array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 159

سياسة بايدن الخارجية تخدم المصالح الداخلية والمنطقة مطالبة بالتعاون لمواجهة التحديات وإعادة بناء الاقتصاد العالمي

الأحد، 28 شباط/فبراير 2021

تعتبر مراسم تنصيب الرئيس في الولايات المتحدة من الأحداث الروتينية التي تحصل في العشرين من شهر يناير كل أربعة أعوام وتمر مر السحاب ولا يعكر صفوها سوى ضجيج الاحتفالات والمراسم وبعض الفعاليات الرسمية مثل أداء اليمين الدستورية والأنشطة الرمزية مثل المسيرة من بناية الكونغرس إلى البيت الأبيض.  كل هذا كان من الماضي لكن هذه الدورة كانت مغايرة لكل ما هو معروف عنها حيث خيمت العديد من المشكلات والأزمات الخانقة التي تلف بالمجتمع الأمريكي والعالم عليها وأزالت عنها كل معاني البهجة والاحتفال. وكان من أبرز تلك الدلائل أن الرئيس الأمريكي المنتخب جوزيف بايدن ونائبته كمالا هاريس أديا اليمين الدستورية تحت حراسة أكثر من عشرين ألف جندي من الحرس الوطني الأمريكي لحماية المراسم من خطر هجوم قوى اليمين المتطرف التي لم تكن الخطر الوحيد بل كان هناك خطر فيروس الكوفيد-19 الذي فرض نفسه هو الآخر على مراسم التنصيب.

 

لم تكن عملية وصول الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض سهلة لا بالشكل ولا بالمضمون، بل كانت رحلة محفوفة بالصعاب والتحديات، وكان العامل الأهم في تأزيم الأمور رفض الرئيس السابق الاعتراف بهزيمته في الانتخابات حيث لجأ إلى مختلف الأساليب القانونية وغير القانونية للطعن في نتائجها ومحاولة إيجاد طرق ملتوية للالتفاف على خسارته.  ولأن ترامب فشل في الوصول إلى غايته من خلال القضاء الذي رفض حوالي ستين قضية رفعها محاموه للطعن في نتائج الانتخابات في عدة ولايات فقد لجأ إلى القيام بخطوته الأخطر التي تمثلت في محاولة الانقلاب على الشرعية الدستورية من خلال إرسال المئات من مناصريه للهجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي أثناء انعقاد جلسة للتصديق على نتائج الانتخابات في السادس من يناير الماضي. وبالفعل فقد هاجم الغوغاء بناية الكونغرس مما استوجب إخلاء القاعات ولجوء الأعضاء ومن بينهم نائب الرئيس السابق مايك بنس والذي كان يرأس جلسة مجلس الشيوخ إلى ملاجئ الطوارئ أمام المهاجمين الذين أرسلهم ترامب وهم يحملون الحبال وينادون بشنق نائب الرئيس ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي التي يعتبرونها من ألد أعداء الرئيس السابق.

 

هذه المخاطرة لم تأت بثمارها لأن الكونغرس ازداد إصرارًا على إنهاء مهمته الدستورية وصادق على نتائج الانتخابات في جلسة مطولة دامت إلى ما بعد منتصف الليل. وكان من نتيجة ذلك أن تنصيب الرئيس الجديد أخذ بعدًا أمنيًا كبيرًا من خلال الاستعانة بأكثر من عشرين ألف جندي من الحرس الوطني لتأمين عملية التنصيب وحماية المؤسسات الدستورية من احتمال مواجهة جديدة مع أنصار الرئيس المنتهية ولايته.  هذه المشاهد دفعت بالعديد إلى مقارنة واشنطن ببغداد أيام الاحتلال الأمريكي وتسمية مركز العاصمة الأمريكية "المنطقة الخضراء" إسوة بمثيلتها في مقر إدارة الاحتلال في بغداد. هذه العملية التي يعتبرها العديد من المراقبين والمعلقين الأخطر على النظام السياسي الأمريكي منذ الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب والتي كانت بدايتها محاولة الولايات الجنوبية الانفصال عن الشمال بسبب تبني نظام إلغاء الرق. كما كان من نتائج تلك العملية أن مجلس النواب أصدر قراره الثاني بعزل الرئيس ترامب ليصبح الرئيس الأول في تأريخ الولايات المتحدة الذي يتخذ مجلس النواب قرارًا بعزله مرتين لكن قرار العزل والإقصاء لم يحصل إلا على أغلبية 57 صوتًا (أي بتصويت 7 أعضاء من الحزب الجمهوري) في مجلس الشيوخ الذي يجب أن يقر العزل بأغلبية الثلثين. 

