العدد 160

مقال الدكتور عبد العزيز بن صقر لمجلة "الدفاع الوطني الفرنسية ": فك الارتباط الأمريكي بالشرق الأوسط ضد المصالح الأمريكية وتستغله الصين لملء الفراغ

الإثنين، 29 آذار/مارس 2021

بينما لم يعلن صناع السياسة في الولايات المتحدة عن التنصل من الارتباط السياسي أو الاقتصادي أو العسكري بالشرق الأوسط، إلا أن هناك تحول حزبي جلي في الأولويات الإقليمية، والذي يعود تاريخه إلى إدارة أوباما. وقد اكتسب زخمًا إضافيًا منذ ذلك الحين في الدوائر السياسية في واشنطن. وفي الواقع كان للشرق الأوسط دورًا ملحوظًا في السياسة الخارجية لإدارة أوباما، بما في ذلك تعزيز الديمقراطية في المنطقة استجابةً إلى "الربيع العربي" والدور الأمريكي في التدخلات العسكرية في ليبيا، وسوريا، والتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني وعمليات مكافحة الإرهاب في اليمن وما إلى ذلك. ومع هذا، بدأ أوباما بحلول عام 2011م، في استراتيجية "التركيز على آسيا"، والتي وعدت بتكريس المزيد من الموارد العسكرية وموارد أخرى لمنطقة آسيا-المحيط الهادئ في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على توازن القوى واحتواء الصين، ولقد نُظر إلى ذلك القرار بصورة كبيرة على أنه تحول موازِ بعيدًا عن تركيز سياسة أمريكا الخارجية على الشرق الأوسط ومنحه الأولوية، وهو الأمر الذي صبغ جزءًا كبيرًا من أوائل القرن الحادي والعشرين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولم يلق توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015م، استحسان الدول في المنطقة، ولا سيما مجلس التعاون الخليج، فقد رأوا في الاتفاق تجاهلاً لمخاوفهم الأمنية نظرًا لعدم رغبة أوباما في إشراكهم في المفاوضات، ولقد احتجت دول المجلس بأن الاتفاق ما كان ينبغي أن يتناول برنامج إيران النووي فحسب، بل أيضًا سياسة إيران التدخلية والتوسعية في المنطقة، وهو ما يظل خطرًا مباشرًا ووشيكًا على أمنهم وسيادتهم.

 

ولهذا السبب، فلقد شعرت دول الخليج بالتفاؤل في بادئ الأمر حيال إدارة ترامب، آملين أن يعطي الأولوية لحلفاء الولايات المتحدة الخليجيين مرة أخرى، ولقد رحبت السعودية بدونالد ترامب خلال زيارته الخارجية الأولى عقب تنصيبه عام 2017م، كما قوبل قراره اللاحق بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة بعد عام واحد بالترحيب في المنطقة. وعلى غرار إدارة أوباما والإدارات الأمريكية السابقة، فمن المستحيل إنكار الدور الهام الذي لعبه الشرق الأوسط في جدول أعمال السياسة الخارجية لإدارة ترامب؛ فلقد أكد ترامب خلال فترة رئاسته على أن العلاقة الأمريكية-السعودية المتينة من الأمور الحيوية للسياسة الخارجية والمصالح الأمريكية في المنطقة حتى مع محاولة الكونجرس تمرير تشريع مناهض للسعودية وحتى مع بلوغ العلاقة الأمريكية مع حلفائها الأوروبيين أدنى مستوياتها. وعلاوة على ذلك، فقبيل نهاية رئاسة ترامب، كرست إدارته جزءًا كبيرًا من الجهد للتقارب بين أتباع الديانات" الإبراهيمية"، ويتناقض كل ذلك مع فكرة أن الشرق الأوسط لم يعد يمثل أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية. ومع ذلك، وعلى الرغم من الاهتمام الذي يوليه ترامب للمنطقة، فلقد اتسم مذهب السياسة الخارجية لديه "أمريكا أولًا" بالانعزالية بصورة كبيرة، وشمل ذلك تقليل القوات في العراق وسوريا لكي يثبت لناخبيه الأمريكيين أنه سينهي" الحروب الدائمة" في الشرق الأوسط والتي بدأها بوش وأيدها بايدن في إحدى المرات (إشارة إلى دعم بايدن الأولي لغزو العراق عام 2003م). ومع ذلك، فإن هذا القرار لا يُعنى كثيرًا بمسألة "فك الارتباط" عن العراق بقدر ما يُعنى بمسألة "إعادة توزيع" الموارد، مع تركيز جدول أعمال الولايات المتحدة الحالي في العراق على احتواء إيران وفي الوقت نفسه الحيلولة دون عودة تنظيم الدولة الإسلامية. وعلى نحو أوسع، يجب النظر إلى السياسة الخارجية الانعزالية لترامب في سياق عدائيته الشاملة للمنظمات الدولية وتعددية الأطراف، وهو ما يثير تساؤلات حول ريادة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي، ولا سيما في ضوء جائحة كوفيد-19 والانسحاب الأمريكي من منظمة الصحة العالمية، وهي الأزمة التي عجلت من العداوة الأمريكية-الصينية والتركيز المتزايد على الصين بين صناع السياسة الأمريكان.

