array(1) { [0]=> object(stdClass)#12467 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 152

أوروبا ترفض بناء قواعد تركية في ليبيا وتعتبرها بوابة لنقل الإرهابيين والمتسللين

السبت، 01 آب/أغسطس 2020

لا تملك الدول الأوربية منذ 2011م، رؤية مشتركة للتعامل مع الأزمة الليبية، فالولايات المتحدة التي عملت بنظرية " القيادة من الخلف " في إسقاط نظام القذافي تركت للأوربيين مهمة رسم سيناريو المستقبل الليبي على أساس أن الساحل الليبي الذي يمثل ثلث الساحل الإفريقي المطل على البحر المتوسط يشكل أهمية بالغة للأمن الأوروبي، ووفق نظرية " الاستدارة شرقًا التي نشرتها هيلاري كلينتون في عدد مايو من مجلة " فورين بولسي " 2010م ، كان يفترض أن يكون للدور الأوروبي المساحة الأكبر على الساحة الليبية، لكن بعد مرور 9 سنوات على هذه الأحداث، مازالت هناك الكثير من الأسئلة حول مساحة العمل الأوروبية خاصة بعد إرسال تركيا آلاف المرتزقة من عفرين وجرابلس والباب في شمال سوريا إلى مصراته وطرابلس وصرمان والأصابعة  في الغرب الليبي ، وحتى الآن لم تنجح مخرجات مؤتمر برلين الذي عقد في فبراير الماضي في وقف تدفق من يعملون " كبندقية للإيجار " للغرب الليبي، وتحاول العواصم الأوروبية القيام بخطوات موحدة على غرار التهديد الألماني الفرنسي الإيطالي بفرض عقوبات على من يخرق حظر إرسال السلاح على ليبيا ، لكن المؤكد أنه لا يمكن وضع الموقف الأوروبي بالكامل في " سلة واحدة " فالمواقف الفرنسية واليونانية والقبرصية تختلف عن المواقف الإيطالية والألمانية ، فما هي حدود الدور الأوروبي في حل الأزمة الليبية ؟ وكيف يمكن بناء موقف أوروبي مشترك رغم الاختلاف في تقدير الأرباح والخسائر لدى الأطراف المختلفة؟  وإلى أي مدى يعول العرب والليبيون على صرامة وحسم أوروبي للوقوف في وجه الاحتلال التركي؟

 تقدير المخاطر

هناك اختلاف أوروبي في تقدير المخاطر يترتب عليه اختلاف في التعاطي ورد الفعل حسب كل دولة أوربية، لكن هناك إجماع لدى الأجهزة الأمنية الأوروبية بأن نقل الإرهابيين من شمال سوريا لغرب ليبيا يشكل خطر داهم وعاجل على الأمن الأوروبي، ووفق تقرير صادر عن المفوض الأوروبي لشؤون مكافحة الإرهاب فإن انتقال إرهابيين من داعش أو القاعدة من شمال سوريا لباريس أو برلين يحتاج للمرور على 10 دول أوروبية ، لكن الإرهابي في طرابلس أو مصراته يحتاج فقط لمركب مطاطي صغير و6 ساعات حتى يصل لجزيرة صقلية الإيطالية،  أما دول مثل قبرص واليونان فهي تفهم السلوك التركي جيدًا نظرًا للصراع الطويل بين الطرفين، وتعتقد كلا من نيقوسيا وأثينا أن الحزم والحسم هو الطريق الوحيد لردع أردوغان، فالقوات التركية احتلت شمال قبرص عام 1974م، وحتى الآن، وحولت تركيا  شمال قبرص كذريعة للتنقيب عن الغاز والنفط في البحر المتوسط ، كما تعتبر مدينة " فاجموستا " في شمال قبرص محطة رئيسة لتجميع العناصر الإرهابية قبل التوجه نحو ليبيا، ووفق نظرة غالبية دول شرق ووسط أوروبا فإن المشروع التركي في ليبيا سوف يؤثر على الأمن القومي الأوروبي لأنه مرتبط بفاشيتين، الفاشية الأولى ممثلة في "الفاشية الإخوانية"  التي يمثلها حزب العدالة والتنمية الذي يريد التدخل في كل مكان من أجل دعم طموحات الفروع المحلية للتنظيم الدولي للإخوان، والفاشية الثانية هي  "الفاشية القومية "  ممثلة في الحزب القومي التركي شريك أردوغان في الحكم بزعامة دولت بهجلي ، وهؤلاء يريدون التدخل في الدول الأخرى لاستعادة أمجاد " الدولة العثمانية " لكن هؤلاء هدفهم دعم الأقليات التركية أو العرب من أصول تركية مثل السراج وفتحي باشا أغا في ليبيا، ولهذه الأسباب تعتقد غالبية الكتلة الشرقية في الإتحاد الأوروبي أن تثبيت أقدام تركيا في شرق المتوسط وليبيا سيشكل خطرً اعلى هذه الدول خاصة في البلقان، ويستشهدون في ذلك بالاحتلال التركي لجزء في شمال العراق، ووضع تركيا " الليرة الموصلية " في الميزانية التركية لحين استعادة الموصل كما تتوهم، بالإضافة إلى ما يحدث شمال سوريا وهو " أكثر من احتلال " لان تركيا تقوم " بتتريك " كل شيء، بداية من استخدام الليرة التركية محل الليرة السورية، وتحويل التعليم وأسماء الشوارع والتعاملات إلى اللغة التركية، بالإضافة إلى أن جامعة غازي عنتاب التركية فتحت لها فروع في شمال سوريا ، وهو ما يؤكد أن تركيا ذهبت للشمال التركي لتجعله على غرار احتلاها لشمال قبرص منذ 46 عامًا.

