العدد 160

تطويق الصين وإضعاف روسيا وتحجيم إيران أبرز الأهداف وانتهاء رؤية أمريكا أولا

الإثنين، 29 آذار/مارس 2021

جرت العادة منذ منتصف الثمانينات أن يقدم الرؤساء الأمريكيون الجدد للكونجرس وثيقة الأمن القومي التي يتم من خلالها  " تحديد الأولويات"  في الداخل والخارج، ورسم "خريطة طريق"  للتعامل مع كافة التحديات، وتسعى استراتيجية الأمن القومي الأمريكي  إلى تحقيق 4 أهداف رئيسية هي حماية الشعب الأمريكي وطريقة حياتة والتي يُطلق عليها " القيم الأمريكية " ورفع مستوى الرفاهية من خلال تعزيز وضعية الاقتصاد الأمريكي باعتباره الاقتصاد الأول عالميًا حتى الآن، وصيانة السلام الدولي عن طريق امتلاك كل عناصر القوة العسكرية، لذلك وعلى مدار العقود الأربع الماضية كانت الولايات المتحدة هي أكثر دول العالم إنفاقًا على التسليح ، وبلغت ميزانية الدفاع في العام الجديد 740 مليار دولار ، وكل ذلك بغرض تحقيق الهدف الرابع وهو دعم النفوذ الأمريكي وبقاء أمريكا في صدارة القوى العالمية بل واستمرار قيادة القطب الواحد

 ودائمًا ما يكون الإعلان عن "وثيقة الأمن القومي" في نهاية العام الأول للرئيس الجديد حيث أعلنها الرئيس السابق دونالد ترامب في ديسمبر 2017م، بينما أصدرها الرئيس الأسبق باراك أوباما في عام 2010م، أي بعد أكثر من عام من دخوله البيت الأبيض في 20 يناير 2009م، ورغم أن الرئيس هو الذي يعلن استراتيجية الأمن القومي إلا أنها تكون نتاج وحاصل جمع لـ" تقديرات مواقف " كافة أركان الدولة الأمريكية من أجهزة مخابرات ومراكز أبحاث.

 وأدخل الرئيس  ترامب " التحول النوعي " الأكبر في العقدين الأخيرين على وثيقة الأمن القومي الأمريكي،  فمنذ أحداث 11 سبتمبر 2001م، وحتى ديسمبر 2017م، كانت الولايات المتحدة ترى في مواجهة الإرهاب العالمي والتطرف العنيف هي أولويات قصوى، لذلك أرسلت آلاف الجنود وأنفقت تريليونات الدولارات على هذه الحروب في أفغانستان والعراق منذ 2001م، لكن الرئيس ترامب هو الذي أعتبر الصين وروسيا ومعهما كوريا الشمالية وإيران، بالإضافة إلى تجار المخدرات" الكارتيلات "  في أمريكا اللاتينية والجماعات الإرهابية مصادر التهديد الرئيسية للولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا وضعت واشنطن كل إمكانياتها لمواجهة الصين وروسيا وإيران واحتواء كوريا الشمالية وهزيمة الجماعات الإرهابية خلال السنوات الأربع من حكم ترامب.

وقبل مرور شهرين على دخوله البيت الأبيض أعلن الرئيس جوزيف بايدن الدليل الاستراتيجي الذي يوضح أسلوبه في التعامل مع القضايا المحلية والدولية وتحديد أولويات هذه القضايا ، والدليل الاستراتيجي الأمريكي هو " وثيقة الأمن القومي الأمريكية المؤقتة " كمقدمة " لإعداد استراتيجية شاملة للأمن القومي بديلاً عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تحت اسم " أمريكا أولا"، وحملت الوثيقة الجديدة عنوان " تجديد مزايا أمريكا: التوجيه الاستراتيجي للأمن القومي المؤقت"، وفي هذه الوثيقة أعاد بايدن صياغة الأولويات ووضع " آليات جديدة " تختلف جذريًا عن " أدوات " سلفه ترامب لتحقيق " العودة الأمريكية " إلى قيادة العالم بعد أن شكك الكثيون في هذه القيادة خلال السنوات الأربع الماضية ، فما هي محاور الارتكاز التي تعتمد عليها " رؤية بايدن للأمن القومي الأمريكي ؟ وهل تستطيع هذه الرؤية إبقاء أمريكا على قمة القيادة العالمية؟ وماذا عن الشرق الأوسط وإيران في هذه الوثيقة؟ وما هي الخيارات المتاحة للدول العربية للتعامل مع مستجدات الرؤية الأمريكية الجديدة؟ وماذا عن " حدود المواجهات" و" مساحات التشارك والتعاون " التي تشكل عناصر التحرك الأمريكي في الفترة القادمة.

