array(1) { [0]=> object(stdClass)#13179 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 96

الاتحاد الخليجي .. التحديات والفرص الجديدة

الإثنين، 01 حزيران/يونيو 2015

هل تساعد الظروف الجديدة التي تشهدها المنطقة منذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية في يناير 2015 م، على تسريع مشروع الاتحاد الخليجي، أم تضع عراقيل أمام هذا المشروع؟ فلقد شهدت المنطقة منذ ذلك الحين عديدا من الأحداث والتغيرات الاستراتيجية التي تطرح بعض التحديات والفرص، التي تجعل مشروع الاتحاد الخليجي ضرورة وليس خيارا.

فعلى جانب التحديات يبرز موضوع الاتفاق النووي بين إيران والغرب الذي تم التوصل إليه في إبريل 2015م، والحاجة لاستثمار التوحد العسكري في عاصفة الحزم، وتمددات الحوثيين في أرجاء اليمن بدعم إيراني، وبروز الهلال الشيعي المطبق على دول مجلس التعاون الخليجي والذي اقترب من أن يصبح دائرة وليس هلالا.  كما تبرز تحولات المشهد السوري واقتراب الحسم في سوريا، علاوة على ذلك تعاود عمليات العنف الداخلي الظهور في بعض دول المجلس في مشهد يعيد تكرار ما شهدته هذه الدول في فترات سابقة، وعلى جانب أخر تستمر التذبذبات في أسعار النفط على نحو يدعو دول المجلس لمزيد من التكامل والاندماج الاقتصادي في مشروع يوحد قدراتها إزاء التحديات.

وعلى جانب الفرص، يبرز التوافق الخليجي الذي تحقق في عاصفة الحزم، وبروز ما يشبه قيادة خليجية وسعودية للمنطقة لديها قدرة على اتخاذ القرار العسكري والتصدي لأطماع إيران، وبروز التنسيق العسكري الخليجي والعربي في سياق تحالف العاصفة الذي برزت قدرته على التأثير في المشهد الدولي على نحو ما اتضح من إصدار القرار 2216 الخاص باليمن، كما تبرز التحولات الكبيرة التي أجراها الملك سلمان داخل بيت الحكم في المملكة، والدفع بقيادات من الجيل الثالث على نحو يضمن استقرار الدولة الأكبر والمنطقة لعقود مقبلة. 

فلقد أدى الاتفاق النووي بين إيران والغرب، والتصريحات الأمريكية الغامضة التي صدرت بعد الاتفاق، والتي حرص فيها الرئيس أوباما على الإشارة إلى الأوضاع الداخلية باعتبارها أخطر التحديات على دول مجلس التعاون الخليجي وليس إيران، إلى زيادة الغموض بشأن تحولات السياسة الأمريكية تجاه دول المجلس ومدى استمرار التزاماتها الأمنية والعسكرية إزائها. حيث ألمح الاتفاق والتصريحات التي تلته وكأن إدارة أوباما تريد العودة إلى السياسات القديمة التي تمكن لنفوذ إيران في الخليج، وأنها ستفتح أمامها مجال النفوذ الإقليمي على مصراعيه أو على الأقل تسعى الإدارة لإمساك العصا من المنتصف بين طرفين تضعهما منذ الآن في كفتين متوازيتين وتتلاعب بهما، كما أنها تركت دول الخليج وحدها أمام احتمال تطور السلاح النووي وهو الذي لم يبد أن الإدارة قد أخذت على إيران تعهدات ملزمة نحوه.

ومن هذه الزاوية يعتبر موضوع الاتحاد الخليجي هو الرد الطبيعي والموازن الحقيقي تجاه تحولات السياسة الأمريكية، وهو الرد المنطقي لدول المجلس والخيار الرئيسي لأمنها القومي قبالة تحولات إدارة أوباما وقبالة إيران النووية أو التقليدية الخطرة التي تنتهج سياسات التمدد الإقليمي والتمزق الطائفي وتصدير الثورة. حيث سيوفر فراغ إيران من جبهة الصراع مع الولايات المتحدة والغرب فائض قوة من شأنه أن يدفعها إلى مغامرات إقليمية لا سبيل أمام دول المجلس أمامها إلا بالالتفاف حول مشروعها الاتحادي. 