كما زاد قلق الدول الأوروبية من النشاط التركي في البحر الأسود ومراقبة البحرية التركية للسفن التجارية والعسكرية التابعة للدول المطلة على البحر الأسود ، وهو ما جعل هذه الدول تدعوا للوقوف بحسم في وجه الاحتلال التركي لليبيا،  لأنها  تعتقد أن التدخل في ليبيا بحجة استعادة أملاك السلطان عبد الحميد الثاني قبل عام 2023 عندما يمر  100 عام على توقيع اتفاقية لوزان التي رسمت الحدود الجغرافية والبحرية لتركيا ، تعتقد أن كل ذلك مقدمة لإلغاء اتفاقية منترو عام 1936م، الخاصة بالمضايق التركية حيث تسعى تركيا لفرض رسوم على سفن هذه الدول، ومنها روسيا عندما تمر سفنها في مضيقي الدردنيل والبسفور.

الصوت الفرنسي الأعلى

أكثر الدول الأوروبية التي تدرك قولاً وفعلاً خطر التدخلات التركية في ليبيا هي فرنسا وذلك لعدد من الأسباب منها :

  • ترى فرنسا في الاحتلال التركي لليبيا بمثابة " قبلة الحياة " للتنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام وحركة الشباب، خاصة أن فرنسا أكثر الدول الأوروبية التي خرج منها إرهابيون انضموا لداعش في سوريا والعراق، وترى فرنسا أن هناك علاقة وثيقة بين تركيا وهذه الجماعات، ورصدت المخابرات الفرنسية في إفريقيا 20 مكتبًا تركيًا يقومون من " المساعدات الإنسانية " بدعم الجماعات الإرهابية على التمدد والتدريب على الأسلحة الحديثة، وأشار تحقيق فرنسي بالاسم  لشركة " صادات " التركية الأمنية، وقال إن هذه الشركة تقدم دعم لوجستي وتدريبي لأكثر من 8 جماعات إرهابية على اللائحة الدولية للتنظيمات الإرهابية في إفريقيا، وتعتقد باريس أن سعي أنقرة للسيطرة على قاعدة الجفرة العسكرية بمثابة خطر كبير على أمن أوروبا والبحر المتوسط، لأن سيطرة تركيا ومعها الإرهابيين على الجفرة سيعطي جبهة عريضة للإرهابيين تمتد من الشمال السوري مرورًا بليبيا وصولاً لمنطقة الساحل والصحراء التي يوجد بها 5200 جندي فرنسي يحاربون الجماعات المتطرفة في مالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا، ورصدت باريس زيادة في حركة ونشاط الجماعات الإرهابية في إفريقيا بعد وصول تركيا للغرب الليبي، خاصة أن عناصر من بوكو حرام غرب إفريقيا، وحركة الشباب الصومالية شرق القارة زادت من تواصلها مع المجموعات الموجودة في طرابلس ومصراته.
  • ترفض فرنسا بشكل قاطع سيطرة تركيا ومليشياتها الإرهابية على سرت، وترى أن هذا سيطيل الصراع في ليبيا أكثر بكثير من سوريا، لأن سيطرة الإرهابيين على سرت وحوض سرت النفطي، ومن ثم السيطرة على الهلال النفطي وموانئ تصدير النفط يعني أنه بات لدى الإرهابيين أكثر من مليون و400 ألف برميل بترول يوميًا، وهو ما يوفر  قرابة 55 مليار دولار سنويًا ، وهذا الرقم يساوي 10 أمثال ما حصلت عليه دولة البغدادي الإرهابية  في سوريا والعراق عامي 2015 و2016م ، وهذا يعني أن سيطرة الإرهابيين على هذه الحقول والأموال سيطيل أمد الصراع وسيحول ليبيا " لبؤرة إرهابية " عالمية بالقرب من شواطىء الاتحاد الأوروبي .