 

ومنذ أواخر عام 2019م، أكدت وسائل الإعلام الدولية ومقالات الرأي التي يعدها مسؤولو السياسة الخارجية الأمريكية السابقين، بشكل متزايد على ما يُسمى بالمزايا المحتملة لفك الارتباط الأمريكي عن الشرق الأوسط، ومن ذلك مقال صحيفة وول ستريت جورنال الذي أعده مسؤول إدارة أوباما السابق، مارتين إنديك، بعنوان " الشرق الأوسط لم يعد يستحق كل هذا العناء"ـ فضلًا عن مقال الرأي في مجلة ذا أتلانتيك بواسطة رئيس مؤسسة كارنيغي، وليام ج. بيرنز، حول "نهاية التفكير السحري في الشرق الأوسط"، كما نشرت مسؤولة أوباما السابقة، ميشيل فلورني، حوارًا مع واشنطن دبلومات، حيث ذكرت خلاله "بعد التركيز لمدة طويلة للغاية من الوقت على مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد في الشرق الأوسط الكبير، فإن علينا تحرير بعض التفكير والنطاق للتركيز على آسيا لأن لها تأثير كبير على مصالحنا ورفاهيتنا. ويتماشى توجه السياسة الخارجية هذا مع "استراتيجية الدفاع الوطنية 2018م" لوزير الدفاع السابق بإدارة ترامب، جيمس ماتيس، والتي حددت الصين على أنها الخصم الرئيسي، أكثر من مخاطر الإرهاب، وهي ما استخدمته الولايات المتحدة مسبقًا كتبرير لتواجدها القوي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولقد أُدرج كذلك وضع الولايات المتحدة الحالي بوصفها أحد مصدري النفط كأحد الأسباب الإضافية وراء تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة مقارنة بالعقود السابقة.

 

