array(1) { [0]=> object(stdClass)#14650 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 224

النخب الخليجية تتساءل حول الكونفدرالية وصيغة الاتحاد الأوروبي أو ناتو خليجي توخيًا للمخاطر

الأربعاء، 29 تموز/يوليو 2026

نادرًا ما تخرج منطقة من حرب كبيرة كما دخلتها. فالحروب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين خصوم، بل هي لحظات كاشفة تعيد ترتيب الأولويات بين الدول، وتختبر التحالفات وتغير إدراك الدول لمصالحها ومصادر قوتها. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط ما الذي حققته الحرب الأخيرة بين إيران وخصومها، بل ما الذي تركته من آثار على مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو توازن أكثر استقراراً، أم نحو مرحلة جديدة من الصراعات بأدوات مختلفة. ذلك سؤال مفتوح سوف تجيب عليه الأحداث القادمة.

خلال العقود الأربعة الماضية تشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط على أساس مجموعة من التناقضات. فمن جهة، كانت هناك دول تسعى إلى بناء الدولة الوطنية وتعزيز التنمية والانفتاح الاقتصادي، ومنها دول الخليج التي قدمت نموذجًا تنمويًا أصبح محط رغبة من شعوب دول الجوار ومن جهة أخرى ظهرت مشاريع عابرة للحدود رأت في النفوذ الإقليمي و(تصدير الثورة) جزءاً من أمنها القومي. وبين الطرفين تشكلت شبكة معقدة من الصراعات في فترة والتفاهمات فترة أخرى والخصومات والتحالفات المتغيرة. بشدة

الحرب الأخيرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم تنهِ هذه التناقضات، لكنها كشفت حدودها. فقد أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الأهداف السياسية، وأن النفوذ الإقليمي مهما اتسع يظل عرضة للاهتزاز، إذا لم يستند إلى قاعدة اقتصادية متينة وإجماع داخلي مستقر وعلاقات طبيعية مع الجوار.، كما كشفت الأجندة الخفية من خلال الاعتداء الإيراني على دول الخليج دون مبرر نوايا إيران وطريق استخدامها للجوار المسالم لمحاولة الضغط على الولايات المتحدة.

من هنا يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة مراجعة شاملة. وتحفز لما هو قادم، فالأطراف الرئيسية في الإقليم مطالبة بإعادة تقييم استراتيجياتها السابقة، ليس بسبب الضغوط الخارجية فقط، بل لأن الواقع الجديد يفرض إجابات عن أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل. وهي أسئلة بدأت النخب الخليجية تجهر بها، حول بقاء دول الخليج، وخاصة الصغيرة خارج إطار جامع للمنظومة يهددها بأخطار، وبدأ الحديث عن مفاهيم مثل الكونفدرالية، أو صيغة الاتحاد الأوروبي أو حتى صيغة (ناتو خليجي) كلها أفكار مطروحة توخيًا للمخاطر القادمة.

إيران هي الطرف الأكثر تأثراً بهذه التحولات السريعة في الإقليم. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979م، اعتمدت طهران على مزيج من الأدوات السياسية والعسكرية والأيديولوجية لتوسيع نفوذها الإقليمي. وقد حققت نجاحات واضحة في بعض المراحل، مستفيدة من فراغات القوة التي نتجت عن الحروب والأزمات التي شهدتها دول المنطقة كما في العراق ولبنان واليمين وأيضا سوريا قبل التغيير الأخير.. إلا أن التجربة الممتدة لأكثر من أربعة عقود أظهرت أيضاً أن النفوذ الخارجي له كلفة متصاعدة على المجتمع الإيراني، ليست مالية فقط ولكن سياسية أيضا. فالحفاظ على شبكات التحالف والتأثير في البيئات المختلفة يحتاج إلى موارد مالية وسياسية وأمنية ضخمة. كما أن استمرار التوتر مع القوى الدولية والإقليمية فرض على الاقتصاد الإيراني أعباء متزايدة انعكست على الداخل الإيراني نفسه، فزاد الفقر والبطالة وتدني العملة، والتضخم، بل وزاد الفساد الإداري والمالي.

