array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 117

مخاطبة الآخر مختفية في الإعلام الخليجي على مستوى التشريع و الممارسة رؤية نقدية لمخاطبة الآخر: إستراتيجية النقاط السبع لاتصال خليجي فعٌال عربيًا وعالميًا

الأحد، 05 آذار/مارس 2017

في ديسمبر من العام 2010م، دخل الخليج العربي مرحلة جديدة مهمة في مجال الإعلام والاتصال، حين أقر المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية "الاســـتراتيجية الإعلاميـة لدول المجلس". وهو إنجاز تاريخي للمجلس، ومهم جدًا على مستوى الاتصال الجمعي لدول الخليج العربية، سواء على مستوى الرؤية أم على مستوى الممارسة. وتعبر أهداف هذه الإستراتيجية عن جملة من التوجهات الإيجابية لتوظيف الإعلام الخليجي لخدمة قضايا الخليج من حيث تعزيز التعاون وفرص الوحدة بين دول المجلس، وترسيخ الهوية الخليجية والعربية والإسلامية لدول مجلس التعاون، وتعميق المواطنة الخليجية، ودعم ترابط المجمع الخليجي وأمنه واستقراره، وتنمية الوعي المجتمعي العام لدى المواطنين والمقيمين، ودعم مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودعم التعاون والتكامل بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في دول المجلس.

وكان المجلس قد أقر ميثاق الشرف الإعلامي الخليجي في العام 1998م، وهو الميثاق الذي عني بالعديد من الأمور الضابطة للعمل الخليجي المشترك.

لكن تسارع الأحداث في المنطقة، فيما بعد العام 2011م، تحديدًا، وما نتج عما سمي بـ "الربيع العربي" من أحداث جسام وتداعيات الأمر على دول المنطقة خاصة والمنطقة العربية، والعالم بأسره، ودخول قوى دولية في الصراع بأجندات محدّثة، وبروز تحديات جديدة للأطماع الإيرانية في المنطقة، وسيادة الإعلام الإلكتروني الجديد وشبكات التواصل المجتمعي على المشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي، دفع العديد من دول العالم للعناية بهذه الوسائل المتجددة والمستشرية في ذات الوقت. ربما كان من أهم إجراءات دول مجلس التعاون مجتمعة، حينذاك، توجهها للتعاون في مجال الإعلام الإلكتروني حيث عقدت عدة اجتماعات لمناقشة النفوذ المتزايد للإعلام الإلكتروني الجديد على مجمل مجريات الحياة اليومية لدول الخليج، وبدأ المجلس منذ العام 2015م، العمل على عقد ورش عمل في مجال الإعلام الإلكتروني وإعداد ميثاق شرف للإعلام الإلكتروني، وصياغة قانون موحد للإعلام الإلكتروني، وإستراتيجية خليجية للإعلام الإلكتروني.

تبدو هذه السياقات، المهمة جدًا، في فضاء التنظيم والتشريع لعمل إعلامي خليجي مشترك، إيجابية وضرورية بالفعل. لكن تأملها في سياق الواقع الإعلامي والممارسات اليومية لوسائل الإعلام الخليجية يقود لعدد من التحفظات المهمة. فمثلاً، لا تقود الملاحظة المتخصصة للجهد الإعلامي الخليجي (العملي) بوسائله المتعددة، للقناعة بأن تلك الوسائل تعمل، بالفعل، وفق إطار مفاهيمي ومهني موحدين، أو على الأقل متجانسين. فثمة تباينات واضحة في أولوليات العمل الإعلامي الخليجي وتوجهاته، وأيديولوجياته، في موطنين رئيسيين همان:

-       الأخبار والبرامج الإخبارية.

-       مخاطبة الآخر العربي والأجنبي.

ففي مجال الأخبار تتباين القيم الإخبارية من وسيلة إلى أخرى، وتظهر فروق واضحة في أجندات التغطيات الإخبارية للأحداث المحيطة والدولية، بالقدر الذي يثير قلقًا ما على مستوى التجانس العملي المطلوب في نظرة الإعلام الخليجي مجتمعًا لتلك الأحداث. إن المتابعة الفاحصة لتناول وتغطيات أحداث سوريا والعراق ولبنان واليمن ومصر في الإعلام الخليجي، توضح بشكل جلي، أن الأمر على غير من يمكن أن يكون في الفضاءات التشريعية التنسيقية لمجلس التعاون. والكلام هنا، عن الإعلامات الخليجية الرسمية بالتأكيد، أما غيرها من الإعلام غير الرسمي، وكذا إعلام المواطن، وشبكات التواصل المجتمعي، ففيها من التباين ما هو أصل من أصول صنعتها، وبالتالي يكون نقاشها وفحصها في سياق مختلف.

