العدد 160

السعودية سفينة القيادة والعمق الاستراتيجي ولم تستبد بالقرار الخليجي

الإثنين، 29 آذار/مارس 2021

كان معظم المراقبين الخليجيين -ونحن منهم -على علم بما تعنيه رئاسة جو بايدن لدول الخليج العربية؛ فقد نبهنا أن دول الخليج قد تجد أن عليها الكثير للقيام به من أجل تعزيز العلاقات مع واشنطن في ظل رئاسة بايدن؛ فالرجل يوصف كملك الخيارات الخاطئة. Joe Biden's History of Making the Wrong Call وقد تحقق جزء من مخاوفنا، فرفع اسم ميليشيا الحوثيين من قائمة الإرهاب، رغم استمرارها في قصف الأهداف المدنية بالمسيرات. وهو رفع يعود إلى أن الانتهازية كطبيعة بشرية إنسانية تتجول في كل شبر من البيت الأبيض، فالإلغاء جزء من القتل المعنوي لترامب، والإلغاء سيعطي الدبلوماسية الأمريكية فرصة التدخل في اليمن ربما للسعي لإبقائه مقسماً كسوريا والعراق وليبيا، وإن لم يكن ذلك بصورة رسمية، كما أن الأمر فيه محاباة لإيران التي تتقرب منها الإدارة الديمقراطية، والأمر أيضاً أداة ضغط وابتزاز لدول الخليج. والتقرب من إيران يعني ضياع فرصة زوال مفجرات الصراع، وتجاهل خطاب قادة الخليج في الرغبة المشتركة في رأب الصدع الذي زعزع المنطقة نتيجة غياب التفاهم مع الطرف الإيراني. بل إن بايدن كثف تواصله مع إيران متجاهلاً دول الخليج من هذه التحركات. وهي تحركات عنوانها الرئيسي عودة واشنطن للاتفاق النووي 5+1، مما يعني شرعنة الطموح النووي الإيراني رغم ما يكتنفه من غموض يشير كألف شاهد على نية طهران في مواصلة سعيها للحصول على السلاح النووي. لقد اجتمعت في سماء الخليج هذه الأيام الخشية من غموض التفهم الأمريكي لنا، لعدم كشفها بوضوح عن استراتيجيات البيت الأبيض لكبح طهران، وتوسع النفوذ الإقليمي لطهران. مما يجعل التوجس منها قائمًا أصلاً في حال امتلكت سلاحًا نوويًا أو تحررت من قيود العقوبات.

قدرة إيران على عسكرة برنامجها النووي

 في زمن النوايا الطيبة كان الغرب يتساءل قبل عقد إن كانت إيران تسعى حقًا لصنع القنبلة، أم أنها تسعى فقط لامتلاك قدرات تمكنها من ذلك دون اتخاذ الخطوة النهائية لصنعها أو بالتحديد القدرة على صنع القنبلة التي من شأنها أن توفر ردعًا معينًا، وحتى عام 2003م، كان لدى إيران برنامج نووي عسكري. فمعهد أبحاث السلام وسياسة الأمن في هامبورغ يقول "هناك الكثير من الأدلة على أن إيران قد نفذت أنشطة نووية في السنوات السابقة لا يمكن تفسيرها بأهداف مدنية". غير أنه من الواضح أيضًا أن البرنامج العسكري النووي الإيراني هذا قد توقف رسميًا نهاية عام 2003م، بقرار من القيادة الإيرانية. وتتفقد وكالة المخابرات الأمريكية والوكالة الدولية أن إيران امتلكت في فترة من الفترات برنامجًا للسلاح النووي وأنها أوقفته. وثمة أدلة تشير إلى أن إيران حصلت على تصميم لقنبلة نووية ونفذت أعمالا مختلفة تتصل بتصنيعها. ويؤكد الخبراء أن قرار استئناف تخصيب اليورانيوم الأخير الذي أعلنته طهران يمكن العودة عنه بسهولة موقف تفاوضي فالخطوة الإيرانية محاولة لإعادة تركيز الاهتمام على البرنامج النووي لخوفها من اشتراط جو بايدن ضم التفاوض على ملفات أخرى إلى الاتفاق النووي، كبرنامج الصواريخ البالستية، أو دور إيران في الشرق الأوسط.

