array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 163

قطار التعاون الخليجي ـ الروسي انطلق ومتقدم بثبات وسيناريوهان للتحديات

الإثنين، 28 حزيران/يونيو 2021

على مدى السنوات الخمس الماضية شهدت العلاقات الخليجية ـ الروسية قفزات نوعية غير مسبوقة عكستها الزيارات المتبادلة عالية المستوى، وحجم ونوعية الاتفاقات التي تم توقيعها بين دول الخليج، لاسيما المملكة العربية السعودية والإمارات، وروسيا. فقد دشنت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لموسكو، في أكتوبر 2017م، والتي كانت الأولى في تاريخ العلاقة بين البلدين، لصفحة جديدة من التعاون والشراكة الخليجية الروسية، وكانت بمثابة "عبور النهر" بين البلدين على حد تعبير البعض. تلاها زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لروسيا في يونيو 2018م، والتي كانت السادسة في غضون خمس سنوات، ومثلت نقطة تحول جوهرية في العلاقات الإماراتية الروسية حيث تم خلالها توقيع "إعلان الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين". وتأكد هذا التوجه بالزيارة الجوابية التي قام بها الرئيس بوتين للسعودية والإمارات في أكتوبر 2019م، التي أكدت الانطلاقة الجديدة للعلاقات الخليجية الروسية، وكونها توجه ثابت وخيار استراتيجي في السياسة الروسية والخليجية على السواء، وكان للزيارة أهمية ودلالة خاصة، بالنظر لكونها الأولى منذ أثنى عشر عامًا حيث كانت زيارة الرئيس بوتين الوحيدة للدولتين عام 2007م.

إلا أن هذه القفزة لم تؤت بعد الحصاد المأمول في العلاقات الخليجية ـ الروسية، صحيح إن ما تم إنجازه ضخم، إلا أن التوقعات كانت أضخم لاسيما على الصعيد السياسي والاستراتيجي، ومازال هناك مجموعة من التحديات التي تواجه دفع الشراكة الخليجية الروسية إلى المستويات المأمولة، والتي توفرها الفرص المتاحة.

أولى هذه التحديات يتعلق بحالة الاستقطاب الدولي وتداعياته الإقليمية. فعقب فترة هدأ خلالها التوتر في العلاقات الأمريكية / الروسية على الأقل على مستوى الخطاب والسلوك اللفظي خلال فترة ترامب، جاء جو بايدن بتوجه واضح أفصح عنه في خطابه الذي ألقاه بوزارة الخارجية الأمريكية، يوم 4 فبراير، الذي شدد فيه على ما تمثله روسيا ومعها الصين من تحد وتهديد للأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية، وإن المواجهة الأمريكية / الروسية مستمرة وستزداد شراسة في المستقبل، أو على حد تعبير بايدن إن "أيام تراجع الولايات المتحدة أمام روسيا انتهت"، وأنه جرى "رفع الثمن الذي ستدفعه روسيا". ومن المعروف أن بايدن جاء من قلب المؤسسات الحاكمة وتشبع عبر تاريخه السياسي الطويل بروح الحرب الباردة، وكان مهندس التصعيد ضد روسيا منذ عام 2014م، على خلفية الأزمة الأوكرانية. وسبق أن أشار بايدن في مقابلة له مع تليفزيون "سي بي إس"، إن "روسيا تشكل أكبر تهديد للولايات المتحدة على الساحة الدولية".