أما في مجال مخاطبة الآخر العربي والأجنبي، فيبدو أن هذا الأمر ليس ظاهرًا في الأصل في عدد من الجهود الإعلامية والاتصالية الخليجية لا على مستوى التشريع، ولا على مستوى الممارسة. والآخر المقصود هنا، هو ذلك الآخر الذي ينبغي عليه أن يعرف الخليج حق المعرفة تاريخًا، وحضارة وثقافة، وأنظمة سياسية ومكاسب تنموية، وإنسانًا حاضرًا في المعادلات العالمية وفاعلا فيها. فيبدو أن الجهود الإعلامية الخليجية الجمعية في هذا المجال منقوصة أو معيبة، وبحاجة حقيقة للتدخل العاجل للإصلاح. إن فحص بعض الجهود الإعلامية الرسمية الخليجية الموجهة باللغات الأجنبية مثلا، يقود لخلاصة مفادها أن هذا الإعلام لا يخاطب الأجنبي المستهدف في الأصل، لا على مستوى اللغة ومفرداتها وسياقاتها وأدائها، ولا على مستوى المحتوى والأفكار والموضوعات، ولا على مستوى المعالجات الإعلامية ومدارسها.  

هذه الدراسة النقدية الموجزة، تحاول مناقشة هذه الجدلية المهمة في قدرة الإعلام الخليجي على الوصول للآخر العربي والأجنبي و "إبلاغه" الرسالة الإعلامية الخليجية المشتركة.

أولاً: تأثير الإعلام الخليجي على الساحة الدولية

في الإطار العام والمهني المعتبر، هناك نموذجان من الإعلام الخليجي استطاعا خلال العقود القليلة الماضية أن يقوما بدور جيد على الساحة العربية والدولية:

-       النموذج الأول، يتمثل في قنوات الــ "بان أراب" وهي القنوات التلفزيونية التي استطاعت أن تبسط لها قاعدة جماهيرية على المستوى العربي، كمجموعة ال "إم بي سي" والــ "إي آر تي" و "الجزيرة" مثلا. ببعض محطاتها الإذاعية. فهذه المحطات شكلت فضاءات خليجية مهمة في السماء العربي. لكن ذلك لم يكن يعني أبدًا أن المحتوى أو الرسالة الخليجية كانت واضحة ومتسقة وتشاركية في هذه القنوات، بل على العكس، يبدو أن لكل مجموعة منها أجندات إعلامية خاصة بها، تتعارض في حالات محددة مع سياسات بعض الدول الخليجية نفسها. لقد ظهرت عدة اعتراضات رسمية وشعبية على أداء هذه المجموعات الإعلامية الخليجية وغيرها من الإعلام "الخاص"، ومنع بعضها من فتح مكاتب لها في بعض دول الخليج، ومنع مراسلوها من دخول بعض الدول الخليجية أيضًا. وقد حدث ذلك بشكل معلوم بالضرورة لقناة الجزيرة مثلاً، التي مكثت حوالي خمسة عشر عاما، تبذل جهودًا مهنية كبيرة في عمليات إعلامية ضخمة لــ "التنشئة السياسية" لجيل كامل من العرب والخليجيين، على خلاف ما عليه العقيدة السياسية في المنطقة. وهو الأمر الذي دعا عددًا من المراقبين للقول بأن هذه القناة قد أدت دورًا حاسمًا في تهيئة الشباب العرب لقيادة أحداث الربيع العربي التي كان للشباب ولشبكات التواصل المجتمعي حينها دور حاسم فيها متسق مع جملة من القيم السياسية التي كانت قناة الجزيرة مثلاً تدعمها وتنشئ عليها. في حين بقيت المحطات الرسمية لمجموعة دول الخليج غير ذات حضور قوي وملحوظ على الساحتين العربية والأجنبية.

-       المجال الثاني، الذي قام به الإعلام الخليجي من التأثير على الساحة الدولية، يمكن النظر إليه من جانبين، وفقا لما يلي:

