array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 156

شراكات واعدة بين السعودية وروسيا في الطاقة والذكاء الاصطناعي والتقنية

الأحد، 29 تشرين2/نوفمبر 2020

شهدت العلاقات السعودية الروسية تطورًا ملحوظًا على مدى السنوات الخمس الماضية، وذلك منذ زيارة ولى العهد السعودى سمو الأمير محمد بن سلمان لموسكو فى يونيو 2015م، وهي الزيارة التى أعادت الدفء للعلاقات بين البلدين وأعادت إطلاق التعاون بينهما بعد فترة من التراجع، ومهدت للزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لروسيا في أكتوبر 2017م، والتي كانت الأولى من نوعها ودشنت لصفحة جديدة من الشراكة النوعية بين الرياض وموسكو فى مختلف المجالات. وقد أكدت زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين للرياض في 14 أكتوبر 2019م، والتي كانت الأولى منذ أثنى عشر عامًا، ثبات التوجه نحو تعزيز التعاون الاستراتيجى بين البلدين وعمق المصالح والتفاهمات المشتركة التى ينطلق منها هذا التعاون.

وقد طرحت التطورات الدولية والإقليمية المصاحبة لجائحة كورونا العديد من التساؤلات حول تداعيات الأزمة على التعاون السعودى الروسى والفرص والتحديات التى تواجه الشراكة المستقبلية بين البلدين. فعلى نمط تسونومى ظهر فيروس "كورونا" فجأة ليزلزل العالم، ويعصف بكل الخطط والتقديرات الدولية والإقليمية. ورغم إنها ليست المرة الأولى التى يواجه فيها العالم فيروسًا يصل لحد الوباء العالمى، إلا إن "كورونا" يظل متفردًا فيما أدى إليه من أزمة عالمية وتداعيات اقتصادية وسياسية تتجاوز الأثر الوبائى والإنسانى المباشر له. فهناك جملة من التحولات العالمية والإقليمية كانت تختمر على مدى العقد الماضى، وتتكشف ملامحها تدريجيًا وببطئ، وأخطرها تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، وجاء "كورونا" ليسرع من وتيرة هذه التحولات ويدفع بها لتصير واقعًا دوليًا من المهم تفهمه والتعاطى معه برؤية استراتيجية.

فى هذا السياق، تبرز مجموعة من العوامل التى تدفع باتجاه تعزيز الشراكة والتعاون بين السعودية وروسيا. أولها، التهديدات المشتركة التى تواجه البلدين فى سوق النفط نتيجة التدهور الحاد وغير المسبوق فى الأسعار بسبب تراجع الطلب العالمى على النفط على خلفية جائحة كورونا والإغلاق الذي قامت به دول العالم ضمن إجراءات مواجهة الجائحة، مما أدى إلى انهيار أسعار النفط مطلع مارس 2020م، بنسبة 50% عما كانت عليه في يناير، ليصل سعر البرميل إلى أقل من 25 دولارًا للبرميل.

وقد كشف ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، فى 13 نوفمبر 2020م، عن حجم الأضرار التى لحقت بالمملكة نتيجة انخفاض أسعار النفط حيث أوضح أن الإيرادات النفطية للميزانية السعودية انخفضت إلى 410 مليار ريال، بينما كانت توقعات الميزانية عند 513 مليار ريال العام الماضي، وأن "هذه الإيرادات وحدها غير كافية لتغطية حتى بند الرواتب المقدر بـ 504 مليار ريال في ميزانية هذا العام، ناهيك عن صعوبة تمويل البنود الأخرى، التي تشمل الإنفاق الرأسمالي بـ 173 مليار ريال والمنافع الاجتماعية بـ 69 مليار ريال والتشغيل والصيانة المقدرة بـ 140 مليار ريال وغيرها... هذا يعني ركود اقتصادي، وخسارة ملايين الوظائف". وذلك رغم أن المملكة تعتبر أحد أفضل عشر دول في التعامل مع التبعات الاقتصادية لجائحة كورونا في مجموعة العشرين.