يدعم هذا التوجه شركاء واشنطن الأوروبيون في مجموعة السبع الصناعية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) حيث طالبت مجموعة السبع، خلال قمتها التي عُقدت في 13 يونيو، روسيا بـ"وقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار" بما في ذلك التدخلات، ودعتها إلى احترام حقوق الإنسان، متوعدة بـ"محاسبة" المسؤولين عن تنفيذ هجمات إلكترونية انطلاقًا من الأراضي الروسية. وأكد الرئيس الأمريكي أن بلاده عادت حاضرة في الدبلوماسية الدولية عبر قمة مجموعة السبع التي عكست "تعاوناً وإنتاجية استثنائيين"، وأن الدفاع المتبادل عن حلف شمال الأطلسي "واجب مقدس"، وأن القوى الديمقراطية تخوض "منافسة مع تلك الاستبدادية". فقد كرست قمة السبع عودة الولايات المتحدة إلى تحالفاتها التقليدية، ودورها "القيادي" في الساحة الدولية، ووجهت تحذيرات صريحة لروسيا، ودعوات حازمة للصين، باحترام حقوق الإنسان، والسماح بتحقيق شفاف في منشأ فيروس "كورونا"، وطرحت مشروع "إعادة بناء العالم بشكل أفضل" لتطوير البنى التحتية في الدول النامية كبديل لمشروع الصين العالمي "الحزام والطريق"، واعتبره بايدن "التزاماً بالغ الأهمية" وإنه سيكون "أكثر إنصافاً بكثير" من المبادرة الصينية، داعياً بكين لاحترام المعايير الدولية.

سبق ذلك التقرير الذي قدمه الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرج، في الأول من ديسمبر 2020م، خلال المؤتمر الافتراضي لوزراء خارجية الحلف بعنوان "الناتو – 2030م: الوحدة في عصر جديد"، والذي تضمن النص على أن روسيا تمثل التهديد العسكري الرئيسي للحلف على المدى الطويل حتى عام 2030م، مستنداً في ذلك إلى استمرار ما اعتبره "سياساتها العنيدة وأعمالها العدوانية" و"عدوان موسكو" على أوكرانيا وجورجيا. كما أشار التقرير إلى "التأثير السلبي على أمن المنطقة الأوروبية الأطلسية" لأعمال روسيا النشطة في البحر الأسود وبحر البلطيق، وفي القطب الشمالي وشرق البحر المتوسط، فيما اعتبر التقرير أن الصين هي العدو العسكري الثاني للحلف، بعد روسيا، خلال السنوات العشر المقبلة.

في هذا السياق تراجعت العلاقات بين موسكو وواشنطن إلى "أدنى مستوياتها" على حد تعبير الرئيس بوتين في مقابلة له مع قناة إن بي سي في 12 يونيو، ورغم أهمية قمة بايدن بوتين يوم 16 يونيو إلا إنها عجزت عن تجاوز الخلافات الهيكلية بين البلدين، واقتصرت على المباحثات الخاصة بقضايا الاستقرار الاستراتيجي والأمن السيبراني بين البلدين.

الأمر الذي يعيد الاستقطاب والتوتر الدولي بمضامين وآليات مختلفة عما كان قائماً خلال الحرب الباردة، وسيدفع التخندق الغربي كلاً من روسيا والصين إلى مزيد من التقارب والارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بينهما والتي كادت أن تصل مستوى التحالف. وسيلقى هذا بأعباء متزايدة على مختلف القوى الإقليمية ومنها دول الخليج وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية حيث من الواضح أن واشنطن ستكون أقل تسامحاً مع تحرك حلفائها في الخليج وخارجه باتجاه روسيا والصين. ويمثل هذا عائقاً وتحدياً رئيسياً لدفع الشراكة الخليجية الروسية خاصة في المجالات التي تعتبرها واشنطن استراتيجية، وفى مقدمتها التعاون العسكري التقني، وكذلك التعاون في مجال الطاقة النووية.

يزيد من جدية هذا التحدي تلويح إدارة بايدن بتفعيل قانون "كاتسا" في مواجهة أي دولة تتعاون مع روسيا، وهو قانون "مكافحة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية من خلال العقوبات"، الصادر في 2 أغسطس 2017م، ويقضى بفرض عقوبات لتعزيز الضغوط على خصوم واشنطن. ورغم أن الهدف الأساسي من القانون كان معاقبة الدول المتعاونة مع إيران في برنامجها النووي والصاروخي، وحظر بيع ونقل المعدات العسكرية أو تقديم المساعدة التقنية أو المالية التي تدعم التسليح في إيران، إلا أن واشنطن فعلت القانون في مواجهة روسيا حين أدرجت واشنطن 33 مسؤولًا وكيانًا روسياً على القائمة السوداء عام 2018م، بحجة أنهم مرتبطون بالجيش والاستخبارات في روسيا، وذلك عملًا بالمادة رقم 231 من قانون "كاتسا"، ولوحت به للضغط على تركيا ومصر بسبب صفقات تسلح نوعية بين البلدين وروسيا أرادت الولايات المتحدة عرقلتها لتداعياتها الاستراتيجية على المصالح الأمريكية، وهى الخطوة التي رأت فيها موسكو محاولة من جانب واشنطن لإقصائها من سوق السلاح. كما استخدمت واشنطن القانون ضد الصين، في سبتمبر 2018م، حين فرضت عقوبات على "إدارة تطوير المعدات" في وزارة الدفاع الصينية.

