array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 159

ثلاث قضايا تحتاج توافقات أمريكية-أطلسية ورأب الصدع إيجابي للخليج لأربعة أسباب

الأحد، 28 شباط/فبراير 2021

في أعقاب تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن ليكون الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية دعا ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف شمال الأطلسي"الناتو" الرئيس بايدن إلى قمة خلال العام الحالي 2021م، فضلاً عن تعبير العديد من رؤساء الدول الأوروبية عن الترحيب و"الارتياح" لفوز بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ومنها تغريدة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال فيها "لدينا الكثير لنقوم به من أجل التغلب على تحديات اليوم، لنعمل معاً"، ذلك المناخ الاحتفالي الإيجابي برغم أهميته بيد أنه يخفي الكثير من التباينات في الرؤى إذ يأمل الطرفان في تأسيس حقبة جديدة من "الوفاق"  في ظل حكم الرئيس بايدن بشكل مغاير لحالة "الافتراق" التي سببتها سياسات سلفه الرئيس دونالد ترامب بما أسفر "تصدع " العلاقات الأمريكية الأوروبية سواء داخل منظومة حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي على حد سواء، ويثير ذلك أربعة تساؤلات جوهرية

الأول: ما هي الأسس الاستراتيجية لعلاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو؟

 والثاني: ما هي حدود الثبات والتغيرالمتوقعة في علاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو في ظل إدارة الرئيس بايدن؟

 والثالث: ما هو تأثير ذلك التغير على علاقة الولايات المتحدة بالاتحاد الأوروبي في ظل تداخل عضوية الدول الأوروبية بين المنظمتين؟

والرابع: كيف تنعكس تلك العلاقات على السياسات الدفاعية للولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وخاصة الملف النووي الإيراني ومساعي إيران في مجال التسلح التقليدي وخاصة الصواريخ بعيدة المدى؟

 وستكون الإجابة عن تلك التساؤلات محاورًا لهذه الرؤية الاستراتيجية.

 أولاً: الأسس الاستراتيجية لعلاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو

دون الخوض في طبيعة حلف شمال الأطلسي وميثاقه المنشئ وظروف نشأته، فإن جل الأمر هو أن حلف الناتو كان هو الأداة الرئيسية للولايات المتحدة إبان حقبة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي،وفي ظل قدرة الحلف على التأقلم مع ظروف ما بعد انتهاء تلك الحقبة فقد ظل دوره أساسيًا للولايات المتحدة لسبب بسيط مؤداه اعتماد الولايات المتحدة في سياساتها الدفاعية عمومًا على فكرة التحالفات،صحيح أنه كانت هناك حالات من المد والجزر في علاقة الجانبين بلغت ذروتها مع وقوع اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، والتي كانت اختبارًا حقيقيًا للمادة الخامسة من الميثاق المنشئ للحلف وقدرته على الدفاع الجماعي، إلا أن الأحداث والأزمات في مناطق الصراعات المختلفة من العالم قد شهدت تنسيقًا مستمرًا بين الولايات المتحدة والحلف وذلك تأسيسًا على عدة أسس استراتيجية رسمت ملامح العلاقات الأمريكية- الأطلسية عبر أكثر من سبعين عامًا هي عمر الحلف وهي:

  • إسهام الولايات المتحدة بنسبة 75% من ميزانية حلف الناتو الدفاعية بما يعنيه ذلك من تأثير السياسات الأمريكية على توجهات الحلف بشكل كبير.

2ــ مشاركة دول الحلف الرئيسية للولايات المتحدة في التدخل العسكري في العديد من الأزمات التي رأى الحلفاء أنها تمثل ما يمكن أن يطلق عليه "تجاوزًا للخطوط الحمراء" بما مثل تهديدًا للمصالح الحيوية لدول الحلف بشكل مباشر ومن ذلك مشاركة الأعضاء الرئيسيين للحلف بشكل فردي وليس تحت راية الحلف في حماية ناقلات النفط الخليجية من الاعتداءات الإيرانية إبان الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات فيما عرف "بتحالف الراغبين"، فضلاً عن مشاركة الدول الكبرى في الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في حرب تحرير دولة الكويت عام 1991م، بالإضافة إلى تدخل الحلف عسكريًا كمنظمة في عام 2011م، للإطاحة بالنظام الليبي السابق وفقًا لقرارات أممية في هذا الشأن، إذ كانت المرة الأولى التي يتدخل فيها الحلف في إحدى الأزمات العربية.