  1. الجانب الأول "تقليدي" يتمثل في قدرة بعض المجموعات الإعلامية والقنوات على تجاوز حاجز اللغة والجمهور والوصول للجمهور الأجنبي بعدة لغات أهمها اللغة الإنجليزية. فنظرًا للدور الإعلامي المهم لقناة الجزيرة مثلاً منذ انطلاقتها، فقد كان لإصدار نسختها الإنجليزية الموجهة لأوروبا وأمريكا بشكل رئيس حضور لافت. لقد أصبحت القناة إحدى القنوات المهمة في منظومة الإعلام الغربي، ولها قاعدة جماهيرية عريضة هناك. والشيء نفسه فعلته مجموعة الإم بي سي مثلا، حين أضافت لباقاتها مجموعة من القنوات الناطقة بلغات غير العربية منها الإنجليزية والفارسية مثلاً، متكئة على تاريخ إعلامي مهني جيد بشكل عام على مستوى استقطاب الجماهير والسمعة المهنية الإعلامية.
  2. الجانب الثاني، هو إعلام المواطن، وشبكات التواصل المجتمعي، التي أصبحت مصادر مهمة للإعلام الغربي نفسه لمعرفة ما يجري في منطقة الخليج. لقد تقلدت تلك المنصات الاجتماعية مهمات كبار، كان الأولى أن تتقلدها وسائل الإعلام الخليجية الرسمية. لكن الغياب الملحوظ لتلك الوسائل فتح الباب مشرعًا أمام أي مصدر خليجي ليقتحم النهم الغربي لمعرفة ما الذي يجري بالداخل، فأخذه على علاته من هذه المصادر غير الرسمية. وعندما كنت أعمل نائبًا لرئيس هيأة الإذاعة والتلفزيون في المملكة العربية السعودية خلال العام 2014م، كانت إحدى الهواجس التي تؤرقني هي "القناة الثانية السعودية" الناطقة باللغة الإنجليزية: كيف يمكن أن نجعلها قناة مؤثرة وفعالة وتخاطب الجمهور الأجنبي بشكل مناسب؟ من المؤسف إقراري اليوم، بأننا لم نستطع حينذاك أن نجيب عمليًا على السؤال، على الرغم من عشرات الإجابات الرائعة على مستوى النظرية. وأعتقد أنهم حتى الآن لم يفعلوا.

هنا، تبرز قضية "الإقناع" بشكل واضح، فالمجال الذي لا تؤثر فيه، لن تكون فيه مقنعًا أبدًا. وبالتالي، يبدو أن موضوع قدرة الإعلام الخليجي على الإقناع بمكتسبات الخليج هي قدرة محل نظر. ليس واضحًا لماذا، حتى اليوم، مع استثناءات قليلة، لا تنظر دول الخليج بشكل عام، على المستوى الرسمي، للإعلام على أساس من خصائصه المعرفية والمهنية، ولماذا لا تزال المؤسسات الرسمية الخليجية تعتمد على إعلام الشركات والمؤسسات الخاصة أكثر من اعتمادها على إعلامها. صحيح أن إعلام المؤسسات الخاصة يبدو أكثر جاذبية ومهنية، لكن هذا المتغير كان شأنه أن يدفع بمنظومة دول الخليج، إلى أن تعطي اهتمامًا أكبر بتطوير صناعة الإعلام الرسمي، عوضًا عن الاتكاء إلى الإعلام التجاري، لأن الإعلام الرسمي هو الحامل الأكثر أمانًا لرسالة الخليج ولسياساته، دون شوائب تمويلية وغير تمويلية.

وبالتالي، يمكن تأكيد أن الإعلام الخليجي الرسمي ضعيف التأثير على المستوى العربي وعلى المستوى الدولي، وغير مقنع للجمهور الدولي، بل ربما لم يصل إليه أصلاً. فالجهود الإعلامية الرسمية الخليجية الموجهة باللغات الدولية محدودة، وما هو متاح منها يواجه صعوبات وتحديات مهنية بعضها جسيم للغاية. وقد تحدثت مع بعض المعنيين بالقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية الخليجية الرسمية الناطقة بلغات غير عربية وناقشتهم كثيرًا في شكل ومحتوى ما تبثه تلك القنوات والمحطات من رسائل، وأنها لا تلائم بالضرورة خصائص الجمهور الدولي سواء الغربي منه أو الشرقي. وكانت معظم الإجابات التي أحصل عليها ترد الأمر إلى عقبات إدارية ومالية.

إن الإعلام الخليجي والرسمي منه خاصة، يواجه، دون شك، تحديات جمة في مدى قدرته على توضيح صورة دول مجلس التعاون الخليجي في الخارج، وفي التأسيس للحوار مع الآخر، وفي فهم سياسات وأفكار الشعوب الخليجية. ويحتاج، بالتأكيد، إلى مراجعات هيكلية كبرى، سيما مع دخول هذه المرحلة الراهنة من الإعلام الإلكتروني وسطوة شبكات التواصل المجتمعي. فالاعتبارات التي يجب تبنيها لإصلاح قدرة الإعلام الرسمي تحديدًا في الخليج على مخاطبة الآخر، قد باتت متعددة العوامل والمتغيرات، ومتداخلة مع جملة من العلوم والفنون الثقافية والاجتماعية والوسائلية.