 

لم تكن الدراما السياسية التي جعلت من الولايات المتحدة تبدو وكأنها من جمهوريات الموز، هي المشكلة الوحيدة التي صاحبت مراسم تنصيب الرئيس بل كانت هناك أزمة الكوفيد-19 التي كانت وما تزال تعصف بالبلاد وتتصاعد أرقامها يومًا بعد يوم، ثم هناك الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد التي تعتبر الأكبر منذ "الكساد الكبير" في ثلاثينيات القرن الماضي، وإذ لم يكن ذلك كافيًا فلا ننسى أن البلاد تمر بأسوأ فترة من الانقسام المجتمعي الذي هو الآخر جاء ليكمل مسلسل الأزمات التي تواجه الإدارة الجديدة وتبحث عن معالجات آنية وحلول بعيدة. 

 

أولويات الإدارة الجديدة

ورثت الإدارة الجديدة العديد من الأزمات الحادة التي تشبه الحرائق الكبيرة المشتعلة وهي القضايا التي عانت من الإهمال من قبل الإدارة السابقة والتي من أهمها:

 

  1. أزمة الكوفيد-19: عندما سألت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي عن أولويات الرئيس الجديد قالت بأن الرئيس بايدن يفكر بالكوفيد-19 قبل النوم وعندما يصحو من النوم وطيلة يومه ولذلك فقد كانت الفعالية الأولى للرئيس قبل التنصيب هي إشعال 400 ضوء حول المسطح المائي في واشنطن ترمز إلى أكثر من 400 ألف مواطن أمريكي هم ضحايا الكوفيد-19 لحد الآن. يعود السبب في ذلك إلى أن أعداد الإصابات في الولايات المتحدة أصبحت خارج حدود السيطرة، كما هو موضح في الرسم البياني أدناه:

 رسم بياني يمثل عدد إصابات فيروس كوفيد-19 في بداية الشهور العشرة الأخيرة في الولايات المتحدة

يوضح الرسم البياني أن عدد الإصابات ازدادت بشكل كبير وخصوصًا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، مما يدل وبشكل واضح أن مقاربة إدارة الرئيس السابق ترامب القائمة على اعتبار أن الوباء مشكلة ثانوية تتم مواجهتها من خلال حكومات الولايات والإدارات المحلية لم تكن كافية لمواجهة الوباء مما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا الذي وصل إلى أكثر من 484 ألف وفاة ويمثل هذا الرقم 20% من عدد الوفيات عالميًا في حين أن سكان الولايات المتحدة لا يشكلون سوى أقل من 5% من سكان العالم.

تنظر الإدارة الحديدة إلى أزمة الكوفيد-19 على أنها ليست مجرد خطر يهدد صحة المواطنين بل إنها التهديد الأكبر للأمن القومي الأمريكي ولذلك قام الرئيس الجديد بتوقيع عدد كبير من الأوامر الرئاسية كان محورها الأساسي إيجاد مقاربة جديدة للوباء تختلف عن الإدارة السابقة من خلال التأكيد على أن تفعيل الاقتصاد يتطلب معالجة ناجحة للوباء حيث كان من أول القرارات التي اتخذها الرئيس في يومه الأول إعلان حالة الطوارئ ووضع القدرات العسكرية في خدمة الأزمة في محاولة لمعالجة مشكلة التأخر في إيصال اللقاح إلى المواطنين من خلال الاستفادة من الكوادر الطبية العسكرية في المساعدة على تنفيذ خطة الإدارة الطموحة التي تهدف إلى تحصين 300 مليون مواطن مع حلول الصيف القادم.  كما نصت القرارات على إلزام المواطنين بوضع غطاء الوجه الواقي في البنايات والمرافق العامة الخاضعة لسلطة الحكومة الفدرالية،

 

