array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 139

مراكز الأبحاث تحدد احتمالات اندلاع الحروب قبل نشوبها وترصد تداعياتها بعد قيامها

الإثنين، 08 تموز/يوليو 2019

منذُ سنوات طويلة خلت، استأثرت مُخرجات مراكز البحوث والدراسات من المعلومات في غالبية دول العالم على أهمية استثنائية، في كافة ميادين الحياة، وبخاصة الاقتصادية منها، كونها تُشكل أولوية قصوى لأي دولة من دول العالم سواءً أكان ذلك بوقت السلم أم في وقت الحرب. لذلك استحوذت على اهتمام زعماء دول العالم، وصُناع القرار، ورؤساء الشركات الكبرى، والعلماء والخبراء، ورجال الأعمال والمستثمرين، وقادة الإعلام، والمتخصصين في مختلف دول العالم وذلك لدورها المؤثر والفعال في توعية المجتمعات للمخاطر المحيطة بها، وفي صناعة واتخاذ القرارات الاستراتيجية.

       تأتي أهمية مراكز البحوث والدراسات أن بعضًا منها قد تخطى دوره التقليدي بإصدار البحوث والدراسات والتحليلات للأغراض الثقافية، ومن ثم تزويد صانع القرار بالمعلومات والتحليلات والخيارات المختلفة، فضلاً عن كونها أصبحت لاعبًا فاعلاً في عملية اتخاذ القرار ذاته، بل وربما وصل الأمر لبعضها لتكون اللاعب الأكثر تأثيرًا في الميادين السياسية والاقتصادية في بلدانها لما لديها من النفوذ الذي يتعزز ويتطور مع تقدم المعرفة والخبرة العلمية في مختلف دول العالم.

    ومما زاد من أهميتها، اعتبار المنظمات الاقتصادية الدولية مراكز البحوث والدراسات وعدد العلماء والباحثين فيها، ونسب تمويلها، ومقدار ما تنتجه من بحوث ودراسات أحد أهم معايير قياس مستوى تقدم الدول العلمي على المستوى العالمي.

         أولاً. واقع مراكز الأبحاث والدراسات في العالم:

  1. لمحة تاريخية:سبقت بريطانيا دول العالم كافة، في استحداث مراكز البحوث والدراسات والتي يطلق عليها أحيانًا (مراكز التفكير)، في أوروبا وعلى مستوى العالم، بتأسيس     " هيأة فابيان البحثية " في لندن عام 1884م، والتي اضطلعت بأدوار استراتيجية مهمة لمرجعياتها. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد أجمع المؤرخون بأن أول نشأة فعلية لمركز بحوث حديث، متكامل الأدوار والأبعاد، كان مركز " بروكنغز" الأمريكي والذي تأسس في واشنطن عام 1916م، ومع إدراك غالبية دول العالم أهمية مراكز البحوث والدراسات، تطورت أعدادها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، واستنادًا لإحصاءات " مؤسسة بحوث السياسات الخارجية في جامعة بنسلفانيا “، بلغ عدد مراكز البحوث والدراسات نحو (6480) مركز بحوث حول العالم، تتوزع كما يأتي: (35%) منها في أمريكا الشمالية، و (29%) في قارة أوروبا، و (18%) في آسيا، وفي أمريكا الجنوبية وجزر الكاريبي (12%) وفي إفريقيا (8%) وفي الوطن العربي (4%) وفي استراليا (1%).
  2. تعريف مراكز البحوث والدراسات: ابتداءً وقبلالتطرق لموضوع تعريف مراكز البحوث والدراسات، من الضروري إزالة بعض الالتباس الذي يواجه الباحثين والمتابعين عند تناول هذا الموضوع هذه المؤسسات في قضية التسمية، فهناك من يُسميها (مراكز(، وهناك من يطلق عليها تسمية معاهد (Institutes) أو مؤسسات (Foundations) ، وهناك من يسميها (Think Tanks) أو غيرها من التسميات، فهل هذه التسميات مختلفة أم مُتشابهة في المعنى والأداء؟ حقيقة إن هذه التسميات مهما اختلفت سوف تشير إلى معنى واحد طالما إن الرؤية والرسالة والأهداف لكل منها هي واحدة، ولكن وحدة الموضوع لم تمنع اختلاف التعريف، فظهرت تعاريف كثيرة لمراكز البحوث والدراسات يعكس كل منها فهم صاحبه ومنطلقاته الفكرية، ووفقًا لما ذكره الدكتور خالد العرداوي، في بحثه الموسوم تفعيل دور مراكز البحوث في صنع القرار السياسي والمنشور في صحيفة المثقف 3/6/2019م، فهناك من عرفها بأنها "مؤسسات تقوم بالدراسات والبحوث الموجهة لصانعي القرار، والتي تتضمن توجيهات أو توصيات معينة حول القضايا المحلية والدولية، بهدف تمكين صانعي القرار والمواطنين لصياغة سياسات حول قضايا السياسة العامة. فيما عرفها بأنها مراكز إنتاج أو إدارة المعرفة البحثية، وتتخصص في مجالات أو قضايا معينة، علمية أو فكرية وبما يخدم تطوير وتحسين أو صنع السياسات العامة أو ترشيد القرارات أو بناء الرؤى المستقبلية للمجتمع أو الدولة"، وثمة تعريف آخر لها بأنها:" تجمع وتنظيم لنخبة متميزة ومتخصصة من الباحثين تعكف على دراسة معمقة ومُستفيضة لتقدم استشارات أو سيناريوهات مُستقبلية يُمكن أن تساعد أصحاب القرارات في تعديل أو رسم سياستهم بناء على هذه المقترحات في مجالات مختلفة".