وعلى نفس المنوال، أشار بعض مستشاري الرئيس بايدن-دون الإفصاح عن هويتهم-إلى أن الشرق الأوسط سيحظى بأولوية استراتيجية أقل في عهد إدارة بايدن مما كان عليه الحال في عهد إدارة أوباما، مؤكدين أن بايدن سيركز على الدعوة إلى قضايا حقوق الإنسان وتعزيز القيم الديمقراطية عند التعامل مع البلدان في المنطقة. كما تحدث بعض المقربين إليه دون الإفصاح عن هويتهم، مصرحين بأن الشرق الأوسط سيحتل المرتبة الرابعة على قائمة أولوياته بعد أوروبا ومنطقة المحيط الهندي-الهادئ وأمريكا اللاتينية. ومع ذلك، فلقد أقر الرئيس بايدن خلال أول حديث له عن السياسة الخارجية بأن: "المملكة العربية السعودية تواجه عمليات هجوم بالصواريخ وضربات بالطائرات المسيرة وتهديدات أخرى من القوات التي تدعمها إيران في العديد من الدول. إننا سنواصل مساعدة المملكة في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وشعبها". ولقد قوبل هذا البيان بالترحيب من جانب المملكة العربية السعودية، ولا سيما في ضوء قرار إدارة بايدن تجميد مبيعات أسلحة معينة إلى كل من المملكة والإمارات. وتشمل المؤشرات التي تفيد بأن إدارة بايدن ستركز على آسيا (والصين على وجه الخصوص)، العديد من التعيينات الرئاسية مثل: أنتوني بلينكن، الذي عينه الرئيس بايدن وزيرًا للخارجية؛ ولقد كان بلينكن أحد مصممي استراتيجية أوباما المتمثلة في التركيز على آسيا، إلى جانب كورت كامبل، الذي سيتولى منصب نائب مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان. وعلاوة على ذلك، فلقد عين بايدن، كاثرين تاي، التايوانية-الأمريكية لتكون الممثلة التجارية المقبلة للولايات المتحـدة، والتي شغلت في السابق منصب كبير مستشاري إنفاذ التجارة في الصين.

 

ومع هذا، ووراء ما قد يلمح إليه الخطاب السياسي الحالي، لا يزال التواجد الأمريكي في المنطقة ولا سيما العسكري، متينًا كما أن لديه انعكاسات استراتيجية دولية تتجاوز سياسته الخارجية تجاه الشرق الأوسط. ويظل مضيق هرمز شريان النفط وطريق الشحن الأكثر حيويةً في العالم؛ حيث تمر فيه خمس الدول المستهلكة للنفط في العالم كما أنه يربط منتجي النفط في الشرق الأوسط بالأسواق المستهلكة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وأبعد من ذلك. ولهذا، فبغض النظر عن الاستقلالية الأمريكية في مجال الطاقة، فمن شأن التواجد القوي في مياه الخليج أن يضمن بقاء انفتاح الممرات المائية وأن يحمي السفن التجارية التي تخص حلفاءها الكثر كاليابان وكوريا الجنوبية. ووفقًا للبيانات التي نشرها مشروع الأمن الأمريكي، يشغل الولايات المتحدة حاليًا  التواجد في القواعد والمنشآت العسكرية التالية في منطقة الشرق الأوسط:

  • البحرين - القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية، قاعدة الشيخ عيسى الجوية، قاعدة المحرق الجوية.
  • الكويت - قاعدة علي السالم الجوية، معسكر عريفجان، معسكر بورينج، معسكر باتريوت.
  • قطر - قاعدة العُديد الجوية، معسكر السيلية.
  • عمان - سلاح الجو السلطاني العماني، مصيرة، مطار مسقط الدولي (المواد المخزنة تحسباً للحرب تم إيداعها هنا)، سلاح الجو السلطاني العماني، ثمريت، قاعدة المصنعة الجوية، ميناء الدقم، ميناء صلالة.
  • الإمارات العربية المتحدة - قاعدة الظفرة الجوية، ميناء جبل علي، قاعدة الفجيرة البحرية.
  • المملكة العربية السعودية - قرية إسكان (تعمل كمنشأة سكنية للأفراد العسكريين الأمريكيين).
  • الأردن - قاعدة موفق سلطي الجوية (الأزرق).
  • مصر - وحدة الأبحاث الطبية البحرية الأمريكية الثالثة (NAMRU-3).
  • العراق - قاعدة عين الأسد الجوية.
  • إسرائيل - منشأة رادار ديمونا، قاعدة مشابم الجوية / مدرسة بيسلاع للدفاع الجوي.

