array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 105

الموقف الأوروبي من العلاقات التركية ـ العربية: تردد وشكوك

الأحد، 06 آذار/مارس 2016

تعد القمة الأوروبية التركية التي عقدت في أواخر نوفمبر 2015م، بمثابة انطلاقة لمرحلة جديدة فى العلاقات بين أوروبا وتركيا، حتى أنها طرحت إمكانية سفر المواطنين الأتراك إلى دول الاتحاد الأوروبي بدون تأشيرة، اعتباراً من نهاية عام 2016م. وتم انعقاد القمة تحت ضغط من التطورات الإقليمية الملحة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي جعلت من الضروري لدول الاتحاد الأوروبى أن تسعى لإيجاد باعثا جديدا من شأنه إحياء العلاقات بينها وبين تركيا. وقد أصبحت تركيا بشكل عام محورا أساسيا فى ما ينتهجه الاتحاد الأوروبى من استراتيجيات تتعلق بوقف أزمة اللاجئين الحالية، بما فى ذلك تقديم مبالغ تصل إلى 3 مليار يورو لدعم متطلبات البنية التحتية فى تركيا والتي من شأنها منع اللاجئين السوريين من الزحف إلى أوروبا. ومع تزايد تدفق اللاجئين المضطرد نحو أوروبا وتصاعد الأزمة فى سوريا نظراً للتدخل الروسي، تعاظمت أهمية الدور الذي تلعبه تركيا لدى أوروبا باعتبارها خط دفاع لتأمين حدودها الجنوبية، وكذلك لوقف شبكات تهريب اللاجئين والتي غالبا ما تستخدم تركيا كقاعدة لتهريب اللاجئين إلى أوروبا.

ومع ذلك فسرعان ما اتضحت صعوبة تحقيق الكثير من التوقعات المأمولة من وراء اجتماع القمة وذلك نتيجة لتباين الموقف الأوروبى ونظيره التركي بشكل كبير حول التطورات التي تجتاح المنطقة. وبشكل عام لم تكن أبدا العلاقات الأوروبية التركية تتسم بالسهولة أو الوضوح. لدرجة جعلت من المتعذر على الدول الأوروبية أن تتخذ موقفا موحدا تجاه تركيا. فهناك ألمانيا التي تعارض بشدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى. وعلى النقيض منها فرنسا الداعمة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التي دائما ما تحذر منها. وتميل بقية الدول الأوروبية إلى اتخاذ مواقفها فيما بين هذين القطبين. ومع توقيع التحالف بين ألمانيا وفرنسا بما له من أهمية كبرى فى المشروع الأوروبى بصفة عامة، وهو التحالف الذي يقع على طرف النقيض من المشروع التركي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، فإن احتمالات حدوث تقدم حقيقى فى الروابط الثنائية بين تركيا وأوروبا أضحت أضعف مما كانت فى أى وقت مضى. وتبعا لذلك نجد أن تركيا قد قدمت في عام 1987م، طلب الانضمام إلى الجمعية الاقتصادية الأوروبية، وهي الهيأة السابقة على الاتحاد الأوروبى حاليا، ولم تبدأ المحادثات الرسمية حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي إلا في عام 2005م، ويظل طلب العضوية في طي النسيان حتى وقتنا هذا.

وتتمثل العقبة الثانية في التقرير المرحلي لسنة 2015م، والمقدم من المفوضية الأوروبية حول وضع المفاوضات مع تركيا، والذي ورد فيه تراجع تركيا فى عده قضايا أساسية كحقوق الإنسان وحرية التعبير والشفافية وقضايا المساءلة بوجه عام. وهي قضايا تحمل أهمية بالغة فيما يخص مسألة الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي. وبشكل عام فقد تزايدت المخاوف والقلق داخل الاتحاد الأوروبى  من تعاظم الميول الاستبدادية لدى الحكومة التركية الحالية بقياده رئيس الوزراء أردوغان، بما في ذلك الحملة المتواصلة للقضاء على جميع خصومه و تعزيز حكمه أمام أى معارضة. ووجهت الانتقادات تحديدا حول كيفية تعامل الحكومة مع الصحافة والإعلام. وعليه تراجعت تركيا إلى المرتبة الرابعة والخمسون بعد المائة 154 من بين مائة وثمانين دولة 180. وذلك فى تقرير مؤشرات حرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود. وبذلك تكون قد تراجعت بما يبلغ 56 مركزا مقارنة بتصنيف عام 2006.م وهو الأمر الذي تم تداوله في الصحافة الأوروبية والدوائر السياسية. وقد أدان البرلمان الأوروبى بشدة في قراره الصادر في 15 يناير 2015م، اعتقال الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام والتراجع بشكل عام فى حرية التعبير داخل تركيا.