  • لا تريد فرنسا التسامح مع السلوك التركي القائم على " العسكرة " فالرئيس ماكرون ووزير خارجيته جان إيف لودريان على قناعة أن القواعد العسكرية التركية في قطر تلعب دورًا كبيرًا في العناد القطري في الخلاف بين الرباعي العربي وقطر ، وأن القاعدة العسكرية التركية في الصومال هي التي تؤجج الخلافات الصومالية بين الصومال وجيرانها، كما أن عدم التوصل لحلول سياسية بين أذربيجان وأرمينا حليفة فرنسا يعود للتدخلات التركية وتأجيجها للصراع بين البلدين، ولا يشك أحد في اليمن أن تركيا وعبر شركتها الأمنية " صادات "  تقوم بتدريبات عسكرية لعناصر يمنية في صحراء الأناضول التركية على الاقتحامات وبناء الكمائن والسيطرة على المدن بالتعاون مع عناصر يمنية لإفساح الطريق أمام تواجد تركي مستقبلي في اليمن، وهو ما ترفضه فرنسا بالكامل.
  • رصدت المخابرات الفرنسية " خط الجرذان الثاني " وهي خطة متكاملة لنقل أكثر من 70 ألف إرهابي من شمال سوريا إلى ليبيا بما فيهم " الحزب التركستاني الإسلامي " الصيني ، والمجموعات القتالية من الشيشان ووسط آسيا، ومن ينتمون " للعرق العثماني " وترى باريس أنه يتم نقل هؤلاء للمرة الثانية، المرة الأولى كانت عام 2011م، عندما ساعدت تركيا وقطر في نقل المتشددين من ليبيا لسوريا عقب إسقاط نظام القذافي وهو ما أطلق عليه " خط الجرذان الأول " بينما اليوم يعودون مرة أخرى لليبيا وهم مسلحون أكثر بالأفكار المتطرفة والخبرة الكبيرة في القتل والتخريب .
  • تعتقد باريس أن نشاط تركيا والإرهابيين في ليبيا لا ينفصل عن الخلايا التركية والإخوانية في فرنسا، وفي مارس الماضي قام الرئيس الفرنسي بزيارة مدينة تولوز الفرنسية في الجنوب الغربي، وكشف عن قضية خطيرة تفاصيلها تقول إن تركيا أسست ما أطلقت عليه " مسجد النور " في تولوز ، لكن السلطات الفرنسية اكتشفت أنه مقر للخلايا التابعة للحزب التركي الحاكم، وبالتعاون مع تنظيم الإخوان وقطر تم تحويل 35 مليون يورو لهذا المكان في عام، وقام هذا المسجد بنشر خريطة لتركيا العثمانية، تضم أراضي من الموصول والعراق شرقًا حتى المغرب ، ومن الصومال وإريتريا جنوبًا حتى شبه جزيرة القرم شمالاً ، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي للقول إن الخلايا التركية في فرنسا تستهدف الأمن القومي الفرنسي من خلال السعي لنقل ثقافة التشدد والتطرف إلى أوروبا، واتهم ماكرون أردوغان  بالوقوف وراء المجموعات المتطرفة في المدن الفرنسية خاصة نيس وتولوز ومرسليا وقال "على تركيا أن تدرك أن باريس لا تقبل أن يقوم أي بلد بدعم متشددين لديهم توجهات انفصالية داخل الجمهورية الفرنسية، ولن نسمح بتطبيق القوانين التركية على الأراضي الفرنسية"، كل ذلك يرتبط بقضايا مطروحة على الساحة الفرنسية تؤكد أن الدعم الثلاثي الأردوغاني الإخواني القطري للجماعات الإرهابية ليس جديدًا ففي العام الماضي خرجت العديد من الأحزاب الفرنسية تطالب الرئاسة الفرنسية بضرورة اتخاذ إجراءات ضد نشاط تركيا و الإخوان فى باريس، مسلطين الضوء على أنشطتهم التي تدعو للعنف والإرهاب، ومحذرين من التمويل القطري لهذا التنظيم، والتمويلات التي تأتى من مؤسسة قطر الخيرية،  وهو ما دفع النائبة بمجلس الشيوخ الفرنسي، ناتالي جوليه المطالبة باتخاذ مواقف صارمة ضد تركيا وقطر والإخوان، محذرة من خطورتِهم على أمن فرنسا ، واستنكرت النائبة ما اعتبرته تراخيًا من جانب حكومة باريس في الحرب على الإرهاب "، مؤكدة ضرورة تشديد الرقابة على تدفق الأموال القطرية والتركية لتجفيف منابع التنظيمات الإرهابية، ودعت السلطات في بلادها إلى ضرورة التحلي باليقظة تجاه المنظمات الإخوانية التركية  التي تسهم في نشر التطرف في فرنسا، بدعمٍ وتمويل من قطر.