   وفي ضوء ما تقدم، يُمكن بلورة تعريف شامل لمراكز البحوث والدراسات، بكونها مؤسسات أكاديمية نوعية ورصينة، تعمل لتحقيق أهداف آنية ومُستقبلية، وتضم عددًا من العلماء والباحثين في اختصاصات مختلفة، وتقوم بإصدار كتب، ومجلات، وبحوث، وتقارير، ونشرات ذات جدوى للمجتمعات والمختصين، ولصناعة القرارات في مختلف ميادين الحياة.

  1. أهداف مراكز البحوث والدراسات: تُحدد أهداف مراكز البحوث والدراسات، بحسب الميادين التخصصية، وعلى سبيل المثال، توجد مراكز بحوث تركز على البحوث والدراسات الاستراتيجية والتي تجمع أكثر من اختصاص، فيما توجد مراكز بحوث تتخصص بالبحوث السياسية، وأخرى متُخصصة بالبحوث الاقتصادية، وثالثة بالبحوث العسكرية. ومنها ما تتخصص بالبحوث الاجتماعية، وهناك الكثير من مراكز البحوث التي تتمحور اهتماماتها بحسب الاختصاصات العلمية، كالطب، والهندسة وعلوم الفضاء، وعلوم البحار، وعلوم البيئة وغيرها. ولا بد من التنويه، أن مهام مراكز البحوث والدراسات، تستهدف في الميدان الاقتصادي، التركيز على قطاعات الاقتصاد الكلي التي تعالج النظام الاقتصادي بصورة كلية، وتحاول تفسير الأسباب التي تؤدي إلى التغير في الناتج المحلي الإجمالي من السلع والخدمات، والبحث في أسباب التغير في معدلات البطالة والادخار والتضخمللدولة المنافسة أو المعادية بالدرجة الأساس.

     ومع إن بعضًا من مراكز البحوث والدراسات تتخصص بدراسات الاقتصاد الجزئي الذي يهتم بالسلوك الفردي للمنشأة في معرفة حجم الإنتاج الذي يعظم الأرباح لمنشأة ما. ويهتم أيضًا بسلوك المستهلك في معرفة كيفية توزيع إنفاقه بين السلع المختلفة، فيما تترك الكثير من التفاصيل التي تخص قطاعات الاقتصاد الجزئي،أثناء الحرب لمؤسسات استخبارية أخرى.

