array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 130

الربيع العربي: تأملات في الموقف الجزائري

الأحد، 13 أيار 2018

   تقتضي التحولات الدولية السريعة ومواجهتها بتفعيل سياسة خارجية قادرة على التعامل مع المستجدات والتكيّف معها، وإحداث ترتيبات تستفيد من الفرص المتاحة وتقليص ثقل القيود والاستجابة لمتطلبات التغيير الضرورية لتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر، والمحافظة على المكانة الإقليمية والدولية اللائقة بإمكانات الجزائر. وتستدعي مثل هذه الأمور مزيدًا من استغلال المقدرات المختلفة، وتجميع الطاقات الوطنية من أجل إنجاز سياسة خارجية فاعلة ومثمرة ورشيدة. ولا بد من استشراف مخطط للسياسة الخارجية، والإبقاء على الانتباه الدائم لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الآماد المختلفة.

لقد كان للحراك الذي غمر المحيط الإقليمي العربي للجزائر "2010 و2011م"، دور معتبر في إدراك القائمين على السياسة الخارجية الجزائرية، ومن ثم صياغة المواقف التي يتوجب اتخاذها تبعًا للصور المشكلة لديهم عن ذلك الحراك. وترتب على ذلك نقاش وتفسيرات وتقويمات للموقف الجزائري، حيث وصف من قبل البعض بالتردد والتخبط. ومن قبل آخرين بالحذر والخوف من مآلات الأمور وانعكاساتها على الجزائر.

المشكلة البحثية:

   أبان الموقف الجزائري تجاه ما يُسمى بـ"الربيع العربي" عن بَون شاسع بين تصور وإدراك موروثين عن السنوات الأولى للاستقلال وبين سياق استراتيجي متغيّر، ومعالم ترى الجزائر بأنها ضد المبادئ التي تدافع عنها. لقد كشفت "الثورات العربية" عن مشكلة لصيقة بالسياسة الخارجية ويتعلق الأمر بتطوير وتمثيل دور الجزائر في السياسة الدولية وفي عالم في متغيّر.

وتأسيسًا على ذلك يمكن أن نطرح التساؤلات التالية:

  • كيف يمكن تفسير السلوك الجزائري تجاه التحولات السياسية في المنطقة العربية؟
  • إلى أي مدى يمكن اعتبار هاجس بقاء واستمرار النظام هو المُحدد الرئيسي للسياسة الخارجية الجزائرية تجاه التحولات السياسية في المنطقة العربية؟
  • ما هي الاعتبارات الأخرى التي أملت على الجزائر تبني تلك المواقف تجاه الأوضاع في ليبيا، سورية واليمن؟

أولاً: صُور ومواقف المقرّرين الجزائريين عن الحراك العربي

   فوجئت الجزائر كغيرها من الدول العربية بأحداث "الربيع العربي" في مصر وتونس وليبيا، وسورية واليمن. وبدا موقفها غامضًا من التحولات السياسية في المنطقة العربية. وأدرك صنّاع القرار في الجزائر أن بقاء واستمرار النظام مرهون باستقرار بيئته الإقليمية. ومن ثم قرّرت الجزائر تبني سياسة الدفاع عن الأنظمة العربية التي انهالت عليها سياط "الربيع العربي"، باعتباره مخططًا أجنبيًا يرمي إلى إعادة رسم جغرافية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهو ما عناه الرئيس بوتفليقة حين انتقد الحراك العربي بالنظر إلى ما خلفّه من دمار وفوضى في ليبيا، سورية واليمن، حيث حذّر مواطنيه من وجود "خطر اعتداء خارجي" على أمن البلاد.

وفي خطابه بتاريخ 16/04/2012م، في مناسبة يوم العلم؛ قال الرئيس الجزائري: "إن الجزائر كبقية الشعوب التي عانت من الاستعمار قد تعلم بأن أية جهات خارجية، مهما بلغت من التطور الديمقراطي والتنموي، لا يمكنها أن تمنحه الديمقراطية والتنمية. إن ما يجري في المنطقة العربية تحت غطاء الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان يبقى محل نقاش، لكن الديمقراطية قبل التنمية لا تعطى كهبة ولا تستورد كمصنع في صيغة مفتاح في البيد".