الأحادية القطبية

الهدف الأول والرئيسي الواضح بين ثنايا هذه الرؤية هو إصرار إدارة بايدن على إبقاء الولايات المتحدة تقود العالم " بشكل منفرد " كما كان الأمر منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، ورغم أنه هدف يصعب الحفاظ عليه في ظل صعود عدد من القوي الاقتصادية والعسكرية العالمية إلا أن هذه الوثيقة والتي وقعت في 24 صفحة تركز على استعادة " الأحادية القطبية " الأمريكية، والتخلي تمامًا عن مفردات " أمريكا أولاً " التي حملتها وثيقة الأمن القومي السابقة، وتقول الوثيقة الجديدة " يجب على الولايات المتحدة أن تشكل مستقبل النظام العالمي، باعتبار ذلك ضرورة ملحة الآن، وأن الهدف من العودة الأمريكية هو تحقيق القيادة والحفاظ على نظام دولي مستقر ومنفتح تدعمه تحالفات ديمقراطية قوية وشراكات ومؤسسات وقواعد متعددة "

 وتمثل هذه الجدية نحو تحقيق هذا الهدف بمثابة إعلان ضمني لمواجهة خصوم واشنطن الاستراتيجيين سواء كانوا  الدوليين أو الإقليميين، فالحزب الديمقراطي الأمريكي يؤمن بأن الولايات المتحدة التي لا يتعدى عدد سكانها 5 % تستطيع قيادة العالم لنهاية القرن الحادي والعشرين بدعم من شركائها وحلفائها حول العالم، وذلك " بتجديد الشركات والتحالفات " مع عدد كبير جدًا من الشركاء والحلفاء، وهم الدول الأوروبية وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا وكوريا الجنوبية واليابان والهند ودول جنوب شرق آسيا التي لديها خلافات مع الصين، وتعتمد هذه الاستراتيجية على محور رئيسي هو " الترويج للديمقراطية"  في جميع أنحاء العالم.

" استدارة كاملة "

وتقوم الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة على الدفع  " باستدارة كاملة "  للسياسة الخارجية الأمريكية عما كان عليه في عهد دونالد ترامب، ففي الوقت الذي انتهجت الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع الماضية " سياسة انعزالية"  عنوانها " أمريكا أولاً " وهي سياسة قامت على تقليل المسؤوليات، والانسحاب من المنظمات الدولية والانكفاء على الذات، الآن تطل علينا استراتيجية الأمن القومي الجديدة  التي أعلنها بايدن والتي  تقوم على المثل الأمريكي القائل " الخروج من الذات نحو الآخر " وهو ما تجلى في العودة السريعة للولايات المتحدة إلى منظمة الصحة العالمية، واتفاق باريس للمناخ، والمجلس الدولي لحقوق الإنسان، وتفعيل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ونصت الوثيقة على أن " مصير أميركا اليوم أصبح أكثر ارتباطًا بالأحداث خارج شواطئ الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى، وهناك العديد من القضايا التي تشكل تهديدًا للولايات المتحدة تأتي من الخارج مثل فيروس كورونا، وتغير المناخ العالمي، والقومية العالمية، والتغيرات التكنولوجية، وصعود القوى المنافسة لأميركا مثل الصين وروسيا".