  1. تمويل مراكز البحوث والدراسات:تختلف مراكز البحوث والدراسات وفقًا للإمكانيات المالية للجهات المؤسسة أو المانحة أو الداعمة لها، وعمومًا تتراوح كمعدل ما بين (مليون دولار، ومليار دولار سنويًا). فيما يحدد عدد الباحثين، بحسب الاختصاصات، وإمكانيات التمويل، وتتباين الأعداد ما بين (3ــــــــ 100) باحث.
  2. ارتباط مراكز البحوث والدراسات:تختلف مراكز البحوث والدراسات من حيث ارتباطها منها ما يرتبط بمؤسسات رسمية أو تشريعية عليا كما هو الحال في مركز بحوث الكونجرس الأميركي، أو برئاسة الدولة، أو بمجلس الأمن القومي، أو بوزارة الخارجية، أو بوزارة الدفاع، أو بوزارة الإعلام .... الخ. ومنها ما يرتبط بالجامعات، وعلى سبيل المثال، يرتبط مركز التنمية الدولي بجامعة هارفرد الأمريكية، وترتبط مؤسسة بحوث الشرق الأوسط بجامعة كولومبيا الأمريكية. كما ترتبط بعض مراكز البحوث والدراسات بالشركات الكبرى، وهناك العديد من مراكز البحوث والدراسات المستقلة، كمركز الخليج للأبحاث في المملكة العربية السعودية ومقره في مدينة جدة، والذي يصدر مجلة آراء حول الخليج.

ثانيًا. الفرق بين مفهومي صُنع القرار واتخاذ القرار:

يُعّرف الدكتور إيهاب صبيح، في كتابه إدارة العمليات واتخاذ القرارات السليمة، الصادر عن دار الكتب العلمية، القاهرة 2001م، صنع القرار “بكونه العملية التي تتعلق بالتطورات والأحداث الجارية حتى لحظة الاختيار وما يليها، فيما يعّرف القرار (Decision) بأنه الثبات في اختيار مُحدد أو على إجراء مُعين، وبمعنى آخر، فإنعملية اتخاذ القرار تشير إلى العملية التي تُبنى على الدراسة والتفكير الموضوعي للوصولإلى قرار مُعين، وتكون عملية مفاضلة بين بديلين أو أكثر. والتفضيل بين البدائل أو الإمكانيات المتاحة وفقًا لأسلوب (السيناريوهات أو المشاهد المستقبلية) التي تؤدي بدورها إلى إيجاد حل لمشكلةتتمثل في الاختيار الأفضل بين الخيارات المطروحة.

     ولتبيان الفرق بين المفهومين، نعرض بإيجاز مراحل صنع القرار، والتي تبدأ بمرحلة تحديد "المشكلة" ويطلق عليها بعض المختصين (بالإشكالية)، وجمع معلومات تفصيلية ومدققة عنها والتعمق في دراستها، ووضع عدة تساؤلات تشكل اجوبتها عرض تقييم شامل ودقيق لجذور هذه المشكلة ومبررات استمرارها. وعقب ذلك وضع الأهداف التي يسعى صانع القرار لتحقيقها بمعالجة هذه المشكلة. ومن ثم استنباط وتطوير الحلول البديلة، وتقييم البدائل، واختيار الحل البديل والأنسب، لتنفيذ القرار.

     لذا فإن اتخاذ القرار يأتي كمرحلة حاسمة من ضمن مراحل صُنع القرار، وغالبًا ما يُشار اليه بمرحلة البديل المناسب، أو الخيار الأفضل، فهو نتاج عملية صنع القرار ذاتها، ويتخذ القرار من قبل القائد الأعلى للدولة (ملك، رئيس، أمير)، أو القائد الأعلى في الوزارة، أو الشركة. ويشكل اتخاذ القرار المرحلة الأخيرة في عملية صنع القرار.