وبعبارة أخرى، أراد الرئيس الجزائري القول بأن الديمقراطية هي اختيار دولة ومجتمع، وتفرزها صناديق الانتخابات، ولا يُمكن استيرادها على ظهر دبابة. ولا نذيع سرًا إذا قلنا بأن "الربيع العربي" قد أثار مخاوف النخبة الحاكمة من احتمال انتقال عدوى الاضطرابات إلى الجزائر، بما قد يؤدي إلى تكرار سيناريو المأساة الوطنية في التسعينيات الماضية التي أسفرت عن مقتل 200 ألف جزائري في أعمال عنف، وخسائر قدرت بـ 30 مليار دولار. وهو ما جعل الجزائريين الذين لم تندمل جراحهم بعد يُحجمون عن تلبية كل دعوة للتغيير أو إسقاط النظام، ويعتقدون أن أصحابها تحركهم أيادٍ خارجية.

وهذا ما دفع الجزائر إلى عدم تأييد الثورتين المصرية والليبية لإسقاط نظامي مبارك والقذافي؛ ربما اعتقادًا منها بأن وصول الإسلاميين إلى الحكم في تونس ومصر، سيُتيح الفرصة لعناصر جبهة الانقاذ المحظورة للعودة إلى الساحة السياسية وقلب الأوضاع لصالحهم. ومرد هذا هو أن الجزائر تعتقد أن الأنظمة المتهاوية في المنطقة كانت تشكل سدًا منيعًا ضد الحركات الإسلامية الراديكالية. وبسقوطها تكون بيئة الجزائر الإقليمية قد تعرضت للتجريف، وهو ما يجعل الأمن الوطني الجزائري منكشفًا بشكل غير مسبوق.

وما زاد من حدة المخاوف الجزائرية تحذير روسيا للجزائر من وجود مؤامرة خارجية تُحاك ضدها لتسويق الفوضى إليها عن طريق "الربيع العربي"، حيث تسعى أطراف خارجية إلى توظيف الأقليات والاثنيات والشبكات الإرهابية لزعزعة استقرارها وإثارة الفوضى فيها. وقد أكد وزير خارجية روسيا سيرغاي لافروف أن هذه الأطراف سبق لها وأن نشرت الفوضى في بيئة الجزائر الإقليمية انطلاقًا من ليبيا، تونس ومالي، حيث تمثل هذه الدول العمق الاستراتيجي للجزائر.

ووفقًا لهذا الطرح، فإن استهداف العمق الاستراتيجي للجزائر في ليبيا ومالي وإثارة الفوضى في تونس، هو استهداف للأمن القومي الجزائري، وهو ما يعني أن الجزائر معنية بشكل مباشر بما يجري في بيئتها الإقليمية وعليها التحرك لإعادة الاستقرار.

   

 ثانيًا : الإدراك الجزائري لتطورات الأوضاع في ليبيا

     خلّف سقوط نظام القذافي واقعًا جديدًا يتمثل في إضعاف الفواعل السياسية التقليدية في ليبيا المنبثقة عن النظام القبلي؛ حيث ظهرت بدلاً منها فواعل جديدة أو ما يعرف بالثوار، يستمدون شرعيتهم من المشاركة في الثورة. كما أنتجت الفوضى الليبية جماعات مسلحة انتشرت في مناطق ليبيا، وكل جماعة لها ولاءات مُتعددة، ومرتبطة بجهات خارجية.

ومن ثم تنظر الجزائر إلى الأزمة الليبية باعتبارها أزمة مُعقدة؛ حيث تحولت ليبيا إلى مسرح لتدخل لاعبين دوليين واقليميين، كل فاعل يحاول فرض مأموريته على أطراف الأزمة الليبية. ومن بين هؤلاء اللاعبين الإقليميين نذكر مصر والإمارات التي نفذّ سلاحها الجوي غارات على أهداف داخل ليبيا بدعم من القاهرة، وهي الخطوة التي رأت فيها الجزائر بأنها قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على أمن واستقرار المنطقة برمتها.