ويزيد الأمر حرجاً بالنسبة للمنطقة وجود قانون "جاستا"، "قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب"، الذي سبق إصداره في سبتمبر 2016م، ويتيح لعائلات ضحايا اعتداءات 11 سبتمبر 2001م، مقاضاة حكومات عربية بذريعة تقديم الدعم المادي لمنفذي هذه الهجمات. وكان قد أثار قانون "جاستا" قلق العديد من الدول في منطقة الخليج العربي وخارجها، وهدد مشرعون في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا بطرح قانون يتيح مقاضاة المسؤولين الأمريكيين كرد على "جاستا". ورغم ذلك يظل ورقة ضغط يمكن لواشنطن تحريكها متى أرادت.

يتزامن هذا مع عدم رغبة موسكو في فتح جبهة تصعيد جديدة مع الولايات المتحدة، فمازالت التوجهات الروسية إزاء المنطقة متأثرة بالإرث التاريخي وكون الخليج تقليدياً منطقة نفوذ غربي، ومن ثم فموسكو تتلمس الخطى تجنباً لمواجهة جديدة تضاف إلى قائمة التوترات مع واشنطن. فاهتمام روسيا وحرصها على تطوير التعاون مع دول الخليج أمر مؤكد وهذا الاهتمام ليس بجديد ويعود بجذوره إلى نهاية القرن التاسع عشر في عهد روسيا القيصرية وفى إطار السياسة الروسية آنذاك والساعية للوصول إلى "المياه الدفيئة" في الجنوب على حساب النفوذ العثماني. واتخذ هذا الاهتمام طابعاً رسمياً عام 1924م، عندما افتتح الاتحاد السوفيتي قنصلية له في جدة، وكان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بالمملكة العربية السعودية وذلك في 16 فبراير عام 1926م. وتم في عام 1930م، افتتاح السفارة السوفيتية في جدة، أعقب ذلك زيارة الأمير فيصل بن عبد العزيز إلى موسكو عام 1932م، إلا أن الحرب الباردة والمواجهة بين روسيا السوفيتية والولايات المتحدة ألقت بظلال واضحة على العلاقات بين موسكو والخليج والتي ظلت محدودة وضعيفة لأسباب سياسية وأيديولوجية حتى تفكك الاتحاد السوفيتي. وفى إطار التوتر القائم بين موسكو وواشنطن تخشى موسكو من اندفاع كبير نحو الخليج يشكل استفزازاً للولايات المتحدة ويؤدي إلى ضغوط أمريكية تطيح بكل ما تحقق، ولذا تقوم الرؤية الروسية على التقدم نحو الخليج بقدر ما يخطو الخليج باتجاهها، مع الحذر والعمل على تثبيت كل الخطى المتخذة من الجانبين والحيلولة دون إجهاضها من جانب واشنطن.

 

التحدي الثاني يتمثل في اختلاف أولويات كل طرف من الشراكة بينهما، وماذا يريد كل طرف من الآخر، فالطرف الخليجي يضع على قمة أولوياته التخفيف من الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران، ويأمل في أن يوفر التعاون الخليجي الروسي فرصاً تستعيض بها روسيا عن التعاون المضطرد مع طهران، ويشمل ذلك أيضاً الدعم الروسي الواضح لعمليات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن. أما روسيا فكان تركيزها على التنسيق بشأن أسعار النفط في إطار صيغة "أوبك +"، والشراكة الاقتصادية والتعاون التقني بين الجانبين.