وعلى جانب التحديات أيضا فتحت اليمن ما بعد تمددات الحوثيين أخطارا لا نهائية على الأمن الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي، ففضلا عن خطورة هيمنة الحوثيين على اليمن، وما تعنيه من تدخل ونفوذ إيراني مباشر في خاصرة الجزيرة الحيوية للأمن الخليجي، على نحو يدق نواقيس الخطر من بروز مجموعة ميليشيات شيعية وأحزاب عسكرية جنوب المملكة العربية السعودية مدعومة إيرانيا بما يؤرق استقرار الجوار الخليجي ويكرر نمط وتجربة حزب الله في لبنان، فإن هذا المسار اليمني لو كان قدر له النجاح كان سيعني فصل اليمن تماما عن محيطه الخليجي وربطه بإيران، وانفصال خاصرة الجزيرة، ومن ثم إطباق الخناق على دول المجلس من الشمال العراقي والجنوب في اليمن.

وعلى الرغم من أن حرب عاصفة الحزم قد أوقفت هذا السيناريو الذي كان مؤكدا لـ "يمن إيراني"، إلا أنها لم تقض عليه تماما، ويحتاج التأكد من ذلك إلى سنوات مقبلة. فسواء نجح التوافق على تسوية للصراع في اليمن وجرت استعادة الدولة من الحوثيين، وسواء تطورت الأوضاع على الأرض إلى حرب أهلية، أو ظل اليمن موحدا أو انقسم إلى دولتين أو أكثر، أو نشبت حرب أهلية داخلية، ففي كل هذه الاحتمالات تحتاج دول المجلس لأن تظل متحدة ومتماسكة على نحو يجهض ترتيبات إيران العدائية المتوقعة تاليا، أو محاولات الحوثيين للانتقام عبر النيل من الاستقرار الداخلي بدول المجلس.

وعلى جانب آخر، أدت عملية عاصفة الحزم إلى تكريس مفهوم الواجب السياسي والأخلاقي من قبل دول المجلس نحو اليمن، وبروز المسؤولية الخليجية ليس فقط إزاء حاضر اليمن وإنما أيضا إزاء مستقبله، وهو الذي لا يمكن له أن يستقر إلا بدخوله كعضو كامل العضوية في مجلس التعاون الخليجي. ففضلا عن وجود أفكار خاصة بضم اليمن للمجلس منذ فترة طويلة، وتطور مسؤولية المجلس نحو اليمن مع عاصفة الحزم، فإن هناك ملايين اليمنيين في دول مجلس التعاون، وبالأخص في السعودية التي يوجد بها 3 مليون يمني، وهؤلاء يمكن أن يكونوا قوى تطويرية وبنائية كبيرة في دول مجلس التعاون في حال تحوله إلى الاتحاد.

وعلى ناحية الجبهة السورية، تشير التطورات الأخيرة إلى اقتراب دول المجلس من مرحلة جني الثمار في سوريا، مع تطورات المشهد السوري الذي ترجح كفة فصائل الثورة، وهو ما يعني أن جهود واستثمارات دول المجلس على مدى السنوات الماضية لم تذهب سدى وأنها مقبلة على مرحلة تحتاج فيها لعمل ترتيبات هائلة على مسرح سوريا، وربما على مسارح دول عربية أخرى فيما يتعلق بمستقبل الثورات بها (مثل ليبيا)، وإذا كانت الثورة في سورية قد أخذت حتى الآن خمس سنوات، فإن رسم المستقبل السياسي لسوريا يحتاج على الأقل إلى ضعف هذه الفترة (إذا أخذنا التجربة العراقية كنموذج – وهو تفكير متفائل)، ومن ثم فإن على دول المجلس أن ترتب أوضاعها البينية بمشروع الاتحاد أولا حتى تتصدى بقوة وعزم للمسألة السورية دوليا وعربيا وداخل سوريا، وخصوصا مع تبعات ذلك المتوقعة من مخاطر أمنية هائلة خاصة باحتمالات انفلات المشهد والصراعات الطاحنة بين الجماعات الجهادية في سوريا والعراق، واحتمالات تطور الجهاد المذهبي السني الشيعي، واحتمالات ردود الفعل الإقليمية من قبل قوى مثل إيران وحزب الله.. وغيره من الفصائل الشيعية، وهو ما من شأنه أن يعرض دول المجلس لتحديات ومخاطر أمنية داخلية تحتاج أقصى مستوى للتنسيق السياسي والأمني والعسكري لا يتيحه الوضع الراهن لمجلس التعاون.