 ولتلخيص ما سبق، يمكننا القول أنه على الرغم من أن الصناعة النووية الإيرانية، تبدو مدنية ظاهريًا، إلا أنها مرتبطة بشكل وثيق ببنيتها التحتية العسكرية، وأن طهران على طريق تقليص المسافة التي تفصلها عن امتلاك سلاح الدمار الشامل.  وقد فشل الاتفاق النووي 5+1 في هدفه الذي كان يرمي إلى إطالة الوقت اللازم أمام طهران لإنتاج المواد الانشطارية ضرورية لصنع قنبلة نووية من شهرين أو ثلاثة إلى عام على الأقل.

لكن ما جدوى ذلك إذا كانت طهران نفسها تعلن وتقول إنها تجري أبحاثًا بهدف إنتاج معدن اليورانيوم كوقود لمفاعل بحثي. مع أن معدن اليورانيوم يمكن أن يستخدم لإنتاج نواة قنبلة نووية، يضاف إلى هذه العبثية التي يشاهدها العالم شهادة المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وهي ثلاث من الدول الخمس الملتزمة حتى الآن بالاتفاقية، على إنها قلقة للغاية لإعلان إيران، وإن إيران لا تملك سجلاً موثوقًا يتعلق بمعدن اليورانيوم. وإن إنتاج معدن اليورانيوم له دلالات عسكرية خطيرة.

فماذا بقي بعد هذه الشواهد؟

أن نضع أصابعنا في آذاننا وننظر إلى الشرق منتظرين انفجار القنبلة النووية الإيرانية!

معنى قاب قوسين أو أدنى بالأرقام

 يبلغ عدد المواقع 15 موقعًا لبرنامج إيران النووي وهي:

1-مفاعل آراك 2-مجمع أصفهان النووي، 3-مفاعل بوشهر للمياه الثقيلة 4-محطة فوردو لتخصيب اليورانيوم،5-منشأة نطنز 6-مركز بوناب للأبحاث النووية 7-مركز معلم كاليه:8-مركز كراج 9-مفاعل طهران للأبحاث 10-منشأة لاشكار أباد 11-مفاعل داركوفين للمياه الخفيفة 12 مفاعل شيراز 13-منجم جاهين 14-منجم ساجهاند لاستخراج اليورانيوم 15-موقع أردكان النووي.

 وقد خرقت طهران قيود اتفاق 5+1 عام 2015م، كرد على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق. ومن ذلك تقليل الفترة اللازمة لإنتاج المواد الكافية لصنع سلاح نووي، فالاتفاق النووي لا يسمح لإيران بتخصيب كمية تفوق 202,8م، كيلوغرام من اليورانيوم وهي نسبة ضئيلة للغاية من أكثر من ثمانية أطنان قامت إيران بتخصيبها قبل الاتفاق. وتجاوزت إيران هذا الحد في عام 2019م. وحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لشهر نوفمبر2020م، فإن المخزون الإيراني يبلغ 2442,9 كيلوغرام. كما يفرض الاتفاق حدًا أعلى للمستوى الانشطاري الذي يمكن لإيران أن تخصب اليورانيوم به عند 3,67 %وهو ما يقل كثيرًا عن مستوى 20 % المعلن حاليًا. ويذهب تقرير للمخابرات الإسرائيلية حول قنبلة إيران النووية أن طهران تحتاج 4 أشهر لتخصيب اليورانيوم لصنع قنبلتين نوويتين وعامين لصنع معدات الإطلاق.

