array(1) { [0]=> object(stdClass)#13013 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 122

الحروب الأهلية وأخطارها ومدى استمرارها الحل السياسي هو الأمثل لإنهاء حرب اليمن ضمن صفقة بمشاركة جميع الأطراف

الثلاثاء، 29 آب/أغسطس 2017

أثارت ظاهرة انتشار الحروب الأهلية اهتمام علماء السياسة، خاصة أن هناك حوالي 25% من دول العالم تشهد حروبًا أهلية، والتي ازدادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فنجد أنه في عام 1994م، كانت هناك (44) حربا أهلية وأغلبها إن لم يكن جميعها في الدول النامية والتي أصبحت مشكلة سياسية دولية تهدد الأمن الدولي والإقليمي ، وتزداد الحروب الأهلية بمعدل 2.3% في الوقت الذي تنتهي فيه بعض الحروب الأهلية سنويا بمعدل 1.85 %، وهذا مؤشر على أن الحروب الأهلية مستمرة في النظام الدولي. وتختلف الحروب الأهلية التي شهدتها بعض الدول في مدة استمرارها، فقد نشبت (128) حربًا أهلية منذ عام 1945م، 25% من هذه الحروب تم حلها خلال عامين أو أقل، و25% من هذه الحروب الأهلية استمرت 12 عامًا، وهناك حوالي (13) حربًا أهلية استمرت عشرين عامًا؟ وقد دفعت الحروب الأهلية إلى تدخل أطرافًا خارجية في هذه الحروب، والسؤال المطروح هل يدفع التدخل الخارجي إلى إطالة أمد الحرب الأهلية أم يسهم في إنهائها في مدة قصيرة؟ خاصة أن الإقليم العربي شهد حروبًا أهلية بعضها يزداد تعقيدًا، مثل الحرب الأهلية في سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال، وكلها دول ضمن النظام الإقليمي العربي إضافة إلى الحرب الأهلية في أفغانستان والى درجة ما في باكستان وهما دولتان مسلمتان.

الدول الهشة والحرب الأهلية

إن الحروب الأهلية تنهش الدول الهشة التي تغيب فيها دولة المؤسسات وسيادة القانون، وتكون الخلافات العرقية والطائفية والفساد من عوامل نشوب الحرب الأهلية، عندما تشعر الأقليات بالإحباط في تحقيق مصالحها، كما أن الأنظمة الدكتاتورية وانتهاك حقوق الأفراد والجماعات يدفع إلى التمرد واللجوء للعمل المسلح بين الحكومة المركزية والجماعات التي فقدت ثقتها في الحكومة المركزية، وقد يكون الخلاف العقدي (الأيديولوجي) أحد أسباب الحرب الأهلية في الدول النامية الهشة. وقد تدفع الحرب الأهلية إلى تدخل طرف ثالث في الحرب وقد تكون دولة مجاورة أو بعيدة من أجل إنهاء الحرب الأهلية ولكن التدخل الخارجي في الحرب الأهلية قد يعقد نهاية الحرب لأنه قد يدفع أطرافًا أخرى لأن تقف مع الطرف الآخر في الحرب الأهلية، لأن تدخل الدولة في الحرب الأهلية في دولة أخرى يكون في الغالب بجانب طرف على حساب آخر، قد يكون إلى جانب السلطة الحاكمة التي تواجه تمردًا أو تكون للتدخل إلى جانب المعارضة، ولسنا بصدد أسباب الحرب الأهلية ولكن نحن نحاول فهم هل يؤدي تدخل طرف ثالث إلى إنهاء الحرب الأهلية أم إطالة أمدها.

