array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 113

فرصة مبادرة خليجية لجعل منطقة القرن الإفريقي مصدرًا للخيرات ما تزال قائمة القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر والخليج: المخـاطـر والحــلول

الأربعاء، 02 تشرين2/نوفمبر 2016

لم تكن منطقة القرن الإفريقي  إلى عهد قريب على ذلك القدر من الاهتمام العربي مثل هذا الذي تحظى به في الوقت الراهن، في حين كانت المنطقة  منذ القدم محل اهتمام الدول الكبرى نظرًا لأهمية موقعها الجغرافي، ولعل المتأمل في سابق العصور والمتابع لحركة الأحداث العالمية سيقف دون عناء على تصور مستوى هزال أنظمة دول المنطقة والعزلة التي عانت منها والتجهيل الإعلامي بها وبما عرفته دولها من تفاقم  مظاهر التخلف الحضاري لشعوبها في كل مجالات النشاط الإنساني، وقد تبلغ بنا الدهشة أن نرى ذلك في هذا الإقليم بالذات مقارنة بدول مجاورة يقل شأنها كثيرًا عن دول منطقة القرن الإفريقي من حيث حيوية الموقع وإستراتيجيته والإمكانيات الطبيعية الهائلة التي تتمتع بها وقياسًا على واقع شعوب إفريقية أخرى تعاني من مشاكل جمة للنهوض بحياتها ولكنها سبقت على الأقل للسير على درب التنمية بخطوات واسعة وجادة . لا شك أن الموقع الجغرافي أكسب دول منطقة القرن الإفريقي أهمية جيوـ سياسية كبيرة بفضل إطلالتها الشرقية على البحر الأحمر ومضيق باب المندب المؤديان إلى قناة السويس شمالا، والمحيط الهندي جنوبا المؤدي إلى الخليج العربي شرقًا، وهي بذلك كان يمكن أن تكون ممرًا حيويًا للملاحة البحرية العالمية ومنطقة ارتكاز تجاري دولي هام، لكن لم يحسن استغلال هذا الاعتبار جيدًا، ولم يتحقق من عبور مختلف الحضارات على أرضها أي تفاعل إيجابي من شأنه أن يؤدي إلى اكتساب تقدم ملموس في أنماط حياة شعوبها التي بقيت طويلاً في شكلها البدائي التقليدي والمتخلف في معظم أرجائها .

يتمتع الموقع الجغرافي لمنطقة القرن الإفريقي بمناخ متميز يسوده الاعتدال أغلب فترات السنة، وبمعدل تساقط كبير للأمطار فأكسبتها الظروف المناخية إمكانيات اقتصادية معتبرة بفضل الثروات الطبيعية من مساحات غابية شاسعة وغطاء نباتي كثيف وملايين من رؤوس المواشي وثروة سمكية هائلة وأراضٍ  خصبة بكر واسعة، ولكنها بقيت كلها إمكانيات معطلة بسب صراع القوميات المتناحرة ذات الأبعاد العرقية والدينية والثقافية، والنزاعات المسلحة الشرسة والانقلابات العسكرية والحروب طويلة المدى بين دول المنطقة ،إذ عجت منطقة القرن الإفريقي طويلاً بالصراعات، وكان من ذلك الصراع الحدودي بين أثيوبيا وأرتيريا، والصراع القبلي في جيبوتي  والحرب الأهلية في الصومال،  والصراع بين جيبوتي والصومال حول إقليم "أوجادين" ، والنزاع اليمني  الأرتيري حول جزر " حنيش الكبرى "، ومثل هذه الأوضاع المتوترة أحدثت تداعياتها على عدة دول من الجوار مثل كينيا ،وأثارت أطماع دول أخرى مثل إسرائيل التي سارعت إلى محاولة التسلل إلى الصومال في فترة اشتداد أزمتها الأمنية الداخلية تحت غطاء تقديم المساعدات الإنسانية و تمكنت من إقامة مركز إغاثة الصومال بالعاصمة  "مقديشيو" لتقديم مساعدات مدعومة من وزارة الخارجية الأمريكية والمنظمة الصهيونية العالمية والمؤتمر اليهودي ومنظمة " جونيت" اليهودية وغيرها الكثير، بالإضافة إلى التواجد اليهودي المشبوه في أثيوبيا الممثل في اليهود الأثيوبيين" الفلاشا"، كما أن منطقة القرن الإفريقي بالنسبة إلى مصر تمثل عمقًا استراتيجيًا لأمنها القومي في جنوبها الشرقي فهي تحصل على 85% من حصتها من المياه القادمة من أثيوبيا والباقي من دول منابع نهر النيل، لذلك فالاعتقاد أن وراء الإصرار على بناء سد النهضة في أثيوبيا إرادة إسرائيلية للإضرار بمصالح مصر في نهر النيل، ومنه يتضح أيضًا أن عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي يؤثر تأثيرًا مباشرًا وسريعًا على الأمن في البحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس المصدر الحيوي للاقتصاد المصري .