سباق الرعب النووي في الخليج

 لم يخل الخليج في أي فترة في تاريخه الحديث والمعاصر من سباق تسلح بين ضفتيه منذ أن قاد الفرس فيلتهم كسلاح جديد والعرب جمالهم كمناوئ له في معركة ذات السلاسل أو معركة كاظمة (الكويت الحالية) سنة 12هـ بين خالد بن الوليد وجيش الفرس بقيادة هرمز؛ ثم تطور سباق التسلح التقليدي إلى سباق تسلح نووي، سيتلوه شغف التسابق للحصول على أكبر قدر من الأسلحة النووية كما حدث بين الأمريكان والروس، ولاحقًا عدة دول أخرى.

أما سبب سباق التسلح النووي القادم على ضفتي الخليج فسببه البيئة الإقليمية سيئة الجيرة حيث لا تعرف دول الخليج الظروف القادمة، فالمتغيرات كثيرة ومن الحكمة احتساب هذه التغيرات كتحديات، توجب أن نكون جاهزين لها. ورفع الحظر عن طهران كما هو في خطط بايدن المعلنة يعني سباق تسلح في الخليج.

ومن إيجابيات موقف دول الخليج في التفاعلات والتغيرات الدولية أنها قابلة للعولمة، لكن من سلبيات ذلك تأثّر دول الخليج بالأزمات الإقليمية ذات التبعات الاستراتيجيّة أكثر من غيرها. مما يوجب الوصول للتوازن الاستراتيجي مع طهران عبر سباق التسلح التقليدي والنووي. وهو سلوك ابتليت به دول الخليج العربي للتفوق العسكري على طهران، عبر الحصول على عدد أكبر من الأسلحة، والأفراد والصناعات العسكرية والمشاريع النووية وأسلحة الدمار الشامل، حتى يعم الأمن أو تحسم الأمور لطرف كما حسمت بنهاية الحرب الباردة لصالح أمريكا وتفكك الاتحاد السوفيتي. ودوافع إيران في ركضها المحموم تجاه السلاح النووي هو أن تكون مساوية لباكستان وإسرائيل ومتفوقة على تركيا ودول الخليج. أما دوافع الخليجيين لدخول سباق التسلح فمتعددة منها:

1-إن رفع الحظر عن طهران، هو إعادة بناء ذراعها الجوي الطويل، المعطل منذ قيام الثورة، والمقلق أن البديل الذي تبنته لتعويض هذا النقص وهو القوة الصاروخية التي لن يتم الاستغناء عن برامجها، فهي سند للقوة الجوية، و سند للبرنامج النووي الإيراني.

2-سنواجه في دول مجلس التعاون أسوأ سباق تسلح على ضفتي الخليج، فالسباق الماضي الذي تفوقت فيه دول الخليج بامتلاك أفضل سلاح غربي لم يوجد إلا لدينا خارج جيوش حلف الناتو، كان في زمن يسر وتمهل ولم يكن الغريم يسابقنا مثل الآن فقد كان تحت العقوبات الأممية وحظر توريد السلاح.

3-المقلق أنه قد مضى عقد على الصفقات التي عقدتها دول الخليج، ودخلت أسلحة الجيل الخامس الكثير من الجيوش بل إن الغريمة طهران تصنع بعضها، كالطائرات المسيرة، وأجهزة الحرب السيبرية والصواريخ الجوالة، يضاف إلى ذلك الخوف من أن بايدن وإدارته هدد بنزع الحماية الأمريكية عن الخليج.