 

ثانيًا: اتجاهات عينة من المغردين الخليجيين

أثناء إعداد هذه الرؤية النقدية استوقفتني بعض التساؤلات المتعلقة باتجاهات الجمهور الخليجي نحو الأدوار التي يقوم بها الإعلام الخليجي على المستوى الدولي. وحتى أتمكن من الحصول على إجابات لهذه التساؤلات، لجأت، منهجيًا، إلى حسابي على تويتر، حيث لدي متابعين يربون على (13000) متابع، معظمهم من الإعلاميين العرب والخليجيين. وتوجهت إليهم باستبيان يستهدف معرفة اتجاهاتهم نحو الأدوار التي يقوم بها الإعلام الخليجي على المستوى الدولي. أبقيت هذا التساؤل متاحًا لــ (96) ساعة (أربعة أيام)، في استبيان من عشرة أسئلة فرعية، قبل أن أجمع البيانات التي شارك بها عينة من المغردين بلغت (325) مغردًا ومغردة. والأسئلة الفرعية للاستبيان هي: كيف ترون قدرة الإعلام الخليجي الراهن بكل وسائله على تعريف المجتمع العربي والعالمي بالخليج العربي وبشعوبه وبمكتسباته والدفاع عنه؟، ما أسباب الإجابة السابقة؟، ما أهم ثلاث إيجابيات وثلاث سلبيات من وجهة نظرك في الإعلام الخليجي بشكل عام؟، ما أهم ثلاثة مقترحات يمكنها تحسين أداء الإعلام الخليجي بشكل عام في الدفاع عن مكتسبات دوله وشعوبه من وجهة نظرك؟، إلى أي مدى تعرّف الفضائيات الخليجية (محطات التلفزيون) بالخليج ودوله وشعوبه وتدافع عن مكتسباته على المستوى العالمي؟، إلى أي تعرّف الصحافة المطبوعة أو الإلكترونية الخليجية بالخليج ودوله وشعوبه وتدافع عن مكتسباته على المستوى العالمي؟، إلى أي تعرّف شبكات التواصل الاجتماعي في الخليج بالخليج ودوله وشعوبه وتدافع عن مكتسباته على المستوى العالمي؟، الجنسية، الجنس، ومدى الرغبة في إضافات حول موضوع الاستبيان.

وكشفت نتائج هذا الاستبيان عن جملة من النتائج المهمة. فقد شارك في الاستبيان (325) مغردًا، ومغردة موزعين بين 220 مغردًا، و105 مغردة. وتوزعت الإجابات إلى (95) مشاركًا من السعودية، و (48) من الإمارات، و (37) من الكويت، و (51) من البحرين، و (49) من قطر، و (45) من عمان. وكشفت إجابات المشاركين عن اتجاه عام نحو كافة التساؤلات المطروحة، وفقا لما يلي:

  1. رأى المشاركون كافة في الاستبيان أن قدرة الإعلام الخليجي على التعبير عن مكتسبات الخليج العربي، والدفاع عنه، قدرة ضعيفة على الرغم مما هو متاح لهذا الإعلام من وسائل وأدوات، وفرص للنجاح. وتلخصت الفروق بينهم في مستوى وحجم هذا الضعف، حيث تراوحت بين عاجز تمامًا، وبين يواجه صعوبات في ذلك.
  2. عن الأسباب التي يعتقد المشاركون في الاستبيان أنها وراء هذا الضعف، تعددت الأسباب، وأمكن جمعها في سياقات متقاربة، عبرت عن أمور أبرزها ما يلي:
    • عدم قدرة الإعلام الخليجي على الإقناع على المستوى الداخلي، وبالتالي هو عاجز على المستوى الدولي.
    • غلبة المحتوى الدعائي على المحتوى الإعلامي المحترف.
    • شيوع المادة الترفيهية فيه.
    • امتلاك بعض الإعلاميين في الخليج لرؤى خاصة وشخصية تؤثر على أداء المهنة وحيادية العمل الإعلامي.
    • نقص التأهيل والتدريب الإعلامي على الكفاءة الإبداعية.
    • عدم القدرة على القيام بعمل خليجي مشترك، عمل الفريق صناعة لم يجدها الإعلام الخليجي بعد.
    • تعدد الانتماءات الفكرية والمذهبية في الخليج.
    • تداخل العمل الإعلامي مع المصالح والأطماع الدولية.
    • ترسخ الصور النمطية لدى الغرب عن الخليج، وبالتالي يحتاج تحسين الصورة لعمل شاق جدًا.
  3. جاءت الإيجابيات التي يعتقد المشاركون في الاستبيان أن الإعلام الخليجي يتمتع بها، محدودة جدًا. من أبرزها: تقديم عدد من وسائل الإعلام الخليجية لمواد جديدة ومعدة ومنفذة بشكل محترف، النزوع لعدم الإثارة وبخاصة في مجال الأخبار والبرامج الإخبارية، وسرعة نقل الأحداث، والانتشار، وتعدد الوسائل الإعلامية وتنوعها، وتوافر مؤسسات الإعلام الخليجية على إمكانات تجهيزية ممتازة.