زعيمة الحمائم

حتى وقت قريب كانت ألمانيا تراهن على عقلانية تركيا في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط، لكن تأكدت أن أردوغان رسم طريق لن يعود عنه إلا بوقوف الجميع ضده، وفي الوقت الذي كانت توصف برلين بأنها " زعيمة الحمائم " عندما يتعلق الأمر بتركيا تحولت مؤخرًا لجبهة صلبة لوقف التدخلات التركية في ليبيا وذلك للأسباب الآتية:

  • تخشى ألمانيا تحول ليبيا إلى سوريا جديدة بما يفاقم من قضية الهجرة غير الشرعية، وتفسر ألمانيا نقل الإرهابيين من شمال سوريا لليبيا بأنه محاولة تركية لتسهيل وصول هؤلاء إلى أوروبا، وحذر هورست زيهوفر وزير الداخلية الألماني بلاده من التهاون مع نقل المتطرفين من سوريا إلى ليبيا ،ويرى أن خطر الهجرة غير الشرعية من كل إفريقيا نحو أوروبا سيزيد إذا نجحت خطة أردوغان في ليبيا، وترى ألمانيا أنه في عام 2015م، وصل أكثر من مليون سوري لألمانيا ، لكن اكتمال تحالف الإرهابيين القادمين من سوريا مع الإرهابيين في القارة الإفريقية سيزعزع استقرار 20 دولة إفريقية على الأقل، ما يفتح جبهة بملايين المهاجرين على أوروبا .
  • كشف تقرير للمخابرات الألمانية في فبراير الماضي أن هناك قلق في أوروبا خاصة ألمانيا من دعم أنقرة للأئمة الأتراك الذين هم في حقيقة الأمر عملاء للاستخبارات التركية، وقال تقرير  لرئيس المخابرات الألمانية التابع لولاية شمال الراين فيستفاليا الألمانية، بوركهارد فرايير أن خطر " الخلايا العثمانية " على ألمانيا أشد من خطر داعش والقاعدة ، وهو ما دفع الكثير من الدول الأوروبية لإغلاق عدد كبير من المساجد  التي يديرها أتراك، والامتناع عن استقبال أئمة جدد من تركيا بعدما  تأكد لديها أن الأئمة الأتراك الموجودين يمارسون أنشطة تجسسية لصالح الاستخبارات التركية،  و يتلقون تمويلاً من تركيا حيث يوجد في ألمانيا وحدها  نحو ثلاثة ملايين شخص من أصل تركي يديرون ما يقرب من ألفي مسجد من مجموع المساجد في ألمانيا والبالغ عددها ثلاثة آلاف مسجد منها 900 مسجد ممول من قبل الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون "ديتيب " DITIBالتي تعد أكبر تنظيم تركي في أوروبا، كما تشكل منظمة " الذئاب الرمادية القومية"  التركية  خطرًا كبيرًا على الأمن الأوروبي حيث تعمل في فرنسا والنمسا وألمانيا وبلجيكا، ومن أجل تخفيف هذا الخطر أغلقت النمسا مبان تابعة للجمعية التركية التي تعمل مباشرة لصالح الحزب الحاكم في تركيا، ولهذا أصبح وجود الأتراك الموالين لأردوغان عبئًا أمنيًا كبيرًا على أوروبا حيث هناك تقديرات أمنية أوروبية تقول إنه لو قام كل شخص من ملايين الأتراك الثلاثة بمراقبة 500 شخص أوروبي بما يعني خطر هذه الجماعات كبير للغاية، وهو ما دعا السلطات الألمانية لاتهام اتحاد الأئمة التركي في برلين "ديتيب" بممارسة أعمال استخباراتية لصالح النظام التركي وتلقي تمويلات مشبوهة  مقابل ترويج خطاب سياسي يستدعي إرث العثمانية ويدعم التطرف، الأمر الذي دفع ألمانيا وبلجيكا والنمسا وهولندا وسويسرا والنرويج والسويد لإجراء تحقيقات حول الأئمة الأتراك الذين عينتهم دينت.
  • قال أحدث تقرير لهيئة حماية الدستور في ألمانيا أنه تم تصنيف 29 منظمة تركية على أنها إرهابية، ويتبع المنظمات 37 ألف شخص ينتمي غالبيتهم إلى الحزب الحاكم في تركيا وتنظيم الإخوان، وأن جزءًا من عائلاتهم لعبوا دورًا داعمًا للإخوان. 