ولذلك فإن السؤال الذي يواجه صانع القرار الإيراني اليوم لا يتعلق فقط بكيفية إدارة النفوذ الإقليمي، بل بجدوى النموذج الذي حكم السياسة الإيرانية خلال العقود الماضية. فهل تستمر الأولوية للمشروع الخارجي، أم تنتقل إلى إعادة بناء الاقتصاد وتحسين مستويات المعيشة واحتواء الضغوط الاجتماعية المتزايدة؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية، فقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة داخل إيران أصوات مختلفة، بعضها من داخل المؤسسة السياسية نفسها، تدعو إلى مراجعة الأولويات والتركيز على التنمية الداخلية بدلاً من الاستنزاف الخارجي. وأصبحت هذه الأصوات حتى نتساءل عن نجاح (النموذج) في الحكم، هل هو الأصلح لإيران اليوم، أم تخطاه الزمن، علينا أيضًا أن لا نقلل من الثروة الحضارية للإيرانيين والتي ترفض بطبعها (الشمولية) بأي صيغة ظهرت، وفي المقابل، فإن دول الخليج تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. فهي لا تبحث عن توسيع نفوذها بقدر ما تبحث عن بيئة مستقرة تسمح لها باستكمال مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي التي أطلقتها خلال السنوات الأخيرة. لصالح شعوبها والاقتصاد العالمي أيضًا، وقد أصبحت هذه المشاريع تمثل رهاناً استراتيجياً يتجاوز الزمن الحالي إلى مستقبل الأجيال القادمة.

ولهذا فإن استمرار التوترات الإقليمية لم يعد مجرد مصدر قلق أمني لدول الخليج، بل أصبح تحدياً مباشراً للمسارات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة. فالمستثمر لا يفضل البيئات المضطربة، وحركة التجارة تتأثر بالأزمات، وأسواق الطاقة تتقلب مع كل مواجهة عسكرية، والممرات البحرية تتحول إلى نقاط توتر بدلاً من أن تكون شرايين للتنمية.

من هنا تتقاطع مصلحة دول الخليج مع مصلحة شعوب المنطقة، في بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً وأقل اعتماداً على الصراعات المفتوحة. لكن الوصول إلى هذا الهدف ليس سهلاً.

فأول العقبات يتمثل في انعدام الثقة المتراكم عبر عقود طويلة. فالعلاقات بين دول الخليج وإيران لم تكن مستقرة بصورة كاملة حتى قبل الثورة الإيرانية، لكنها بعد عام 1979م، دخلت مرحلة جديدة من الشكوك المتبادلة، والتنافس السياسي والأمني. ومع مرور الزمن أصبحت هذه الشكوك جزءاً من الثقافة السياسية السائدة لدى الطرفين.

ولذلك فإن أي نظام إقليمي جديد يحتاج أولاً إلى بناء الثقة قبل بناء المؤسسات، ولا يمكن بناء الثقة عبر البيانات الدبلوماسية فقط، بل من خلال إجراءات عملية قابلة للقياس. من بينها احترام سيادة الدول، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، والتوقف عن استخدام الجماعات المسلحة كأدوات للسياسة الخارجية، والالتزام بالقواعد المنظمة للملاحة الدولية وحماية المنشآت المدنية.

الملف الثاني الذي سيحدد شكل النظام الإقليمي القادم هو مستقبل الساحات العربية التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى مناطق تنافس إقليمي حاد.

العراق يمثل نموذجاً واضحاً لذلك. فهو دولة عربية مهمة ترتبط بعلاقات تاريخية مع محيطها الخليجي، وفي الوقت نفسه تتمتع بعلاقات عميقة مع إيران. وقد أثبتت التجربة أن استقرار العراق لا يتحقق عندما يتحول إلى ساحة تنافس، بل عندما يصبح جسراً للتعاون بين الأطراف المختلفة.