ولا تقل روسيا تضررًا من تدهور أسعار النفط عن المملكة، ففى كلمته أمام أعضاء مجلس الاتحاد الروسى (المجلس الأعلى فى البرلمان)، فى 23 سبتمبر 2020م، أشار الرئيس بوتين إلى أن إيرادات الميزانية الفيدرالية لعام 2020م، من بيع المحروقات تراجعت إلى 30%، بعد أن كانت تمثل نصف تلك الإيرادات عام 2011م، نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمية، وأن عجز الموازنة الحكومية لعام 2020م، بلغ 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما كانت الميزانية الأصلية لعام 2020م، تستهدف فائضًا قدره 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي، كما انخفض دخل الأفراد بنسبة 3% خلال العام الجاري.

ويفرض هذا على البلدين استمرار التفاهمات والتنسيق بينهما حول أسعار النفط على المستوى الثنائى وفى إطار صيغة "أوبك +"، وهي الصيغة التي بدأت في اجتماع فيينا في نوفمبر 2016م، عندما قررت دول أوبك تخفيض إنتاجها النفطي لأول مرة منذ عام 2008م، بواقع 1.2 مليون برميل يوميًا بدءً من يناير 2017م، ولمدة 6 شهور. وتضم "أوبك +" 23 دولة مصدرة للنفط (دول أوبك + 10 دول هى: روسيا، المكسيك، كازاخستان، أذربيجان، البحرين، عمان، ماليزيا، بروناى، جنوب السودان، السودان)، وتهدف إلى ضبط الإنتاج (العرض) لتحسين الأسعار واستقرارها فى مواجهة تقلبات الطلب.

إن السعودية وروسيا أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم ويعد التنسيق بينهما مفتاح الاستقرار لسوق النفط ولاقتصاد البلدين، وغياب مثل هذا التنسيق يضر بشدة بالبلدين. فقد أدى انهيار التحالف النفطي بين السعودية وروسيا نتيجة الخلاف بينهما خلال اجتماع "أوبك +" في فيينا فى 5 مارس 2020 م، إلى حدوث انهيارات كبيرة في أسعار النفط وأسعار الأسهم العالمية فيما عُرف بـ "الاثنين الأسود". الأمر الذي دفع البلدين لاحتواء الأزمة والعودة إلى التفاهمات المسبقة بينهما خلال اجتماع 9 أبريل 2020م، لإعادة التوازن لأسواق النفط. وتم الاتفاق على خفض إنتاج النفط بنحو 9.7 ملايين برميل يوميًا في شهري مايو ويونيو على أن تتقلص هذه التخفيضات إلى 7.7 مليون برميل يوميًا حتى نهاية عام 2020م، ثم إلى 5.8 مليون برميل يوميًا حتى أبريل 2022م. وقد نجح الاتفاق فى تحسين أسعار النفط التى تجاوزت 41 دولارًا للبرميل فى حينها.

وخلال المباحثات الهاتفية بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس بوتين يوم 13 أكتوبر 2020م، أكد الطرفان على تقييمهما الإيجابي للمستوى الذي تحقق من العلاقات الثنائية بين الرياض وموسكو، وأكدا مواصلة تطوير التعاون الروسي ــ السعودي في مختلف المجالات"، وعلى أهمية استمرار العمل المشترك بينهما، بما في ذلك التنسيق بشأن أسعار النفط في إطار "أوبك +". وأكد ألكسندر نوفاك نائب رئيس الحكومة الروسية، في 17 نوفمبر 2020م، أن موسكو ستواصل الالتزام باتفاق خفض الإنتاج الذي توصلت إليه "أوبك+"، ويهدف إلى دعم أسواق النفط في ظل تراجع الطلب على الخام بسبب أزمة كورونا.

