العدد 159

أمريكا بين الانعزال والتوسع .. وقضايا الشرق الأوسط

الأحد، 28 شباط/فبراير 2021

تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية مر بعدة مراحل وواكب ذلك تغير توجه هذه السياسات بداية من سياسية الانعزال التي استمرت من استقلال الولايات المتحدة عام 1783م، وحتى وضع أول دستور أمريكي عام 1787م، والذي أصبح نافذًا اعتبارًا من عام 1789م، حيث اتسمت السياسة الخارجية بالانعزالية بهدف بناء الدولة الأمريكية كرست الولايات المتحدة هذا التوجه في عهد الرئيس جيمس مونرو صاحب المبدأ الشهير "أمريكا للأمريكيين".

ثم تحولت السياسة الخارجية من الانغلاق والانعزال إلى الانفتاح منذ الحرب العالمية الثانية، ثم بدأت مرحلة الهيمنة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفردها بقيادة العالم، وفي مرحلة الانفتاح اعتمدت على شراكات عالمية وتحالفات خلال الحرب الباردة وما بعدها لاحتواء ومواجهة النفوذ السوفيتي، وكانت هذه الشراكات ناجحة خاصة في منطقة الشرق الأوسط تلك المنطقة التي جمعت الثروة والنفوذ السياسي وقيادة العالم الإسلامي والعربي، واستفادت أمريكا من هذه التحالفات أكثر مما استفادت دول المنطقة التي تصدت لانتشار الشيوعية، بل ساهمت في إسقاطها حيث كانت الدول الإسلامية والعربية معقل مقاومة الشيوعية ومحاصرة المد السوفيتي غير المرغوب فيه عقائديًا ومن ثم حرمانه من الوصول إلى المياه الدافئة التي كان يحلم بالوصول إليها، وقد ترتب على ذلك سقوط الاتحاد السوفيتي فيما بعد وانتصرت القيم الرأسمالية الليبرالية الغربية مع قرب نهاية القرن العشرين.

لكن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي واختفاء العدو الأكبر للغرب بانهيار حلف وارسو، وتراجع تأثير النفط العربي على السياسة الأمريكية، فتر الاهتمام الأمريكي بالمنطقة العربية، وزاد توجه الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه الشرق الأقصى المتمثل في الصين، ولم يتوقف الأمر عند فتور واشنطن بالمنطقة العربية فحسب، بل تبنت مشروع (الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة) التي أدت إلى ما يسمى بثورات الربيع العربي، واحتضنت إدارة بارك أوباما هذه الثورات، بل تبنت وصول جماعات الإسلام السياسي إلى الحكم في الدول العربية.

وها هي الإدارة الأمريكية الآن تتحرك شرقًا وتتغافل أهمية أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط وتضع نصب أعينها الصين وروسيا مرة أخرى،  وتنظر إلى إيران من المنظار الصيني والروسي، لا من منظار المصلحة الاستراتيجية الأمريكية، وتساوم طهران على برنامجها النووي والصاروخي للابتعاد عن التحالف الصيني / الروسي الذي يتربص بأمريكا ويتأهب لقيادة العالم، وفي سبيل تحقيق ذلك تتذرع الولايات المتحدة بما تسميه حقوق الإنسان في الشرق الأوسط ، وهي تتناسى عن عمد ما كفله الإسلام لحقوق الإنسان والمرأة وغير المسلم من حقوق، وهذه الحقوق التي كفلها الإسلام في القرآن الكريم وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام مقدسة عند المسلمين وتأتي في صلب عقيدتهم ويمارسونها كفرائض في حياتهم اليومية، وليست كنصوص تضعها الدساتير الوضعية ثم تغيرها حسب مقتضيات الحاجة وتزج فيها بمحرمات قطعية في جميع الأديان مثل حق الشواذ والإباحية وغيرها من المحرمات.

لذلك يجب على أمريكا أن تتعامل مع دول منطقة الشرق الأوسط كما كانت تتعامل معها من قبل انطلاقًا من قواعد العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل واحترام خصوصيات هذه الدول ومعتقداتها وتقاليدها وعاداتها، وأن تقدر التحديات والمخاطر التي تواجه أمنها واستقرارها واستقلالها، وأن يستمر التعاون معها لمواجهة الإرهاب سواء إرهاب الجماعات الضالة، أو إرهاب الميليشيات المسلحة والطائفية التي تمولها دول وفي مقدمتها إيران لزعزعة أمن منطقة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، علمًا أن الإرهاب الإيراني سوف يتجاوز المنطقة إلى مناطق أخرى من العالم وستكون دول الاتحاد الأوروبي والأمريكيتين في مرماه لو استمر على هذا المنوال.

لذلك يجب على إدارة بايدن أن تستمع إلى وجهة نظر شعوب المنطقة حيال قضاياهم وكيف يرونها، وأن يكون التعامل مع هذه القضايا بمشورة ورأي شعوب دول المنطقة، وألا تفرض ما تراه الإدارة الأمريكية باجتهادات مختلف عليها ولا يتفق عليها بالضرورة أبناء دول المنطقة، فكما يقول المثل الدارج عند العرب (أهل مكة أدرى بشعابها) مهما استندت الرؤية الأمريكية على دراسات وخبراء أجانب من خارج المنطقة، علمًا أن الدول العربية تمارس الديموقراطية بطريقة تنسجم مع تقاليدها وعاداتها الموروثة والنابعة من دينها الحنيف وتتجلى أهم ملامح هذه الديموقراطية في الشورى وسياسة الباب المفتوح، هذه السياسة الموجودة في كل مستويات الحكم وإدارة الدولة على مستوى القرية، والقبيلة، والإمارة والمنطقة، حتى تصل إلى رأس الدولة، فالحاكم ليس بعيدًا عن المحكومين، بل يستقبلهم ويسمع منهم ويرد عليهم، وهذه تقاليد موروثة وثابتة منذ أن ظهرت المجتمعات العربية قديمًا وحتى تطورت حديثًا، وعليه لا تصلح السياسات المستوردة والمعلبة في إدارة الشعوب العربية كما يتخيل الغرب أو الإدارات الأمريكية.

وعلينا أن نتذكر كم من رئيس أمريكي قال (لقد فهمت مشاكل المنطقة عندما التقيت زعماءها)، فهكذا تورد الإبل، وهكذا يتم التعامل مع دول منطقة الشرق الأوسط والعربية منها بصفة خاصة، و نود أن تتفهم الإدارة الديموقراطية الجديدة، خاصة أن رئيسها جو بايدن ليس جديدًا على المنطقة ، فهو يعرفها جيدًا، وعليه أن يتعامل مع المنطقة بالفهم والحوار المتبادل لا بالأحكام المسبقة حتى تصل المنطقة إلى غايتها في الأمن والاستقرار خاصة أن دول المنطقة العربية لا تطمح في الاعتداء على الغير ولا تطمع في التوسع والخروج خارج حدودها.

مقالات لنفس الكاتب