  1. إنعاش الاقتصاد المتعثر بسبب أزمة الكوفيد-19: وضعت الإدارة الجديدة خطة متكاملة لمواجهة الآثار الاقتصادية لوباء الكوفيد-19 وتهدف الخطة إلى إعطاء الاقتصاد الأمريكي جرعة من المحفزات الاقتصادية لتجنب حصول آثار سلبية دائمة والمساعدة في تجاوز المرحلة الآنية وإلى حين وضع الحلول الدائمة موضع التنفيذ وتهدف الخطة التي تشمل حزمة محفزات بمقدار 1.9 ترليون دولار تمنح المواطنين مبلغ 1400 دولار لتشجيع الإنفاق الذي هو عصب الاقتصاد الأمريكي وكذلك توفير مبالغ إضافية للشركات المتعثرة وخصوصًا في قطاعات الخدمات والنقل والصحة وفي نفس الوقت توفير مبالغ إضافية لدعم المدارس وتطويرها لتوفير وسائل الوقاية والتعليم عن بعد.

 

  1. تطوير مقاربة فعالة لمواجهة المتغيرات المناخية: لقد كان من أهم السياسات التي ركز عليها الرئيس الجديد في حملته الدعائية هي تغيير سياسة الرئيس السابق تجاه المناخ. هذه القضية تكتسب أهمية كبيرة بالنسبة للإدارة الجديدة بسبب التداعيات الكبيرة للمناخ في الولايات المتحدة والتي تمثلت بعدة كوارث طبيعية حيث مثل الأعاصير التي زادت عددًا وقوة وهي تضرب السواحل الأمريكية هذا بالإضافة إلى الزيادة الكبيرة في حرائق الغابات والتي هي الأخرى تسببت بالكثير من الخسائر البشرية والاقتصادية لذلك سوف تكون أولوية الإدارة الجديدة تطوير مقاربة جديدة لمعالجة آثار المتغيرات المناخية ومن ذلك المبادرة إلى اتخاذ قرار العودة إلى اتفاقية باريس للمناخ والذي كان من أول القرارات الرئاسية التي اتخذها الرئيس الجديد بعد أدائه اليمين الدستورية.

تنظر الإدارة الجديدة إلى أزمة المناخ بوصفها التحدي الأكبر على المدى البعيد كما وإنها تعتبرها   فرصة كبيرة لإعادة بناء اقتصاد المستقبل وقيادة النقلة الاقتصادية العالمية في هذا المجال.  هذا التحول لن يكون يسيرًا في الولايات المتحدة وذلك بسبب معارضة نسبة كبيرة من المحافظين وعلى رأسهم الرئيس السابق ترامب والذين ينظرون إلى قضية المناخ على أنها مؤامرة عالمية. كما وأن هناك بعض الصناعات التقليدية وخصوصًا المناطق التي تعتمد على الصناعة النفطية ومناجم الفحم التي قد تتضرر من السياسات المناخية. بالنسبة للعلاقة مع المنطقة فإن هذه التوجهات سوف يترتب عليها تدني في دور العامل النفطي في السياسة الخارجية الأمريكية ولذلك يتوجب على دول المنطقة التفكير والاستعداد للمرحلة القادمة.

   

  1. إعادة ترميم الجبهة الداخلية: جاءت إدارة الرئيس ترامب إلى الحكم قبل أربع سنوات بشعارات حملت النزعة العنصرية من خلال اتهام المهاجرين من أمريكا الجنوبية بنشر الجريمة والمخدرات كما أنها وضعت قيودًا شديدة على الهجرة من الدول الإسلامية بسبب اتهام المسلمين بالإرهاب. هذه السياسات تسببت بإحداث شروخ بين مكونات المجتمع الأمريكي لدرجة دفعت بالمؤسسات الأمنية إلى رفع راية التحذير من الأخطار الداخلية المتمثلة بجماعات اليمين المتطرف.  لذلك سوف تسعى الإدارة الجديدة إلى تغيير نبرة الحوار الوطني وتغليب مفاهيم المواطنة كما وأن بايدن أعلن بأن حكومته سوف تمثل جميع مكونات المجتمع الأمريكي. لكن تقف أمام هذه التوجهات عقبات عديدة لعل من أهمها محافظة الحزب الجمهوري على نصف الأعضاء في مجلس الشيوخ (الحزب الديمقراطي يمتلك الأغلبية لأن نائبة الرئيس تمتلك الصوت الذي يكسر التعادل في الأصوات) التي تمكنه من وضع العراقيل أمام سياسات الرئيس الجديد. هذا بالإضافة إلى الدور الإعلامي والسياسي المرتقب للرئيس السابق ترامب والوسائل التي سوف يتخذها لكي يحافظ على قاعدته السياسية وهل ستؤدي تلك الجهود إلى إشعال فتنة داخلية بين مكونات المجتمع الأمريكي كما رأينا في السادس من يناير من خلال مهاجمة مبني الكونغرس.