ارتبطت المملكة العربية السعودية منذ القدم بروابط متميزة مع منطقة القرن الإفريقي وبصفة خاصة مع الصومال ومن خلالها انتشر الدين الإسلامي وجرى بالتالي نشر تعليم اللغة العربية مما أثر على ملامح الهوية الصومالية بشكل كبير، ولعل قوة هذه الروابط هي التي دفعت المملكة  للإسهام في تشكيل قوات التحالف الدولي للتدخل العسكري في الصومال بقوام 756 جنديًا بالإضافة إلى إرسال سفينة مساعدات محملة بالغذاء، كما استفادت الصومال بعد تفضيل المملكة استيراد رؤوس المواشي كمظهر دعم الاقتصاد الصومالي، وسبق أن دعا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة السابق ـ يرحمه الله ـ عام 1999م، إلى ضرورة التنبه مبكرًا لخطر الأزمة الصومالية واحتمالات توسعها لذلك شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في القوات العسكرية الدولية بقوام 665 جنديًا ،كما شرعت دولة الكويت في بذل الجهود للقيام بوساطة لفض النزاع في الصومال ولكن جهودها تعطلت بل وتعثرت بعد غزو صدام حسين للكويت وتأييد رئيس الصومال حينها سياد بري للعدوان العراقي، فبرزت حينئذ  قناعة بوجود انعكاس مباشر وسريع للصراع في القرن الإفريقي على أمن الخليج العربي ، كما تم التأكد أن القرن الإفريقي أصبح يمثل أحد مصادر التهديد لأمن الخليج العربي بعد تكثيف التواجد العسكري الأمريكي في جيبوتي من خلال إقامة قاعدة "للقوات العسكرية الأمريكية من أجل إفريقيا المعروفة باسم " أفريكوم "،بالإضافة إلى محاولات إيران المتكررة للتواجد العسكري في باب المندب قريبًا من تطورات الأحداث في اليمن لنصرة الحوثيين، وغذى أكثر هذا الاعتقاد القرب الجغرافي للمنطقتين الذي أوجد تلقائيًا قدرًا هامًا من التداخل الأمني بينهما، خاصة وأن النفط الخليجي يمر معظمه بمنطقة القرن الإفريقي عبر باب المندب في اتجاهه نحو البحر الأحمر .