ثالثًا. المعلومات الاقتصادية المطلوبة أثناء الحرب:

   عادة ما يكون أحد أهم أهداف مراكز البحوث والدراسات في أي دولة من دول العالم استشراف مآل التطورات الاقتصادية المُحتملة للدول الأخرى، والتي تُرتب من قبل إدارات مراكز البحوث بحسب أسبقية تأثيرها الاقتصادي، وفي أغلب الأحيان تحتل الدول المجاورة الأسبقية الأولى بأعداد بحوث أو دراسات عنها تتضمن معلومات اقتصادية مصنفة وحقيقية وواقعية، ويمكن الاستدلال من خلالها للتصورات المحتملة لاقتصاد الدولة المجاورة أو المنافسة أو الدولة المعادية، سواءً أكان ذلك في وقت السلم، أم أثناء الحرب. وغالبًا ما تعهد مراكز البحوث لخبرائها في العلوم الاقتصادية لإعداد دراسات عن الدولة المجاورة أو الدولة الهدف باتجاهين: الأول، ويتضمن رصد تطورات الاقتصاد العالمي وتلمس تأثيراته على اقتصاد الدولة المجاورة أو الدولة المعادية، وعادة ما تكون لمدة سنة، ومنها على سبيل المثال، ارتفاع أو انخفاض نسب نمو الاقتصاد العالمي، ورصد ومتابعة أسعار النفط في الأسواق العالمية، ومتابعة القيمة الحقيقية للدولار الأميركي كونه أحد أهم العملات العالمية المعتمدة من قبل صندوق النقد الدولي، ومتابعة الأزمات الاقتصادية .أما الاتجاه الثاني، متابعة مؤشرات تطور الاقتصاد الكلي للدولة المنافسة أو الدولة المعادية، والتي تتضمن مجموعة من المعطيات الإحصائية الاقتصادية التي تُستخدم في قياس أداء قطاعات الاقتصاد المختلفة، في مدة زمنية محددة، سواءً أكانت فصلية، أو نصف سنوية، أو سنوية، أو لعدة سنوات، لتقييم الوضع الاقتصادي ومعرفة نقاط قوة الاقتصاد ومكامن ضعفه، فضلاً عن القدرة على التنبؤ بالحالة الاقتصادية في المستقبل المنظور . باعتماد المعطيات الإحصائية الرسمية المتاحة من مؤسسات الدولة المعادية ذاتها، أو من خلال إصدارات المنظمات الاقتصادية الإقليمية والدولية (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة الأوبك، والجامعة العربية ... الخ) أو المصادر العلمية الأخرى، باتباع أفضل الأساليب العلمية في إعداد وتهيئة هذه الدراسات والبحوث.

      ولعل من المناسب توضيح بعض من مؤشرات الاقتصاد الكلي التي يتم الركون إليها لتحديد نقاط القوة (strength point)، ومكامن الضعف (weakness point))، في اقتصاد الدولة المجاورة، أو المنافسة أو المعادية، والمرشحة لدخول مرحلة الحرب، وهي كما يأتي:

  1. الناتج المحلي الإجمالي (Gross Domestic Product): يطلق عليه في الأدبيات الاقتصادية، اختصارًا ( GDP)، وهو الأداة الأكثر استخدامًا في قياس حجم اقتصاد بلد ما . ويُستخدم هذا المؤشر للتعبير عن مجموع قيم السلع والخدمات النهائية التي تُنتج ضمن الحدود السياسية للدولة (داخل دولة ما)، خلال مدة زمنية محددة، وعادة ما تكون لمدة سنة، مقومة بالعملة المحلية أو بالدولار الاميركي. وبهدف معرفة حجم التغيير الذي حصل به، بالإمكان ترتيب أرقامه لعدة سنوات مُتتالية، كان تكون خلال المدة (2010 ــــــ 2018م)، كما يمكن معرفة مرتبته العالمية، ونسبة مساهمة القطاعات الاقتصادية الرئيسية فيه، كالقطاع الزراعي والقطاع الصناعي وقطاع الخدمات.
  2. معدلات نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي: تُعد معدلات نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدولة المجاورة أو الدولة المعادية في مؤشراته الثلاث {الإجمالي الحقيقي الإجمالي النفطي والإجمالي غير النفطي، إن كانت الدولة نفطية}، من المقاييس الأساسية التي تعكس مديات تطور الاقتصاد الوطني. وتعكس ظاهرة ارتفاعها مؤشرًا إيجابيًا، فيما تؤشر تذبذب نسب النمو الاقتصادي أو تناقصها وجود إخفاقات في كافة قطاعات الاقتصاد الوطني.
  3. . تزايد معدلات البطالة (Unemployment):تشير البطالة إلى نسبة أفراد القوى العاملة الذين ليس لديهم عمل ولكنهم متاحين للعمل ويبحثون عن الوظائف. مما يعكس استمرار التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الظاهرة. ويمكن استخراج مُعدلات البطالة سنويًا، ولقياس مديات التباين فيها ترتب لعدة سنوات، كأن تكون خلال المدة (2010 ـــــــ 2018م)، وذلك من خلال الحصول على إحصاءات إجمالي سكان الدولة المجاورة أو المعادية (مليون نسمة سنويًا)، ومن ثم إجمالي القوى العاملة (مليون نسمة) ومن ثم استخراج نسب البطالة.
  4. مؤشرات التطورات المالية: يُمكن ترتيب أرقام التطورات المالية لاقتصاد أي دولة ولعدة سنوات، كأن تكون (2010 ــــــ2018م)، وتتضمن تثبيت أرقام إجمالي الموازنة السنوية (بالعملة المحلية ويفضل أن تكون بالدولار الأمريكي)، والاحتياطيات المالية السنوية والتي تتكون من الذهب والعملات الأجنبية، وعادة ما تكون مقومة بالدولار الأميركي، وكذلك إجمالي الديون الحكومية، ونسب التضخم السنوي،والاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الوطني.ومما يجدر ذكره، إن الدول في وقت الحرب، لا تعلن بعضًا من المؤشرات المالية، وبخاصة (الاحتياطيات المالية)، لأهميتها الفائقة لأغراض المجهود الحربي، كما هو الحال في امتناع إيران عن الإفصاح عن حجم احتياطاتها المالية بالوقت الحاضر.
  5. قطاع التجارة الخارجية: تتجلى أهمية قطاع التجارة الخارجية في كونه أحد أهم المؤشرات الاقتصادية التي توضح قُدرة الدولة الأساسية والتنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية، مُعبرًا عنها بالقدرة على التصدير والاستيراد وانعكاس ذلك على رصيد الدولة من العملات الأجنبية، وعادة ما يعبر الميزان التجاري عن جانب من هذه الحالة. فالصادرات تجلب عُملة أجنبية لذلك فهي دائنة، والواردات تتطلب إنفاق عُملة أجنبية لذلك فهي مدينة. ونتيجة مُحصلة طرفي الحساب، أي للجانب الموجب والجانب السالب أو للجانب الدائن والجانب المدين، يظهر للمتابع رصيد مُعين، فإذا كانت الصادرات أكبر في قيمتها من قيمة الواردات فإن الرصيد يكون إيجابيًا (فائض)، أما إذا كانت قيمة الاستيرادات أكبر من قيمة الصادرات فإن الرصيد يكون سلبيًا (إي عجز).

رابعًا. إيجابيات صنع القرار الاقتصادي وقت الحرب:

  1. على الرغم من وجود مؤسسات رسمية في غالبية دول العالم ترتبط بوزارات الخارجية والتجارة والبنك المركزي، تتابع وترصد التطورات الاقتصادية في كل دول العالم، كل حسب اختصاصه، وتهتم وبأسبقية عالية بالأنشطة الاقتصادية في الدولة المنافسة أو المعادية، وتعرض نتائج متابعاتها إلى مراجعها العليا بانتظام، ومع ذلك لا مناص من تقديم مراكز البحوث لدراسات اقتصادية نوعية ومهمة عن الدولة المجاورة أو المعادية ، وقبل وقوع الحرب معها، يعطي صانع القرارالاقتصادي تقييم حقيقي لقدرات الدولة الخصم (الدولة المعادية).ومديات إمكانياتها لتمويل الحرب، مما يساعد القيادة السياسية العليا في البلاد لاتخاذ القرار الصائب والمناسب، سواءً أكان ذلك في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو العسكري.  
  2. تستمر مراكز البحوث والدراسات بإعداد البحوث والدراسات الاقتصادية عن الدولة المعادية أثناء وقوع الحرب معها، وبأسبقية استثنائية، لتحديد نقاط القوة والضعف في الميدان الاقتصادي، وبما يخدم الاستراتيجية العسكرية للدولة، وبخاصة إذا ما استمرت الحرب لمدة طويلة، وذلك من خلال تشخيص الأهداف الاقتصادية المؤثرة لدى الدولة المعادية، بهدف اضعافها اقتصاديًا، ولربما استهدافها عسكريًا في مرحلة لاحقة وتحقيق ضغط مباشر لأنهاك الهياكل الاقتصادية للدولة الخصم.
  3. كما تساعد البحوث الاقتصادية قبل الحرب وأثنائها بتوفير قاعدة معلومات عن العلاقات الاقتصادية الخارجية للدولة المعادية، وعندئذ يمكن دراستها لتحديد عناصر الضغط المتاحة على الدول التي لديها شراكة اقتصادية مع الدولة المعادية، بهدف الضغط عليها.