 ووفق هذا المنظور الجديد فإن " المغارم والمغانم " تأتي لأمريكا من الخارج خاصة الأخطار المتعلقة " بالجوائح والأمراض ثم التغييرات المناخية " وهو ما يفرض على الولايات المتحدة عدم " الاختباء خلف المحيطات " كما يقول أنصار الاستراتيجية الجديدة، وتجلى هذا في قرارات تنفيذية قام بها الرئيس بايدن بالسماح للمهاجرين بالعودة مرة أخرى، وإطلاق خطة تمتد 8 سنوات لمنح الجنسية لأكثر من 15 مليون مهاجر غير شرعي يقيمون الآن في الأراضي الأمريكية، ووقف العمل بالجدار الفاصل مع المكسيك، وتاريخيًا، ومنذ تأسيس الولايات المتحدة على يد جورج واشنطن كانت السياسة الخارجية الأمريكية تتأرجح بين الانعزال والانكفاء على الذات من ناحية  وبين الانفتاح والتواصل والانخراط في المشاكل الدولية من ناحية أخرى، وغالبية الرؤساء الأمريكيين كانوا يميلون إلى الابتعاد والانزواء عن المشاكل الدولية، فالرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية جورج واشنطن وأثناء خطاب الوداع بعد انتهاء ولايته الثانية دعا إلى عدم التدخل في الحروب والسياسة الأوروبية، وطوال القرن التاسع عشر عملت أمريكا على تحجيم انخراطها الخارجي، ورفضت مقترحات التعاون المشترك، وخلال الحرب العالمية الأولى أعتمد الرئيس ويلسون على أن تدخل واشنطن في الصراع هو مصلحة أمريكية للحفاظ على نظام عالمي سلمي، إلا أن التجربة الأمريكية في تلك الحرب والدمار الذي حدث ساهم في تعزيز حجج الانعزاليين بأن المصالح الأمريكية الهامشية لا تبرر ضخامة الخسائر الأمريكية في المعدات والأرواح، كما لعب الكساد الاقتصادي العظيم إلى دفع الأمريكيين نحو الانعزالية مرة أخرى في ثلاثينيات القرن الماضي إلا أنها عملت على التوسع في الحديقة الخلفية وهي أمريكا اللاتينية، وحتى عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939م، استمرت أمريكا على الحياد مع تقديم مساعدات محدودة للحلفاء، لكن الهجوم الياباني على البحرية الأمريكية في بيرل هاربور في ديسمبر 1941م، أقنع غالبية الأمريكيين بضرورة دخول أمريكا للحرب، إلا أن سياسة الانفتاح اكتسبت زخم غير مسبوق من خلال سياسات الرئيس أيزنهاور الذي حقق للولايات المتحدة مكاسب غير مسبوقة نتيجة لانفتاحها على أوروبا والعالم.

الهروب من الحرب

 وربما الاتفاق الوحيد بين الاستراتيجية الجديدة مع استراتيجية ترامب هو محاولة " الهروب من الحرب"، ففي الوقت الذي يعد الرئيس السابق دونالد ترامب هو الرئيس الوحيد في العقود الثلاثة الماضية الذي لم يشن حربًا كبيرة  تقول الوثيقة الجديدة إن الولايات المتحدة ستولي أهمية للتعاون الدولي، وكذلك التحالفات والشراكات، وستعمل على إعادة تأسيس " قيادة واشنطن"  في المنظمات الدولية من أجل إيجاد حلول للمشاكل العالمية اعتمادًا على قوة الدبلوماسية، لكنها في ذات الوقت لن تتردد في استخدام القوة عند الحاجة إلى ذلك من أجل الدفاع عن مصالحها

 روسيا والصين ليسوا في " سلة واحدة "

تجنبت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة الخطأ الفادح الذي وقعت فيه إدارة ترامب التي وضعت كلا من الصين وروسيا في " سلة واحدة " وهو ما أدى لتقارب تاريخي بين الصين وروسيا على حساب المصالح الأمريكية ،الأمر الذي شكل " كتلة جيوسياسية " ضخمة ضد الولايات المتحدة لأول مرة منذ انتهاء الحرب الباردة، ويهدد هذا التطور الاستراتيجي بانتقال مركز العالم من الغرب للشرق، وترى الوثيقة الجديدة أن روسيا غير قادرة على الدخول في مواجهة مباشرة وصريحة مع الولايات المتحدة لهذا يركز الرئيس بايدن هجومه على روسيا من خلال نعت الرئيس الروسي بأوصاف قاسية أو فرض عقوبات جديدة على موسكو، لكن الاستراتيجية الأمريكية وصفت الصين بأنها صارت أكثر ثقة بالنفس، وأنها تملك كل العناصر السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التي يمكن أن تشكل تحديًا للولايات المتحدة، بينما تنظر لروسيا باعتبارها " تزعزع الاستقرار العالمي " ولهذا تم الحديث عن الصين في الدليل الاستراتيجي 18 مرة بينما لم يذكر أسم روسيا إلا 6 مرات فقط، وستعمل الاستراتيجية الجديدة على تحجيم الصعود الصيني والإبقاء على القيادة الأمريكية للعالم من خلال المحاور التالية:

1-تكثيف الوجود العسكري الأمريكي حول حدود الصين البحرية والبرية، وأن التمركز الأقوى لما يقرب من 220 ألف جندي أمريكي خارج البلاد سيكون في المحيطين الهندي والهادئ، لمنع التنمر السياسي. والاقتصادي الصيني على جيرانها، ومن وجهة نظر الاستراتيجية الجديدة فإن الصين تسعى إلى الحصول على مزايا غير عادلة، كما أن سلوك بيجين يهدد مصالح وقيم الولايات المتحدة، ولهذا كان الهدف الأول للولايات المتحدة من الانسحاب من اتفاقية منع إنتاج ونشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة التي تستطيع أن تحمل رؤوسًا نووية في أغسطس عام 2019م، حتى يمكن نشرها في آسيا، وتشترط الولايات المتحدة في الوقت الراهن انضمام الصين للاتفاقية قبل أن تعود إليها مرة أخرى.

2- منع الصين بكل الوسائل بما فيها الوسائل العسكرية من غزو تايوان سواء من خلال الوجود الأمريكي المكثف في بحر الصين الشرقي الذي يفصل بين البر الصيني وتايوان، وإمداد تايوان بالسلاح، وهناك من يعتقد في الولايات المتحدة الأمريكية أن الحرب ستبدأ بين الصين وأمريكا إذا حاولت الصين غزو تايوان، وهو ما يراه قائد القوات الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادي الأدميرال فيليب ديفيدسون الذي توقع أن يقع هذا الغزو في 2027م، حتى تتبوأ الصين أعلى هرم القيادة العالمية، وتتحول  كأكبر قوة عسكرية في المنطقة، والذي توقع أن تعمل الصين على هذا الهدف لتسريع الهدف السابق بأن تصبح القوة العالمية الأولى عام  2025م.

3-منع الصين من تحقيق مطامعها في بحر الصين الجنوبي بما في ذلك المناطق الواقعة تحت سيطرة فيتنام والفلبين، ودعم سيطرة اليابان في بحر الصين الشرقي على جزر سينكاكو التي، والوقوف بجانب الهند للوقوف أمام أطماع الصين في جبال الهيمالايا.

4- دعم الوجود الأمريكي في جزيرة غوام بعد أن نجحت الطائرات والصواريخ الصينية الوصول للجزيرة التي تقع شرق الفلبين بـ2500 كلم ، وتستعد الولايات المتحدة لنشر بطارية صواريخ مضادة للصواريخ من طراز " إيجيس آشور" من الجيل الأحدث نظراً لقدرتها على اعتراض الصواريخ الصينية الأكثر تطوراً أثناء تحليقها، بالإضافة إلى عمل الولايات المتحدة لتغيير عقيدتها العسكرية في جوام من مكان يمكن القتال فيه إلى مكان يجب أن نقاتل من أجله، بالإضافة إلى تفاوض الولايات المتحدة مع اليابان وأستراليا لنشر ثلاثة أنظمة دفاع صاروخي أخرى من طراز "إيجيس"، كما يناقش أعضاء مجلس الشيوخ إلى تضمين الميزانية العسكرية للعام 2022م، أسلحة هجومية حتى تعرف الصين أن تكلفة أي محاولة للسيطرة على المحيط الهادئ ستكون باهظة وفق تصور وزارة الدفاع الأمريكية.

5-تشجيع قيام " الثورات الملونة " في الصين، وهناك خطط تفصيلية لهذا الأمر نشرتها الصحف الروسية والصينية والتي تؤكد سعي واشنطن لخلخلة الأمن القومي الصيني من خلال تركيز دعايتها على الحزب الشيوعي الصيني الذي يضم 93 مليون عضو.

