيات سلام وضمانات أمنية شاملة لإسرائيل مقابل انسحاب الأخيرة من كافة الأراضي العربية المحتلة. كل هذه المبادرات اصطدمت بحقيقة باتت واضحة وهي أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بغض النظر عن كل هذه المبادرات، بل إن بعض أركان الائتلاف الإسرائيلي الحاكم بدأوا بالحديث عن استحواذ إسرائيل على أراضي عربية جديدة. إذن، يكمن التحدي اليوم في كيفية إدراج إسرائيل في نظام أمني إقليمي في ظل وجود مجتمع، وليس حكومة فقط، يعتقد أنه يستطيع تحقيق الأمن والسلام عن طريق القوة العسكرية فقط، وبغض النظر عن الحقوق الفلسطينية أو العربية. إسرائيل اليوم لا تبدو مهتمة بمثل هذا النظام إلا إذا كانت مهيمنة عليه.
تشكل إيران تحديًا إقليميًا أمنيًا ثانيًا. منذ الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م، تتصرف إيران كأيدولوجية وليست كدولة، وبغض النظر عن درجة قوة التيار الديني مقارنة بالحرس الثوري في إيران، فإن الاستراتيجية الإيرانية في "الدفاع" عن الدولة الإيرانية، حتى لا أقول تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج، تتضمن استخدام حلفائها من القوى دون الدولة في المنطقة، في غالبيتهم من الشيعة. أعني بذلك حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وجماعات الحشد الشعبي المسلحة في العراق. كل ذلك أدى لتدخل إيراني سافر في شؤون هذه الدول الإقليمية ولارتهان كل هذه الجماعات في معظم الأحيان للقرار الإيراني ما أثر بشكل كبير على السياسات الداخلية لهذه الدول. كما أن الحرب الإيرانية ساهمت إلى أبعد الحدود في تعميق الهوة بين إيران وجيرانها بعد أن استهدفت طهران أهدافًا مدنية في الإقليم عدا عن استهدافها للقواعد العسكرية في المنطقة.
أمام هذين التحديين، لم يحصل أي تقدم جدي في السابق أمام أي محاولة لبناء نظام أمني إقليمي. لكن هذان التهديدان هما بالذات ما يجعل إقامة مثل هذا النظام أكثر إلحاحًا وأهمية. لا تستطيع المنطقة التنعم بالاستقرار مع وجود حروب فيها لا تنتهي، ونزاعات باتت تؤثر على كل دولها دون استثناء. فبالرغم من الهيمنة العسكرية الإسرائيلية اليوم، لم تستطع إسرائيل أن تحول هذه الهيمنة لمكاسب استراتيجية. فسياساتها القمعية العنصرية ضد الفلسطينيين لم تنجح في تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم ولا نجحت في القضاء على حماس أو حزب الله. ولم تنجح الاتفاقات الإبراهيمية في التوصل إلى سلام إقليمي يتجاهل حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال تبنيه لمبدأ الأرض مقابل السلام. كما لم تنجح إيران في إخضاع سياسات دول المنطقة لرغباتها. إن الحرب على غزة كما الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران تشيران إلى استنتاج واضح: إن القوة العسكرية وحدها مهما عظمت لها حدود، وأنها لن تجلب السلام والاستقرار أو تحدد مستقبل المنطقة. إسرائيل تعاني اليوم من عزلة دولية متزايدة ستجد من الصعوبة الاستمرار في تجاهلها، وقد وصلت هذه العزلة حد تذمر الشريك الأمريكي نفسه منها. ينطبق ذلك على إيران نفسها، فقدرتها العسكرية ضعفت إلى حد كبير، بما في ذلك قدرتها على الاستمرار بدعم حلفائها بنفس المستويات السابقة. وتواجه اليوم أيضًا عزلة إقليمية ودولية كبيرة.