ثانيها، الآفاق الرحبة للتعاون الاستراتيحى بين البلدين، واستعداد روسيا قدرتها على تلبية تطلعات المملكة في النقلة التكنولوجية المأمولة فى مختلف المجالات. ويأتي في مقدمة ذلك التعاون السعودي ــ الروسي لمواجهة جائحة كورونا. فقد أشار رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، كيريل دميترييف، مطلع سبتمبر 2020م، إلى بدء التجارب السريرية للقاح الروسي "سبوتنيك V" في المملكة العربية السعودية خلال شهر سبتمبر، ووصف دميترييف المحادثات الروسية مع السعودية فى هذا الخصوص بأنها "جيدة للغاية". وكانت وزارة الصحة الروسية قد سجلت اللقاح ضد فيروس "كورونا"، "سبوتنيك V"، يوم 11 أغسطس 2020م، وعمل على إنتاج اللقاح متخصصون في مركز "جاماليا" بدعم من صندوق الاستثمار المباشر الروسي.

ومن بين المجالات الواعدة للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، التعاون فى مجال الطاقة النووية، وذلك في الوقت الذي تتسارع مختلف الدول داخل المنطقة وخارجها لامتلاك قدرات نووية سلمية لتوليد الطاقة الكهربية، ولا يمكن للمملكة أن تتخلف عن ركب التكنولوجيا الحديثة وما تحمله من فرص تنموية واسعة تسهم على نحو مباشر فى النقلة الاقتصادية والاجتماعية التى تخطط لها. ومن المعروف أن الطاقة النووية تشكل 20% من الطاقة المولدة بالعالم، ويُنظر إليها كمصدر ضخم للطاقة، وعلى سبيل المثال يحتوي الكيلو جرام الواحد من اليورانيوم أو البلوتونيو المستخدم على طاقة تعادل 3.5 مليون كيلوجرام من الفحم. الأمر الذي يسمح بإطلاق مشروعات تنموية عملاقة ترتقي بالدخل القومي وتوفر فرص عمل واسعة. كما إن الطاقة النووية مصدر لا ينضب للطاقة أو ما يعرف بالطاقة المستدامة حيث إن خامات الطاقة النووية تكفي لإستخدام البشر لملايين السنين، وهي استثمار للحاضر والمستقبل. ومع التقدم التكنولوجي أصبحت تكلفة إنتاج الطاقة النووية في الوقت الحالي مقبولة خاصة مع مقارنة هذه التكلفة بالعوائد المتوقعة منها، كما أن الطاقة النووية لا تنتج أي غازات قد تضر البيئة ويعني ذلك أنها لا تفاقم من ظاهر الاحتباس الحراري ولا تحدث أضرارًا بيئية كالوقود الأحفورى.

 فى هذا السياق، تخطط السعودية لبناء مفاعلين كهروذريين في إطار خطة تهدف لتقليص استخدام النفط والغاز في توليد الطاقة الكهربائية، وكشف ألكسندر فورونكوف، الرئيس التنفيذي لشركة "روس أتوم" الروسية للطاقة، عن أن الشركة تشارك فى عروض تنافسية لإنشاء محطة طاقة نووية سلمية بالسعودية. وتتنافس روسيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة والصين وفرنسا على الفوز بعقد إنشاء أول محطة من هذا النوع في السعودية. وتستند روسيا على كونها الأبرز فى مجال إنشاء محطات الطاقة النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، وتتصدر دول العالم المصدرة للكتنولوجيا النووية، والأولى من حيث عدد المفاعلات التى تقوم بإنشائها لصالح الغير. ولها خبرة واسعة فى العديد من الدول أبرزها الهند والصين وغيرهما، وتمتلك تكنولوجيا متقدمة جدًا فى هذا الصدد ويعتبر معهد الطاقة الروسى أكبر المعاهد المتخصصة فى العالم. كما إنها الوحيدة التى تقوم ببناء المفاعلات بـ 100% مكون روسى، فى حين تضطر الدول الأخرى إلى استيراد بعض المكونات من دول أخرى، ولهذا أهميته لما يكفله من استقلالية وسرية فى إدارة مثل هذا المشروع التنموى الهائل. وتتميز روسيا أيضًا بالاشراك المحلى والسماح للخبراء الوطنيين فى البلد المعني بالمشاركة فى التنفيذ والتشغيل، كما تتميز بالثقة وغياب الشروط السياسية.