أما سلبيات الإعلام الخليجي، فقد أخذت حيزًا واسعًا من الاهتمام، وأمكن تلخيص أبرزها في ما يلي: نقص الحرية الإعلامية، عدم الاهتمام باحتياجات الجمهور الخليجي الحقيقية، ملكيته للدول، عشوائية وارتجالية في بعض المواد المعروضة، تكرار عدد كبير من المواد الإعلامية، وعدم قدرته على النقد البناء، إثارة الفتن الطائفية والمذهبية والحزبية، دعم الصور النمطية السلبية عن الخليج من خلال تقديم نماذج سيئة، السعي النهم لتقديم النماذج والقيم الغربية، تسطيح بعض الأمور المهمة، وتضخيم أخرى غير مهمة، عدم القدرة على المتابعة الجيدة للمستجدات، طغيان الشأن المحلي على العالمي المهم، التركيز على المواد والمضامين  المستوردة وعدم القدر على ابتكار مواد نابعة من الثقافة الخليجية وتعبر عن الهوية الخليجية.

  1. عبر المشاركون في الاستبيان عن منظومة من المقترحات التي يرون أنها يمكن أن تساعد الإعلام الخليجي ليكون أقدر في التعبير عن مكتسبات الخليج والدفاع عنه. ومن أبرز ما أمكن تلخيصه في هذا المجال، ما يلي: التعبير بمصداقية ومهنية عن عقلية الشعوب الخليجية وطموحها وتطلعاتها، الابتعاد عن مجرد كيل المديح للحكومات وبرامجها وتقديم معالجات مهنية للقضايا والموضوعات التي تهم دول الخليج على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، رفع كفاءة العاملين في حقل الإعلام، الإستفادة من المؤسسات التعليمية في الخليج، والتنسيق معها، ووضع استراتيجيات مشتركة للعناية بالمواد الإعلامية، والتأكد من أهليتها وكفاءتها في خدمة الأهداف العليا لدول الخليج مجتمعة.
  2. فيما يتعلق بمدى قدرة كل من التلفزيون، والصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي على التعريف بمكتسبات الخليج والدفاع عنه، ظهرت نتائج مهمة جدًا. ففي حين تراوحت الإجابات بشأن التلفزيون والصحافة بين (للإعلام الخليجي دور محدود، أو ليس له دور، أو ليس فقط ليس له دور ولكن أيضًا يسيء)، تغير الأمر بالنسبة لشبكات التواصل الإجتماعي، حيث عبر معظم المشاركين عن أن شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل مناسب في التعريف بمكتسبات الخليج، وأيضًا الدفاع عنه. وذلك مع نسبة قليلة رأت أن هذه الشبكات قد ساهمت في الإساءة لدول المجلس وشعوبه.

 

ثالثًا: أهم التحديات الاتصالية التي تواجه الإعلام الخليجي الرسمي الراهن

في العام 1991م، كتب أحد الباحثين في مجال الإعلام، يصف مرحلة بروز الفضائيات "لقد كانت بوادر الأزمة التي نجمت عن هذا الوضع أن هزت ثقة الشباب في حاضره هزًا، ودكت أسس إيمانه بأمجاده الماضية دكًا، واكتشف المستقبل في أنظاره ضبابًا كثيفًا". وكانت المعارضات  الشعبية والتحفظات الرسمية في العالم الإسلامي وبخاصة في دول الخليج العربي، على أشدهما مطلع التسعينات الميلادية الماضية. لكن اليوم يشهد ما لا يمكن معارضته ولا التحفظ عليه.