 

  1. إعادة بناء العلاقات الخارجية: لا تشكل السياسة الخارجية بحد ذاتها أولوية بالنسبة لإدارة الرئيس بايدن بسبب ضغط الأزمات الأخرى التي تواجهها لكنها سوف تحظى بالاهتمام لارتباطها بالأولويات الأخرى ومنها مواجهة الكوفيد-19 وإعادة بناء الاقتصاد ومعالجة أزمة المناخ ومعالجة تلك الأزمات من خلال بناء التحالفات الخارجي بالإضافة إلى ضغط العديد من الملفات الخارجية المتعلقة بالاقتصاد مثل العلاقات الاقتصادية مع الصين والمكسيك وكندا. لذلك سوف تسعى الإدارة الجديدة وعلى النقيض من سياسة الرئيس السابق ترامب إلى تقوية التعاون الدولي في سبيل مواجهة وباء الكوفيد-19 من خلال تنشيط دور منظمة الصحة العالمية كما أن أولى أولوياتها سوف تكون تفعيل التعاون الدولي للتصدي لأزمة المناخ من خلال العودة إلى اتفاقية باريس بالإضافة إلى إصلاح ما أفسدته إدارة ترامب في مجال العلاقة مع الحلفاء والأصدقاء من خلال التأكيد على العمل المشترك وإعادة بناء التحالفات الدولية وفي مقدمتها تأكيد أهمية حلف الأطلسي في حفظ الأمن على الساحة الأوروبية وكذلك السعي إلى لعب دور متوازن بين أوروبا وبريطانيا وتطوير مقاربات مشتركة تجاه التحديات الدولية ومنها الملف النووي الإيراني والعلاقات مع روسيا واحتواء التهديد الأمني القادم من كوريا الشمالية وقدراتها النووية وصواريخها البعيدة المدى. هذه القضايا بحاجة إلى تفصيل ليس هنا مجاله، لكننا سوف نذكر ثلاث نقاط مهمة في مجال السياسة الخارجية التي تهم المنطقة:

 

        دور حقوق الإنسان في السياسة الخارجية

كثر الحديث في وسائل الإعلام العالمي والمحلي عن الأهمية التي تبديها الإدارة الجديدة لملف حقوق الإنسان حول العالم والموقف من الحكومات التي نالت إعجاب الرئيس السابق ترامب لا شك بأن إدارة بايدن سوف تبدي اهتماما بملف حقوق الإنسان ولعدة أسباب منها الاستجابة لمواقف التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي والرغبة في التميز عن الإدارة السابقة، لكن هذا لا يعني بأن الإدارة الأمريكية سوف تتحول إلى منظمة إنسانية تهدف إلى نشر القيم الإنسانية والديمقراطية ولكن الإدارة الجديدة سوف تهتم بملفات حقوق الإنسان عندما يكون ذلك في خدمتها وسوف تستخدم تلك القضايا في سبيل الضغط على بعض الأطراف للحصول على تنازلات في القضايا التي تخدم أولوياتها الأخرى ومصالحها البعيدة.

لذلك فسوف يكون ملف حقوق الإنسان في روسيا مثلاً حاضرًا كوسيلة للضغط عليها في ملفات معاهدة تخفيض الأسلحة النووية وبعض القضايا الاستراتيجية الأخرى وكذلك فقد تستخدم الولايات المتحدة ملفات حقوق الأقلية المسلمة في الصين أو الحريات في هونغ كونغ للضغط على الصين في سبيل الحصول على تنازلات في مجال العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية العالقة بين البلدين.  إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة سوف تنشط في نشر الديمقراطية في العالم وتحقيق تقدم حقيقي في مجال حقوق الإنسان قد لا يكون في محله لأن تاريخ الولايات المتحدة الطويل وتجربة القيادات الجديدة خلال عملها في إدارة الرئيس أوباما لا توحي بغير ذلك. الأمر الذي قد يهم المنطقة في هذا المجال هو عودة التعامل مع المنطقة من زاوية التركيبة الطائفية وما قد يعنيه ذلك لقضايا المنطقة في العراق وسوريا واليمن وغيرها.

