array(1) { [0]=> object(stdClass)#14650 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 224

مجلس التعاون.. صمود راسخ وتكامل متجدد في مواجهة الأزمات

الأربعاء، 29 تموز/يوليو 2026

شكّلت الاعتداءات الإيرانية الغادرة التي تعرضت لها دول مجلس التعاون محطة مفصلية في مسيرة العمل الخليجي المشترك، واختبارًا حقيقيًا لقدرة المجلس على التعامل مع الأزمات الإقليمية المعقدة، وقد أثبتت هذه المرحلة أن مجلس التعاون تجاوز مفهوم الإطار التقليدي للتعاون في عدد من المجالات، ليغدو منظومة إقليمية متماسكة ترتكز على آليات عمل مشترك فعّالة لحماية مصالح دوله وشعوبه وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.

لقد تعاملت دول المجلس مع هذه الاعتداءات انطلاقًا من مبدأ راسخ مفاده أن أمن دول مجلس التعاون كل لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على جميع الدول الأعضاء، وقد انعكس ذلك في وحدة المواقف السياسية، والتنسيق الأمني والدفاعي، والتعاون الاقتصادي والدبلوماسي، بما عزز قدرة دول المجلس على احتواء تداعيات الأزمة، والمحافظة على استقرارها واستمرار عمل مؤسساتها وقطاعاتها الحيوية.

وبرهنت الأزمة على نجاح مسيرة التكامل الخليجي التي أرساها قادة دول المجلس – حفظهم الله ورعاهم -على مدى أكثر من أربعة عقود، حيث أثبتت دول المجلس قدرتها على التحرك الجماعي واتخاذ المواقف الموحدة، بما يعكس مستوى وفاعلية آليات العمل الخليجي المشترك.

فعلى مستوى العمل الخليجي المشترك، ومنذ بدء العدوان الإيراني الغاشم، عقدت اللجان الوزارية والفنية والجهات المختصة اجتماعات استثنائية ومتواصلة للتعامل مع تداعيات الاعتداءات وتأمين استمرارية القطاعات الحيوية، حيث بلغ عدد الاجتماعات الوزارية والفنية الاستثنائية التي عقدت أكثر 150 اجتماعًا، وهو ما يعكس الدور المحوري للأمانة في تنسيق العمل  الخليجي المشترك ، مما كان له الأثر في تحقيق دول المجلس لمستوى رفيع من الكفاءة والجاهزية في التصدي للهجمات الإيرانية الغادرة التي استهدفت دول المجلس من خلال التنسيق وتبادل المعلومات وجاهزية القوات المسلحة الخليجية، بالإضافة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وضمان استمرارية تدفق البضائع.

وفي هذا الإطار، جاءت توجيهات أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون - حفظهم الله ورعاهم -، الصادرة عن لقائهم التشاوري الأخير في إبريل 2016م، بمدينة جدة، لتؤكد على أهمية مواصلة تعزيز التكامل الخليجي في مختلف المجالات، وتسريع تنفيذ المبادرات والمشروعات المشتركة، ورفع مستوى الجاهزية الجماعية لمواجهة مختلف الأزمات والتحديات، بما يحفظ أمن دول المجلس واستقرارها ويعزز قدرتها على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، وتمثل هذه التوجيهات خارطة طريق للعمل الخليجي خلال المرحلة المقبلة، وترسم ملامح انتقال المجلس من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل الأكثر شمولًا وفاعلية.