 وعليه سيقود سباق التسلح النووي إلى مرحلة التعقل النووي لاكتمال الردع عبر حث الدول النووية على ضفتي الخليج على بناء قنوات اتصال لمنع الحوادث المحتملة، من أجل تقليل المخاطر. ليتحول الأمر بعد ذلك من «التوازن الاستراتيجي» إلى «توازن الرعب»، الذي قد يدخلنا حقبة من حقب الحرب الباردة، التي ستشهد مراحل تصعيد، ثم مراحل تهدئة، وتحمل رعب المجابهة لعقود، ثم سيقود الطرفين على ضفتَي الخليج إلى نوع من «اتفاقية سالت» والوفاق القسري، لمنع كل لاعب من التصرف وفق مصالحه الضيقة، رغم أن الخليجيين وإيران يعتقدان أن كل طرف منهما قادر على إدارة المنطقة كلها.

  البدائل والخيارات المتاحة أو الممكنة لدول مجلس التعاون

 في مقابلة أجرتها شبكة "سي بي إس" الأمريكية عام 2018م، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عدم رغبة الرياض حيازة سلاح نووي، محذراً في الوقت نفسه من أن تطوير الإيرانيين قنبلة نووية، سيدفع بلاده إلى فعل الشيء ذاته بأقصى سرعة وليس في ذلك تناقض، فدول الخليج ترفض إشعال سباق التسلح في المنطقة. ومما لا شك فيه أن الخليجيين يخشون من أن يمنح بايدن -مثل أوباما -الإيرانيين اتفاقًا بأي ثمن لأنه بات يرى في ذلك عنوانًا لإرثه في السياسة الخارجية، وأن تحصل طهران بالتالي على وضع إقليمي أفضل، فإدارة بايدن ليست مستعدة لأن تذهب إلى أبعد مدى لطمأنة حلفائها في دول الخليج. فمع بدء العد العكسي لاتفاق نووي محتمل بين القوى الكبرى وطهران لم تستعد واشنطن لتأمين "مظلة نووية أمريكية" لهذه الدول.

ومع ذلك تبقى المظلة النووية الأمريكية أو إمكانية اللجوء للمظلة الباكستانية النووية؛ وذلك لطبيعة العلاقات التي تربط السعودية مع باكستان منذ السبعينيات؛ فنحن دول تحقق أمنها عبر حلفاء أقوياء لتحقيق مبدأ التوازن، بالدخول تحت مظلة نووية وهذا الخيار يواجه تحديات، إذ لا يمكن الاطمئنان إلى الحامي النووي، فإذا كانت الحماية أمريكية مثلاً والتهديد النووي القائم إسرائيلي المنشأ، فهل ستضرب واشنطن تل أبيب بالقنابل النووية! كما لا يمكن الاطمئنان إلى جاهزية الحامي النووي في الوقت المناسب دون الدخول في تعقيدات تشريعية، فقد أوقف المشرع الباكستاني قواته التقليدية عن المشاركة في عاصفة الحزم وهي حرب تقليدية، فكيف سيوافق على حرب نووية؟ وأضاف أن إقدام دول الخليج على الاحتماء بمظلة نووية قد يستفز مصر وتركيا للمضي قدماً في المسار ذاته.

 أما الخيار الثاني فهو تركيز دول الخليج على المنطقة الخالية من الأسلحة النووية، بحيث يتم إفراغ الدول من هذه الأسلحة وفق الاتفاقيات الدولية الداعمة لهذا التوجه. وهناك صعوبة في هذا الخيار لأنه لا يضمن عدم دخول قوى نووية من خارج المنطقة، ووجود قوى نووية محيطة مثل باكستان والهند يمكن أن تصل إلى خارج حدودها.

 أما الخيار الثالث لمواجهة المشروع النووي الإيراني فهو امتلاك برنامج نووي خليجي، ولا سيما السعودية الدولة المركزية في الخليج، التي كان لها مساع في هذا الإطار تنوعت ما بين التعاون مع الولايات المتحدة والصين وباكستان. لكن هناك تحديات تواجه هذا الخيار؛ أهمها الإمكانيات الكبيرة التي يحتاجها مثل هكذا مشروع، بالإضافة إلى الثمن السياسي الذي يمكن تدفعه الدول بسبب الحصار الذي تفرضه الدول الغربية على إيران مثالاً.