 

        مقاربة الإدارة الجديدة تجاه المنطقة

لا شك بأن الإدارة الجديدة سوف تكون مثقلة بالأعباء لكن هذا لا يعني أنها سوف تهمل المنطقة وذلك لأنها تمثل إحدى الحرائق التي تركها الرئيس السابق أمام الإدارة الجديدة من خلال التصعيد العسكري مع إيران وإطلاق العديد من التصريحات النارية التي ساهمت في زيادة حدة النزاعات في المنطقة بالإضافة الى تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران.

هناك العديد من العوامل التي تدفع الإدارة الجديدة إلى الاهتمام بالمنطقة من أهمها صراع القوى الكبرى على المنطقة ومواردها وموقعها الاستراتيجي كذلك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تمثلها منطقة الخليج بالنسبة للولايات المتحدة لكن القضايا الأمنية العاجلة سوف تطغى على تلك العلاقة على المدى القريب ومن أهمها النزاعات المشتعلة في العديد من دول المنطقة والعلاقة مع إيران.

لعل من أبرز الدلائل على الاهتمام بالمنطقة إقدام الرئيس الجديد على تعيين الجنرال المتقاعد لويد أوستن في منصب وزير الدفاع والمعروف أن الوزير الجديد على دراية كبيرة بالمنطقة حيث كان يشغل منصب قائد القيادة الوسطى  المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2013م، كان خلالها المسؤول المباشر عن التصدي لتنظيم داعش الإرهابي الذي سيطر على مساحات كبيرة داخل الأراضي العراقية والسورية كما سبق له أن شغل منصب قائد القوات الأمريكية في العراق عام 2010م. وكذلك تعيين الرئيس للدبلوماسي تيموثي ليندركنغ مبعوثًا خاصًا إلى اليمن والذي يتمتع  بعلاقات وثيقة بالمنطقة حيث عمل لسنوات في السفارة الأمريكية في بغداد وشغل منصب الشخص الثاني في السفارة الأمريكية في الرياض وكذلك شغل منصب مساعد نائب وزير الخارجية لشؤون منطقة الخليج والعراق. 

 

        الموقف من الاتفاق النووي مع إيران

إن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران من القضايا التي أعلن عنها الرئيس المنتخب بايدن وهي جزء من مبادرة إدارته للعودة إلى الساحة الدولية والتعاون مع الحلفاء وخصوصًا الأوروبيين الذين كانوا جزءًا من المفاوضات وحافظوا على التزامهم بالاتفاق بعد انسحاب إدارة ترامب.  لكن هذه العودة لن تكون بالسهولة التي تتصورها إيران لأن هناك شروطًا لابد من توفرها قبل العودة ورفع العقوبات.  وقد شرح وزير الخارجية الجديد توني بلينكن تلك الشروط أثناء جلسة لجنة العلاقات الخارجية للموافقة على ترشيحه لمنصبه الجديد حيث قال: "الرئيس المنتخب يؤمن بأن إيران إذا ما عادت إلى الالتزام بالاتفاق (أي عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل خروج الولايات المتحدة من الاتفاق وتخلي إيران عن كل المكتسبات التي حققتها في الفترة السابقة مثل رفع مستويات التخصيب أو التغيير في نوعية وأعداد أجهزة التخصيب) فإننا سوف نعود" وقال أيضًا "ولكننا سوف نستخدم تلك المناسبة للعمل مع الحلفاء والشركاء الذين سوف نكون معهم على نفس الجانب للوصول إلى اتفاق أقوى وأبعد مدى وكذلك كما أشرتم وما ذكره رئيس اللجنة يشمل الصواريخ وأنشطة إيران لزعزعة الأمن" وختم حديثه بالقول "أعتقد إننا على مسافة بعيدة من تحقيق ذلك لأننا سوف نراقب عن كثب الخطوات التي تتخذها إيران ومدى استعدادها لذلك."   