 

3ـ إنه في ظل الصراع الغربي-الروسي الراهن فإن الولايات المتحدة ستظل بحاجة لحلف الناتو والذي انتهج سياسة ضم أعضاء جدد في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي حيث كان من بين هؤلاء الأعضاء دول من المنظومة السوفيتية السابقة، بما يعني وجود الحلف في نقاط تماس استراتيجي مع روسيا ومن ثم ديمومة الصراع الغربي-الروسي الذي يشهد تصعيدًا أحيانًا وتهدئة في أحايين أخرى.

4ـ في ظل وجود توجهات أمريكية للحد من الانخراط في مناطق الصراعات الراهنة في العالم فإن ثمة حاجة لتأمين ما يمكن أن نطلق عليه "فراغات استراتيجية محتملة" من شأنها أن تتيح للقوى المنافسة تأسيس نقاط ارتكاز مناوئة للمصالح الغربية عمومًا ومنها الأزمة الليبية وشمال إفريقيا عمومًا وهي ذاتها المناطق التي يحظى الحلف فيها بشراكة مهمة مع سبع دول"مبادرة الحوار المتوسطي 1994م" ،ولعل ذلك كان واضحًا للغاية في تقرير صدر عن الناتو نهاية العام 2020م بعنوان"الناتو 2030:متحدون لعصر جديد" أعده مجموعة من المستشارين الذين تم اختيارهم  من جانب الأمين العام للحلف والذي خلص إلى أن"روسيا سوف تظل أكبر تحد عسكري للحلف في العقد القادم،وكذلك الصين كخطر صاعد"،بل أن الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج قد أشار لذلك صراحة في بيان له عقب إجراء أول اتصال له بالرئيس بايدن حيث قال"يتعين الحفاظ على وحدة الحلف لمحاربة الإرهاب خاصة في أفغانستان والعراق ومواجهة دور روسيا،فلا أحد يستطيع مواجهة هذه التحديات بمفرده"،وهي التوجهات ذاتها التي تسود الخطاب الرسمي الروسي تجاه سياسة الرئيس بايدن ففي الخامس من فبراير 2021م، انتقد  ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين خطاب الرئيس جو بايدن حول سياسة إدارته الخارجية معتبرًا إياه" خطابًا عدائيًا"، ومن ثم فإن حلف الناتو يظل مدعوًا على الدوام من جانب الولايات المتحدة لحماية المصالح الغربية وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب الذي دعا حلف الناتو للقيام بدور أكبر في منطقة الشرق الأوسط  في مطلع عام 2020م، وهو ما قوبل بترحيب آنذاك من جانب الأمين العام للحلف، إلا أن ذلك لاينفي وجود تباينات في طبيعة ذلك الدور والتي عبر عنها الرفض الأطلسي الواضح لأن تحل قوات حلف الناتو محل القوات الأمريكية بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا، إلا أنه في ظل عهد بايدن فإن المؤشرات الأولية تشي بأن دور حلف الناتو ربما لن يقل أهمية عن حقبة الحرب الباردة والتي كان الحلف خلالها الأداة الرئيسية للدول الغربية في مواجهة النفوذ السوفيتي آنذاك مع اختلاف الآليات وسبل المواجهة في ظل دخول الصين على خط التفاعلات الدولية عمومًا وفي بحر الصين الجنوبي على نحو خاص.

ثانيًا: حدود الثبات والتغير في علاقة الولايات المتحدة بحلف الناتو في ظل إدارة الرئيس بايدن

