التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة العربية في هذه اللحظة الحرجة تكاد تكون تحديات وجودية للمنطقة العربية برمتها، فالتهديدات تأتي من أطراف المنطقة ومن داخلها في ظل عدم وجود أي رادع قانوني من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو المحاكم الدولية يمنع الاعتداء أو يوقف الحروب، ولكن يوجد قانون (القوة) ويقابله صمت دولي من القوى الفاعلة، وهذا الصمت له تفسيرات مختلفة حيث يراه البعض يأتي ضمن معادلة جديدة طرفيها "القوة" و"المقايضة" فما تفعله أمريكا ومعها إسرائيل من خرق واضح للقانون الدولي وعدم إقامة أي وزن للأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يقابله أي اعتراض من روسيا والصين وهما القوتان الأكبر في العالم بعد أمريكا، ومن الخمس الكبار في مجلس الأمن الدولي ولهما حق النقض "الفيتو" مثلهما في ذلك مثل أمريكا، لكنهما في حالة غض طرف أمام التجاوزات الأمريكية والإسرائيلية، فما فعلته الإدارة الأمريكية من اختطاف رئيس دولة فنزويلا لم يجد أي اعتراض من أي دولة من الدول الخمس دائمة العضوية، وينطبق الأمر نفسه على تلويح أمريكا بضم جزيرة جرين لاند الدانمركية وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بل أن موقف الاتحاد الأوروبي نفسه يراوح في منطقة رمادية دون حسم بعد أن أشغل الرئيس ترامب الدول الأوروبية بالأمن الأوروبي وتهديده بتفكيك "الناتو" وإثارة قضية الدفاع عن القارة العجوز التي تهددها موسكو والتي قد تتجاوز التهديد إلى التوسع في دولها على غرار توسع أمريكا المحتمل في جرين لاند وربما كندا ودول أمريكا اللاتينية، وهذا ما يندرج تحت بند "المقايضة" في قانون النظام الدولي الجديد الذي يرسي دعائمه الرئيس الأمريكي ترامب.
ومبدأ المساومة أو المقايضة أخذ يتبلور في منطقة الشرق الأوسط بشكل واضح، فاعتراف إسرائيل بما اسمته دولة أرض الصومال يعد سابقة خطيرة في المنطقة وفي العالم حيث يمثل اعتداءً على دولة الصومال المستقلة و العضو في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الأمم المتحدة، ويؤسس لمبدأ خطير في منطقة رخوة تعتريها الخلافات العرقية والقومية وغيرها، والأخطر من ذلك هو موقع أرض الصومال عند مضيق باب المندب وهو مدخل البحر الأحمر والبوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يعني ترجمة حرفية لفلسفة تطويق إسرائيل للعالم العربي وتزامن ذلك مع المحاولة الانفصالية في جنوب اليمن والتي أعلن بعض قادتها أنهم سينضمون إلى ما يسمى اتفاقات إبراهام أي إقامة علاقات مع إسرائيل وهو ما يعني عمليًا إحكام قبضة التطويق على باب المندب ومدخل البحر الأحمر.
ويتزامن مع هذه التطورات تحديات أخرى ومنها استمرار الولايات المتحدة في فرض سياسة القوة والإصرار على ضرب إيران ما يعني لا قيود من أي نوع على القوة الأمريكية في أي مكان في العالم بعد ما حدث في فنزويلا وما قد يحدث في إيران وقد يتكرر مع دول أخرى، وفي غمرة هذه التحديات يخرج السفير الأمريكي في تل أبيب وهو سفير الدولة الراعية للسلام في فلسطين والتي تترأس مجلس السلام في غزة ويعلن عن حق إسرائيل في التوسع والتمدد في دول الجوار المستقلة وذات السيادة وهذا التصريح امتداد لتصريح سابق لترامب حول أن مساحة إسرائيل صغيرة ومن المهم أن تتوسع.
وفي ظل هذه التطورات المأساوية لابد من تحرك عربي واضح ورادع لوضع استراتيجيات واضحة المعالم والترفع على أي تباينات في الرأي والمواقف بين هذه الدول لأن الخطر داهم ولن يستثني أحدًا حتى الدول المساندة لإسرائيل أو المطبعة معها.
لكن ما يدعو للأمل أن مصادر أوروبية وأمريكية كشفت أن الموقف العربي صلب ويرفض ما يحدث في المنطقة، وذكرت أنه خرجت رسائل عربية واضحة ترفض ما تفعله إسرائيل أو تلوح به واشنطن لأن الخطر وجودي بمعنى الكلمة والتصريحات الأمريكية والإسرائيلية بمثابة بالون اختبار للعرب الذين عليهم التصدي لها وإفشال المؤامرات التي تهدد وجودهم، وفي غضون ذلك يقع الدور الأكبر في تأمين المنطقة بما فيها مضيق باب المندب و البحر الأحمر على كاهل السعودية ومصر الدولتين الأكبر وفي مقدمة الدول المعنية بأمن البحر الأحمر ، ولقد استشعرت الدولتان بالفعل ما يحدث وجاء المؤشر الهام في لقاء القمة السعودية ـ المصرية بين سمو ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الاثنين 23 فبراير الماضي في جدة بالمملكة العربية السعودية يؤكد على قوة وأهمية التنسيق السعودي ـ المصري ودور الدولتين في الشدائد، وسوف تظهر نتائج هذا اللقاء الهام قريبًا على العمل العربي المشترك وأمن المنطقة العربية.