وبالنظر إلى مكانة مصر كقوة إقليمية ومعنية بشكل مباشر بما يجري في ليبيا، وبالرغم من التباين في السياستين الجزائرية والمصرية من الملف الليبي؛ إلاّ أن الجزائر تعتقد أن التنسيق مع القاهرة تحت مظلة المجلس الأعلى الجزائري-المصري قد يكون مدخلاً لحل الأزمة الليبية بالطرق السلمية. وذلك بالرغم من التباين في سياسة الدولتين تجاه الأزمة الليبية؛ فمصر لا ترغب في مشاركة الإخوان المسلمين في آية عملية سياسية، بينما تتمسك الجزائر بحوار جامع لا يقصي أي طرف ليبي.

كما تصطدم المساعي الجزائرية لحل الأزمة في ليبيا بعقبات عديدة، لعّل في مقدمتها ارتباط اللاعبين المحليين بأطراف خارجية دولية وإقليمية، الأمر الذي أدى إلى تأجيل جولات الحوار في الجزائر عدة مرات.

ومن بين الفصائل التي أبانت عن استعدادها للمشاركة في الحوار الوطني الليبي نذكر حكومة وبرلمان طبرق المعترف بهما من قبل الأوروبيين والأمريكيين، إلى جانب وفد من المؤتمر العام الوطني (أحمد قذاف الدم، منسق سابق للعلاقات المصرية-الليبية إبان عهد القذافي، والجنرال خليفة حفتر، قائد عملية الكرامة، والجنرال علي قانة، ضابط سابق في نظام القذافي). أما المعارضون للحوار نذكر القادة المقربون من أنصار الشريعة، وهي منظمة تابعة إلى تحالف المجلس الثوري لابن غازي؛ حيث يطعنون في شرعية حفتر، ويطالبون باستبعاده من المفاوضات.

ويفرض استمرار التوتر في ليبيا على الجزائر ضرورة تأمين الحدود المشتركة بين البلدين والتي يفوق طولها 900 كلم. فمنذ 2011م، فقد قامت الجزائر بنشر ما بين 30 و40 ألف جندي على طول الحدود، وهي إجراءات جدُّ مكلفة من الناحية المالية. كما عززت وسائلها الدفاعية من مدرعات وطيران حربي. وقامت تأمين الحدود الجزائرية النيجيرية والحدود الجزائرية المالية.

ولكن ما هي طبيعة الأوراق التي بحوزة الجزائر وتؤهلها إلى الاضطلاع بدور أساسي في الأزمة الليبية؟ يمكن القول أن الجزائر تتحرك تجاه ليبيا مدفوعة بحقائق التاريخ والجغرافيا، حيث تعرف جيداً الأرض الليبية، ويحتفظ جهاز مخابراتها بشبكة علاقات واسعة مع أطراف الأزمة سواء مع أنصار القذافي أو مع المعارضة المسلحة.

كما توظف الجزائر معرفتها الجيدة بالجماعات الإسلامية في المغرب العربي، لبناء شبكة علاقات مع الجماعات الإسلامية الليبية وبعض رموزها مثل عبد الحكيم بلحاج (قائد سابق في الجماعة الليبية المقاتلة، وقائد سابق للمجلس العسكري في طرابلس). وقد لعب زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي دورًا في مساعدة الجزائر على ربط اتصالات مع الوجوه الإسلامية المعتدلة في ليبيا. وفي هذا الشأن، تتقاطع المقاربة الجزائرية مع السياسة القطرية والتركية في ليبيا والتي تتمثل في إضعاف الجماعات التكفيرية وتحييدها من خلال دعم الإخوان المسلمين والجماعات السلفية غير الجهادية. 