 

تشمل الخريطة السابقة المواقع المعترف بها فقط والتي يشغلها الجيش الأمريكي أو التي يُسمح فيها بتواجد أفراد الجيش الأمريكي. (المصدر: مشروع الأمن الأمريكي)

 

 

خيارات الشرق الأوسط لمواجهة فك الارتباط الأمريكي المتصاعد

 

هناك مخاوف مشروعة سيتم إثارتها فيما يتعلق بالفراغ السياسي والاقتصادي والأمني الذي من شبه المؤكد سينتج عن فك الارتباط الأمريكي المتزايد عن الشرق الأوسط. فعلى مدى العقدين الأخيرين، دعمت الولايات المتحدة الحكومات في الشرق الأوسط في استراتيجياتها لمكافحة الإرهاب وبناء القدرات في هذا الصدد، ولا يزال الإرهاب تهديدًا وشيكًا للدول في المنطقة بصرف النظر عما إذا كانت المسألة مستمرة أم لا، أو مواصلة الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لها. ومن منظور تاريخي، فإن التواجد الأمريكي القوي في الخليج هو ما سمح له بالاستجابة الفورية للغزو العراقي للكويت عام 1990م، وهي المرة الوحيدة التي كان فيها التدخل مطلوبًا من أجل حماية سيادة دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ لم تتمتع أي قوة دولية أخرى في ذلك الوقت بالسبل والقدرات من أجل الدفاع السريع عن الكويت كما فعلت الولايات المتحدة. وتواجه المملكة العربية السعودية على وجه التحديد تهديدات مباشرة جارية على طول حدودها الجنوبية من قبل الميليشيات الحوثية التي تدعمها إيران في اليمن، فضلًا عن التهديد الذي تجسده الهجمات التي تحيكها إيران على منشآتها النفطية في إقليمها الشرقي، ومن شأن فك الارتباط الأمريكي عن المنطقة أن يمكن إيران بشكل شبه مؤكد من التعجيل بسياستها التدخلية والتوسعية العدائية. إن هذا السبب إلى جانب عدم احتمالية تخلي الولايات المتحدة عن التزامها نحو حماية إسرائيل أو مصالح الطاقة الحيوية والسيطرة الإقليمية التي يسمح بها تواجدها في المنطقة تعد جميعًا مؤشرات على السيناريو غير المعقول لفك الارتباط الأمريكي الكلي. ومع ذلك، فحتى الانخفاض الطفيف في تواجدها قد يسبب تحولًا ملحوظًا في ديناميات السلطة، بما سيكون له آثار دائمة ليس فقط في المنطقة نفسها، بل أيضًا في طرق تفاعل دول المنطقة مع حلفائها على الصعيد العالمي كالمملكة العربية السعودية.

 

ومن التحديات الرئيسية في هذا الصدد احتمالية أن تجد الدول الخليجية والدول الأخرى في الشرق الأوسط أنفسها عالقة في خضم التناحر الأمريكي-الصيني، والأمريكي-الروسي؛ ومثال على ذلك: تخوف دول المنطقة بالفعل من التواجد الروسي المتزايد في كل من السودان وليبيا وسوريا وربما اليمن والقرن الإفريقي، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة حدة التوتر والمواجهة العسكرية المحتملة بين روسيا والولايات المتحدة والعودة المحتملة لتكتيكات حقبة الحرب الباردة والحروب بالوكالة. وحتى هذه اللحظة، فبينما يتسم التواجد الصيني في المنطقة بشكل أساسي بالطابع الاقتصادي والعلاقة بين المشتري/البائع؛ فإنه يواصل دعمه للمواقف الروسية بشأن العديد من النزاعات كما في سوريا، ولن يكون مستبعدًا التوقع بأن الصين ستعمل في نهاية المطاف على توسيع أهدافها الاستراتيجية السياسية والعسكرية في المنطقة. ففي يوليو 2020م، أعلنت كلا من الصين وإيران عن اتفاق شراكة أمنية واقتصادية بقيمة 400 مليار دولار بين البلدين، وجاء ذلك بعد شهر فقط من إعلان إيران لمشروع خط أنابيب النفط الجديد لديها الذي من شأنه أن يسمح لإيران بتجاوز مضيق هرمز بالكامل والذي يخضع للحماية الأمريكية وذلك في تصدير النفط لآسيا الوسطى. كما أعربت كلا من الصين وروسيا عن دعمهما في الترحيب بإيران كعضو كامل في منظمة شانغهاي للتعاون، والتي تتمتع فيها إيران حاليًا بصفة المراقب.

