array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 129

الحراك الروسي في الأمم المتحدة لاستعادتها مكانتها كقوة كبرى والانتقال إلى نظام متعدد

الإثنين، 02 نيسان/أبريل 2018

دفعت الحرب العالمية الأولى وما خلفته من خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة الباحثين في مجال العلاقات الدولية إلى التطلع لعالم بلا حروب وصراعات يسوده السلام ويحكمه القانون، بل وذهب البعض إلى ضرورة وجود حكومة عالمية تفرض القانون وتحول دون تجدد الحروب وتفاقم الصراعات. في هذا الإطار ظهر مفهوم الأمن الجماعي، الذي تتحمل فيه الجماعة الدولية المنظمة مسؤولية حماية كل عضو من أعضائها وضمان أمنه من الاعتداء. وهو نظام يرتكز على إلزام جميع الدول أن تشارك بقوتها ضد الدولة المعتدية فور تقرير وقوع هذا العدوان عن طريق إجراءات خاصة بذلك.

وينطلق الأمن الجماعي من مبدأ العمل الجماعي من أجل المحافظة على السلم والأمن الدولي ويتضمن ذلك شقين: شق وقائي يتمثل في إجراءات وقائية تحول دون وقوع العدوان، وشق علاجي يتمثل في إجراءات لاحقة لوقوع العدوان مثل إيقافه وعقاب المعتدى. ويهدف نظام الأمن الجماعي إلى تحقيق السلم والأمن الدولي عن طريق تكاتف الدول في إطار تنظيم دولي للوقوف في وجه أي دولة تلجأ إلى انتهاك هذا السلم أو تعمل على تهديده واتخاذ التدابير الجماعية التي تؤدى إلى الحد من هذه الانتهاكات. ويقتضي إنشاء نظام أمن جماعي فعال ومؤثر أن يتوفر لدى الدول شعوبًا وحكومات إيمان راسخ بحقيقة أن السلام أمر غير قابل للتجزئة، ولابد أيضًا من أن تكون العضوية في هذا النظام عالمية أو شبه عالمية.

ويعتبر حياد وموضوعية نظام الأمن الجماعي هو ركيزة هذا النظام بحيث يتم إعماله وتطبيقه بغض النظر عن ماهية الدولة المعتدية أو الدولة المعتدى عليها. فالنظام يطبق في مواجهة الدول المعتدية سواء كانت كبرى أم صغرى، من الدول الغنية أم الفقيرة، دون اعتبار لمعتقداتها أو لنظامها السياسي أو لغير ذلك من الاعتبارات. وبالمثل فإن نظام الأمن الجماعي وما يحتويه من تدابير يجب أن يتم إعماله للدفاع عن الدولة المعتدى عليها بغض النظر عن أي اعتبارات خاصة بهذه الدولة كالتي سبق الإشارة إليها في حالة الدولة المعتدية.

ويتطلب هذا النظام أن تكون لديه الوسائل القسرية التي يمكنه اللجوء إليها في مواجهة الدول التي تخل بالالتزامات التي يفرضها النظام مثل الجزاءات والقدرة على فرض عقوبات. ويتعين أن تكون قوة الردع أو القوة العسكرية التي يتم بها اتخاذ التدابير الجماعية ضد الدولة التي تنتهك الالتزامات التي يفرضها نظام الأمن الجماعي من الضخامة في عدد أفرادها وعتادها وكم وكيف الأسلحة المتاحة لها بالقدر الذي يمكنها من مواجهة القوات المسلحة لأي دولة تعتدي على دولة أخرى، وبالتالي تكون الهزيمة المؤكدة هي الرادع الأساسي لأي دولة تفكر في العدوان، وهي المصير المحتوم للدولة التي تقوم بالاعتداء.

وتعد عصبة الأمم أول محاولة لتطبيق مفهوم الأمن الجماعي وذلك من خلال إنشاء منظمة دولية تعمل على تحقيق الأمن الجماعي وحفظ السلم والأمن الدوليين. إلى أنها افتقرت للعنصر الأخير والمتمثل في الوسائل القسرية، كما إنها لم تجمع كل الدول الفاعلة في النظام الدولي في عضويتها بما في ذلك الدولة التي اقترحت تأسيسها وهي الولايات المتحدة. ولم تدم عصبة الأمم طويلاً، ومع مطلع الثلاثينات من القرن العشرين بدأ الأفول التدريجي لها نتيجة فشلها في التعامل مع عدد من الصراعات الهامة، وكان من أبرزها الغزو الياباني لمنشوريا، والغزو الإيطالي لإثيوبيا، والصراع الصيني الياباني، وتوالى انسحاب عدد من الدول الكبرى مثل اليابان وألمانيا وإيطاليا وبعض جمهوريات أمريكا اللاتينية، وطرد الاتحاد السوفيتي من العصبة.