وينّص المخطط الجزائري لحل الأزمة الليبية على ضرورة إجراء مفاوضات مباشرة مع جميع الفصائل الليبية، بعيدًا عن أي تدخل خارجي، لكنه يبدأ بتوحيد المأمورية السياسية للدول المعنية بشكل مباشر بالصراع في ليبيا، وعلى رأسها مصر. كما يتضمن المخطط الجزائري اقتراح إعادة بناء الدولة في ليبيا، وإقامة مؤسسات قوية بجيش وحكومة وطنية لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. ولبلوغ تلك الغاية تحاول الجزائر إقناع الليبيين بضرورة الذهاب إلى مصالحة وطنية حقيقية تضمن ترسيخ مشروعية المؤسسات وتعبئة كافة الوسائل والموارد لإعادة إعمار ما خربته الحرب الأهلية. وتتصور الجزائر أن النزاعات التي تستغرق وقتًا طويلاً في إيجاد حلول دائمة تتخذ مسارات غير مضمونة النتائج وعواقبها وخيمة على الأمن الإقليمي. 

وعلى الصعيد القاري، توظف الجزائر نفوذها لدى الاتحاد الإفريقي لفرض رؤيتها للحل في ليبيا. أما على الصعيد الدولي، يمكن القول أن الأزمة الليبية أتاحت للجزائر فرصة تعزيز التعاون الدبلوماسي مع حليفها التقليدي روسيا، حيث تتطلع وريثة الاتحاد السوفييتي السابق إلى موطأ قدم في ليبيا ما بعد القذافي وإقامة قاعدة عسكرية هناك. وقد استطاعت الجزائر إقناع موسكو بضرورة دعم الجنرال خليفة حفتر الذي أشرف على حملة تطهير شرق ليبيا من الإسلاميين الجهاديين.

إن دعم الجزائر المفترض لعملية "الكرامة" بقيادة الجنرال حفتر في مايو 2014 م، (وهو ما لم تؤكده السلطات الجزائرية)، يُنظر إليه كنوع من البراغماتية من قبل الدبلوماسية الجزائرية يرمي إلى الحد من الانخراط العملياتي للجزائر في الشؤون الداخلية لليبيا. وقد أعلن الجنرال حفتر أنه لا يُعارض قيام مصر والجزائر بتوجيه ضربات جوية ضد معاقل الإسلاميين المتشددين في ليبيا. بيد أن الجزائر لها وجهة نظر مغايرة مضمونها أن أي دعم مباشر للجنرال حفتر يتوقف على قدرتها في أن تكون عامل استقرار بدلاً من عامل توتر.

وتبرز أهمية التنسيق الجزائري ـ الروسي في الملف الليبي في أن توصل الجزائر إلى إقناع بقية الفصائل الليبية بضرورة إقامة قاعدة عسكرية روسية في ليبيا. وهو ما سيؤدي حتمًا إلى تحقيق نوع من توازن القوى في حوض المتوسط، وكذا تخفيف الضغوط الأوروبية والفرنسية تحديدًا على الجزائر.

تخشى الجزائر من أن تؤدي تدخلات القوى الكبرى في الأزمة الليبية إلى نسف جهودها لتسوية سياسية لهذه الأزمة. لذلك عارضت المخطط الفرنسي للتدخل العسكري في ليبيا بدعوى تحرير هذا البلد من الإسلاميين المتشددين، بالنظر إلى النتائج الوخيمة لمثل هذا الخطوة على استقرار المنطقة.

فقد أدى التدخل العسكري الفرنسي في مالي "يناير 2013م،" إلى تراجع عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب وجماعة المرابطون التي يتزعمها مختار بلمختار إلى منطقة جنوب غرب ليبيا، بينما استقرت مجموعة مسلحة تزعم بأنها تنضوي تحت لواء الدولة الإسلامية في منطقة درنة. وتكمن خطورة هذه المجموعات في أنها استولت على الأسلحة التي ألقى بها حلف الناتو إلى ثوار ليبيا، وهو ما يُشكل تهديدًا خطيرًا بالنسبة لمنطقة المغرب والساحل.

وأمام هذا الوضع الخطير تحاول الجزائر احتواء انتشار الأسلحة الليبية في منطقة الصحراء والساحل، وإعادة إحياء اتفاقية غدامس "2013"م، بين الجزائر، تونس وليبيا، وهي الاتفاقية التي تم تدخل حيّز التنفيذ بسبب سيطرة المتطرفين الجهاديين وعصابات التهريب على الحدود المشتركة بين ليبيا والجزائر. 