وتأتي القضية الكردية لتزيد الأمور تعقيدا. فبينما تتعاطف أوروبا مع تطلعات الأكراد إلى مزيد من الاستقلالية والحكم الذاتي وحتى الاستقلال التام، فإن تركيا تقف بصرامة أمام تلك التطلعات. إذ أنها فى النهاية سوف تفضي إلى زعزعة وحدة الأراضي التركية نفسها. ويمثل الأكراد في ألمانيا صوتا مؤيدا للاستقلال الكردي حيث يبلغ عددهم طبقا لآخر الإحصاءات نحو 800.000 كردي. وفي الوقت الراهن غالبا ما تتدخل تركيا عسكريا فى الشؤون الكردية، ليس فقط فى شمال العراق بل وأيضا في سوريا حيث تقوم تركيا حاليا بشن غارات جوية والقيام بأعمال عسكرية أخرى ضد حزب الاتحاد الديمقراطي والذي تعتبره تركيا مقربا أكثر مما ينبغي لحزب العمال الكردستاني المصنف لدى تركيا بوصفه منظمة إرهابية. وقد اتخذت تركيا منحى أكثر قوة مع ازدياد قدرة حزب الاتحاد الديمقراطي على فرض سيطرته فوق مساحات عريضة من الأراضي السورية وذلك في عام 2015 م، وبداية عام 2016م، الأمر الذي زاد من تعقيد العلاقات بين تركيا والدول الأوروبية.  وفي هذا السياق ينظر الأوروبيون بمزيد من الشك إلى العلاقات التركية العربية الأكثر تقاربا فيما يخص الشأن الكردي. فكلاهما يرغب في تقليص نفوذ الحركات الكردية التي تسعى إلى مزيد من الحكم الذاتي أو حتى الاستقلال.

وأخيرا فإن أزمة اللاجئين الحالية تلقى الضوء على المعضلة التي تجد فيها أوروبا نفسها عندما يتعلق الأمر بعلاقاتها مع تركيا. اتضحت أهمية تركيا الجيوستراتيجية كعامل محوري في سياسات الاتحاد الأوروبي عندما شرعت أوروبا بأجمعها تناضل لإيجاد حلول سريعة لوقف تدفق اللاجئين الحالي إلى أراضيها. وهي الأهمية التي أدت إلى انحسار المخاوف الأخرى لدى أوروبا حول التطورات السياسية المستقبلية والتنمية الديمقراطية في تركيا. ويعد تأجيل صدور التقرير المرحلي حول تركيا المذكور آنفا نتيجة مباشرة لذلك الوضع. وبالإضافة إلى ذلك فقد شرع السياسيون الأوروبيون بشكل عام فى التقليل من قدر المخاوف حول سياسات تركيا الأخيرة في محاولة منهم لعدم الإساءة إلى نظيرهم التركي بتوجيه انتقادات لاذعة لبلاده. وصرح مؤخرا رئيس المفوضية الأوروبية ، جين كلود جنكر، قائلا " إننا بحاجة إلى إشراك تركيا في مبادراتنا. فنحن نرغب في التأكد من عدم نزوح أى لاجئين آخرين من تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي" وبرغم ذلك فمثل تلك التصريحات تعكس الورطة التي وقعت فيها أوروبا بجعل تركيا تبدو وكأنها الراعي للحدود الأوروبية، وذلك في مقابل حوافز مالية واسعة النطاق وغض الطرف عن السياسات التركية محل النقد من الاتحاد الأوروبي. فبشكل من الأشكال اكتسبت تركيا نفوذا وسلطة تشبه حق الفيتو حول بعض جوانب السياسة الأوروبية.