وجاءت الحرب العالمية الثانية لتؤدي إلى انهيار العصبة عمليًا، والذي أُعلن رسميًا في 20 أبريل 1946م، أي بعد توقيع ميثاق الأمم المتحدة التي اعتبرت الوريث لعصبة الأمم. فقد تم تأسيس الأمم المتحدة، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، من جانب الحلفاء الأربعة المنتصرين في الحرب، الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا. وقد لعبت روسيا السوفيتية دور فاعل ومؤثر في الأمم المتحدة طوال حقبة القطبية الثنائية، ولكن بدلاً من أن تكون نموذجًا لتحقيق الأمن الجماعي، ومنتدى لمناقشة وتسوية الخلافات وبلورة التوافقات، صارت المنظمة ومجلس الأمن ساحة أساسية للمواجهة بين موسكو وواشنطن.

وخلال التسعينيات هيمنت الولايات المتحدة على المنظمة في إطار النظام أحادي القطبية، وتراجع الحضور والتأثير الروسي داخل مجلس الأمن، إلا إن العقد الماضي شهد تفعيلاً ملحوظًا في الدور الروسي داخل الأمم المتحدة، خاصة مع بدء الأزمة السورية، وعاد مجلس الأمن ليكون ساحة للمواجهة بين القوة العائدة بقوة، متمثلة في روسيا، والولايات المتحدة التي تعمل جاهدة للحفاظ على النظام أحادي القطبية تحت قيادتها، ويحكم هذه الفاعلية مجموعة من الاعتبارات.

أولها، الوضعية المتميزة لموسكو في المنظمة. فقد كان لروسيا السوفيتية دور رئيسي في تأسيس الأمم المتحدة، وصياغة ميثاقها، واستضافت مؤتمر يالطا على أرضيها في فبراير 1945م، الذي تم خلاله التوافق على بعض المسائل المعلقة ومنها تلك المتعلقة بنظام التصويت في الأمم المتحدة والنظام الجديد للمستعمرات (نظام الوصاية ونظام الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي)، ومهد لمؤتمر سان فرانسيسكو المؤسس للمنظمة. وتعد البعثة الدائمة لموسكو لدى الأمم المتحدة من أقدم البعثات، وتمت الموافقة على تعيين موظفيها بموجب مرسوم مجلس وزراء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، الذي حدد مهام البعثة ومن بينها المشاركة بفاعلية في أنشطة المنظمات الرئيسية والمتخصصة التابعة للأمم المتحدة. كما تم تحديد وضع البعثة الدائمة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية لدى الأمم المتحدة بموجب قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 3 ديسمبر 1948م، بشأن التمثيل الدائم للأمم المتحدة، والذي حدد إجراءات تعيين الممثلين الدائمين وسلطاتهم.

وقد منح الحلفاء الأربعة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية أنفسهم حق النقض "الفيتو" داخل مجلس الأمن بموجب الميثاق عند تأسيس الأمم المتحدة، انطلاقًا من أن الدول الأربع "ساهمت في تأسيس المنظمة الدولية" حيث تنص المادة 27 من الميثاق على أن القرارات المتعلقة بجميع المسائل باستثناء المسائل الإجرائية تعدُّ مقبولة إذا "صوَّت لها تسعة من أعضاء المجلس، بما فيها جميع الأعضاء الدائمين في المجلس". وبالتالي، فإن تصويت عضو دائم في المجلس ضد أي مبادرة هو استخدامه لحق النقض الذي يحول دون صدور القرار. وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي انتقل المقعد الدائم وحق النقض إلى روسيا الاتحادية باعتبارها دولة الاستمرار للاتحاد السوفيتي. وقد استخدم جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن هذا الحق، فقد استخدمه الاتحاد السوفياتي 90 مرة، وروسيا 17 مرة، والولايات المتحدة 79 مرة، وفرنسا 16 مرة، وبريطانيا 29 مرة، والصين 11 مرة.