التدخل الخارجي كأداة من أدوات السياسة الخارجية

إن تدخل الدول في الحروب الأهلية يرتبط بمصالح الدولة المتدخلة، وحيث أن البعد الأخلاقي يكاد يكون لا مجال له في العلاقات بين الدول على اعتبار أن المصلحة القومية هي الأساس  حسب نظرية الواقعية في العلاقات الدولية ، وكما يردد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر بأنه لا أخلاق في السياسة، أي الميكافلية السياسية، لذا فالدول تتدخل في الحروب الأهلية في الدول الأخرى للأسباب التالية أو على الأقل لسبب من هذه الأسباب: أيجاد نفوذ لها في الدولة الأخرى، أو لأسباب تتعلق بالدولة المتدخلة قد يكون متماشيًا مع الرأي العام فيها أو لإلهاء الرأي العام فيها عن مشاكل داخلية تتعلق بالسلطة الحاكمة أو لتحقيق مصالح استراتيجية واقتصادية أو لاستنزاف موارد دول أخرى منافسة لها تريد جرها للتدخل في الحرب الأهلية.

الولايات المتحدة واستنزاف الاتحاد السوفيتي في أفغانستان

تعتبر الحرب الأهلية الأفغانية مثالا للتنافس بين الدول الكبرى لتصفية حساباتها واستنزاف الطرف المنافس لها، فأثر الانقلاب العسكري الذي قاده نور محمد ترقي عام 1978م، ضد الجنرال محمد داود وإعدامه، فقد أصبحت أفغانستان قريبة من الاتحاد السوفيتي حيث أن حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني تبنى الاشتراكية في البلاد، وفي سبتمبر 1979م، وصل نائب رئيس الوزراء حفيظ الله أمين إلى رئاسة الحكومة بعد مقتل نور الدين ترقي، ثم مقتل حفيظ الله أمين والتدخل السوفيتي في أفغانستان في ديسمبر 1979م، وتنصيب باربرك كرامال رئيسًا في أفغانستان الذي استمر في الحكم حتى عام 1986م، وتولي محمد نجيب الله الحكم .

وتشير المصادر الأمريكية أن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبجنيو بريجنسكي في عهد كارتر كان وراء جر الاتحاد السوفيتي للتورط في أفغانستان، فقبل التدخل السوفيتي بشهور كانت الاستخبارات الأمريكية تدعم المعارضة الأفغانية ( المجاهدون الأفغان ) لحكم حزب الشعب الديمقراطي في أفغانستان على اعتبار أنها حكومة شيوعية، ومما يثير الانتباه للباحث مقتل حفيظ الله أمين الذي طلب الدعم السوفيتي مما يبين مدى حقد السوفيت عليه، ويوحي بعدم ثقة السوفيت في حفيظ الله أمين لأنهم تدخلوا عسكريًا في أفغانستان بذريعة  حماية الحكومة الأفغانية ضد المجاهدين ونصبوا باربرك كارامال، ويقال أن حفيظ الله قد تم تجنيده من قبل الاستخبارات الأمريكية CIA عندما كان ملحقًا في السفارة الأفغانية في واشنطن، ولذلك يمكن اعتبار طلبه دعم السوفيت خطة معدة لجر السوفيت وتوريطهم في الحرب الأهلية في أفغانستان بين السلطة الحاكمة الشيوعية على اعتبارها السلطة الشرعية وبين المعارضة الأفغانية المعارضة للحكومة الشيوعية؟ السوفيت تدعم الحكومة والولايات المتحدة تدعم المعارضة.

ونجد أن التدخل الأمريكي بمساعدة المجاهدين الأفغان لم يكن يهدف لإنهاء الحرب الأهلية بل إطالة الحرب فيها لاستنزاف الاتحاد السوفيتي اقتصاديًا وعسكريًا واستمرت الحرب الأهلية حتى عام 1988م، وكان هدف الولايات المتحدة جيوبولتيكا لدحر الشيوعية من أفغانستان وحتى من أوروبا الشرقية حسب مبدأ الرئيس الأمريكي ريغان. كما أن التدخل الأمريكي لم يكن فيه الجانب الأخلاقي لإنهاء معاناة الشعب الأفغاني بل إطالة أمد الحرب الأهلية وبالتالي نجد أن الاتحاد السوفيتي انهار بعد ثلاثة أعوام من نهاية التدخل السوفيتي في أفغانستان عام 1988م.