 

حذر إيطالي

كثيرًا ما توصفت إيطاليا بأنها أكثر الدول الأوروبية التي ينبغي لها الاهتمام بالقضية الليبية، ليس فقط لماضيها الاستعماري هناك، لكن لمصالحها الحيوية مع الجارة الجنوبية، لكن الموقف الإيطالي يبدو للكثيرين أنه متردد وحذر وأحيانًا يوصف بالموقف الرمادي، وذلك لعدد من الأسباب منها:

  • الطبيعة الشعبوية للحكومة الحالية في إيطاليا، فالمكون الرئيسي للحكومة الإيطالية هي حركة " النجوم الخمس" وهي حركة ضد مؤسسات الإتحاد  الأوروبي، وتخشى من المهاجرين أكثر من أي حكومة أخرى، ولهذا تعتقد هذه الحكومة التي كانت شريكة لحزب رابطة الشمال " الليجا " شديدة الشعبوية، أن عدم التصعيد مع تركيا قد يجنبها عبور الإرهابيين وعناصر الهجرة غير الشرعية، ونشرت الصحافة الإيطالية أكثر من مرة قصص عن دفع رشاوي لتجار البشر الليبيين حتى لا ينقلوا مهاجرين غير شرعيين من ليبيا لإيطاليا، ولذلك تدعو إيطاليا للاستقرار  والحلول السياسية في ليبيا، لكنها في ذات الوقت مستعدة للتفاهم مع تركيا حول مصالحها، وربما هذا يفسر العلاقة القديمة بين تركيا وإيطاليا عندما قام الاحتلال العثماني ببيع ليبيا للاحتلال الإيطالي عام 1912م،  مقابل جزيرة في بحر إيجة
  • يعد التنافس الإيطالي مع فرنسا المحرك الأكبر للسلوك الإيطالي الذي يرى في ليبيا المجال الحيوي الوحيد لإيطاليا، بينما ذهبت باريس لمنافسة روما هناك، ولهذا كان الموقف الإيطالي أقرب للسراج منه للجيش الوطني حيث ترى روما أن باريس تستأثر بحفتر، وعليها هي الوقوف مع السراج للحفاظ على مصالحها في ليبيا.
  • تخشى إيطاليا على مشروعاتها النفطية والغازية في المتوسط، وترى في العلاقة مع تركيا تأمينًا لهذه المصالح المستقبلية خاصة خط " إيست ميد " الذي يمتد لمسافة 1900 كلم، وتعتقد أن تركيا سوف تعترض على هذا الخط لو كان يمر فقط في الأراضي اليونانية وجزيرة كريت فقط، لكن لتأمين مرور هذا الخط بالإضافة لشركاتها العاملة في شرق البحر المتوسط مثل " إيني " تحاول إيطاليا أن تبدو وكأنها على مسافة واحدة من الجميع

ثلاثة خيارات

تعامل أوروبا مع تعقيدات المشهد الليبي ينطلق من خلال 3 خيارات هي:

 

أولاً : " مهمة إريني " 