 ربما يكون من المبكر الحكم على مضامين وتوجهات السياسة الخارجية للرئيس بايدن عمومًا وتجاه حلف الناتو على نحو خاص سواء كما اعتاد عليه العالم من أن فترة الأشهر الثلاثة الأولى هي بمثابة ترتيب أجندات أي إدارة جديدة، أو في ظل التحديات التي أوجدتها جائحة كورونا وجعلت لقضايا الداخل الأمريكي أولوية قصوى لدى  تلك الإدارة الجديدة، أو بالنظر إلى مسألة التريث للحكم على تلك الإدارة التي يقودها رئيس لديه من الخبرات ما يكفي لنسج علاقات استراتيجية مهمة سواء مع حلف الناتو أو غيره من التكتلات الدولية الأخرى إلا أن يمكن البناء على المؤشرات الأولية والتي عبرعنها الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف الناتو وخلاله قال بايدن" إن حلف الناتو هو المكان الذي يلتقي فيه الأوروبيون والأمريكيون كل يوم وبإمكانهما العمل معًا لمواجهة التحديات التي لايمكن لأي دولة أن تواجهها بمفردها"، وهو الأمر الذي لقي ترحيبًا لدى الأمين العام للحلف الذي أكد على حرص الناتو عقد قمة للحلف بحضور الرئيس بايدن نهاية العام الحالي،ومع أهمية ذلك لكونه توجهًا مغايرًا لسياسات الرئيس السابق دونالد ترامب والتي كان سمتها التصادم مع الحلفاء سواء داخل الناتو أو ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي فإن ثمة قضايا شائكة تحتاج إلى توافقات أمريكية-أطلسية وهي:

القضية الأولى: مسألة النفقات الدفاعية، حيث طالبت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب شركاءها في حلف الناتو بضرورة الالتزام بتخصيص نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي لأغراض المساهمة في الميزانية الدفاعية لحلف الناتو بما يحقق مبدأ تقاسم الأعباء الذي لطالما دعت إليه العديد من الإدارات الأمريكية السابقة منذ عام 2014م، وفقًا لاتفاق بين الولايات المتحدة وبقية أعضاء الحلف في هذا الشأن الذين لاتزيد نسبة مساهمتهم مجتمعين عن 25%من إجمالي تلك النفقات، بل أن تلك القضية كانت سببًا في تهديد إدارة ترامب بتقليص عدد قواتها في ألمانيا إلى 25 ألف جندي من إجمالي 34500 جندي بدعوى أن ألمانيا  لم تسدد التزاماتها في حلف الناتو، ولعل التصريحات التي أدلى بها أندرس فوج راسموسن الأمين العام السابق للحلف في العشرين من يناير 2021م، كانت واضحة في هذا الشأن حيث قال" يجب ألا يتوقع الأوروبيون حلاً لجميع المشاكل مع رئاسة بايدن وما يجب على أوروبا القيام به هو الوفاء بالتزاماتها من خلال إنفاق 2% من ميزانياتها على الدفاع لأن الرئيس بايدن سوف يدفع في هذا الاتجاه"، بل أن هايكو ماس وزير الخارجية الألماني قال : " إن الجدل حول الإنفاق الدفاعي لن ينتهي في عهد بايدن ولكنه سوف يتم بأسلوب مختلف".