 

المفاوضات المرتقبة سوف تكون مغايرة عن سابقتها ولعدة أسباب منها أن الموقف الإيراني الحالي سوف يكون أضعف بكثير من الجولة السابقة لأن إيران فقدت الورقة الوحيدة التي كانت تمتلكها وهي المشروع النووي إذ أنها لاتزال ملزمة بالشروط التي وقعتها في الجولة الماضية هذا بالإضافة إلى أن أوضاعها الاقتصادية المتردية تجعلها أحوج ما يكون إلى رفع العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في حين أن الوضع الراهن لا يشكل خطرًا على المصالح الأمريكية إلا إذا ما أقدمت إيران على تهديد المصالح الأمريكية مباشرة مثل استهداف قواتها المتواجدة في المنطقة والتي قد تشكل نقطة اللاعودة وبداية صراع مفتوح لا تعرف نتائجه وهو الأمر الأخير الذي لا ترغب به القيادة الإيرانية.  أما بالنسبة لخروج إيران من الاتفاق والتصعيد في الأنشطة النووية فإن هذه الخطوة من شأنها زيادة عزلة إيران خصوصًا مع الدول الأوروبية. 

ليس بإمكان إيران التعويل على الموقفين الروسي والصيني كثيرًا في الجولة القادمة ذلك لأن الرئيس الروسي بوتين حريص جدًا على فتح صفحة جديدة من العلاقات مع بايدن وطي صفحة الرئيس السابق ترامب التي لم تخدم العلاقات الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة كما أن الإدارة الجديدة سوف تطلب من بوتين تفسير العديد من المواقف ومنها محاولة التدخل في الانتخابات السابقة لصالح ترامب وضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وما يشاع عن دور محتمل للمخابرات الروسية في سرقة المعلومات من الحزب الديمقراطي وتسريبها للتأثير على انتخابات 2016م، بالإضافة إلى ما يشاع عن وضع المخابرات الروسية مكافآت مالية على رؤوس الجنود الأمريكان في أفغانستان كذلك العديد من الملفات المهمة وفي مقدمتها مفاوضات الحد من الأسلحة النووية التي ينتهي مفعولها العام الحالي

التي سبق وأن أعلنت إدارة ترامب عدم رغبتها في تمديدها وهو الموقف الذي عارضه بايدن أثناء الحملة الانتخابية. إن تمديد العمل بهذه الاتفاقية يعتبر أولوية إدارة بايدن تجاه روسيا.

 

الصين هي الأخرى قد لا تكون راغبة في اتخاذ موقف المعارض للتوجه الأمريكي لأنها أيضًا بحاجة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الإدارة الجديدة بعد الفوضى التي أحدثها ترامب في العلاقات الاقتصادية بين البلدين من خلال فرض التعريفات الجمركية على العديد من البضائع الصينية وكذلك موقف إدارة ترامب من قضية تايوان والذي أثار حفيظة الصين. كما وأن الصين استفادت كثيرًا من فرض العقوبات الأمريكية على إيران لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية مثل الحصول على النفط الإيراني والعراقي بأسعار منخفضة ولذلك فهي قد لا تكون على درجة كبيرة من الحماس لرفع تلك العقوبات.

تكمن العقبة الأولى أمام عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع إيران حول من يتخذ الخطوة الأولى.  ذلك أن إيران لا تريد التقدم بتلك الخطوة لأنها لا ترغب في أن تظهر بمظهر الحريص على عودة الولايات المتحدة لأن ذلك يعني الإقرار بنجاح العقوبات عليها الأمر الذي سوف يدفعها إلى تقديم تنازلات ربما أكبر مما تريد. لذلك عرضت إيران وعلى لسان وزير خارجيتها قيام الطرفين بخطوات متزامنة لكن الولايات المتحدة في المقابل ليست على عجلة من أمرها لأن إعلان بايدن رغبته العودة إلى الاتفاق رفع الحرج أمام الحلفاء كما وأن انشغالها بالأزمات الأخرى قد يؤدي إلى تأخر الأزمة في سلم الأولويات ولذلك سوف تسعى إلى تنشيط التواصل مع الحلفاء حول القضية وإبداء الجدية حول الموضوع كوسيلة للضغط على إيران بالإضافة إلى اتخاذ بعض الخطوات غير المباشرة لإظهار جديتها ومن ذلك إعلان الإدارة إيقاف الدعم العسكري للحرب في اليمن وكذلك رفع جماعة الحوثي من قائمة الإرهاب, لكن هذه الخطوات لن تشمل تقليل العقوبات على الأقل لحد الآن وهو الأمر الوحيد الذي تريده إيران.