 

ثالثًا: الجزائر والصراع على سوريا

  

   تبنّت الجزائر منذ اندلاع الأزمة السورية في 2011م، موقفًا ثابتًا من الحرب في بلاد الشام، حيث يبدو موقفها منسجمًا مع قناعاتها والمبادئ التي تقوم عليها سياستها الخارجية؛ حين رفضت الجزائر أي تدخل عسكري أجنبي في سوريا، الأمر الذي أضفى مصداقية على جهودها الدبلوماسية لإنهاء الصراع. فالجزائر دولة مسلمة على المذهب السني، ولا يمُكن أن تُتهم بأنها منحازة لدمشق لاعتبارات طائفية (شيعية أو علوية) مثلاً.

 

وانطلاقًا من إدراكها لـ"الربيع العربي" تتصور الجزائر أن سوريا ضحية مؤامرة كونية تستهدف أمنها ووحدتها الوطنية، وهي بحكم موقعها الجغرافي تشهد تدخل قوى إقليمية ودولية عديدة في أزمتها الداخلية، الأمر الذي نجم عنه تدفق عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب إلى بلاد الشام، ما زاد الأزمة السورية أكثر تعقيدًا.

وبسبب تمسكها بقناعاتها وجدت الجزائر نفسها داخل جامعة الدول العربية في مواجهة سياسات مجلس التعاون الخليجي تجاه الحرب على سوريا. وفي كل القمم العربية منذ 2011م، جدّدت الجزائر التأكيد على تمسكها بحل سياسي للأزمة السورية، ورفضها الانضمام إلى أي تحالف عربي أو دولي لإسقاط النظام السوري. ووفقاً للرؤية الجزائرية فإن أي تدخل أجنبي في سوريا سيؤدي حتمًا إلى تأجيج التوترات، ويمكن أن يؤدي إلى اندلاع حرب طائفية إقليمية تدوم لعقود طويلة.

من جهة ثانية، هناك إجماع في الجزائر بين النظام والرأي العام بخصوص الموقف من الأزمة السورية، حيث تحظى مسألة إدانة النظام السوري بحساسية شديدة لدى الجزائريين. إذ تخشى السلطات الجزائرية من ردود أفعال الرأي العام في حالة أي تبني أي موقف ضد سورية. فالإدراك الجزائري لما يجري في بلاد الشام مؤداه أن دمشق ضحية مخطط يستهدف أمنها ووحدتها الترابية ويرمي إلى تقسيمها إلى دويلات في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. وينظر الجزائريون عمومًا إلى معارضة النظام السوري بأنها مرادف لخيانة القضية العربية، والعمالة للامبريالية وللإرهاب الدولي. ووفقًا لهذا الطرح، فإن عداء الغرب لسورية كافٍ في نظر الجزائريين للتضامن مع دمشق.

أضف إلى ذلك أن الصراع على سوريا هو أحد تداعيات "الربيع العربي"، الذي تعتبره الجزائر من صنع الامبريالية العالمية ومؤامرة كونية لتفكيك ما تبقى من الدول العربية المعادية للكيان الصهيوني والمعارضة للتطبيع معه.

وفي مقابل ذلك، فإن اتخاذ أي موقف معاد للنظام السوري لا يعني بالضرورة تأييدًا للمعارضة السورية بمختلف فصائلها، حتى وإن كان لفيف من السلفيين الجزائريين قد تنقلوا إلى سورية وانضموا إلى التنظيمات الإسلامية التي تُقارع النظام السوري.

 

وتماشيًا مع هذا الإدراك، عارضت الجزائر عزل النظام السوري دبلوماسيًا وتفكيك شبكة تحالفاته الإقليمية؛ فقد أوفدت وزير خارجيتها عبد القادر مساهل إلى دمشق في أبريل 2016م، والتقى بشار الأسد، وأكد له دعم الجزائر لسورية في حربها ضد الإرهاب. وتأتي هذه الزيارة بعد شهر من زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى الجزائر نهاية مارس 2016م.