الأمر نفسه ينطبق على لبنان. فلبنان دفع ثمناً باهظاً بسبب تحوله إلى ساحة صراع بين مشاريع متنافسة. ومع أن القوى السياسية اللبنانية تتحمل جزءاً مهماً من المسؤولية، فإن التدخلات الخارجية ساهمت في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها. وخاصة التدخل الإيراني من جهة والإسرائيلي من جهة أخرى.

أما سوريا، فقد تحولت خلال السنوات القليلة الماضية إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط. فالحرب الأهلية والطويلة لم تؤد فقط إلى تدمير البنية التحتية والاقتصاد، بل أعادت تشكيل شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية داخل الأراضي السورية. وأي نظام إقليمي جديد لن يكون مستقراً ما لم يجد صيغة تساعد سوريا على استعادة دور الدولة ومؤسساتها وسيادتها وسوريا اليوم تمثل فرصة ومثال للتحول الإيجابي، يساعدها في ذلك وفرة الموارد المادية والبشرية، إن نظمت بشكل صحيح وصحي يمكن أن تصبح صوريًا رافعة لنظام إقليمي جديد، بعد أن كانت عقبة.

وفي اليمن تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فالحرب الأهلية أثبتت أن الحلول العسكرية وحدها غير كافية، وأن الاستقرار الدائم يتطلب معالجة سياسية وأمنية واقتصادية متوازنة تحفظ مصالح اليمنيين أولاً وتحمي أمن المنطقة ثانياً.

هذه الملفات الأربعة ليست قضايا منفصلة، بل هي جزء من اختبار حقيقي لقدرة القوى الإقليمية على الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح.

إلى جانب العامل الإقليمي، هناك عامل دولي لا يمكن تجاهله. فالولايات المتحدة لا تزال القوة الدولية الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، لكنها لم تعد تتعامل مع المنطقة بالطريقة نفسها التي تعاملت بها خلال العقود الماضية. فالأولويات الأمريكية تغيرت، والمنافسة مع الصين أصبحت تتصدر الاهتمامات الاستراتيجية في واشنطن، كما ضعفت علاقتها بمجمل حلفائها في أوروبا، كما أن الرأي العام الأمريكي أقل حماساً للانخراط العسكري المباشر في أزمات الشرق الأوسط

هذا لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، لكنه يعني أنها تتوقع من حلفائها وشركائها تحمل مسؤوليات أكبر في إدارة الأمن الإقليمي، ولم يعد ذلك سرًا، فقد اتضح في عدد من الوثائق الرسمية التي صدرت في العام الماضي ورسمت استراتيجية الولايات المتحدة الخارجية.

وفي الوقت نفسه تزداد أهمية الصين. فبكين ليست لاعباً عسكرياً رئيسياً في الشرق الأوسط حتى الآن، لكنها أصبحت شريكاً اقتصادياً مهماً لمعظم دول المنطقة. كما أنها تنظر إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره شرطاً ضرورياً لحماية مصالحها التجارية، وممرات الطاقة التي تعتمد عليها بدرجة كبيرة.

أما روسيا، فرغم انشغالها بأزماتها الخاصة، فإنها لا تزال تسعى للحفاظ على حضور سياسي وعسكري يمنحها دوراً في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية وبالتالي فإن النظام الإقليمي القادم لن يتشكل في فراغ، بل في بيئة دولية تتداخل فيها المصالح العالمية مع الحسابات المحلية.

لكن العامل الحاسم سيظل في النهاية إقليمياً أكثر منه دولياً.

فالخبرة التاريخية تشير إلى أن القوى الخارجية تستطيع التأثير في مسار الأحداث، لكنها لا تستطيع فرض استقرار دائم، إذا لم تتوافر إرادة محلية تدعمه. والاستقرار الذي لا تؤمن به دول المنطقة نفسها يظل هشاً مهما حصل على دعم خارجي. ومن هنا تبرز أهمية التفكير في مفهوم جديد للأمن الإقليمي، لقد اعتادت المنطقة طويلاً على مفهوم يقوم على الردع المتبادل. أي أن كل طرف يسعى إلى امتلاك أدوات قوة تمنع الطرف الآخر من تهديده. ورغم أن هذا المفهوم ساهم أحياناً في منع المواجهات المباشرة، فإنه لم ينجح في منع الأزمات المتكررة.