الخيار الرابع أمام دول الخليج هو إفشال الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، وذلك عن طريق التعاون مع إسرائيل لإفشال الاتفاق، والعمل على الضغط على إيران اقتصادياً ومساومتها على ذلك.

وبما أن "الاحتواء" فعل وقائي استباقي واستراتيجية جيوسياسية لوقف توسع العدو، ففي هذا السياق ربما نشير إلى أن على دول الخليج التفكير في استراتيجية الاحتواء (Containment strategy) واحتواء إيران النووية يعني شيطنتها، او تعزيز الانهيار الداخلي عبر "اشغله في نفسه" لمنع طهران من الانتقال إلى العالم الخارجي بذراعها النووي، وسياسة الاحتواء حرب يفضل أن تشنّ باردة.

 قدرة دول مجلس التعاون على الردع

تصر إيران على أن برنامجها النووي برنامج سلمي بحت، لكن تحركها الأخير لزيادة تخصيب اليورانيوم -وهو واحد من سلسلة خطوات تتعارض مع اتفاق عام 2015م -يدق ناقوس الخطر. والعالم قلق جداً، ليس من أنشطة إيران النووية المدنية فحسب، بل ومن برنامجها المكثف لتطوير ترسانتها من الصواريخ الباليستية.

وأمام هذه الحالة لابد من التحرك الخليجي الذي يملك حيز مناورة ليس بالضيق؛ فبإمكان دول الخليج كما ذكرنا أعلاه ترقية الهياكل العسكرية الخليجية التقليدية. فحتى يتم إخلاء الخليج من الأسلحة النووية، أو تنجح دول الخليج في الاحتماء بمظلة نووية حليفة، أو امتلاك برنامج نووي خليجي، أو النجاح في إفشال الاتفاق القائم بين إيران ومجموعة 5+1، على دول المجلس أن تسعى لتطوير وتوفير نظام لحمايتها من التهديد النووي، وذلك عن طريق رفع جاهزية الهياكل العسكرية الخليجية التقليدية القائمة حالياً. بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، وتفعيل منظومة درع الجزيرة والاستراتيجية الدفاعية الخليجية الموحدة، والقيادة العسكرية الخليجية الموحدة، وإنشاء الدرع الصاروخي الخليجي. فالاتفاق النووي الإيراني مع الغرب أظهر عجز الخليج العملياتي وغياب الاستراتيجية. فالاستراتيجية الخليجية قد تجمدت تحت ظل الحماية الأمريكية المريحة، وخلت من أية مبادرات أو مناورات استراتيجية أصيلة، وكأننا أفقنا بعد وصول بايدن.

 ولا نستبعد التصدي للخطر الإيراني حتى ولو بالتعاون مع تل أبيب رغم مرارة الدواء، حيث يمكن تكرير سيناريو صدام 1981م-والأسد 2007م؛ ففي عام 1981م، شكّت إسرائيل في أن الرئيس العراقي صدام حسين كان يتطلع إلى امتلاك أسلحة نووية. فاتخذت إجراءات استباقية في عملية بابل، التي تمثلت في تنفيذ غارة جوية ناجحة، باستخدام طائراتها الخاصة من طراز (إف15 وإف16)، لتدمير مفاعل أوزيراك "تموز" النووي العراقي. ومن مفارقات مضوع والنووي العراقي أنه تم إنهاء طموح صدام بشكل مؤكد لكن التهمة النووية بقيت عالقة وهي التي اسقطته في 2003م، بعد أن أقنع بها وزير الخارجية الأميركي كاولن باول حلفاء أمريكا في وقته بحيازة صدام لأسلحة الدمار الشامل. كما تم في عام 2007م، تدمير"المفاعل النووي السوري" لتخصيب البلوتونيوم في الصحراء بالقرب من دير الزور قبل تفعيل المفاعل بفترة قصيرة في عملية "آوتسايد ذا بوكس " وقد أثار الاعتراف الإسرائيلي بتدمير مفاعل نووي سوري عام 2007م، أسئلة حول توقيت هذا الاعتراف ودوافعه، والتي نرى أنها درس للمنطقة.