 

وعلاوة على ذلك، فمع تبني الولايات المتحدة موقفًا متشددًا بصورة متزايدة تجاه الصين، فإنها قد تفرض ضغطًا أكبر على حلفائها التاريخيين في الخليج بهدف الانحياز لأحد الأطراف ولكي ينأوا بأنفسهم عن بكين. إن الولايات المتحدة تقوم بالفعل بإنشاء تحالف شبيه بالناتو في منطقة المحيط الهادئ مع كل من أستراليا واليابان والهند لمجابهة الصين (وباكستان) على سبيل المثال. ومن المفارقات أنه كلما انفصلت الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط أكثر، كلما وجدت دول المنطقة صعوبة في دعم السياسات الأمريكية المناهضة للصين؛ إذ تظل الصين الشريك التجاري الأكبر للمملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن المواجهة بين الولايات المتحدة والصين قد تقلل بالطبع من الطلب الصيني للنفط السعودي بصورة محتملة. ومع ذلك، فلقد شهدت برامج التعاون بين الصين والمملكة العربية السعودية نموًا حتى خلال عام 2020م، بسبب جائحة كوفيد-19، حيث وقعت كلا من الصين والمملكة العربية السعودية اتفاقًا بقيمة 265.29 مليون دولار في شهر أبريل لمكافحة الوباء، كما أرسلت الصين وفودًا من الخبراء الطبيين إلى المملكة في وقت مبكر للمساعدة في السيطرة على الجائحة ، ووقعت شركة باتك للاستثمار السعودية في يونيو الماضي اتفاقًا من شأنه أن يسمح لشركة الاتصالات الصينية هواوي بالعمل في عدة مشروعات بالمدن الذكية بالمملكة، ومنها العمل كمورد بنية تحتية رئيسي لشبكات الجيل الخامس، كما أعلنت هواوي مؤخرًا أنها ستفتح قريبًا فرعها الرئيسي الأكبر خارج الصين بالرياض. وتشعر الولايات المتحدة، التي لديها عقوبات فعالة على هواوي، بالقلق من أن يشكل تواجد هواوي القوي في المملكة مخاطرًا أمنية ملحوظة على البنية التحتية للدفاع الأمريكي، كما هددت بقطع تبادل المعلومات الاستخبارية مع البلدان التي تستخدم معداتها. ولا يمثل التنافس الأمريكي-الصيني على البنية التحتية التكنولوجية إلا جانبًا واحدًا (وإن كان حاسمًا) من التنافس الكلي للقوى الكبرى بين الولايات المتحدة-الصين، وهو طريق تجد فيه دول مجلس التعاون الخليجي ولا سيما المملكة العربية السعودية نفسها عالقة فيه بالمنتصف. وعلى غرار ذلك قد تجد السعودية نفسها منقسمة بين حليفيها الرئيسيين في السنوات القادمة مع تصاعد المزيد والمزيد من نقاط التوتر بين الولايات المتحدة والصين. ومع ذلك، سيتعين على المملكة والدول الأخرى في المنطقة في نهاية المطاف الموازنة بين أفضل مصالحهم عندما يتعلق الأمر بتنقل ديناميات القوى العظمى الجديدة في المنطقة.

 