وكانت الرياض وموسكو قد وقعا اتفاقية للتعاون في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية بين شركة "روس أتوم" ومدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة خلال زيارة ولى العهد السعودى، الأمير محمد ابن سلمان، لروسيا عام 2015م. وتمثل الاتفاقية أساسًا قانونيًا للتعاون بين الدولتين في المجال النووي ويتضمن ذلك إنشاء واستخدام المفاعلات النووية المخصصة لإنتاج الطاقة والأبحاث العلمية، وتقديم الخدمات المتعلقة بمعالجة الوقود النووي المستنفد، وإنتاج النظائر المشعة واستخدامها في الصناعة والطب والزراعة، وتأهيل الكوادر في مجال الطاقة النووية، وتنص الاتفاقية على تشكيل لجنة تنسيقية لإجراء مزيد من المشاورات حول التعاون في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وتشكيل لجان عمل مشتركة لتنفيذ مشاريع عملية ودراسات علمية. وفي عام 2017م، أي بعد عامين من إبرام الاتفاق الأول بين موسكو والرياض، وقع البلدان على برنامج التعاون لتنفيذ الاستخدام السلمي للطاقة النووية، الذي يعد خارطة طريق تحدد شراكة كاملة بين البلدين في عدد من المجالات، وبالإضافة إلى بناء محطات الطاقة النووية، اتفقا أيضًا على تطوير مفاعلات صغيرة ومتوسطة الحجم، والاستعداد للمساعدة في تدريب الكوادر السعودية في مختلف مسارات البرنامج النووي السعودي.

كذلك، يعد التعاون فى مجال الفضاء من المجالات الواعدة للشراكة بين البلدين، فقد أصبح الفضاء السيبراني ساحة رئيسية للتنافس الدولي، وتتسابق الدول على امتلاك موطئ قدم فعال فى الفضاء من خلال إطلاق الأقمار الصناعية للأغراض المعلوماتية والعلمية والإعلامية والعسكرية. وتمتلك الرياض وموسكو خبرة ممتدة من التعاون المثمر فى هذا المجال حيث نجح البلدان في إطلاق 13 قمرًا صناعيًا سعوديًا للاتصالات والملاحة والاستشعار عن بعد بواسطة صواريخ روسية إلى مدار حول الأرض كان أخرها "سعودي سات 4" في 21 يونيو 2014م.

وخلال زيارة الرئيس بوتين للرياض في أكتوبر 2019م، تم توقيع مذكرة تفاهم بين مؤسسة "روس كوسموس" الفضائية الروسية ولجنة الفضاء السعودية حول التعاون الشامل بين الوكالتين الفضائيتين السعودية والروسية، ويتضمن ذلك التعاون في مجال الرحلات المأهولة والملاحة الفضائية، وإعداد وإرسال رائد فضاء سعودي إلى المحطة الفضائية الدولية. كما تم توقيع اتفاقية بين الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة، والشركة السعودية للتنمية والاستثمار التقني "تقنية TAQNIA" حول التعاون في مجال الفضاء، ويتضمن ذلك التعاون فى مجال إطلاق الأقمار الصناعية من السعودية، وتطوير وتحديث المجمع الفضائي الصاروخي روسي الصنع "ستارت - 1"، واتخاذ خطوات علمية وإنتاجية مشتركة من قبل الخبراء الروس والسعوديين فيما يتعلق بإنشاء مكونات إضافية للمجمع الفضائي بغية رفع مواصفاته والطلب عليه في السوق، وإطلاق الأقمار الصناعية الصغيرة السعودية والروسية إلى مدار الأرض المنخفض. كما تبدي روسيا اهتمامًا بنشر بضع محطات تابعة لمنظومة "جلوناس" الروسية للملاحة الفضائية في أراضي المملكة العربية السعودية حيث أن دقة إشارة الملاحة الفضائية تتوقف على عدد المحطات الأرضي، وتزداد الدقة مع زيادة عدد المحطات.