لقد برزت شبكة الإنترنت بكل تطبيقاتها وحساباتها وفضاءاتها كأبرز التقنيات المعاصرة وأهمها. لقد كان عدد مستخدمي الإنترنت في العالم في بداياتها في عام 1993م، (14 مليون و121 ألف)، ليصل اليوم في العام 2017م، إلى (3 مليارات و425 مليون مستخدم). هذا يعادل تقريبًا 64% من سكان الأرض. وتتوقع مراكز البحوث مثل "أورينت بلانيت للأبحاث" نموًا فى عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم العربي فقط ليبلغ نحو 226 مليون مستخدم بحلول العام 2018م. وذلك وفقًا لـ"تقرير اقتصاد المعرفة العربى 2015-2016". وتسجل معدلات استخدام شبكة الإنترنت في العالم العربي ارتفاعًا ملحوظًا لتصل إلى 55% بحلول العام 2018 مقارنةً بـ 37.5% خلال العام 2014م، مثلاً، متفوقة بـ 7% تقريبًا على معدل النمو العالمي المتوقع والبالغ 3,6 مليار مستخدم. وبرزت في العقد الأخير دراسات مهمة اتخذت لها عناوين غاية في الدلالة مثل "وحدنا معًا" لشيري تاركل، و "هل جعلنا الفيس بك وحيدين" لستيفن ماركي.

وفي الوقت الذي يمكن الإقرار فيه بأن هذه الإحصاءات والبيانات الرقمية تمثل، في حد ذاتها، تحديًا كبيرًا أمام قدرة الإعلام الخليجي الرسمي للتجاوب مع شروط المرحلة الاتصالية الراهنة وخصائصها، إلا أن ثمة تعقيدات أخرى صاحبت هذه النقلة الاتصالية التقنية، وأصبحت هذه التعقيدات تهدد دول الخليج وشعوبها بشكل مباشر. ففي علاقتها بالفكر، تم تحويل شبكات التواصل الاجتماعي في حالات كثيرة جدًا إلى مراكز لتجنيد الشباب ضد دولهم وشعوبهم، وضد مكتسباتهم، لصالح دول أخرى أو جماعات ومنظمات مارقة لها أطماع في منطقة الخليج العربي. ومن أخطر المؤشرات أن 80% من الذين انتسبوا إلى تنظيم داعش، مثلاً، تم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأفادت دراسة بحثية نشرتها مؤسسة "بروكينغز" أن تنظيم داعش يغزو مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة موقع "تويتر" بعشرات الآلاف من الحسابات. ومعظم هذه الحسابات تم إنشاؤها في عام 2014م. وتشير الدراسة إلى أنه أمكن رصد تسعين ألف حساب لـ"داعش" على "تويتر"، تشمل "مؤيدين مخفيين" و"عملاء استخباراتيين تابعين "للتنظيم الإرهابي"، بالإضافة إلى حسابات لـ"عملاء استخباراتيين مناهضين" له، والهدف منه مراقبة نشاطاته الإلكتروني. وكثير من هذه الحسابات تعرض للإيقاف، لكن حسابات أخرى تخرج من جديد.

لقد دفعت هذه الحقائق الاتصالية العديد من دول العالم، ومنها دول الخليج، لتشكيل فرق أمنية لتتبع وحظر جميع حسابات داعش على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا الأمر غيّر، ربما أولويات عمل الحكومات الخليجية في مجال الإعلام والاتصال، وأشغلها عن تنمية قطاع الإعلام والاتصال بما يخدم المهنة والتنمية الخليجية، وصورة الخليج في الخارج. فمما يؤرق المخططين التنمويين في دول الخليج العربي حاليًا، أنه مع وسائل التواصل الاجتماعي، بات من الممكن أن يتطرف الشاب وهو في غرفة نومه. فالإرهاب الإلكتروني يستغل تناقضات الحياة لدى الشعوب واحتياجاتها، ويعمل على إذكاء روح العداء في نفوس ضحاياه، وبالتالي يسهل عليه السيطرة على اتجاهات الشباب وسلوكهم فيوجهها لمآربه الإجرامية. ومن الجذور التي يتكئ عليها إعلام واتصال الجماعات الإرهابية تلك الأحداث التاريخية التي حدثت في منطقة الخليج العربي، فمثلا كانت مرحلة حرب الخليج 2003م، مهمة جدًا في هذا السياق، حيث عرضَت الفضائيات العربية والخليجية تقارير إخبارية مصورة حول المتطوعين العرب للدفاع عن العراق، وأنهم إرهابيون عرب وخليجيون. لقد أدى ذلك إلى إعادة دول الخليج العربي حساباتها في أي إمداد بشري أو مادي للمقاومة العراقية، حيث بدى الأمر هكذا عونًا لجماعات إرهابية وهو ما لم تكن دول الخليج مستعدة للخوض فيه.