وهذا يعيدنا إلى حرب فيتنام عندما تدخلت الولايات المتحدة في الحرب الأهلية الفيتنامية وتم استنزاف واشنطن حتى وصل عدد الجنود الأمريكيين إلى نصف مليون جندي أمريكي، وكانت الصين والاتحاد السوفيتي يدعم بطريق غير مباشر ثوار الفيتكونغ الفيتناميين وبالنهاية لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها وانتهت في عهد الرئيس نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر على اعتبار أن التدخل في أفغانسان كان مستنقعًا خطيرًا للولايات المتحدة أثار الرأي العام الأمريكي.

الحرب الأهلية العرقية والعقائدية من أخطر الحروب

إن الدراسات الأكاديمية تؤكد أن الحروب الأهلية العرقية من أخطر الحروب الأهلية كما هو حال الحرب الأهلية بين الهوتو والتوتسي التي حدثت في رواندا، التي أدت إلى إبادة جماعية في رواندا، التي قتل فيها حوالي 800 الف عام 1994م، استهدفت قبائل الهوتو أقلية التوتسي، كانت يوغندا تدعم التوتسي وفرنسا تدعم الهوتو، هذا التدخل الخارجي كان لأهداف استراتيجية واقتصادية، وهي مثال لأعنف الحروب العرقية في نهاية القرن العشرين، وتغذي التدخلات الأهلية الحروب الأهلية في القارة الإفريقية والتي تعتبر قارة النزاعات العرقية بسبب هندسة الدول الاستعمارية لحدود الدول الإفريقية .

وتأتي الحروب الأهلية الأيديولوجية في المرتبة الثانية بحدتها وصعوبة إنهائها لأنها تأخذ وقتًا طويلا حتى تصل الأطراف المتنازعة إلى مرحلة التفاوض والوصول إلى الحل السياسي، الحرب الأهلية الأفغانية مثال،  كما هو حال الحرب الأهلية الفيتنامية، والحرب الأهلية في يوغسلافيا سابقًا حيث ارتبط الصراع الديني والعرقي بين المسلمين والصرب في البوسنة والهرسك، والحرب اللبنانية أخذت مداها منذ 1975م، وحتى اتفافية الطائف 1989م، وهي حرب طائفية، وقد أدى الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003م، الى الحرب الأهلية المذهبية عندما دعمت الولايات المتحدة الطائفة الشيعية في الوصول للحكم وهمشت الطائفة السنية مما أدى إلى بروز الجماعات المتطرفة من كلا الطرفين ولذلك كان التدخل الخارجي في هذه الحالة من أسباب الحرب الطائفية التي أدت إلى مذابح للطائفة السنية على يد الحشد الشعبي الشيعي والجماعات المسلحة الشيعية وبدعم من السلطة الحاكمة الشيعية مما أدام مدة الحرب الأهلية .

                       التدخل الخارجي بين إنهاء الحرب وإطالة أمدها

تتعدد أشكال التدخل الخارجي في الحروب الأهلية، فقد يكون التدخل على شكل قوات متعددة الجنسية لمنع الحرب أو تكون فاصلاً بين أطراف النزاع في الدولة كما هو حال قوات حفظ السلام الدولية، وقد تتدخل مجموعة من الدول إلى جانب أحد أطراف النزاع، كأن يكون التدخل على جانب الحكومة الشرعية ضد المعارضة المسلحة للدولة، وقد تكون دولة تتدخل إلى جانب المعارضة أو الحكومة. وقد حدثت تدخلات متعددة في الحروب الأهلية في معظم دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية التي شهدت الحرب الأهلية.

وتشير الدراسات الأكاديمية التي تناولت التدخل الخارجي، أن التدخل العسكري إذا استمر فترة طويلة لا يمكن أن يحقق نصرًا سواء كان التدخل إلى جانب الحكومة الشرعية أو إلى جانب أطراف المعارضة المسلحة، ولكن الانتصار السريع من التدخل العسكري يمكن أن ينهي الحرب الأهلية لأنه يمكن أن يقلب الميزان لصالح الحكومة الشرعية، ولكن طول التدخل قد يدفع أطراف دولية منافسة للدولة المتدخلة مما يخلق توازنًا عسكريًا يدفع إلى جمود الموقف مما يدفع إلى ضرورة الحل السياسي من خلال المفاوضات. وأحيانًا طول التدخل العسكري قد يدفع الرأي العام داخل الدولة التي تشهد الحرب الأهلية إلى التعاطف مع المعارضة ويحرك الشعور الوطني، كما أن طول التدخل قد يثير الرأي العام في الدولة المتدخلة. فالرأي العام تحول ضد التدخل الأمريكي في فيتنام وكانت المظاهرات الطلابية في الولايات المتحدة ضد الحرب، ومن جانب  آخر أثار التدخل العسكري الأمريكي الشعور القومي الفيتنامي للتعاطف مع الفيتكونغ.