إن أية آمال بإدراج إسرائيل وإيران اليوم في بلورة نظام أمنى إقليمي لا تتعدى الأحلام. لكن لا يجوز الانتظار حتى تتغير سياسات هاتين الدولتين للبدء بتطوير مثل هذا النظام الإقليمي. نشهد اليوم بداية تحالف "مرن" بين دول لها نظرة متشابهة حول مستقبل المنطقة والعلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. تقود هذا التحالف عربيًا المملكة العربية السعودية ويشمل مصر وقطر والأردن عربيًا إضافة لتركيا والباكستان. لا زال من المبكر الحكم فيما إذا كان لمثل هذا التحالف أن يصمد ويتمدد لمناقشة كافة القضايا السياسية والأمنية التي تشغل بال الدول المنخرطة به، ولكنه يمثل بداية الإدراك أن ما من دولة في المنطقة تستطيع أن تواجه كافة التحديات الراهنة وحدها. ومن جهة أخرى، فإن الحرب الإيرانية أثبتت بشكل واضح أن الاعتماد على دولة واحدة لتوفير الحماية الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية ليست سياسة حصيفة. فالقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم تحم الدول التي تتواجد بها من الضربات الإيرانية، كما أن الاتفاقات الإبراهيمية لم تنجح لا في تليين الموقف الإسرائيلي وكبح جماح التوجه التوسعي لإسرائيل ولا في حماية دول المنطقة من التهديدين الإيراني والإسرائيلي.
لا بد لنا من الاعتراف أيضًا أن هناك تحد آخر عدا التحدي الإسرائيلي والإيراني. هناك مدرستان رئيسيتان في الخليج اليوم، مدرسة تقودها المملكة العربية السعودية وقد تحدثت عنها، وهي مدرسة تأخذ موقفًا متحفظًا من إسرائيل باعتبارها تساهم في تقويض الأمن في المنطقة وبالتالي لا تخدم الاستقرار الاقتصادي الذي تنشده السعودية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية دعمًا لرؤيتها الاقتصادية، كما أنها تسعى لتنويع خياراتها السياسية وعدم الاقتصار على الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة، وبالتالي الانفتاح الذي نشهده على تركيا والباكستان والصين أيضًا. لا يعني هذا التحالف الوقوف في وجه الولايات المتحدة، إنما يعني تنويع الخيارات حتى لا يبقى الاعتماد على أمريكا فقط.
هناك مدرسة أخرى تقودها الإمارات العربية المتحدة، تريد فصل تطورات الصراع العربي/ الإسرائيلي عن العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة. ترى هذه المدرسة أن سياسات المنطقة تقف عائقا أمام المصلحة الإماراتية الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، وأن المطلوب اليوم زيادة التنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة دعما لهذه المصلحة بغض النظر عن تطورات القضية الفلسطينية. باتت الإمارات ترى لها نموذجًا منفصلًا عن باقي المنطقة، ولا تريد لارتباطها الجغرافي مع المنطقة أن يقف عائقًا أمام طموحاتها.