القضية الثانية: كيفية الحفاظ على تضامن الحلف، صحيح أن الميثاق المنشئ للحلف والمكون من أربعة عشر مادة يتضمن كافة التزامات الدول داخل تلك المنظمة الدفاعية إلا أن جوهر ذلك الميثاق يعد المادة الخامسة التي نصت وبوضوح على أن أمن الدول الأعضاء كل لايتجزأ،بمعنى أن أي اعتداء على دولة ما من دول الحلف يعني الاعتداء على الدول ككل بما يستوجب ردًا جماعيًا ،وهو ما أكده الرئيس جو بايدن خلال أول اتصال هاتفي له مع الأمين العام للحلف والذي جدد التزام الولايات المتحدة بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من ميثاق الحلف، إلا أن ذلك الأمر لايعد المعضلة بحد ذاته بل حدوث مواجهات وللمرة الأولى ما بين أعضاء الحلف  ذاتهم من خلال تأجج الصراع في شرق المتوسط ما بين تركيا واليونان عضوي الحلف، صحيح أن الحلف قد استطاع نزع فتيل مواجهة عسكرية محتملة بين الدولتين من خلال  تشكيل آلية عسكرية لمنع الاشتباك المسلح بين الدولتين تضمنت " إقامة خط ساخن بين اليونان وتركيا لفض النزاعات في البحر والجو" على غرار  تلك التي تنتهجها الولايات المتحدة مع روسيا في الأزمة السورية إلا أن ذلك لاينفي أن مبدأ التضامن الداخلي وهو جوهر عمل الحلف قد تعرض لاختبار حقيقي ولم يكن ذلك سوى حلقة جديدة من حلقات زيادة هوة الشقاق بين الدول الأعضاء وقد عبر عنها بوضوح تأخر صدور المفهوم الاستراتيجي الثامن الذي اعتادت دول الحلف إصداره كل عشر سنوات حيث صدر الأخير في عام 2010م، وهو ميثاق أمني رفيع المستوى يتكامل مع الميثاق المنشئ للحلف ولا يتناقض معه ويتضمن تحديدًا للتهديدات الأمنية من حيث أولويات وآليات مواجهتها، فضلاً عن الخلاف الأمريكي-التركي حول قضايا عديدة ليس أقلها صفقة الصواريخ إس 400 التي أبرمتها تركيا مع روسيا وترفض إدماجها في الدرع الصاروخي للناتو وهو ما يراه الحلف تهديدًا له وهو ما كان سببًا لفرض إدارة ترامب عقوبات على تركيا بموجب قانون"كاتسا" وهو القانون الذي وافق عليه الكونجرس الأمريكي في عام 2017م ومضمونه فرض الولايات المتحدة عقوبات  اقتصادية وعسكرية على الدول التي تراها تنتهج سياسات ضد المصالح الأمريكية وقد تم إقراره بسبب تدخل روسيا في أوكرانيا و دخل حيز التنفيذ الفعلي عام 2019م، وبموجب ذلك القانون ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن شراء تركيا لتلك الصواريخ يعد انتهاكًا للعقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا، ففي تصريح له في الخامس من يناير 2021م، حذر مستشار الأمن القومي جايك سوليفان تركيا من أن حصولها على تلك الصواريخ من شأنه تقويض تماسك حلف الناتو وذلك في أول تماس بين إدارة الرئيس بايدن وتركيا خلال اتصال له مع المتحدث باسم الرئاسة التركية،إلا أن المسؤول الأمريكي قد أكد في الوقت ذاته اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية بناء علاقات"مثمرة " مع تركيا، وربما كانت تلك التصريحات جزءًا من توجه أمريكي لصفقة شاملة محتملة مع تركيا تتضمن كافة القضايا العالقة بما فيها الصواريخ وهو الأمر الذي وجد صدىً لدى الجانب التركي ففي التاسع من فبراير 2021م، أعلن خلوصي أكار وزير الدفاع التركي ضمن حوار له مع صحيفة "حرييت" التركية أن تركيا لديها استعداد بعدم استخدام نظام الصواريخ إس 400 الذي تم شراؤه من روسيا إذا توقفت الولايات المتحدة عن دعم الأكراد في سوريا" – وفقًا لما ورد في الصحيفة-.        

القضية الثالثة:مسألة انخراط الولايات المتحدة وحلف الناتو في الصراعات والأزمات خارج الأراضي الأطلسية،ربما يكون هناك اتفاق بين الجانبين على حتمية التصدي لتهديدات الأمن العالمي ومنها الإرهاب والقرصنة وغيرها، إلا أن الخلاف يبرز بشأن حدود المساهمات من ناحية وتوقيت الاستمرار أو الانسحاب من ناحية ثانية ، ومن ذلك على سبيل المثال الصراع في شرق البحر المتوسط بالرغم من كونه تهديدًا للمصالح الأوروبية بشكل كبير فإن الولايات المتحدة لم تنخرط في ذلك الصراع سوى بشكل محدود للغاية، حيث يلاحظ وجود توجهات أمريكية ليس فقط بعدم الانخراط بشكل مباشرفي الصراعات الخارجية بل إمكانية مراجعة الوجود العسكري الأمريكي في الخارج برمته، ففي الخامس من فبراير 2021م، قال لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي "إن وزارة الدفاع الأمريكية"البنتاجون" وبناءً على توجيهات الرئيس جو بايدن تقوم بمراجعة شاملة داخلية وخارجية لوضع القوات الأمريكية بما يضمن تحديد أفضل السبل لتحقيق المصلحة الوطنية" وأضاف " أنه سوف يتم التشاور مع الحلفاء والشركاء أثناء إجراء تلك المراجعة والتي سوف تشمل أفغانستان والشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا ونصف الكرة الأرضية الخاص بنا امتدادًا إلى غرب المحيط الهادئ".  