خامسًا. معوقات صنع القرار الاقتصادي وقت الحرب:

تواجه الباحثين في مراكز البحوث، العديد من المعوقات، لعل أهمها الآتي:

  1. صعوبة الإفصاح عن المعلومات الاقتصادية. تعمل بعض دول العالم، وبصورة مقصودة بمنع تداول المعلومات أو الإحصاءات التي تخص الاقتصاد الوطني وبخاصة المؤشرات المالية منها، سواءً أكان ذلك في الإحصاءات الرسمية السنوية التي عادة ما تصّدرها الدولة، أو تلك التي تعرضها الدولة للمنظمات الاقتصادية الدولية، وبخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
  2. ضآلة البيانات الخاصة بالسوق الموازي (السوق السوداء): عند تعرض أي دولة من دول العالم لحالة حرب، والتي قد ترافقها فرض حالة الحصار أو العقوبات الاقتصادية عليها، كما حصل للعراق خلال المدة (1990ــــــ 2003م)، وكذلك إيران منذ عام 2005م، وحتى الوقت الحاضر باستثناء مدة قصيرة خلال عامي ـ(2016 ـــــــ 2017م)، وعندئذ تضطر الدولة لفسح المجال وبشكل واسع لأنشطة تجار السوق السوداء لتعويض جانبًا من النقص الحاصل في الاقتصاد الوطني جراء فرض الحصار أو العقوبات الاقتصادية. آخذين بنظر الاعتبار قيام الدولة المحاصرة أو أثناء الحرب بغض النظر وبشكل مقصود عن المعلومات التي تخص أنشطة الأسواق الموازية (الأسواق السوداء)، لحاجتها الماسة اليها، مما يشكل عائقًا مهمًا لإنجاز البحوث الاقتصادية وقت الحرب.
  3. عدم دقة البيانات المعلنة: تقوم الدولة المعادية أثناء الحرب بإعلان معلومات عن إحصاءات متناقضة وغير دقيقة وأحيانًا مُضللة عن مؤشرات التطور الاقتصادي، أو عن منشآتها الاقتصادية وذلك لأغراض دعائية داخلية أو بهدف إرباك الخصم، مما يتطلب من الباحثين في مراكز البحوث والدراسات، التفكير مليًا وقبل التعاطي مع هذه المعلومات المضللة.
  • الخاتمـــــــــة:

أولاً. مع التطور المتسارع في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أضحى لمراكز البحوث والدراسات، دورًا استثنائيًا في صناعة واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وبالذات في أوقات الحروب، كونها أحد القنوات الفاعلة في رفد مؤسسات الدولة بالمعلومات الصحيحة والمدققة، والتي يتم في ضوئها اختيار أفضل السبل، واتخاذ القرارات المناسبة مع دول العالم.