وعلى الصعيد الدولي، أثبتت الدبلوماسية الخليجية قدرتها على توحيد الموقف الدولي تجاه الاعتداءات الإيرانية، من خلال تحرك جماعي منسق داخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، أسهم في اعتماد مجلس الأمن الدولي وبإجماع تاريخي القرار رقم 2817 لعام 2026م، الذي قدمته مملكة البحرين نيابة عن دول المجلس الذي أدان الاعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون، وأكد احترام سيادة الدول، ورفض استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وشدد على أهمية حماية حرية الملاحة الدولية والممرات البحرية الاستراتيجية، ويجسد هذا القرار نجاح العمل الخليجي المشترك في نقل الموقف الموحد إلى المجتمع الدولي، وترسيخ الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وفي الوقت ذاته، لم تقتصر جهود دول المجلس على التحرك السياسي والدبلوماسي، بل واصلت دعم جميع المبادرات والوساطات الهادفة إلى خفض التصعيد، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الأمن الإقليمي والدولي لا يتحقق بالمواجهات العسكرية، وإنما بالحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وقد أثبتت دول المجلس أنها قادرة على الجمع بين الحزم في حماية أمنها، والانفتاح على الجهود السلمية التي تخدم أمن المنطقة واستقرارها.

أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فقد أكدت الأزمة أن أمن هذا الممر البحري الحيوي لا يمثل مسؤولية دول الخليج وحدها، بل يعد مصلحة استراتيجية للاقتصاد العالمي بأسره، حيث تٌعد دول المجلس أحد أهم الركائز الاقتصادية في العالم، لما تتمتع به من ثقل استراتيجي في قطاع الطاقة، إذ ينتج نحو 16 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، بما يعادل 22% من إجمالي الإنتاج العالمي، كما يصدّر حوالي 11.5 مليون برميل يوميًا، وإلى جانب ذلك، تحتضن دول المجلس ما يقارب 33% من الاحتياطيات النفطية العالمية، وبما يناهز 512 مليار برميل، ، كما يبلغ إنتاجه السنوي من الغاز الطبيعي حوالي 442 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 10% من الإنتاج العالمي ، وعلى الرغم من كافة التهديدات التي استهدفت الملاحة البحرية، أثبتت دول مجلس التعاون قدرة كبيرة على احتواء التداعيات، بفضل تعاونها المشترك بالمنافذ اللوجستية وبنيتها التحتية المتطورة، ومرونة اقتصاداتها، الأمر الذي حافظ على استمرارية حركة التجارة والطاقة، وفي المقابل، كانت التداعيات الأكبر على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية، وهو ما يؤكد أن استقرار الخليج يشكل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي.

كما أكدت الأزمة أن مفهوم الأمن الخليجي لم يعد محصورًا في الجوانب العسكرية التقليدية، بل أصبح مفهومًا شاملًا يضم الطاقة والأمن السيبراني والغذائي والمائي والصحي وسلامة سلاسل الإمداد المشترك، ومن هذا المنطلق، ستواصل دول مجلس التعاون، العمل على تعميق التكامل الخليجي، وتطوير آليات العمل المشترك، وتعزيز الجاهزية الجماعية، بما يرسخ مكانة مجلس التعاون بوصفه نموذجًا إقليميًا رائدًا في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية، وشريكًا مسؤولًا في دعم السلم والأمن الإقليميين والدوليين.

وفي ختام مقالتي، أود  أن أؤكد على أن ما جمع شعوب دول مجلس التعاون منذ تأسيس هذا الكيان المبارك، لم يكن المصالح المشتركة فحسب، بل روابط الأخوة والتاريخ والمصير الواحد، وقد أثبتت الأحداث أن هذه الروابط تزداد قوة كلما اشتدت التحديات، وأن البيت الخليجي سيظل، بعون الله، متماسكًا بفضل حكمة قادته، وتلاحم شعوبه، وإيمان الجميع بأن أمن كل دولة من دول المجلس هو أمن للجميع، وأن استقرار أي دولة خليجية هو استقرار للمنطقة بأسرها، وستواصل دول المجلس العمل بروح الفريق الواحد، وعزيمة لا تلين، لترسيخ مسيرة التكامل الخليجي، وصون مكتسباته، وبناء مستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا لأبنائنا، بما يعزز مكانة مجلس التعاون نموذجًا راسخًا للوحدة والتضامن والعمل المشترك، وركيزة أساسية للأمن والاستقرار في منطقتنا والعالم.


 

مقالات لنفس الكاتب