وهي مهمة بحرية وجوية لمراقبة تدفق السلاح إلى ليبيا مقرها روما، وبدأت العمل بداية من شهر مايو الماضي، وتتهمها تركيا والسراج بعدم الحياد ، لكن عدد السفن والطائرات المسيرة التي تستخدمها إريني ما زال قليلًا، كما أنه حتى الآن لا توجد إرادة سياسية أوروبية لتفعيل آلية إريني أكثر من ذلك ، وأكبر دليل على عدم فاعليتها هو نفاذ عشرات السفن التركية التي تحمل السلاح إلى موانيء طرابلس ومصراته، كما أنه عندما حاولت السفن الفرنسية منع سفينة تركية من الدخول للمياه الإقليمية الليبية حدث احتكاك كاد أن يصل للاشتباك، ورغم ذلك لم تقف الدول الأوروبية بجانب فرنسا عندما أجرى حلف الناتو تحقيقًا حول هذا الأمر

ثانيًا: العقوبات الأوروبية

 يعمل الإتحاد الأوروبي على فرض سلسلة من العقوبات على تركيا بسبب تدخلها في ليبيا وتحرشها بقبرص واليونان، ومن هذه العقوبات:

1-وقف التمويل، وبالفعل بدأ الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على أنقرة في يناير 2019م، بتقليل حجم الدعم لتركيا على أساس أنها ضمن الدول المرشحة للاتحاد، لكن اليونان وقبرص وفرنسا تقول إن سلوك أردوغان في شرق المتوسط وإرسال الإرهابيين إلى ليبيا يعزز من التوتر جنوب الإتحاد الأوربي، ولهذا لا تستحق تركيا أن تحصل على أي أموال، بل وهناك دعوات أوروبية لشطب تركيا من قائمة الدول المرشحة للاتحاد الأوروبي.

2-أوقف الينك المركزي الأوروبي دعم البنك المركزي التركي خاصة ضمانات القروض، وهو ما أدى لتراجع كبير في الاستثمارات الأوروبية في تركيا، بل أدى لهجرة عكسية وخروج شركات واستثمارات أوروبية ضخمة من السوق التركي.

3-تعليق اتفاقية النقل الجوي، وبموجبها خسرت تركيا آلاف رحلات الطيران العارض " الشارتر " من الدول الأوروبية للشواطئ التركية.

  • الوقف الكامل لمبيعات السلاح الأوروبية لتركيا على أساس قانون أوروبي يمنع وصول السلاح للإرهابيين، حيث رصد الإتحاد الأوروبي كميات كبيرة من الأسلحة التركية التي اشترتها أو أنتجتها مع شركاء أوربيين وصلت للإرهابيين في ليبيا.
  • وقف كل مشروعات الإنتاج المدني المشترك بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، لأن السمعة الجيدة للبضائع التركية ناتجة عن استفادة تركيا من الخبرة الأوروبية، وهذه الخطوة ستكون مدمرة للصادرات التركية.

 

ثالثًا : السيطرة الجيوسياسية على البحر المتوسط

 

وهي فكرة طرحها الرئيس ماكرون أمام القادة العسكريين الفرنسيين بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو الماضي، حيث يرى الرئيس ماكرون أنه من الأهمية أن تضع أوروبا يدها بشكل مباشر على الملفات الجيوسياسية في منطقة البحر المتوسط، كي يكون مصيرها بين يديها وليس بين أيدي "قوى أخرى" ، لأنه في نظر فرنسا ومع السلوك التركي الأخير المزعزع للاستقرار  فإن منطقة البحر المتوسط "ستشكل تحديا"  في السنوات المقبلة، لأن عوامل الأزمات التي تتجمع فيها عديدة، بداية من النزاعات على المناطق الاقتصادية الخالصة التي يمكن أن تضم ثروات غاز ونفط، والمواجهات المحتملة بين الدول المتشاطئة، و زعزعة استقرار ليبيا، والهجرة غير الشرعية ،ويعتقد الرئيس ماكرون ومعه المستشارة أنجيلا ميركل أن هناك  "لعبة قوى جديدة"، تحاول الاستحواذ والهيمنة على البحر المتوسط، وأن على أوروبا أن " تعيد تحديد دورها ومكانتها في المتوسط، من دون سذاجة ومن دون تهاون" لأنه لا يمكن لمنطقة البحر الأبيض المتوسط أن تبني سلامًا دائمًا من دون أوروبا، ولا يمكن لأوروبا أن تقبل بأن تبني قوى أخرى مستقبلها، وهو ما يفكر فيه الأوربيون  حاليًا من خلال وضع سياسة أوروبية جديدة وحقيقة حسب وصف الرئيس ماكرون تهدف لتحقيق أمن أوروبا ومنطقة الساحل، وأن ذلك يبدأ وينتهي بوقف النشاط التركي في ليبيا.

مقالات لنفس الكاتب