ومن ثم على دول المجلس الاستعداد للدخول في مواجهة استراتيجية أشمل مع مكونات وعناصر دول وكيانات الهلال الشيعي الممتد من سوريا والعراق وإيران واليمن حيث أن عناصر ومكونات هذا الهلال لن تقبل بهزيمة استراتيجية من دول المجلس ولن تستسلم بسهولة، وإنما من المرجح أن تعتبر نفسها في حرب كبرى لتصحيح مسار تاريخي خاص بما تعتقد أنه مظلومية شيعية من السنة عبر التاريخ. 

وعلى جانب آخر، يعتبر استمرار تراجع أسعار النفط هو الآخر أحد أهم الأسباب والتحديات الدافعة إلى استكمال مشروع الاتحاد الخليجي، حيث أن من شأن استمرار انخفاض الأسعار أن يحدث تغييرا كبيرا في الخريطة الاقتصادية لدول المجلس ويعيد توزيع ناتجها القومي ومدخولاتها وموازين مدفوعاتها. وهو ما يفرض على دول المجلس الاستعداد منذ الآن لمواجهة تحديات عصر ما بعد النفط عبر مشروع تكاملي اندماجي اقتصادي، يساعد دول المجلس على صيانة المكتسبات الاقتصادية التي تحققت خلال عصر وفورات النفط، حتى لا تتوقف مشروعات دول المجلس التنموية والاقتصادية وخططها التصنيعية الطموحة التي بدأت فيها، وحتى لو تعافت أسعار النفط ثانية، فإنه من المهم أن تتعامل دول المجلس مع انتهاء أو تراجع العصر الذهبي للنفط على أنه حقيقة.

وأخيرا، فإن هناك متغيرين هامين يشيران إلى أن هناك فرصة فعلية لتحقق مشروع الاتحاد الخليجي أكثر من أي وقت في السابق: المتغير الأول هو دلالات تحالف عاصفة الحزم، فلقد أرست دول المجلس بتحالف عاصفة الحزم بنيان وهيكل أمني وعسكري إقليمي يمكن أن يستنسخ ويطلب دوره في كثير من الأزمات الإقليمية التي تتكدس بها المنطقة، ومن المرجح ألا تكون عاصفة الحزم أول وآخر عملية لدول مجلس التعاون أو للتحالف، حيث يمكن أن ينتج عنها أبنية وهياكل عسكرية تنطلق في ساحات ممتدة لطالما وقف أمامها العالم العربي عاجزا في السابق، ومن المؤكد أن هذه الخطوة تعكس قدرة دول المجلس على المضي خطوات نحو الاتحاد السياسي والاقتصادي بعدما اختبرت قدرتها على التحرك في عمل عسكري وأمني جماعي على غرار عاصفة الحزم العسكرية، وهي الصيغة التي تعكس أقصى درجات العمل الاتحادي بين مجموعة من الدول، وإلى حد كبير، فإن هذه التجربة سوف تزيد التقارب بين جيوش دول المجلس في العقائد العسكرية وفي إدراك وتحديد العدو، وفي صفقات ومشتريات الأسلحة.

وعلى جانب الفرص أمام الاتحاد الخليجي، تبرز أهمية القرارات الحاسمة والخاصة بالانتقال السياسي للجيل الثالث في المملكة العربية السعودية، وتحديد ولاية العهد بعد أن أصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز مجموعة من القرارات الحاسمة الخاصة بترتيب شؤون الملك والحكم في المملكة، ومن شأن هذه القرارات أن تدفع القادمين الجدد للمراكمة على ما حققه جيل الآباء، والآن يمارس الحكم في أغلب دول الخليج قيادات شابة لديها مزيد من الحماسة للعمل الخليجي المشترك في ظل ما تراه من إنجازات وتكاتف بيني في مواجهة المخاطر، و تريد هذه القيادات الدفع بالمشروع الاتحادي إلى أقصى مدى ممكن.

كل هذه العوامل مجتمعة -من تحديات وفرص- تشير إلى أن التحرك نحو المشروع الاتحادي الخليجي هو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت في السابق، وهو ما يجعل الظروف مهيأة لتبني خطوات نحوه في قمة المجلس المقبلة في الرياض في ديسمبر 2015.

 

مقالات لنفس الكاتب