أحد العوامل المهمة التي تؤثر في الموقف الأمريكي هو ضبابية الأوضاع السياسية في إسرائيل التي تعاني من أزمة سياسية تتمثل بالانقسام الكبير في الكنيست الإسرائيلي على مدى الأعوام الماضية والذي تمثل بعجز أي من الأطراف السياسية تحقيق أغلبية برلمانية تمكنها من تشكيل حكومة.  هذه الأوضاع ساهمت ولاتزال في تعقيد الموقف الأمريكي حيث يتخذ العديد من المسؤولين الإسرائيليين مواقف متشددة من العودة إلى الاتفاق النووي ومنهم رئيس الأركان أفيف كوخافي الذي قام بالإعلان عن خطط عسكرية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي، وذلك على خلاف عادة القادة العسكريين في إسرائيل الذين يفضلون العمل بصمت وترك الأحداث تتحدث عن خططهم. ليس من الواضح فيما إذا كانت هذه المواقف حقيقية أم أنها للاستهلاك السياسي في الحملة الانتخابية القائمة أو أن الغاية منها ضمان موقع لإسرائيل في الحوار الدولي مع إيران والمرجح أنها مزيج من ذلك كله.  هذه الأمور هي التي دفعت بقائد القوات المركزية كينيث ماكينزي إلى زيارة تل أبيب ولقاء المسؤولين هناك لتبيان حقيقة النوايا بعيدًا عن ضجيج الدعايات الانتخابية.

 

الرئيس بايدن وزملاؤه في الحزب الديمقراطي الذين عارضوا سياسة ومواقف الرئيس السابق وخصوصًا إعلانه الانسحاب من الاتفاق وفرض العقوبات الاقتصادية على إيران لن يكونوا في عجلة من أمرهم للعودة إليه لأنهم ينظرون إلى العقوبات على إنها ورقة قوية بأيديهم في الضغط على إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم المزيد من التنازلات خصوصًا في قضايا أخرى مثل برنامج الصواريخ والتدخلات الإقليمية.  السؤال هو عن ماهية الوسائل التي قد تنتهجها إيران للضغط على الولايات المتحدة والمجموعة الدولية للتعجيل برفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها؟ لابد من الإشارة هنا إلى أن  إيران لا تريد المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة لأن ذلك ليس في صالحها, ولذلك فقد لا تجد أمامها إلا الخيارات التقليدية التي لجأت إليها في الماضي وهي الضغط على الولايات المتحدة من خلال عدم الالتزام بشروط الاتفاق ورفع نسب التخصيب وهذه تضر بالموقف الإيراني مع الدول الأوروبية التي تحتاجها في عملية التفاوض ولذلك فقد تلجأ إلى الضغط بصورة غير مباشرة من خلال إثارة المتاعب على المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى سبيل المثال فقد يشهد الخليج عمليات اعتراض السفن التجارية أو عودة للعمليات الإرهابية خصوصًا في العراق أو من خلال التحرش بالقوات الأمريكية المتواجدة في العراق أو سوريا أو تصاعد الهجمات الصاروخية على المملكة من اليمن.

 

خلاصة القول بأن العالم ما بعد الكوفيد-19 سوف يكون مغايرًا لما قبله ولذلك سوف تسعى إدارة الرئيس بايدن إلى استشراف ملامح العالم الجديد وتحديد بوصلة سياستها الخارجية لخدمة مصالحها الداخلية. هذه القضية تفتح المجال أمام دول المنطقة للمبادرة والعمل على الانتقال بالعلاقة مع الولايات المتحدة من حالة التعامل بالقضايا الآنية وردود الأفعال إلى وضع أسس التعاون المشترك لمواجهة التحديات الدولية والإقليمية وإعادة بناء الاقتصاد العالمي.

مقالات لنفس الكاتب