ويجب الأخذ فى الاعتبار عند النظر إلى العوامل المذكورة سابقا إنه فيما يتعلق بالقضايا الإستراتيجية الأكثر شمولا والتي تؤثر على تركيا والاتحاد الأوروبى على حد سواء، فإن كون تركيا عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي قد خلق درجة من الارتباط بين الطرفين. وتتضح أهمية ذلك تحديدا فيما يتعلق بالتدخل الروسي مؤخرا إلى جانب حكومة الأسد في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، آخذين في الحسبان أن تركيا كانت دائما معارضا قويا لنظام الأسد وقد طالبت الأسد بالتنحي من أجل الشروع في عملية بناء سوريا. ولكن إطلاق تركيا النار على طائرة حربية روسية في أواخر عام 2015م، قد أثار المخاوف من تصعيد الموقف بين الطرفين. فعلى سبيل المثال إذا ازداد التوتر بين الجانبين بما يفضي إلى صدامات عسكرية أخرى، فسوف يواجه حزب شمال الأطلسي (الناتو) قرارا صعبا بالمخاطرة بمواجهات على نطاق أوسع مع روسيا أو بإدارة ظهره لأحد أعضاء حزب الناتو في سبيل تجنب ذلك السيناريو الذي يخشاه أكثر أعضائه. وهناك بالفعل الكثير من عدم الارتياح داخل دوائر حزب شمال الأطلسي فيما يتعلق بالغارات العسكرية التركية ضد الأكراد. وبينما يظل حزب شمال الأطلسي معلنا التزامه بوقوفه إلى جانب حليفته فى المعاهدة حال وجود ما يهدد سلامة الأراضي التركية، تتزايد المخاوف من تورط الناتو في حرب إقليمية واسعة النطاق لم يختار الاضطلاع فيها من الأساس.

وعلى الرغم من كل تلك الصعوبات فحينما يتعلق الأمر بالعلاقات الأوروبية التركية يميل رجال السياسة الأوروبيون إلى النظر إلى ارتباط تركيا الأوثق بالشرق الأوسط على أنه نقطة إيجابية من شأنها تعزيز أهداف الاتحاد الأوروبي في المنطقة. وقد بنيت هذه الآراء جزئيا لما أحرزته تركيا بالفعل في العقود الأخيرة من تقدم فيما يتعلق بتقليص تدخل الجيش فى السياسة، ووضع أسس متينة لتطبيق قواعد حكم القانون والترويج إلى بيئة اقتصادية منفتحة والتي تعكس كذلك صورة الإسلام المعتدل.

وفي قضايا إقليمية عديدة تنظر أوروبا إلى تركيا على أنها قد تلعب دورا مؤثرا فى المنطقة لو أنها تلقت دعما لسياساتها من الدول العربية الكبرى كمصر والمملكة العربية السعودية. فسوريا على سبيل المثال هي إحدى القضايا التي شهدت تقاربا فى وجهات النظر بين الأطراف الثلاثة أوروبا وتركيا والعرب، فجميعهم يشتركون فى الهدف ذاته وهو إزالة نظام الأسد من الوجود وأن يتم تحقيق مقررات مؤتمر جنيف 1 بتأسيس مجلس رئاسي انتقالي فى سوريا. وكذلك يتفق الأطراف الثلاثة على الضرورة البالغة لإعادة الأمن والاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط بأسرها. وحين يتعلق الأمر بمصر فقد نشأت خلافات كبيرة حول دور الإخوان المسلمون فى العملية السياسية، الأمر الذي أدى إلى توتر العلاقات بين تركيا والدول العربية، خاصة دول الخليج. ومع هذا ففي نهاية الأمر اتفقت الأطراف جميعها على أن استقرار مصر يعد أمرا جوهريا فى تهدئة الأوضاع فى المنطقة. وقد أدى هذا  بدوره إلى تقليل التوتر بين تركيا والسعودية على سبيل المثال.