6-التنسيق الأمريكي مع كل الأقاليم الانفصالية الصينية مثل هونج هونج وتايوان والتبت وجيانجينج " تركستان الشرقية " تطبيقاً لنظرية " شد الأطراف " التي تؤدي بالطبيعة إلى خلخلة في القلب والعمق

7-تعميق الخلافات بين الصين وجيرانها الآسيويين، واستغلال الخلافات الصينية مع الهند واليابان وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى الخلافات الصينية مع 6 دول يطلون على بحر الصين الجنوبي، وتعزيز الولايات المتحدة لعلاقاتها مع حلفائها الآسيويين للوقوف في وجه الصين.

8-تأسيس الولايات المتحدة " تحالف القيم " وهي كل الدول التي تتشارك في القيم الأمريكية للوقوف ضد ما تسميه " التغول الصيني " خاصة في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والتجسسية. 

9-تستعد الولايات المتحدة بمعاونة حلفائها الغربيين وخاصة بريطانيا لمنع بيع اللقاحات الصينية للدول الآسيوية وذلك بتقديم مزايا كبيرة للقاحات الغربية حتى لا تقع الدول الآسيوية تحت رحمة الصين في المستقبل.

10-توعدت الولايات المتحدة بالرد على سلوك الصين، ومواجهة الممارسات التجارية غير العادلة وغير المشروعة والقرصنة الإلكترونية، والممارسات الاقتصادية التي تؤذي العمال الأميركيين، ودعم واشنطن لجيران الصين والشركاء التجاريين في الدفاع عن حقوقهم في جعل الخيارات السياسية المستقلة خالية من الإكراه.

11- الإسراع بخطط التعافي الاقتصادي الأمريكي من خلال ضح 9 تريليونان دولار في الاقتصاد الأمريكي، والتي تشكل حزمة التحفيز البالغة 1.9 تريليون دولار الدفعة الأخيرة منها، ويعتقد الرئيس جو بايدن أن هذه الحوافز ستساعد الاقتصاد الأمريكي على البقاء على قمة الاقتصاديات الدولية، ومنع الصين من تجاوز الاقتصاد الأمريكي في ظل توقع بعض المؤسسات المالية بأن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة من حيث حجم الاقتصاد عام 2028م، حيث تزاحم الصين الولايات المتحدة في جميع القطاعات الاقتصادية الحيوية وخاصة تكنولوجيا الجيل الخامس، بالإضافة أن الصين هي الدولة الوحيدة في عام 2020م، التي شهدت نموًا اقتصاديًا، وكانت أكثر دول العالم التي تتلقى استثمارات مباشرة من الخارج، ناهيك عن انخفاض الاقتصاد الأمريكي في عام 2020م، بنسبة 2.3% حيث سجل 20.9م، تريليون دولار فقط، بينما نما الاقتصاد الصيني بنسبة 2.4%، وهو ما يقلص الفجوة بين الناتج المحلي بين واشنطن وبيجين إلى  تريليون دولار فقط سنويا، وكل هذا يعني أن الاقتصاد الصيني قادر على اللحاق بالاقتصاد الأمريكي في السنوات السبع أو الثماني القادمة، وأن الصين التي يتجاوز سكانها 4 أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة وتتمتع بحيوية كبيرة في التجارة العالمية قادرة على تحدي الولايات المتحدة قريباً، وهنا يراهن الديمقراطيون على أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة سوف تعطل صعود الصين وتبطيء وصولها إلى قمة الاقتصاد العالمي.

12- تفادي الأخطاء السابقة في التعامل مع الصين خاصة في قضايا التسلح، فهناك من يرى أن سبب تحدي الصين للغرب ليس نابع من تفوق صيني في بعض المجالات لكن أيضاً بسبب سوء إدارة الصراع من جانب الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، ففي الوقت التي تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات على أسلحة قديمة استثمرت الصين في الهجوم السبراني والأسلحة الرخيصة التي يمكن أن تهدد البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية التي تحتاج المليارات لتصنيعها والإنفاق عليها، وهو ما يحتاج نهج مختلف وأوسع للتعامل ليس فقط مع الصواريخ الصينية العابرة للقارات بل مع الفيروسات وانبعاثات الكربون الخطيرة على البيئة.  13- ورغم كل ذلك تركت الوثيقة الباب مفتوح للتعامل مع الصين عندما قالت " نحن ندرك أيضاً أن المنافسة الاستراتيجية لا تمنع ولا ينبغي أن تمنع العمل مع الصين عندما يكون من مصلحتنا الوطنية أن نفعل ذلك، وأن تجديد مزايا أميركا، يضمن أننا سنشارك الصين من موقع ثقة وقوة، وسنتبع دبلوماسية عملية موجهة نحو النتائج مع بكين ، والعمل على تقليل المخاطر، ونرحب بتعاون الحكومة الصينية في قضايا مثل تغير المناخ والأمن الصحي العالمي والحد من التسلح، وأن واشنطن مستعدة للانخراط في حوار هادف مع الصين حول مجموعة من التقنيات العسكرية الناشئة.