يضاف إلى ذلك شراكات واعدة ومدى واسع من التعاون بين البلدين فى مجالات عدة منها الذكاء الاصطناعي، والاستكشاف الجيولوجي، وتقنية المعلومات والاتصالات، واستخدام التكنولوجيا المتقدمة والطب والبنية التحتية والنقل والإنتاج الصناعي، وغيرها. هذا فضلاً عن الآفاق الرحبة للاستثمارات المشتركة بينهما لاسيما فى مجال الطاقة فى البلدين، والتعاون فى مجال مكافحة الإرهاب، وتطوير التعاون العسكري التقني بين البلدين.

ولكن تظل هناك مجموعة من التحديات التى قد تكتنف العلاقات السعودية الروسية، وربما يتعلق التحدى الأول بوصول جون بايدن إلى البيت الأبيض حيث اعتبر الأخير "أن روسيا تشكل أكبر تهديد للولايات المتحدة على الساحة الدولية"، وفي ضوء ذلك من المتوقع أن تتصاعد حدة التوتر في العلاقة بين موسكو وواشنطن، الأمر الذي يطرح التساؤل حول مدى قدرة المملكة على الحفاظ على التوازن في سياستها الخارجية، صحيح أن ترامب لم يستطع أن يغير كثيرًا من واقع العلاقات الأمريكية ــ الروسية إلا إنه كان يغض الطرف عن التطور الحادث فى العلاقات السعودية الروسية ويوازن العديد من مواقف المؤسسات الأمريكية الأخرى ومنها الكونجرس.

من ناحية أخرى، ورغم ما بدا من أن البلدين قد تجاوزا عقدة الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وإيران مع الخطوات التى اتخذتها موسكو باتجاه المملكة للتأكيد على أن تعاونها مع إيران لم ولن يكون على حساب الشراكة مع المملكة العربية السعودية، ووصلت فى ذلك لحد عرض توريد منظومات "إس-300" أو "إس-400" الروسية للدفاع الجوي للمملكة، فإن الموقف الروسي من الاتفاق النووي الإيراني يظل موضع خلاف بين البلدين. فقد أكدت موسكو استمرار إلتزامها بالاتفاق النووي الإيراني، واعتبرت أن انسحاب واشنطن من الاتفاق يتناقض مع قرارات مجلس الأمن الدولي، ودعت إلى ضرورة دراسة عواقب هذه الخطوة. هذا في الوقت الذي تنظر فيه المملكة بكثير من الشك حول الالتزامات النووية الإيرانية في الاتفاق والتى لا تمنعها من بناء منظومة باليستية، كما إن المتبقى فى الفترة الزمنية التي لا يُسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم خلالها خمس سنوات فقط، وهي مدة قصيرة على نظام صبور لن يتغير، ولديه رغبة في امتلاك قدرات نووية عسكرية تعزز من مكانته الإقليمية، ويحقق بها التوازن الذي يأمله مع إسرائيل من ناحية، ودول جنوب آسيا النووية من ناحية أخرى. وقد عبر وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير عن شكوك المملكة فى هذا الخصوص فى تصريح له أكد فيه أن "السعودية تحتفظ بالحق في تسليح نفسها بأسلحة نووية، إذا لم يكن بالإمكان منع إيران من صنع تلك الأسلحة".

كما رفضت روسيا، والصين، مشروع القرار الأمريكي بتمديد فرض حظر الأسلحة على إيران في مجلس الأمن الدولي فى 14 أغسطس 2020م، مما يسمح بتخفيف الحظر على إيران مع انتهائه في 17 أكتوبر، ويسمح ذلك بمواصلة التعاون العسكري الروسي الإيراني، وقيام موسكو بتوريد منظومات مختلفة تأمل طهران فى الحصول عليها، وسيلقى ذلك بظلال على العلاقات السعودية الروسية رغم تأكيد روسيا المتوقع أن كل ما ستزود به إيران هو منظومات دفاعية لا تخل بالتوازن والاستقرار فى منطقة الخليج.