ورغم الدعوات بالحد من هذا الحق ومنها المبادرة التي طرحتها المكسيك وفرنسا عام 2013م، بتقييد استخدام الدول دائمة العضوية للفيتو عند النظر في الجرائم ضد الإنسانية وتأييد 114 دولة للمقترح، فإن ثلاثة من الدول الدائمة العضوية ومنها روسيا ترفض ذلك، وأشار مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة إن روسيا لن تساند "أي فكرة تؤدي إلى انتهاك امتيازات الدول الدائمة العضوية في المجلس، بما فيها حق النقض". وأن هذا "يحفز أعضاء مجلس الأمن الدولي على البحث عن قرارات متوازنة والتعدي على حق الفيتو. وهذا غير صحيح وخطأ تاريخي من وجهة نظر سياسية". كما إن الصين والولايات المتحدة أيضًا لا توافق على هذه المبادرة.

على صعيد أخر، فإن استعادة روسيا لعافيتها الاقتصادية، وتزايد مساهماتها المالية في الأمم المتحدة يعزز من نفوذها وتأثيرها. وعلى سبيل المثال، قامت روسيا في 29 ديسمبر 2017م، بدعم ميزانيات بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى (MINUSCA)، وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (UNISFA)، وبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي (MINUSTAH)، ومكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، وذلك بمبلغ (63 862 63 دولار). وفى 28 فبراير 2018م، قامت بدعم العملية المشتركة للأمم المتحدة مع الاتحاد الإفريقي في دارفور (يوناميد)، وبعثة الأمم المتحدة لدعم العدالة في هايتي      وقوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في قبرص (UNFICYPK) بمبلغ (19 416 832 دولار).

ثانيها، إن تطورات المواجهة بين موسكو وواشنطن أعادت أجواء الحرب الباردة خارج وداخل مجلس الأمن، وساعدت على إعادة تفعيل الدور الروسي في الأمم المتحدة كأحد أدوات إدارة التناقض والخلاف بين الطرفين. وتظل القضية السورية أبرز أبعاد هذه المواجهة، والملمح الرئيسي لدور روسيا الفاعل داخل الأمم المتحدة.

فقد قامت روسيا بالاعتراض على قرار الجمعية العامة بشأن سوريا الصادر في 3 أغسطس 2012م، وتضمن إدانة استخدام العنف من قبل الحكومة السورية، والتأكيد على ضرورة تسريع عملية الانتقال السياسي للسلطة. وعارضت موسكو إحالة الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن، في اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في يونيو 2011م، ولكن تم التصويت لصالح القرار بالأغلبية في محاولة من الدول الغربية للضغط على سوريا.كما كانت روسيا من بين الدول التسع التي صوتت ضد قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حول سوريا في اجتماعه يوم 29 أبريل، الذي جاء بمبادرة أمريكية، ووافقت عليه 26 دولة من أصل 47 دولة، ويشجب القرار الاستخدام المفرط للقوة من قبل السلطات السورية بحق المتظاهرين. وحذرت من مغبة التدخل الخارجي في سوريا، واعتبرت أنه لن يؤدي إلا للمزيد من العنف وقد يشعل حربا أهلية.

وقد تركزت المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة داخل مجلس الأمن الذي يعتبر ساحة أساسية للنزال بين الطرفين حول الشأن السوري، وذلك منذ استخدام روسيا حق النقض "الفيتو" لأول مرة في مجلس الأمن ضد قرار يدين السلطات السورية في 5 أكتوبر 2011م، وحتى الفيتو العاشر لها، في 17 نوفمبر 2017م، ضد مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الذي يقضي بتمديد مهمة لجنة التحقيق الدولية في استخدام الأسلحة الكيمياوية في سوريا. وحصل مشروع القرار الأمريكي على دعم إحدى عشرة دولة عضوًا في مجلس الأمن، فيما صوتت روسيا وبوليفيا ضده، واتهمت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، روسيا بعرقلة جهود المجتمع الدولي لمحاسبة الجهات المسؤولة عن استخدام الأسلحة الكيمياوية، قائلة إن بلادها لن تستسلم أمام "الفيتو" الروسي.