ثالثًا: تأثير التوجهات الجديدة للرئيس بايدن تجاه حلف الناتو على علاقات الولايات المتحدة الأوروبية

بداية ومع الأخذ في الاعتبار أن هناك 22 دولة تتداخل عضويتها ما بين حلف الناتو والاتحاد الأوروبي فإن ذلك الأمر لم يثر تناقضًا أو تأثيرًا سلبيًا على التزامات الدول داخل المنظومتين، إلا أن الإشكالية تكمن في مسألة وجود توجهات أوروبية تقودها فرنسا لتأسيس هوية أمنية أوروبية تعمل بشكل مستقل ومتكامل مع حلف الناتو، تلك الطموحات التي عبر عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غير ذي مرة بضروة تأسيس جيش أوروبي موحد وهو الأمر الذي واجه انتقادات حادة من جانب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وبدرجة أقل من جانب ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف الناتو، وبرغم صعوبة ذلك الأمر لأسباب عديدة قد لايتسع المجال لذكرها فإن تلك الفكرة لاتزال مثار نقاش في أروقة الاتحاد الأوروبي وخاصة بعد خروج بريطانيا من تلك المنظومة ووجود حالة من التنافس والاستقطاب بين الدول الأوروبية المحورية داخلها بشأن مسألة الدفاع  أخذًا في الاعتبار أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان قد وصف حلف الناتو بأنه "مات سريريًا"، فضلاً عن خبرة توتر علاقة فرنسا بحلف الناتو عندما قامت بالانسحاب من اللجنة العسكرية للحلف عام 1966م، لتعود إليها مجددًا في عام 2009م.   

من ناحية ثانية فإن رأب الصدع داخل حلف الناتو على الأقل تجاه بعض القضايا الخلافية لايعني بالضرورة تحسن العلاقات الأمريكية-الأوروبية وخاصة في ظل وجود عدة قضايا خلافية لاتقتصر على علاقات الجانبين داخل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي فحسب بل تمتد إلى سياسات الجانبين تجاه الأزمات وخاصة الصراع في شرق المتوسط، بالإضافة إلى الملف النووي الإيراني في ظل استحداث الدول الأوروبية آلية مالية أطلق عليها"  إينستكس " وذلك لتسهيل تجارة الدول الأوروبية مع إيران في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها جراء الملف النووي، إلا أن الولايات المتحدة لاتزال في الوقت ذاته خارج الاتفاق النووي ،صحيح أن التقارب الأمريكي/  الأوروبي من شأنه أن يمثل جبهة موحدة في مواجهة إيران وخاصة في ظل سعي الإدارة الأمريكية لإيجاد"إطار إقليمي للمفاوضات النووية" وما يمكن أن تنهض به الدول الأوروبية من دور مهم في هذا الشأن بالنظر لعلاقاتها مع إيران من جهة ودول الخليج العربي من جهة ثانية، إلا أن ذلك التوافق لاينسحب بالضرورة على ملفات وقضايا أخرى  ومنها العلاقات مع الصين وروسيا، وهو ما أشار إليه صراحة  أندريس فوج راسموسن الأمين العام السابق لحلف الناتو والذي قال" من الصعب على الاتحاد الأوروبي تحقيق الوحدة عندما يتعلق الأمر بانتقاد الحكومة الصينية،حيث أن الصين حصلت على أكثر من ضمانات اقتصادية من خلال اتفاقية الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين والتي تم توقيعها في ديسمبر 2020م، ويتوقع أن تستغرق عامًا آخرًا للدخول حيز التنفيذ" وأضاف"لقد أحدثت الصين شرخًا بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتأكدت من أنه سيكون من الصعب على الاتحاد انتقاد قضية حقوق الإنسان في الصين"، والأمر ذاته ينسحب على موقف الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا في ظل وجود عدد من المصالح المشتركة، فعلى الرغم من صدور انتقادات من بعض الدول الأوروبية لروسيا بشأن قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني إلا أنه خلال الزيارة التي قام بها جوزيب بوريل الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية لروسيا في فبراير 2021م، هنأ بوريل المسؤولين الروس على" نجاح لقاح سبوتنيك الروسي المضاد لفيروس كورونا، معربًا عن أمله بموافقة وكالة الأدوية الأوروبية على اللقاح لاستخدامه في دول الاتحاد"، ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يشيد فيها الاتحاد الأوروبي بالسياسات الروسية في هذا الشأن فخلال ذروة الجائحة في عام 2020م، قدمت روسيا العديد من المساعدات  الطبية لدول الاتحاد الأوروبي ومنها إيطاليا.  