ثانيًا. تعكس المعطيات الإحصائية في البحوث الاقتصادية التي تم تهيئتها مؤشرات مهمة جدًا عن تطورات الاقتصاد الكلي في الدولة المجاورة أو المعادية لاسيما وإن أغلبها مستقاة من مصادر رسمية وعلمية رصينة ويمكن الركون إليها في تتبع وتحليل جوانب القوة ومكامن الضعف في اقتصاد الدولة المنافسة أو المعادية، والتي يمكن إيجازها   بالآتي:

  1. عناصر القوة، وتتمثل بالآتي:

أ‌.  الموارد البشرية والطبيعية: يمكن تحديد أرقام عن الطاقات البشرية للدولة المجاورة أو المعادية، ومن خلالها يمكن معرفة حجم القوة العاملة في مختلف القطاعات الاقتصادية.

ب‌. الاحتياطيات المالية: تلعب الاحتياطيات المالية (كميات الذهب والعملات الصعبة الأخرى) دورًا حاسمًا في الاقتصاد الوطني، لتعزيز استقرار العملة المحلية، ومن ثم السيطرة على التضخم النقدي بنسبة معقولة.

ت‌. الفائض التجاري: يساعد على وجود وفورات نقدية من العملة الصعبة، لتعزيز أنشطة القطاعات الاقتصادية، فضلاً عن الاستفادة منه لتعديل العجز في ميزان المدفوعات الوطني.

2. عناصر الضعف، وتتمثل بالآتي:

أ‌.  الخسائر المالية: تقدير إجمالي خسائر الدولة المنافسة أو المعادية بسبب استمرار تأثير الحرب عليها، في كافة القطاعات.

ب‌.  الموازنة الحكومية السنوية: عادة ما تتطرق البحوث الاقتصادية للموارد المالية التي تعتمد عليها موازنة الدولة الهدف، وبخاصة إذا ما كانت دولة تعتمد على مورد واحد (زراعي، صناعي، أو مورد طبيعي)، وعلى سبيل المثال غالبية الدول النفطية ومنها العراق وإيران ودول الخليج العربي، تعتمد على متغير خارجي سلبي ومؤثر جدًا وهو (أسعار النفط في الأسواق الدولية)، وقد يتسم هذا المتغير بالتذبذب وعدم الاستقرار مما يعكس ظاهرة سلبية في مجالات السياسة المالية المطبقة في هذه الدولة.

ت‌. ارتفاع نسبة البطالة: وجود نسبة عالية جدًا من العاطلين تتجاوز نسبة (10%)، من إجمالي القوى العاملة في الدولة المعادية، يؤثر على أداء الاقتصاد الوطني فضلاً عن التداعيات السياسية والاجتماعية لهذه الظاهرة.

ث‌. انخفاض معدل الاستثمار الأجنبي: على الرغم من حاجة الاقتصاد الوطني للاستثمارات الخارجية لمواصلة البناء في مختلف القطاعات الاقتصادية، إلا أن ازدياد حجم الاستثمارات الأجنبية المستثمرة في الدولة المعادية في وقت الحرب، يعكس مؤشرًا إيجابيًا، والعكس صحيح.

ج‌.أجمالي الديون الحكومية: الدين العام (public debt)هو مصدر من مصادر الإيرادات العامة، تلجأ الدولة إليه لتمويل نفقاتها العامة عندما تعجز عن توفير إيرادات أخرى، ولاسيما من الضرائب فتقترض إما من الأفراد أو من هيآت داخلية أو دولية أو من دول أجنبية. وتشكل الديون الحكومية أحد عناصر الوهن في اقتصاد الدولة، ويتفاقم تأثيرها في وقت الحروب.

   ختامًا، وفي كثير من الأحيان، تقوم مراكز البحوث والدراسات بإعداد دراسات تحدد من خلالها احتمالات اندلاع الحرب مع الدولة المعادية وقبل حدوث الحرب، مما يوفر فرصة ثمينة جدًا للقيادة السياسية للتهيؤ لما يحصل في قادم الأيام. وتستمر مراكز البحوث بأنشطتها العلمية، بعد اندلاع الحرب لرصد التطورات الحاصلة في اقتصاد الدولة المنافسة أو المعادية وبما يخدم الأمن الاقتصادي للبلاد أثناء الحرب، سواءً أكان ذلك بالمدى المنظور أم على الصعيد الاستراتيجي.

مجلة آراء حول الخليج