فقد دفعت التطورات في المنطقة إلى وضع روسيا وإيران في خندق واحد في سوريا، صحيح إن موسكو لم تكن ترغب في نفوذ إيراني قوي في سوريا إلا أن مسار المعارك والعمليات على الأرض فرضت على روسيا القبول بمساحة هامة لطهران من الصعب تصور تحجيمها في المدى المنظور، ويعد هذا محورًا رئيسيًا للشراكة والتعاون بين موسكو وطهران. عزز من هذا حالة التوتر في العلاقات الإيرانية الأمريكية التي تدفع طهران باتجاه روسيا وتتيح للأخيرة فرصًا كبيرة في التعاون مع إيران في المجالات الاستراتيجية المختلفة، ووفق بعض التقديرات فإنه عقب رفع الحظر الأممي عن بيع الأسلحة لإيران العام الماضي، فإن حجم واردات الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية لإيران قد يبلغ 5 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

من ناحية أخرى، يعد الموقف الروسي من الأزمة اليمنية غير مرض بالنسبة للرياض، بل وترى فيه الأخيرة دعماً غير مباشر للحوثيين، والاعتراف بهم كطرف فاعل ورئيسي في اليمن. وتؤكد موسكو دوماً على موقفها "الثابت" بضرورة التزام جميع أطراف الأزمة في اليمن بصرامة بأحكام القانون الدولي الإنساني، وعدم جواز تنفيذ العمليات العسكرية التي يمكن أن تؤدي إلى تدمير البنية التحتية المدنية وسقوط ضحايا من السكان المدنيين، وضرورة التركيز على مهام الوقف المبكر للأعمال العدائية وإقامة عملية مفاوضات شاملة في اليمن، وتنظيم حوار بين السلطات اليمنية الرسمية وحركة "أنصار الله" الحوثية، بناء على اتفاق الرياض الموقع في 5 نوفمبر 2019م، وأن الحوار الوطني الشامل الذي يراعي المصالح والقضايا المشروعة لجميع القوى السياسية اليمنية الرئيسة هو وحده كفيل بضمان الحل الدائم للعديد من المشاكل التي تواجهها الجمهورية اليمنية، بما في ذلك القضايا المتعلقة بتنظيم هياكلها الإقليمية والسياسية. ويبدو الموقف الروسي على هذا النحو غامضًا بالنسبة للرياض التي تتطلع لإدانة روسية واضحة للحوثيين ودعماً سياسياً ودبلوماسياً لها وللتحالف العربي الذي تقوده في اليمن.

ورغم أن روسيا طرحت مبادرة لأمن الخليج أطلقت عليها "المفهوم الروسي للأمن الجماعي في الخليج" في 23 يوليو 2019م، تضمنت الرؤية الروسية في هذا الخصوص والإجراءات اللازمة لإقامة منظومة أمنية إقليمية في منطقة الخليج تضم دول مجلس التعاون الست إلى جانب العراق وإيران، إلا أن موسكو لم تذهب أبعد من هذا، ولم تتخذ أي إجراء للضغط على طهران للتعاطي بفاعلية مع المبادرة الروسية، وتقديم تطمينات جادة بشأن ضمان الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، من وجهة النظر الخليجية.