 كما يمكن لدول الخليج الدخول في حرب استخبارات بالأسلوب الأشهر في الحروب النووية وهو الهجوم البشري، فقتل العلماء النوويين أمر شائع حتى إنه ليس هناك دولة نووية أو صاحبة طموح نووي لم يتعرض علماء منها للاغتيال؛ فقد تمكن "الموساد" من تطوير شبكة عملاء حسنة الاطلاع بشكل غير عادي قتلت خلاله الكثير من العرب ومن الإيرانيين داخل إيران. وآخرهم العالم الإيراني النووي البارز، العميد محسن فخري زاده، في قافلة محمية على طريق منعزل شرق طهران، في 27 نوفمبر 2020م. أما القدرة الثالثة فهي بالحرب السايبيرية والهجوم الإلكتروني، فالعالم يدرك أن ثمة حرب غير معلنة تدور في الفضاء الإلكتروني؛ بين إيران من جانب، والولايات المتحدة وإسرائيل والخليجيين في الجانب الآخر. ففي عام 2010م، تم إدخال برنامج فيروس خبيث معقد يحمل الاسم المشفر "ستو إكس نت" فسبب شللاً تامًا في المفاعل النووي الإيراني وبالإمكان القيام بذلك مرة أخرى.

 وبما أن العالم مغطى بمظلات ردع نووية، ونحن في ظل الانكشاف خط دفاعنا الاول هو حسن الظن بالعدو ثم بالأمريكان والباكستانيين لحمايتنا، ولتوقع مباركة المحيط الخليجي والعربي الفورية. فالحل الأمثل الذي نكرره دائمًا هو أن الرياض "عزوة " العرب النووية؛ فالسعودية الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تكون نووية عندما تريد أن تكون نووية. وتملك قدرة إيصال السلاح لهدفه ليس بالصواريخ فحسب بل بالطائرات مما يجعلها أكثر دقة من إيران وصواريخها. وتملك السعودية اليورانيوم في أراضيها، والمال الوفير لتأهيل كواردها، والإرادة في الحكم بدرجة إذا قال فعل. وهي دولة عاقلة قوية ومستقرة لا وجود لنوازع ثورية أو مغامرات توسعية. والرياض النووية تحول سيقلب توازنات الشرق الأوسط رأسًا على عقب جراء سقوط حكومات تل أبيب وطهران وأنقرة، وتحميلهم كلفة الجهل والعجز عن إيقاف ما فعل السعوديون. ونتوقع ردود سلبية في الخليج والعالم العربي حيث سيقول البعض إن السعودية النووية تعني سيطرة الرياض على القرار السياسي الخليجي والعربي، وفي ذلك تجاوز لحقيقة أن الرياض هي سفينة القيادة الخليجية وعمقهم الاستراتيجي لم تستبد يومًا بالقرار؛ وهي المحرك الأقوى في الجامعة العربية ولم تفرض قناعاتها على أحد.

 ولا زالت سياسة التشدد الإيرانية مستمرة يقابلها سياسة ناعمة من واشنطن الديموقراطية، فقد شدد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن على أن واشنطن تظل متمسكة بالعقوبات المفروضة على إيران طالما ترفض هذه الأخيرة الالتزام الكامل بمضامين الاتفاق النووي.  وأن الكرة في ملعبهم لمعرفة ما إذا كانوا مهتمين حقًا بحوار دبلوماسي أم لا!

 وأضاف "لكن إيران قالت حتى الآن لا".

مقالات لنفس الكاتب