لقد كان الاجتياح العراقي للكويت في عام 1990م، نقطة البداية لعودة الوعي الخليجي بأهمية أن تتكفل دول الخليج العربية بضمان أمنها بنفسها بعدما مرت بفترة اطمئنان مضلل لسلامة الأوضاع السياسية الإقليمية والعالمية المحيطة بها فكادت أن تعصف بكيانها وبوجودها أطماع توسعية من دولة شقيقة بمجرد أن أبصرت في نفسها قدرًا من القدرة العسكرية، فكان ذلك دليلاً آخر يضاف إلى التجارب التاريخية السابقة خاصة بعد تلك المتعلقة بالتعنت الإيراني تجاه مسألة احتلال الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى الذي أثبت لدول الخليج العربية فشل الاعتماد على جامعة الدول العربية لتحقيق أمنها وضمان سلامة أراضيها بعد انشقاق الدول العربية بين معارض للغزو العراقي للكويت و بين متحفظ كادت أن تلامس مواقفه حدود التأييد والتشفي، وعلى ذلك برزت رؤية خليجية جديدة لمسألة الأمن تعتمد على مفهوم الأمن الجماعي من خلال الاعتماد على وحدة الدول الخليجية الممثلة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتحقيق مبدأ خصوصية الأمن الخليجي ، وكان من ثمار ذلك الاتجاه سريعًا نحو رفع القدرات العسكرية لجيوش الدول الخليجية بالأسلحة الحديثة المتطورة وتكثيف المناورات المشتركة فيما بينها والاستفادة من الخبرات العسكرية بالتمارين المشتركة مع جيوش الدول العظمى لاكتساب المزيد من الخبرات القتالية وهي التي أهلتها لاحقًا لشن " عاصفة الحسم "لإعادة الشرعية في اليمن، وتشكيل النواة الصلبة لقوات التحالف العسكري العربي الإسلامي لمحاربة الإرهاب، والدعوة إلى إنشاء القوة العربية المشتركة وهي مبادرات ما كان لها أن تجد مكانًا لها في اهتمام السياسات العربية لولا النظرة الثاقبة لقادة الدول الخليجية بالنسبة لطبيعة تطورات الأحداث والرأي السديد بالنسبة للمواقف المناسبة والكفيلة لمواجهة تحدياتها،ومن ذلك اتساع النظرة نحو جعل أمن الخليج العربي أمنًا عربيًا يتحمل العرب نصيبًا من المسؤولية فيه كاليمن ومصر والسودان بما لديهم من قوات عسكرية بحرية قادرة على المساهمة في ضمان الأمن في البحر الأحمر.

المتاح لدى دول منطقة الخليج العربية من مؤهلات اقتصادية كبيرة يمكنها من أداء دور مؤثر في استمالة دول منطقة القرن الإفريقي وربطها بعلاقات تعاون إستراتيجية في مختلف المجالات خاصة التي تحقق لها الأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن الطاقوي والأمن الرقمي ،ولدى المؤسسات الخليجية قدرات مالية معتبرة تؤهلها لاقتحام الأسواق الإفريقية خاصة في مجال الصناعات التحويلية والاستفادة من الثروات الطبيعية التي حبا الله تعالى دول منطقة القرن الإفريقي لتحقيق الاكتفاء من إنتاج المواد الإستراتيجية، ويمكن القول أن سياسة الاحتواء تعتبر سبيلا مفضلا لاستقطاب مواقف هذه الدول التي لن تسمح لها أوضاعها أن ترفض مشاريع الشراكة الإنمائية الجادة وفق مبدأ " رابح ـ رابح" أي بتحقيق التبادل المتكافئ، وإذا كانت الواجهة الغربية للمملكة العربية السعودية على البحر الأحمر تمثل امتدادا لمنطقة الخليج العربي فإنها أيضًا تمثل المنطقة المقابلة مباشرة لمنطقة القرن الإفريقي وهذا القرب الجغرافي يعد في حد ذاته عاملًا مشجعًا أمام تطبيقات مفهوم " القوة الناعمة" من خلال توسع نشاطات الجمعيات الخيرية الخليجية للمساهمة في ترقية حياة مجتمعات القرن الإفريقي، واستقبال طلبة دول المنطقة بالمعاهد الخليجية، وإقامة الأنشطة الثقافية والفنية المتبادلة ،وإيفاد كبار الأئمة لإلقاء المحاضرات لترسيخ المفاهيم الإسلامية السمحاء والمساهمة في بناء المساجد المزودة بالمكتبات ومراكز التكوين المهني للفتيات، وتكثيف الجهود لنشر تعليم اللغة العربية ،وتبادل إقامة الأيام الثقافية للتقريب بين شعوب المنطقتين الخليجية والإفريقية، وتنظيم القوافل الطبية للمناطق النائية لمكافحة الأمراض الوبائية وإقامة مراكز صحية دائمة ، ولاشك أن عضوية الصومال و جيبوتي لجامعة الدول العربية ستمثل فضاءً هامًا لتأكيد الانتماء العربي وبالتالي ضمان الالتزام بالقرارات العربية وهي بذلك تعد مجالاً آخرًا للاحتواء في الإطار العربي الواسع .