وفي هذا السياق، تحفظّت الجزائر على نص لائحة مجلس وزراء الداخلية العرب في 02 مارس 2016م، والتي تُدين "الممارسات والأعمال الإرهابية" لحزب الله اللبناني، الُمتهم بمحاولة "زعزعة استقرار بعض الدول العربية". كما رفضت قرار جامعة الدول العربية في مارس 2016م، تصنيف حزب الله اللبناني على اللائحة المنظمات الإرهابية. وبرّرت الجزائر موقفها بأن الحزب اللبناني مكون أساسي من مكونات المجتمع اللبناني وجزء من الحكومة اللبنانية، ومن ثم ترفض أي تدخل في الشؤون الداخلية للبنان.

 

كما اعترضت الجزائر على مضمون الفقرة الثالثة من قرار جامعة الدول العربية المجتمع بتاريخ 22 يوليو 2011م، والذي يُطالب الرئيس بشار الأسد بالرحيل، باعتباره يتعارض مع ميثاق جامعة الدول العربية وفي 12 نوفمبر 2011م، قررت جامعة الدول العربية طرد سورية ودعت الدول الأعضاء (22 عضوًا) إلى سحب سفرائهم من دمشق باستثناء الجزائر. وهو القرار الذي دخل حيّز التنفيذ بتاريخ 16 نوفمبر 2011م، في القمة الاستثنائية التي انعقدت بالرباط بالمغرب.

 

ثالثًا: الموقف الجزائري من الأزمة اليمنية.. حرب على إيران في أرض محايدة

   ترى الجزائر أن التدخل العسكري في اليمن تحت مظلة تحالف دعم الشرعية هو مواجهة إيران في أرض مُحايدة. وتعتقد الجزائر أن حلفائها التقليديين ومنهم اليمن يتعرضون إلى مؤامرة في إطار "الربيع العربي"، ومن ثم يتعيّن عليها دعمهم سياسياً ودبلوماسياً. وفي هذا الإطار، تناضل الجزائر من أجل التوصل إلى حل تفاوضي بين أطراف الأزمة اليمنية.

وتأسيسًا على ذلك، ترى دول الخليج أن الموقف الجزائري في الأزمة اليمنية غير مُحايد ومنحاز إلى الشيعة، ما يجعلها تخرج عن الإجماع العربي، وهو ما سيؤثر في مكانتها في المنطقة العربية.  

وهذا ربما ما دفع الجزائر إلى مقاطعة اجتماع الرياض الذي شهد ولادة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بتاريخ 26 نوفمبر 2017م، والذي حضره 40 بلدًا من آسيا، إفريقيا وأوربا. حيث ترى الجزائر أنها تحارب الإرهاب والتطرف منذ أكثر من عقدين وباتت صاحبة مذهب في هذا الشأن، ومن ثم فهي ليست بحاجة إلى الانضمام إلى مبادرات أخرى.

وسبق للجزائر وأن رفضت الانضمام في 2015م، إلى التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن ، وقد تحجّج وزير خارجيتها رمطان العمامرة قرار بلاده في القمة التحضيرية للقمة العربية بشرم الشيخ بتاريخ 26 مارس 2016م، بأن العقيدة العسكرية للجيش الجزائري تمنع إرسال جنود للقتال خارج الحدود. لكنه أكد بأن الجزائر مستعدة لتقديم أي دعم لوجستي إذا اقتضى الأمر؛  دون أن يعني ذلك إرسال وحدات عسكرية.

وتُبرّر الجزائر موقفها من الاقتراح المصري بإنشاء "قوة عربية" لمكافحة الإرهاب، التي نوقشت داخل جامعة الدول العربية؛ بأن الفكرة خرجت عن نطاق المنظمة الإقليمية وأخذت أبعادًا أخرى، بعد أن تم الطلب من دول غير عربية مثل باكستان وتركيا الانضمام إليها. وهو ما رفضته الجزائر بدعوى أن إسلام آباد وأنقرة حليفين استراتيجيين للولايات المتحدة الأمريكية. فباكستان تضم مركز قيادة الحركات الإسلامية الجهادية العالمية. أما تركيا فجزء مهم ضمن إستراتيجية حلف الشمال الأطلسي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وحليفًا لإسرائيل. كما أن تورطها في المأساة السورية لا يخفى على أحد.

مجلة آراء حول الخليج