وفي المرحلة الراهنة، تواجه دول الخليج العربي التحدي الإيراني المتجدد (بنظام الملالي.. وولاية الفقيه) والتحولات الدولية المترتبة على كل ما له علاقة بــــ (إيران) اليوم. فإيران في الألفية الجديدة، غير إيران ما قبلها. وجُلّ الصور السلبية عن الخليج والمفترية عليه، لها علاقة عضوية بتحولات المشهد الدولي في الألفية الجديدة، الذي يكون النظام الإيراني جزء منه. فإيران تعبث وتعتدي وتطمح. ولا يضيرها أن تغدر وتخون من أجل مآربها المشؤومة والمشبوهة في المنطقة. وظهرت مناصرة القوى الدولية لها علنًا، إبان توقيع الاتفاقية النووية، وفي مراحل مهمة من عهد الرئاسة السابقة للحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة. وصارت دول الخليج العربي بين الأفعى والشيطان. وعلى الرغم من تغير نغمة الخطاب الرئاسي الجمهوري الأمريكي الراهن مع إيران، إلا أن إيران تبقى، حتى إشعار آخر، مصدرًا مقلقًا في المرحلة العصيبة الراهنة في المنطقة، وأحيانًا مستعصية على التحليل والنقد، ومتغيرًا مهمًا في كافة الحسابات الإعلامية والاتصال لدول الخليج.

ويبدو أن بيئة الإعلام والاتصال الجديدة، صاخبة بالتحديات الحقيقية للكيان الخليجي العربي، فهناك ما يربو على (200) تغريدة في الدقيقة تستهدف أمن الخليج العربي واللحمة الوطنية لدوله وشعوبه والنسيج المجتمعي الخليجي، وأكثر من (عشرة آلاف حساب) في تويتر لإحباط المجتمع الخليجي وتشتيت صفوفه بمعدل يزيد عن (6000) حساب عبر تويتر موجهة ضد المملكة العربية السعودية بشكل خاص والخليج بشكل عام، لزرع الفتن داخل مجتمعاته، وبث الشائعات وأكثر من (4000) حساب أخرى تقوم بإعادة نشر تلك التغريدات. هذا إضافة إلى عشرات الآلاف من شائعات الواتساب ومقاطع التندر والسخرية التي ينتجها أناس معادون للخليج دولاً وشعوبًا، وحاقدون يسعون من خلالها لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية ومخططات دولية تستهدف زعزعة أمن واستقرار الخليج العربي.

ويبدو أن الإعلام والاتصال المأجور المهاجم للخليج يسعى بشكل محموم إلى "تشويه السمعة". والتاريخ يعلمنا، أن سلسلة الهجوم على الدول والشعوب، تبدأ بحلقة تشويه السمعة. فالخليج اليوم، يواجه أشكالاً وألوانًا من تشويه السمعة ليست بخافية على الملاحظين. وإعلام تشويه السمعة، له جمهور عصي على غيره من الإعلام. وهذا النوع من النقد "الهجومي"،  معلوماتي جدًا، وحصيف جدًا، ويتمظهر بالموضوعيه، وينطلق من مفارقات الواقع، وأهدافه الإعلامية من أقوال وأفعال المؤسسات الرسمية الخليجية، ومن تعقيدات الواقع الثقافي والاجتماعي الخليجي، ومن تركات الماضي، ومحطات التاريخ المعاصر القريب. وبالتالي، فلا شك في أن دول الخليج اليوم تواجه هذا النوع من النقد، (نقد تشويه السمعة)، ولذلك ما وراءه من مقاصد الإضرار بدول الخليج ومجتمعاته، بعد أن تتم مرحلة التشويه هذه، ويصبح الرأي العام داعمًا لأي حلقة أخرى في سلسلة الاعتداء. ومن المؤسف أنه أمكن أن يوجد داعمين "محليين وإقليميبن"، لقوى دولية نجحت في مرحلة تشويه السمعة.

وقد شهدت العاصمة البحرينية "المنامة" انعقاد القمة الخليجية السابعة والثلاثين في شهر ديسمبر من العام 2016م، وناقش قادة دول مجلس التعاون خلالها ملفات عدة منها ما تواجهه المنطقة من نشاط عدواني منظم، وأخطار إقليمية اتخذت من الطائفية وقودًا لها، إضافة إلى أزمات محددة في كل من سوريا واليمن وليبيا. وبالتالي، ركزت القمة الخليجية على نقطتين رئيسيتين: الأمن والاستقرار في الخليج والدفاع المشترك بين دوله، إضافة للتحديات الاقتصادية في ظل الأزمة الرأسمالية العالمية، وانخفاض سعر النفط. ومن أهم الإصدارات الخليجية التي عنيت بعلاقة الشعوب الخليجية بوسائل الإعلام والاتصال، ما أسمته بعض وسائل الإعلام العربية مبادرة جديدة للتعاون بين المؤسسات البحثية الخليجية ومؤسسات النشر الدولية. وهي المبادرة المتمثلة في إصدار كتاب بعنوان "وسائل الإعلام الاجتماعية في العالم العربي: أنماط الاتصال الجماهيري واتجاهات الرأي العام في دول الخليج"، من تأليف وإشراف الدكتور خالد الجابر أستاذ الاتصال السياسي في برنامج الخليج في جامعة قطر، والدكتور مختار العريشي، والبروفسور باري جونتر من جامعة ليستر. وصدر الكتاب منتصف العام 2016م، باللغة الإنجليزية عن دار "آي. بي. توريس" في بريطانيا. وسعى الكتاب إلى تفكيك ودراسة التحولات التي طرأت على وسائل وأدوات الإعلام في العالم العربي وطبيعة التغييرات التي طالت المشهد الاتصالي بمجمله، ومدى تراجع أهمية وسائل الإعلام التقليدية ومؤسساتها وتأثيرها وانتشارها، وصعود دور منصات التواصل الاجتماعي، والوسائط الرقمية، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، كما ورد في تقديم الكتاب. ويناقش الكتاب باستفاضة مظاهر من تعقيدات المشهد الاتصالي الرقمي وتداعياته على الفضاء الثقافي والاجتماعي.