من ناحية ثالثة فإن مسألة الوجود العسكري في الخارج سوف تمثل خلافًا آخرًا ،فمع أن التصريحات الأمريكية بشأن العمل مع الحلفاء تعكس مضامين إيجابية بشكل كبير إلا أن الخلافات سوف تطفو على السطح عند الاقتراب من الأمور على أرض الواقع، ففي الوقت الذي أعلنت الإدارة الأمريكية السابقة تقليص عدد القوات الأمريكية في الخارج وخاصة في كل من أفغانستان والعراق والصومال، فإن تصريحات مسؤولين في حلف الناتو أكدت على أن القوات الدولية تخطط للبقاء في أفغانستان على سبيل المثال لما بعد الموعد النهائي الذي نص عليه اتفاق حركة طالبان مع الولايات المتحدة في هذا الشأن. 

رابعًا: انعكاس التقارب الأمريكي-الأطلسي على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي:

 قد تكون هناك صعوبة في التكهن بمضامين السياسة الخارجية للرئيس بايدن تجاه قضايا الشرق الأوسط والخليج العربي عمومًا بالرغم من وجود عدد من الثوابت التي حكمت مضامين ومسارات تلك السياسة عبر عقود خلت، ولكن الأمر الأهم هو أن رأب الصدع الأمريكي-الأطلسي سوف ينعكس بالإيجاب على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي عمومًا لأربعة أسباب:

 السبب الأول: أن المتتبع للأزمات الإقليمية الراهنة ومآلاتها وما أوجدته من تهديدات أمنية غير مسبوقة ليس أقلها الحروب غير المتماثلة وتوظيف التكنولوجيا في تلك الصراعات على نحو طال موردًا حيويًا لدول الخليج العربي والدول الغربية على حد سواء وهو أمن الطاقة سواء منشآت الإنتاج أو ناقلات النفط فإن ذلك يعني استمرار الحاجة للتحالفات والتي عكستها تأسيس التحالف العسكري البحري لأمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز والذي أعلن عن تأسيسه عام 2019م، بقيادة الولايات المتحدة إلى جانب 6 دول أخرى والذي بدأ عمله فعليًا في نوفمبر من العام ذاته، أو البعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة في مضيق هرمز بقيادة فرنسا ودعم 8 دول أوروبية والتي بدأت عملها في يناير 2020م، فضلاً عما أثير خلال الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس السابق دونالد ترمب بشأن وجود مساعي أمريكية لتأسيس قوة متعددة الجنسيات "للمساعدة في حالات الكوارث الطبيعية المفاجئة والأزمات الإنسانية ومواجهة التصرفات العدائية"، وجميع تلك الآليات تحتاج لتوافقات أمريكية- أوروبية، وأمريكية- أطلسية لأهمية ذلك ليس فقط لمواجهة تلك التهديدات بل لتحقيق مفهوم توازن القوى الإقليمي الذي يعد الضمانة الأساسية للحفاظ على  معادلة الأمن الإقليمي الراهنة.

 السبب الثاني: يلاحظ محاولات إيران التنصل من التزاماتها داخل الاتفاق النووي في محاولة لتوظيف التباين الأمريكي-الأوروبي بهذا الشأن، وبالتالي فإن وجود جبهة دولية موحدة من شأنه تحقيق الردع تجاه إيران التي أضحت تمثل تهديدًا لمصالح كافة الأطراف الإقليمية والدولية على حد سواء.