التدخل العربي وعاصفة الحزم والحل السياسي في اليمن

إن التدخل العربي في اليمن، عاصفة الحزم، كانت إلى جانب الحكومة الشرعية بعد سيطرة جماعة الحوثي والرئيس السابق علي صالح على العاصمة صنعاء، ولم يكون التدخل العربي بريًا بقدر ما هو تدخلاً جويًا، وتركت الحرب البرية للأطراف اليمنية، فالظاهر أن الجيش اليمني، هناك المؤيد للشرعية وهناك قسم من الجيش يدين بالولاء للرئيس السابق. وعادة التدخل الجوي لا يحسم معركة التدخل العسكري، والنقطة الأخرى أن الدول التي تدخلت بعضها كان رمزيًا أكثر مما هو فعليًا، ولكن التدخل الحقيقي للمملكة العربية السعودية وللإمارات العربية المتحدة، كما أن أهداف الدول الفعالة المشاركة ليست متطابقة معًا. أما على المستوى الداخلي اليمني فالرئيس الشرعي عبد ربه هادي عندما تولى الرئاسة بعد علي صالح وفقًا للمبادرة الخليجية كان يعاني من إقناع الشعب اليمني وإثبات تمتعه بالشخصية الكاريزمية حتى يتمكن من تحقيق إجماع الشعب اليمني حوله.

وإذا انتقلنا للأطراف الإقليمية والدولية، فيظهر أن الولايات المتحدة ليست معنية بالحوثيين والرئيس السابق بقدر اهتمامها بالحرب على القاعدة وتنظيم الدولة (داعش)، وحتى تأييدها للتحالف الدولي بحدود معينة، أما روسيا المنافسة للولايات المتحدة، فليست معنية باليمن بقدر مصالحها التجارية والسياسية مع دول الخليج العربي ولذلك أقرب إلى الحياد في هذه الحرب الأهلية، وإن كانت الأسلحة الروسية تتسرب للحوثيين عن طريق إيران.

إن المنافس الحقيقي في الحرب الأهلية في اليمن هي إيران، ولكنها بعيدة جغرافيًا ولا تشكل اليمن أولوية في الاستراتيجية الإيرانية كما هو حال العراق. ولكن وجدت فرصة سانحة لها لتعزيز نفوذها في اليمن من خلال الحوثيين، وكما يقول بروس راسيل من معهد بروكننز، إن العلاقة بين الحوثيين وإيران تعززت منذ حروب الحوثيين مع الرئيس علي صالح عندما كان يحكم اليمن، واستغلوا حاجة الحوثيين للأسلحة ومن ثم تطورات العلاقة بين الحوثيين وإيران، علمًا بأن الصراع في اليمن هو صراع سياسي وليس صراعًا مذهبيًا، فاليمن لم تشهد صراعًا مذهبيًا في تاريخها الحديث لأن المذهب الزيدي أقرب لأهل السنة والجماعة من الإمامية الإثنى عشرية في إيران.

إن طول الفترة التي شهدتها عاصفة الحزم وقد تجاوزت العامين والنصف، وفي ظل اختلاف الأهداف بين  الفرقاء داخل اليمن وفي أهداف الدول الإقليمية وتراخي الدول الكبرى يجعل الحل السياسي هو الأمثل لإنهاء حرب اليمن وعودة الشرعية والحاجة إلى صفقة سياسية تشترك جميع الأطراف السياسية اليمنية فيها تحت مظلة وساطة الأمم المتحدة وبمشاركة الدول الخليجية والعربية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلوم السياسية – جامعة الملك عبد العزيز

 

مقالات لنفس الكاتب