وقبل دقائق من بدء هذا التصويت سحبت روسيا مشروع قرار تقدمت به حول تفويض بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية بشأن التحقيق في المواد الكيمياوية في سوريا (آلية التحقيق المشتركة) لأنه لم يحصل على عدد كاف من الأصوات. وأعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أن موسكو سحبت مشروع قرارها حول هذا الموضوع بسبب عدم موافقة مجلس الأمن على إجراء التصويت حوله بعد مشروع القرار الأمريكي. وبهذا انتهى تفويض اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكان التحقيق قد خلص إلى أن الحكومة السورية قد استخدمت غاز السارين المحظور في هجوم 4 أبريل 2017م.

ومنذ ذلك الحين توقفت البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيمياوية في سوريا عن عملها. وفي يناير من العام الجاري، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أن آلية التحقيق الدولية فشلت في إجراء تحقيقات موضوعية حول استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، وأضحت أداة للتلاعب السياسي. وأكد نيبينزيا أن موسكو قدمت مشروع قرار حول إنشاء هيأة تحقيق دولية جديدة للتحقيق في هذا الملف، تعمل على أساس بيانات "لا تشوبها شائبة ودامغة" التي يتم جمعها بطريقة شفافة وجديرة بالثقة. هذا في حين أعربت الخارجية الأمريكية، في بيان يوم 27 مارس، عن أمل واشنطن في عودة موسكو إلى ساحة المفاوضات الأممية بشأن آلية التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

ولعل من أبرز القرارات التي أثارت مؤخرًا توترًا وضغوط دبلوماسية روسية حول الصياغة النهائية له، وعكست مدى التأثير الروسي في مجلس الأمن، القرار رقم 2401 الصادر في 24 فبراير 2018م، بشأن الهدنة في سوريا، والذى أُقر بإجماع كامل الأعضاء بعد إدخال التعديلات التي طلبتها روسيا عليه، وخصوصًا الفقرة الأولى، والتي تم إعادة صياغتها على النحو التالي: "يطلب من كل الأطراف وقف القتال دون تلكؤ والدخول فورًا في حوار من أجل التطبيق الكامل والشامل لهذا الطلب من كل الأطراف من أجل هدنة إنسانية تدوم 30 يومًا متتالية على امتداد سوريا، ومن أجل إدخال معونات إنسانية وخدمات وإجلاء المرضى والجرحى من الحالات الحرجة بشكل دائم دون عرقلة وفقًا للقوانين الدولية المرعية". وعلى أن يستثنى من نظام وقف إطلاق النار تنظيمي "القاعدة" و"جبهة النصرة" والمنظمات المرتبطة بهما.

وكان من بين مبررات موسكو بشأن موقفها من سوريا في مجلس الأمن منذ عام 2011 م، أن موافقتها على القرار 1970، وعدم استخدام حق النقض ضد القرار رقم 1973 بشأن ليبيا قد تم انتهاكهما بشكل واضح، وتم التلاعب بهما، وأنه لا توجد رغبة البتة بأن تسير الأحداث في سوريا وفق النموذج الليبي، وأن يستخدم قرار لمجلس الأمن لتبرير عملية عسكرية ضد سوريا. وأكدت موسكو على ضرورة أن يتولى السوريون تسوية أوضاع بلادهم بأنفسهم على أساس الحوار السوري الوطني الذي هو الأسلوب الوحيد لحل الأزمة.

وفى واقعة أخرى يبرز ثقل روسيا وتأثيرها في مجلس الأمن، استطاعت موسكو عرقلة مشروع قرار بريطاني بشأن إيران وتمرير مشروعها بالإجماع، فيما عده البعض هزيمة لبريطانيا ومن ورائها واشنطن. فقد رفضت روسيا في فبراير 2018م، مشروع قرار بريطاني يدين إيران بانتهاك حظر الأسلحة على اليمن ويدعو الى تحرك أكبر ضد طهران. وكانت بريطانيا أعدت مشروع القرار لتجديد العقوبات على اليمن لمدة عام، والتنديد بانتهاك إيران للحظر المفروض في عام 2015م، على اليمن، بعد أن فشلت في اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع التزويد المباشر أو غير المباشر وبيع ونقل الصواريخ البالستية القصيرة المدى والطائرات المسيرة وغيرها من التجهيزات العسكرية إلى الحوثين. ويحدد النص الذي دعمته فرنسا والولايات المتحدة، أن مجلس الأمن سيتخذ إجراءات إضافية من أجل التصدي لهذه الانتهاكات، مضيفًا أن أي نشاط مرتبط باستخدام صواريخ بالستية في اليمن يعتبر مبررًا لفرض عقوبات. ودعا القرار أيضًا إلى اتخاذ إجراءات غير محددة ردًا على تقرير للأمم المتحدة كشف أن الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على السعودية تم تصنيعها في إيران.