 السبب الثالث: في ظل دخول أربع من دول الخليج العربي وهي" البحرين، الكويت، الإمارات، قطر" في شراكة استراتيجية مع حلف شمال الأطلسي "الناتو" ضمن مبادرة استانبول التي أطلقها الحلف عام 2004م، ومع انخراط بعض من تلك الدول في الصراعات الإقليمية الراهنة ومنها الصراع في شرق المتوسط فإن لتلك الدول مصالح استراتيجية في التقارب الأمريكي-الأطلسي والتي لديها في الوقت ذاته شراكات استراتيجية ممتدة مع الولايات المتحدة الأمريكية كان آخرها إعلان الإدارة الأمريكية السابقة في عهد الرئيس دونالد ترامب تصنيف كل من مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة كشريكين أمنيين رئيسيين للولايات المتحدة، ووفقًا لبيان البيت الأبيض في هذا الشأن فإن "تصنيف الشريك الأمني الرئيسي حالة تنفرد بها دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين حيث يعد ذلك اعترافًا بشراكتنا الأمنية الاستثنائية المتمثلة في استضافة الآلاف من جنود الولايات المتحدة والبحارة والطيارين ومشاة البحرية والتزام كل بلد بمكافحة التطرف في جميع أنحاء المنطقة".

السبب الرابع: أن التهديدات الإقليمية الراهنة قد أنهت الحدود الفاصلة بين مستويي الأمن الإقليمي والعالمي، بما يعنيه ذلك الحاجة لتضافر كافة الجهود لمواجهتها بغض النظر عن الصيغ التي تم إعلانها من قبل أو تلك التي يجري الإعداد لها، بل أنه في ظل تغير مفهوم الإقاليم ذاتها والأطراف المكونة لها فإن ذلك يعني أنه كلما كان هناك تقارب بين دولة بحجم الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي"الناتو" فإن ذلك سوف يعني استمرار ممارسة الردع سواء تجاه الجماعات دون الدول أو الدول التي تدعمها وتمثل تهديدًا للأمن الإقليمي.

   الخلاصات الاستراتيجية لتلك الرؤية

أولاً: مع التسليم بوجود قضايا خلافية بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي"الناتو" فإن الاحتياج الاستراتيجي المتبادل بين الجانبين يجعل من التعاون والتنسيق أمرًا حتميًا وخاصة في ظل توافق دول الحلف على طبيعة التهديدات الأمنية العالمية الراهنة، إلا أنه لايوجد نمط واحد لذلك التنسيق حيث يختلف من أزمة لأخرى ووفقًا للتوافق داخل الحلف ذاته.

ثانيًا:على الرغم من قناعة الرئيس الأمريكي جو بايدن بضرورة العمل مع الحلفاء فإن مهمة بايدن لن تكون سهلة وخاصة في ظل وجود تباينات حادة بين أعضاء الحلف بشكل غير مسبوق، سواء بشأن الصدام بين دول الحلف في شرق المتوسط، أو إصرار تركيا على إتمام صفقة الصواريخ إس 400 مع روسيا التي يصنفها الحلف بأنها التحدي الأول له بالإضافة إلى الصين ويتوقف الأمر على ما سوف يقدمه بايدن لتركيا من تنازلات في بعض القضايا الخلافية.

ثالثًا: مع أهمية العلاقات الأمريكية-الأطلسية وتأثيرها على التوافقات الغربية بشأن قضايا الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي فإن ذلك لاينفي وجود طموح أوروبي بشأن إيجاد هوية أمنية تعمل بشكل مستقل ومتكامل مع حلف الناتو في الوقت ذاته وربما يكون ذلك مثار تباينات بين الرئيس بايدن وشركائه الأوربيين خلال فترته الرئاسية.

رابعًا: في ظل استمرار الصراعات والأزمات في مناطق مختلفة من العالم فإنه لايمكن التكهن بقرارات سحب أو زيادة القوات التابعة للحلف والتي تشارك فيها الولايات المتحدة بنسبة كبيرة حيث يرتبط ذلك بكل حالة على حدة ودرجة المخاطر التي تمثلها لمصالح الدول الغربية والتي من بينها عدم إتاحة الفرصة لمنافسيها الدوليين للولوج ضمن أي فراغات محتملة.

خامسًا: إن رأب الصدع بين الولايات المتحدة وحلف الناتو من شأنه أن ينعكس بالإيجاب على قضايا الأمن الإقليمي عمومًا والملف النووي الإيراني على نحو خاص بما يمثله ذلك من زيادة الضغوط على إيران وعدم منحها فرصًا للتنصل من التزاماتها ضمن الاتفاق النووي.

مقالات لنفس الكاتب