من ناحية أخرى، تثير المناورات الروسية ــ الإيرانية المشتركة عدم ارتياح لدى المملكة، وكانت أول مناورات بحرية بين إيران وروسيا والصين قد أنطلقت في بحر عمان والمحيط الهندي في 27 ديسمبر 2019م، واستمرت لمدة أربعة أيام، بهدف معلن هو تبادل الخبرات بين القوات البحرية للدول الثلاث، ومواجهة الإرهاب والقرصنة البحرية. بينما اعتبر مراقبون إن هذه المناورات تأتي ردًا من الدول الثلاث على خطط الولايات المتحدة في القيام بمهمة بحرية لحماية السفن في مياه الخليج حيث اقترحت واشنطن مهمة بحرية بقيادتها في أعقاب عدة هجمات في مايو ويونيو على سفن تجارية دولية، بما في ذلك ناقلات سعودية، في مياه الخليج، واعتبرت الولايات المتحدة أن إيران متورطة بها. ولخليج عمان أهمية خاصة لأنه يرتبط بمضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس النفط العالمي ويرتبط بدوره بالخليج، كما أن المحيط الهندي يعد ثالث أكبر محيط في العالم وتطل عليه دول مهمة جدًا ويتضمن المضائق المهمة الثلاث وهي باب المندب ومالاجا وهرمز التي تعد بمثابة المثلث الذهبي بالمنطقة.

يضاف إلى ما سبق، ما يثيره تكثيف الحضور الروسى فى منطقة البحر الأحمر مع افتتاح القاعدة البحرية الروسية فى السودان من تساؤلات لدى المملكة حول تأثير ذلك على النفوذ السعودى بالمنطقة، وكذلك التوازنات فى اليمن. وكانت الحكومة الروسية قد أفصحت يوم 6 نوفمبر عن الاتفاق مع الخرطوم، لإنشاء مركز لوجستي للأسطول الروسي على ساحل السودان في البحر الأحمر، ويتضمن ذلك تطوير وتحديث بنيته التحتية بهدف صيانة السفن الحربية الروسية وتموينها واستراحة أفراد طواقمها. وينص الاتفاق، ومدته 25 عامًا، على أن المركز المقترح سيكون قادرًا على استيعاب السفن المزودة بتجهيزات نووية "مع مراعات متطلبات السلامة النووية والبيئية"، على ألا يزيد عدد السفن الراسية فيه في وقت واحد عن أربع، وألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد أفراد المركز 300 شخص. كما ستقدم روسيا للسودان مجانًا أسلحة ومعدات عسكرية بهدف تنظيم الدفاع الجوي للمركز اللوجيستي المقترح. وقد أكد البلدان أن الاتفاق نابع من "الرغبة المتبادلة في تعزيز وتطوير التعاون العسكري الهادف لزيادة القدرة الدفاعية لروسيا والسودان"، وأن "المركز اللوجيستي الروسي في السودان يتوافق وجوده وأهداف الحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة، ويحمل طابعًا دفاعيًا وليس موجهًا ضد دول أخرى".

ورغم ما تثيره الملفات السابقة من ظلال محتملة على مستقبل العلاقات السعودية ــ الروسية، فإن حجم المصالح المتبادلة بين البلدين يوفر قاعدة صلبة لاستمرار التعاون وتطويره إلى مستويات استراتيجية ونوعية، بل إن هذه التحديات قد تفرض مزيدًا من التقارب بين الرياض وموسكو للتنسيق وصياغة تفاهمات مرضية للجانبين. إن ما يجمع المملكة العربية السعودية وروسيا مصالح استراتيجية تتجاوز أى خلافات حول تحركات أو مواقف تكتيكية، فالمستقبل هو للشراكة الاستراتيجية التى انطلقت قوية وجادة ومبشرة بين البلدين.

مقالات لنفس الكاتب