وربما يكون الوقت قد حان للانتقال إلى مفهوم مختلف يقوم على الأمن التعاوني. أي الاعتراف بأن استقرار الجوار ليس تهديداً بل مصلحة، وأن التنمية المشتركة أكثر فائدة من الصراعات المفتوحة، وأن احترام السيادة المتبادلة يوفر مكاسب أكبر من محاولات الهيمنة، إلا أن كل ذلك يحتاج إلى تغيير هيكلي في الجارة إيران، خاصة في خلق بيئة صالحة للاستثمار، ويتطلب ذلك رؤية جديدة ومصفوفة قوانين حديثة، و محاربة حقيقية للفساد، و هياكل إدارية حديثة ، إنه (الجهاد الأكبر) الذي يتوجب على الإيرانيين خوضه، وكما تقدم هناك البعض يرغب  في ذلك لكن يواجه جبهة متشددة ترى أن أي تنازل هو مقدمة لفقدها السيطرة ، لذلك من المتوقع عندما يهدأ الغبار ، خوض معركة داخلية إيرانية، لا يعرف أحد اليوم على أي جانب سوف تنتهي.

هذا التحول في إيران لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ بتغيير طريقة التفكير. فالدول التي تنظر إلى جيرانها باعتبارهم شركاء محتملين تختلف سياساتها عن الدول التي تنظر إليهم باعتبارهم خصوماً دائمين. والتاريخ الحديث مليء بأمثلة مناطق انتقلت من الحروب المزمنة إلى التعاون الواسع عندما تغيرت الحسابات السياسية، وأدركت النخب أن كلفة الصراع أصبحت أكبر من عوائده.

الشرق الأوسط ليس استثناء من هذه القاعدة. فالمنطقة تمتلك مقومات هائلة للنمو والتكامل. لديها موقع جغرافي استثنائي، وموارد طبيعية كبيرة، وأسواق واسعة، وطاقات بشرية شابة، وقدرات مالية وتقنية متنامية. لكن الاستفادة من هذه المقومات تحتاج إلى بيئة سياسية أكثر استقراراً وأقل استنزافاً ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من الحرب الأخيرة هو أن الجميع خسر شيئاً ما من استمرار الصراع، وأن الجميع يمكن أن يكسب أكثر من الاستقرار إن حكم كلا من العقل والمصالح.  قد لا يكون الوصول إلى نظام إقليمي متوازن أمراً سهلاً أو سريعاً. وقد تشهد السنوات القادمة انتكاسات وأزمات جديدة. إلا أن الاتجاه العام يبدو واضحاً: المنطقة لم تعد قادرة على تحمل كلفة الصراعات القديمة بالوتيرة نفسها، كما أن شعوبها أصبحت أكثر اهتماماً بالتنمية والفرص الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

ولهذا فإن نجاح النظام الإقليمي القادم لن يقاس بحجم الترسانات العسكرية، أو عدد التحالفات المؤقتة، بل بقدرته على حماية الدولة الوطنية، وتأمين الممرات الاقتصادية، وتعزيز التعاون، ومنع الأزمات قبل تحولها إلى حروب فإذا استطاعت دول المنطقة استيعاب دروس المرحلة الأخيرة، فقد يتحول الشرق الأوسط من ساحة تنافس مزمن، إلى فضاء أكثر توازناً واستقراراً. أما إذا عادت الحسابات القديمة لتسيطر على القرار السياسي، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام دورة جديدة من الأزمات تختلف في الشكل لكنها تشبه ما سبقها في الجوهر وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي ليس كسب الحرب، بل كسب السلام الذي يليها. فالحروب تنتهي عادة بتوقيع اتفاق، أما الاستقرار فيحتاج إلى رؤية، وإرادة، وقدرة على بناء مصالح مشتركة تتفوق على إغراء الصراع.

مقالات لنفس الكاتب