هاتان مدرستان مختلفتان تمامًا أدى إلى شرخ واضح في المنطقة امتدّت آثاره لتشمل المقاربة نحو اليمن والسودان وسوريا وليبيا ومستقبل القضية الفلسطينية، وهو شرخ يجب العمل جديًا لرأبه إن كانت هناك فرصة جادة لتطوير نظام إقليمي يشمل كافة دول المنطقة العربية في هذه المرحلة على الأقل. ولعل البدء برأب هذا الشرخ لديه فرصة أكبر للنجاح في المدى القريب من محاولة الوصول إلى اتفاقات مع إيران وإسرائيل، ولو أنه يحتاج إلى جهد كبير ومتواصل
ليس الهدف من سياقة كل هذه التحديات من ثني الهمم عن العمل نحو بلورة نظام إقليمي، إنما أدراك التحديات التي تقف عائقا أمام تحقيقه وذلك سعيًا وراء الخروج باستراتيجية فاعلة لتذليل العقبات الكبيرة الحالية. ويبدو أن اتباع استراتيجية متدرجة تبدأ بالدول ذات الرؤية المتشابهة لنظام أمني إقليمي تمثل أفضل الممكن، سواء كانت هذه الدول عربية ام لا، حتى إذا ما تم تحقيق نتائج ولو متواضعة جراء مثل هذه التحالفات، يمكن البناء عليها حتى تشمل كافة دول المنطقة
عدة حقائق تبدو جلية اليوم، أولها أن الحلول العسكرية لم ولن تنجح في فرض الأمن والاستقرار المستدامين في المنطقة. لقد جربت هذه الحلول على مدى المئة عام الماضية، وقد فشلت فشلاً ذريعًا في جلب السلام والأمن. قد لا تعي إسرائيل ذلك اليوم، لكن مقاربتها العسكرية الحالية نجحت في أمر واحد فقط: زيادة عزلتها إقليميًا وعالميًا بشكل يجعل من الصعوبة بمكان استدامة هذه المقاربة. على إسرائيل التخلي على سياستها الاحتلالية والتوسعية إن كانت حقا تريد أن تنعم بالسلام وتكون جزءًا من المنطقة. وعلى إيران أيضًا أن تتخلى عن سياسة تصدير الثورة أو استخدام حلفائها كعامل مساعد لأمنها القومي لأن تلك المقاربة فشلت أيضًا في جلب السلام والأمن لها. أدرك أن الحرب على غزة والحرب الإيرانية فاقمت الهوة بين هاتين الدولتين والمنطقة وجعلت إمكانية الجلوس على طاولة واحدة ومحاولة حل الأمور سلميًا أصعب بكثير في المرحلة القريبة القادمة، ولكن لا مناص في النهاية من فعل ذلك لتحقيق امن إقليمي مستدام.
ثاني هذه الدروس مفاده أن ما من دولة تستطيع اتباع سياسة إقليمية أو خارجية وحدها دون الأخذ بالاعتبار محيطها الإقليمي. لقد جربت إسرائيل ذلك دون تحقيق الأمن المستدام لها، وآمل ألا تكون ذلك المقاربة الحالية لدولة الإمارات. إن تحقيق الأمن الإقليمي لن يتأتى إلا من عمل جماعي من دول المنطقة، وليس عن طريق سياسات منفردة. فبغض النظر عن التباين في السياسات، فإن الجغرافيا تفرض نفسها كما فرضتها عالميًا في السابق.
أما الدرس الثالث فهو أن عصر الاعتماد على الخارج لتحقيق السلام الإقليمي قد انتهى. لقد أصبح واضحًا أن مصالح الولايات المتحدة الخارجية تتفوق على مصالح الإقليم، إضافة إلى وجود حدود لقوّتها العسكرية واحتكارها السابق للتدخلات في المنطقة. وبغض النظر عن التحالفات الإقليمية معها، يبدو أن تحقيق الأمن الإقليمي لن يتأتى إلا من خلال فعل جماعي إقليمي يعالج مشكلات المنطقة عن طريق الحوار لا الحرب. صحيح أن تحقيق ذلك يواجه صعوبات جادة، لكنها تبقى أسهل من المقاربات الحالية المبنية على حروب لا تنتهي ولا تحقق تقدمًا نحو سلام وأمن مستدامين.
يبقى الدرس القديم الجديد الذي لا تزال دول المنطقة مترددة في إدراكه. لا تستطيع دول المنطقة الاستمرار في إلقاء اللوم على الخارج دون تحمل مسؤولياتها أيضًا. ليس بالإمكان بناء نظام إقليمي صلب ومستقر دون بناء أنظمة داخلية صلبة ومستقرة أيضًا. لقد حان الوقت لإدراك أن الحوكمة الرشيدة ليست ترفًا فكريًا نخبويًا بل ضرورة راسخة من أجل الاستقرار، وأن بناء المؤسسات الداخلية القوية ليس عائقًا أمام الازدهار بل رديفًا له.