وقد برر مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، موقف روسيا بأن الإجراء المقترح يجب أن يركز على تجديد تفويض مراقبي تطبيق العقوبات في اليمن بدلاً من استهداف إيران. وتقدمت روسيا بمشروع قرار موازي لذلك الذي قدمته بريطانيا، يقضي بتمديد العقوبات على اليمن حتى فبراير 2019م، لكن من دون أي إشارة إلى التقرير الأممي بشأن إيران أو أي تحرك محتمل يستهدف طهران. وقد تبنى مجلس الأمن مشروع القرار الروسي في 26 فبراير بالإجماع، وأصدر القرار 2402 بشأن تمديد تدابير عقوبات مفروضة على اليمن بموجب القرار 2140 حتى 26 فبراير 2019م، وتمديد ولاية فريق الخبراء بصيغتها الواردة في نفس القرار المذكور حتى 28 مارس 2019م، ويؤكد قرار مجلس الأمن الجديد الحاجة إلى تنفيذ عملية انتقال سياسي بشكل كامل وفي الوقت المناسب، في أعقاب مؤتمر الحوار الوطني الشامل، تمشيا مع مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها.

ومن المعروف أن امتناع موسكو عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2216 بشأن اليمن، والذي تم تبنيه في 14 أبريل 2015م، وتقدمت به دول الخليج، مثل في حينه خطوة هامة دعمت جهود التحالف العربي وعملياته في اليمن. خصوصًا البندين الأول والخامس من القرار، إضافة إلى أن القرار جاء تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فقد ركز البند الأول من القرار على "الكف عن استخدام العنف" وسحب الحوثيين قواتهم من جميع المناطق التي استولوا عليها، ونص البند الخامس من القرار، على دعوة كل الأطراف اليمنية، ولا سيما الحوثيون، إلى الالتزام بمبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلية تنفيذها.وكذلك الالتزام بنتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واستئناف وتسريع المفاوضات الشاملة لجميع الأطراف التي تجري بوساطة من الأمم المتحدة، والتي تتناول أمورًا من بينها المسائل المتعلقة بالحكم، وذلك من أجل مواصلة عملية الانتقال السياسي بهدف التوصل إلى حل توافقي.

ثالثها، تصاعد اهتمام روسيا بالقضايا العربية داخل مجلس الأمن خاصة بعد التدخل في سوريا، وعلى سبيل المثال، ووفقًا للموقع الرسمي للبعثة الدبلوماسية الروسية في الأمم المتحدة، فإن 16 من إجمالي 42 كلمة (بنسبة 38%) ألقاها المندوب الروسي الدائم في مجلس الأمن، فاسيلي نيبينزيا أو من ينوب عنه، خلال الفترة من 1 يناير وحتى 26 مارس 2018م، كانت حول القضايا العربية (10 حول سوريا، 3 حول اليمن، 2 حول فلسطين، وواحدة حول ليبيا).

وترى روسيا أن الأمم المتحدة مظلة أساسية لتسوية كافة أزمات المنطقة. ورغم أن موسكو دشنت مساري أستانا وسوتشي بشأن الأزمة السورية إلا أنها أكدت دومًا إنهما ليسا بديلين عن الدور الأممي، وأن كلاهما ممهد ومساعد لمسار جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، وليس بديلاً عنه، وحرصت على أن تكون الأمم المتحدة شريكًا أساسيًا فيهما، وأن يحضر المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري. وبحث وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع المبعوث الأممي إلى سوريا، يوم 29 مارس، موعد وصيغة وقائمة المشاركين وأجندة العمل في الجولة القادمة من المحادثات السورية ـ السورية في جنيف، وكذلك مسألة تشكيل اللجنة الدستورية السورية وأسلوب عملها، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري.

إن الحراك الروسي داخل الأمم المتحدة هو أحد أبعاد استعادتها لمكانتها كقوة كبرى على الصعيد الدولي، والانتقال إلى نظام متعدد القوى تستمر فيه المواجهات بين موسكو وواشنطن داخل وخارج الأمم المتحدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستاذة العلوم السياسية ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة

 

مجلة آراء حول الخليج