كما يمكن لفك الارتباط الأمريكي عن الشرق الأوسط أن يفتح الباب أمام التواجد الأوروبي المتزايد في المنطقة؛ ولا سيما فيما يخص النزاعات في شرق البحر الأبيض المتوسط وكذلك النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. ولقد أكد مستشارو الرئيس بايدن أن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني سيحظى بأهمية أقل من تركيز إدارة بايدن على الصين وإيران مقارنةً بكيفية إعطاء إدارة ترامب الأولوية لإسرائيل في جدول أعمال سياسته الخارجية. ومن المتوقع أن يكرس بايدن القليل من الجهود للحل القائم على وجود دولتين على سبيل المثال (على الرغم من دعمه العلني لذلك)، وسيقوم عوضًا عن ذلك بتركيز جدول أعماله على إبقاء التوترات الإقليمية في إسرائيل عند مستوى منخفض مع تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين، مؤكدًا أنه لن يكشف أي خلافات لديه مع إسرائيل في النطاق العام، ويمثل ذلك فرصة للقوى الأوروبية لاتخاذ دور ريادي في إحياء محادثات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية، ومن جهتها أكدت السعودية أنها ملتزمة بمبادرة السلام العربية التي وضعتها المملكة عام 2002م، في هذا الصدد، والتي حددت إقامة الدولة الفلسطينية شرطًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ومن المرجح أن تواصل أوروبا انجرارها نحو النزاعات المتصاعدة في منطقة البحر المتوسط، مع استغلال كلا من تركيا وروسيا للفراغات في الإقليم بصورة متزايدة ولا سيما في ليبيا. إن أوروبا التي لديها مصالح تجارية واستثمارية وفي مجال الطاقة، والتي لا تزال تعاني من تدفقات الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، سيتعين عليها التصرف بصورة استراتيجية من أجل الاحتفاظ بمستوى مناسب من الأمن على طول حدودها الجنوبية، وعلى وجه التحديد في سياق تقليص التواجد الأمريكي.

 

وأخيرًا، فمن المرجح أن يتم دعوة الاتحاد الأوروبي، الذي لعب دورًا رياديًا في مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة في عهد إدارة أوباما، مرة أخرى بوصفه لاعبًا رئيسيًا في أي اتفاق محتمل سيحاول الرئيس بايدن التوسط فيه مع إيران. ولقد أكد بايدن مرارًا وتكرارًا أنه ملتزم بالحيلولة دون امتلاك إيران أسلحة نووية، لكن في حالة موافقة إيران على العودة إلى بنود خطة العمل الشاملة المشتركة، فإنه سيدعم ذلك أيضًا. وليس من الواضح على وجه التحديد ما الخطوات التي سيتعين على إدارة بايدن اتخاذها في الأمم المتحدة من أجل تخفيف حملة استعادة العقوبات الأمريكية بأثر رجعي والتأكيد على التزامها بخطة العمل الشاملة المشتركة. ولقد أعربت إيران عن ترددها حيال التفاوض على العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، بيد أنها ستفضل إعادة التفاوض على اتفاق جديد بحيث يكون للولايات المتحدة نفوذًا أقل مما كان عليه الحال في مفاوضات 2015م. ومع ذلك، فمن شبه المؤكد أن الاتحاد الأوروبي سيلعب دورًا في تلك المحادثات، حيث أكدت دول مجلس التعاون الخليجي أن ذلك بمثابة فرصة لأوروبا من أجل بناء علاقات أكثر متانة مع حلفائها الخليجيين من خلال وضع إسهاماتهم في الاعتبار في المفاوضات الإيرانية، بما سيكون له تأثير مباشر على الأمن الإقليمي للخليج.

 

وختامًا، بينما يمكن بكل تأكيد أن تطرأ تغيرات في الديناميات الإقليمية في الشرق الأوسط نتيجة إعادة توزيع الموارد الأمريكية وتصاعد النفوذ الصيني والتواجد الروسي المتزايد، فإن فك الارتباط الأمريكي الكلي أمر مستبعد بدرجة كبيرة. وإضافة لذلك، يصح القول بأن التوترات الأمريكية-الصينية تتصدر حاليًا السياسة الخارجية الأمريكية، ومع ذلك، فمن شأن فك الارتباط الأمريكي عن الشرق الأوسط أن يعمل فقط ضد المصالح الأمريكية، حيث ستستغل الصين بالتأكيد هذا الفراغ، ومن شأن هذا القرار في نهاية المطاف أن يعيق الجهود الأمريكية في احتواء التواجد الصيني المتنامي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

مقالات لنفس الكاتب