وفيما يخص القضايا الإقليمية نجد أن كلا من أوروبا وتركيا والدول العربية قد يختلفون فيما بينهم على كيفية تحقيق الأهداف التي يطمحون إليها ولا يأتي الاختلاف على الأهداف في حد ذاتها. فبينما هناك إجماع على إرساء دواعي الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها، فثمة خلافات حول الأساليب والاستراتيجيات المتبعة لتحقيق ذلك. ويتضح هذا فيما أثير مؤخرا من جدل حول تدخل عسكري  محتمل لتركيا والسعودية فيما يتعلق باستخدام القوات البرية في سوريا. ففي حين صرحت كلا من تركيا والمملكة العربية السعودية بشكل قاطع استحالة الحلول السياسية مع نظام الأسد وأخذا في الاعتبار استخدام الضغوط العسكرية، فإن أوروبا على الصعيد الآخر نأت بنفسها عن ذلك النقاش. فقد رأت أن مثل هذا الطريق سيؤدي إلى تصعيد أكبر للصراع وكذلك إلى المخاطرة بالمواجهة مع روسيا على نطاق أوسع. وفي هذا السياق تتخوف أوروبا من أن قيام تركيا بتأسيس علاقات جيدة مع الدول الكبرى فى الشرق الأوسط كمصر والمملكة العربية السعودية قد يكون فى حقيقة الأمر إشارة إلى ابتعاد تركيا عن الدول الأوروبية. وقد تم تداول تلك المخاوف بشكل متواتر في الآونة الأخيرة نظرا لطرح مسألة ترشح تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

وبوجه عام تظل مسألة التعاون المتبادل بين كلا من تركيا وأوروبا والعرب عرضة للتقلبات المستمرة. فقد كان ينظر إلى تركيا بوصفها نموذجا يحتذى به فى منطقة الشرق الأوسط، وذلك لما شهدته من تحول اقتصادي وسياسي، ومن تحقيق للتوازن بين كونها مجتمع مسلم محافظ وبين دمج العلمانية وغيرها من أوجه التنمية السياسية في المجتمع، إلا أن ذلك التصور عن تركيا قد فقد بعضا من بريقه نظرا للانتقادات المتزايدة حول السياسات التي تنتهجها حكومة أردوغان. وكذلك بالنسبة للدول الأوروبية، لم يعد النموذج التركي يسطع بنفس القوة التي كان عليها قبل بضعة أعوام. فقد استحوذت القضايا الداخلية بشكل متزايد على الطرفين لدرجة أثارت لديهم الشكوك والتساؤلات حول جدوى المسارات السياسية التي ينتهجها كل طرف منهما. وبهذا يكون الأمر الأكثر سهولة لتركيا أن تبحث عن حلفاء آخرين على حدودها الجنوبية حيث لا تميل الخلفيات السياسية للاستحواذ على المحادثات بينهما.

وهناك أيضا مشكلة عدم وجود نقطة تلاقي بين ما يطلق عليه" سياسة الجوار" لدى كل من الطرفين التركي والأوروبي إلا بصورة محدودة. وقد اتبع الطرفان هذه السياسة سعيا للرواج التجاري وتشجيعا للاستثمار وتخفيفا للقيود المفروضة على السفر، إلا أن النتيجة من وراء تلك السياسات كانت غير مرضية. وعلى عكس المتوقع فقد أدت السياسة التركية القاضية "بانعدام المشاكل مع جيرانها" إلى زيادة حدة ما تواجهه تركيا من قضايا مع الدول المجاورة بدلا من حلها. وكذلك فإن سياسة الجوار الأوروبية كانت أبعد ما تكون عما هو متوقع منها. ولم تتمكن كل من تركيا ودول الاتحاد الأوروبى على حد سواء من تحديد مجالات ملموسة للتعاون فيما بينهما بشكل أكبر فى المنطقة ككل. وبالكاد تم ذكر تركيا بوصفها " دولة مجاورة هامة" فى التقرير الصادر مؤخرا حول سياسة الجوار الأوروبية، وذلك في بيان مشترك للبرلمان الأوروبى، والمجلس الأوروبى واللجنة الأوروبية الاقتصادية والاجتماعية واللجنة الأوروبية لشؤون المنطقة، والذي صدر في 18 نوفمبر 2015م، مضيفا أنه على الاتحاد الأوروبي: أن يستمر في التعاون مع تركيا في القضايا ذات الاهتمام المشترك." إلا أنه لم يذكر ما المقصود بذلك على وجه التحديد.

مجلة آراء حول الخليج