رابعًا: توصيات من أجل اتصال خليجي فعال على المستوى العربي والدولي

يبدو أن منظومة دول الخليج العربي اليوم بحاجة لمزيد من الجهد لرفع كفاءة الإعلام والاتصال الخليجي للتعريف بالخليج وبمكتسباته على المستوى العربي والدولي، وللدفاع عنه، وتعزيز الصورة الإيجابية التي يستحقها. ومن أدوات ذلك، ما يلي:

  1. اتخاذ مبدأ "الفعل الاستراتيجي المتكامل" وهو الفعل الذي يتجاوز العمل المؤسسي الحكومي لدول الخليج ويقوم على الشراكة المجتمعية في مواجهة المخاطر. ومن ذلك وجوب مراقبة العمل الإعلامي الخليجي في ضوء ما أقر من استراتيجيات ومواثيق شرف من جانب، ومن جانب آخر، استحداث برامج خليجية طموحة لإشراك الشعوب في رحلة التعريف بمكتسبات الخليج والدفاع عنه، عبر ما يملكه الناس من منصات إعلامية واتصالية فاعلة ومؤثرة، وبشكل إستراتيجي حصيف.
  2. الإقدام على تحقيق الإصلاحات الإعلامية والاتصالية اللازمة بوتيرة أسرع، وبثقة.
  3. تقوية الأجهزة القانونية في دول المجلس للمحاسبة القانونية لدى المنظمات والمحاكم الدولية لكل من يعتدي على دول الخليج وشعوبه إعلاميًا. فمن يعتدي بخطابه الإعلامي، أو بمحتوى وسيلته الإعلامية،  يجب أن يُردع بالقضاء الدولي. والحجة في القضاء ستكون فاعلة وقوية، لأن من الناقدين للخليج دولاً وشعوبًا من يقترفون جنايات نشر وجرائم معلومات، ويكذبون ويدّعون. وهذا كله مناط التقاضي. فلا بد من إشاعة ثقافة أن الخليج يقاضي من يعتدي عليه إعلاميًا.
  4. توظيف الإعلام الخليجي والإعلام الرسمي منه بشكل خاص لتفنيد مخاطر الاصطفاف الطائفي والمذهبي الذي بات يظهر في شبكات التواصل المجتمعي على مستويات عدة، ويهدد المصالح الإستراتيجية لدول الخليج العربي وشعوبه.
  5. دعم ومساندة الجهود الإيجابية الراهنة لمواجهة التحديات الإعلامية والاتصالية، ولإيصال الصور الحسنة عن الخليج وتعزيزها، مما يقوم به شباب خليجيون مهتمون وفاعلون في شبكات التواصل الاجتماعي، وتصميم برامج لبث روح التنافس الشريف بينهم على الإبداع.
  6. وضع معايير متقدمة وحازمة لاختيار القيادات الإعلامية في دول الخليج، وكذا كافة العاملين في الإعلام على أسس علمية ومهنية وقصر العمل الإعلامي في الخليج على إعلاميين مؤهلين ومدربين قادرين على فهم تعقيدات بيئة الاتصال الجديدة ومعالجتها بعمق ودراية.
  7. تنظيم مؤتمرات وندوات وورش عمل تسعى لتطوير صناعة الإعلام الخليجي، بما يحقق بشكل أكبر مواجهة التحديات التي تتعرض لها دول المنطقة وشعوبها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الإمام بالرياض ـ أستاذ كرسي اليونسكو للإعلام المجتمعي ـ عضو الهيأة العلمية لكرسي حوار الحضارات بجامعة السوربون باريس بانثيوم

 

مجلة آراء حول الخليج