في المجال السياسي تبرز أهمية ترسيخ سنة التشاور السياسي وتبادل التجارب والخبرات والدعم الدبلوماسي المتبادل في المحافل الدولية كوسيلة للتقارب الذي يولد التفاهم والتعاون المثمر، وقد تكون البداية التي تمهد بالضرورة لتوسيع البعثات الدبلوماسية الخليجية لدى دول منطقة القرن الإفريقي بتزويد السفارات الخليجية بملحقين لتنشيط ومتابعة جهود إرساء علاقات التعاون في المجالات التجارية والفنية والثقافية والعمل على تطويرها، كما يمكن في المجال الاقتصادي استغلال الموقع الجغرافي لدول القرن الإفريقي لإقامة مشاريع شراكة على باب المندب تضمن تقديم الدعم اللوجيستي والتقني للسفن المارة في الاتجاهين بالبحر الأحمر بما يحقق الرفاهية الاقتصادية وأهداف التنمية والمصالح المشتركة، وكذا تكثيف التواجد الخليجي بدول المنطقة من خلال إقامة الاستثمارات الزراعية الكبرى  ومشاريع الشراكة لتنمية الموارد الصيدية التي يمكن أن تعود بالفائدة على كل الأطراف.

إن فرصة الشروع في مبادرة خليجية أوعربية لجعل منطقة القرن الإفريقي منطقة أمن وسلام ومصدر للخيرات ما تزال قائمة ومعها ستزيد احتمالات درء منابع التوتر وتقليص مصادر الخطر، وستتضاعف في المقابل فرص تحقيق السلام الإقليمي، ولعل ما تشهده الساحة العالمية من توترات أمنية خطيرة ومشاكل اقتصادية حادة يعد دافعًا قويًا للتمسك بأهداب التعاون للحفاظ على السلم والأمن وحسن الجوار .

لقد أدركت مبكرًا بعض الدول العظمى الأهمية الاقتصادية والجيوـ سياسية للقارة الإفريقية فأقامت المنتديات الدولية الجامعة " كالمنتدى الاقتصادي الصين ـ أفريقيا " ، و"المنتدى الدولي تركيا ـ إفريقيا" وقد نزعت بعض الدول العربية إلى التوجه نحو إفريقيا بعدما أبصرت ما لديها من مؤهلات تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات ولتتبوأ مكانتها قاريا، فالتوجه المصري الحالي يسابق الزمن لتدارك التأخر في مسار علاقات التعاون المصري الإفريقي في كل المجالات، وكذلك الجزائر التفتت لإفريقيا لتنويع اقتصادها ودخلت مرحلة ضبط أجندة  " الفوروم " الإفريقي الأول من نوعه حول الاستثمار المقرر تنظيمه بالجزائر بين 19 و21 نوفمبر الحالي، وبالنظر إلى ما تمتلكه دول الخليج العربية من إمكانيات كبيرة فإنها تجعلها مؤهلة للشروع في الإعداد لمبادرة إقامة "المنتدى الاقتصادي الدولي الخليجي ـ القرن الإفريقي " لأنه سيكون فضاء واسعا لتنويع العلاقات الدولية الخليجية نحو آفاق أرحب ،ولتعظيم نشاطات التعاون المثمر في مختلف المجالات وتمتين الروابط التي تجمع ولا تفرق لتحقيق هدف أسمى وهو جعل البحر الأحمر منطقة أمن وسلام وخير ورفاهية .

مجلة آراء حول الخليج