14-تدرك الولايات المتحدة أن تطويق الصين ليس بالأمر السهل، وأن الصراع مع بكين ليس" نسخة جديدة " من الحرب الباردة، فهي رقم صعب يتفاعل بقوة داخل النظام العالمي وليس على هامشه كما كان الحال مع الاتحاد السوفيتي، ومن هذا المنطلق يميل مستشار الأمن القومي جايك سوليفان إلى الفريق الذي يرى ضرورة الجمع بين " المنافسة والتعاون" في العلاقة مع الصين نحو الصين وأن اللعبة مع الصين يجب ألا تكون لعبة صفرية.

 القوات الأمريكية في الشرق الأوسط

ربما أكثر التحولات التي تتحدث عنها الوثيقة فيما تتعلق بمنطقتنا أن واشنطن تستعد لإعادة تقييم " الوجود العسكري " في الشرق الأوسط " حيث يوجد ما يقرب من 60 ألف جندي أمريكي في المنطقة ما بين باكستان وأفغانستان شرقاً حتى ساحل البحر الأبيض المتوسط غرباً، وأن الإدارة الأمريكية الجديدة تستعد لما وصفته الوثيقة " بتصحيح حجم الوجود العسكري " الأمريكي إلى المستوى المطلوب لتنفيذ 4 أهداف هي الالتزام الصارم بأمن إسرائيل، وتعزيز تكامل إسرائيل مع الدول التي عقدت معها اتفاقيات إبراهيمية، ومتابعة حقوق الإنسان بالمنطقة، بالإضافة إلى ردع إيران بالتعاون مع شركاء الولايات المتحدة في المنطقة ،وحددت الاستراتيجية أسلوب معالجة البرنامج النووي الإيراني وأنشطة طهران التي وصفتها بكونها "مزعزعة للاستقرار"، وذلك عبر "استخدام المبادئ الدبلوماسية"، تأكيداً على النهج الذي دأب الرئيس بايدن على تأكيده خلال الفترات الماضية إزاء التعامل مع طهران، فقد وصف الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأميركي أن إيران " تشكل خطراً وأنها دولة مزعزعة للاستقرار، وأنها إلى جانب كوريا الشمالية ضمن القوى الإقليمية الساعية إلى  تغيير قواعد اللعبة، وتشكل تهديداً لحلفاء. واشنطن وشركائها وتتحدى الاستقرار الإقليمي، لكن كل ذلك ليس الأولوية الأولى في هذا التوقيت بالنسبة للإدارة الأميركية، وأن حل أزمات الشرق الأوسط لن يكون بالقوة العسكرية مع العمل على تعزز الجهود لمواجهة القاعدة وداعش، ونصت الوثيقة على أن الولايات المتحدة" لن تنفق  تريليونات الدولارات على حروب بلا نهاية، وأنها ستنهي بشكل مسؤول أطول حرب أميركية في أفغانستان، مع ضمان أن لا تتحول أفغانستان لملاذ آمن للمجموعات والتنظيمات الإرهابية، وتجلت هذه السياسة في  أول قرار للإدارة الجديدة بتقييد استخدام  الطائرات المسيرة " درون" إلا بموافقة البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية بعد أن كان القرار يمكن أن تتخذه القيادات الميدانية، وهو ما قد يضعف الحرب على القاعدة وداعش  في اليمن والصومال وسوريا وليبيا.

لكن أخطر ما جاء في الوثيقة حول الشرق الأوسط والمنطقة العربية هو إشارتها الواضحة لدعم المظاهرات في الشوارع عندما قالت " سنعمل على خلق مساحة للناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط لتحقيق تطلعاتهم

مقالات لنفس الكاتب