التحدي الثالث يتمثل في أن عصب الشراكة الخليجية ـ الروسية والمتمثل في التحالف النفطي بين موسكو والرياض، الذي يعتبر حجر زاوية للأمن والمصلحة الوطنية للبلدين، ليس بالصلابة الكافية وصار محل شكوك بعد أزمة مارس 2020م، التي أوضحت أن تصدع التفاهمات الروسية ـ السعودية قد يحدث في أي وقت. فرغم اتفاق البلدين منذ اجتماع فيينا في نوفمبر 2016م، على خفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار، إلا أن هذا الاتفاق انهار خلال اجتماع "أوبك +" في فيينا في 5 مارس 2020م، الذي تم بدعوة من وزير الطاقة السعودي إثر الانهيار الحاد في أسعار النفط على خلفية أزمة كورونا والتراجع في الطلب العالمي على النفط لبحث تمديد خفض الإنتاج الذي كانت توصلت إليه المجموعة في اجتماع ديسمبر 2019م، وعلى حين وافقت جميع دول مجموعة "أوبك +" على مقترح السعودية بزيادة الخفض بنحو 1.5 مليون برميل لمواجهة تأثير أزمة كورونا، رفضت روسيا إجراء مزيد من التخفيضات باعتبار أن هذا يصب لصالح شركات النفط الصخري الأمريكي ويضر بمصالحها وحصتها السوقية. مما أدى إلى فشل الاجتماع وحدوث انهيارات كبيرة في أسعار البترول وأسعار الأسهم العالمية فيما عُرف بـ " الاثنين الأسود". واندلعت "حرب أسعار النفط" بين السعودية وروسيا حيث بدأت الرياض في 7 مارس 2020م، رفع مستوى الإنتاج اليومي إلى الحدود القصوى (12 إلى 13 مليون برميل يوميًا)، وتبعتها الإمارات، وخفضت أسعار بيعها الرسمي لشهر أبريل بـ 6 إلى 8 دولارات، في محاولة لاستعادة حصتها في السوق وزيادة الضغط على روسيا. وفى المقابل أعلن وزير المالية الروسي في 10 مارس بأن بلاده يمكنها أن تتحمل سعر نفط يتراوح بين 25 و30 دولارا للبرميل طوال السنوات الست أو العشر المقبلة. صحيح أن الأزمة لم تستمر طويلاً وتم احتواؤها وعادت التفاهمات من جديد خلال اجتماع "أوبك +" الشهر التالي في 9 أبريل 2020م، بعد تدخل مباشر من ولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس بوتين، للتوصل إلى اتفاق لإعادة التوازن لأسواق النفط، إلا أن الأزمة أكدت أن التحالف النفطي رغم أهميته قاصر عن ضمان قاعدة صلبة للتعاون الاستراتيجي بين البلدين.

 

في ضوء التحديات السابقة يبرز التساؤل حول إمكانية تجاوزها من جانب دول الخليج وروسيا ومدى قدرة الطرفين على دفع الشراكة الاستراتيجية بينهما قدماً وإدخال المدى الواسع من الاتفاقات التي تم التوصل إليها حيز التنفيذ.

في هذا السياق يبرز سيناريوهان أو مساران أساسيان محتملان، الأول التعاطي بفاعلية وحكمة مع هذه التحديات والارتقاء بمستوى التعاون الاستراتيجي الخليجي الروسي. ويبدو هذا المسار ممكناً إذا استمرت حالة الارتباك في السياسة الأمريكية أو ازدادت حدة مع استمرار "الظاهرة الترامبية" وتأثيراتها على مجمل السياسة والتوجهات الأمريكية الداخلية ومن ثم الخارجية، ففي هذه الحالة سوف تجذب التطورات الداخلية الاهتمام الأمريكي وستكون واشنطن أكثر حرصاً على حلفائها وأكثر رغبة في الحفاظ عليهم والقبول بقدر من حرية الحركة لهم، ويشمل ذلك حلفائها في الخليج. يعزز هذا السيناريو نجاح الوساطة العراقية في صياغة تفاهمات سعودية/ إيرانية والتخفيف من العامل الإيراني وتأثيره على العلاقات الخليجية الروسية. وكانت بعض وسائل الإعلام الدولية والإقليمية قد أشارت إلى بدء وساطة بين السعودية وإيران يقودها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في أبريل الماضي، من أجل خفض حدة التوتر وحل الخلافات العالقة بينهما لاسيما اليمن التي وصلت الأحداث فيها إلى مرحلة تتطلب توافقات بين الطرفين، أو أن تنجح الولايات المتحدة من خلال المفاوضات الجارية مع إيران في تحجيم الأخيرة ودفعها لتقديم تنازلات مطمئنة لدول الخليج فيما يتعلق ببرنامجها النووي والصاروخي ومستوى تسليحها النوعي.

السيناريو الثاني، هو استمرار التعاون الخليجي الروسي عند مستوياته الحالية والارتقاء به في حدود الشراكات الاقتصادية والتحالف النفطي والتعاون التقني غير الاستراتيجي. وهو السيناريو الأرجح حال استمر التصعيد الأمريكي في مواجهة روسيا، وملاحقة واشنطن للدور الروسي ومحاولة تحجيمه عالمياً وفى منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص حيث تعتبر واشنطن المنطقة ساحة نفوذ رئيسية لها. وقد عكس تشكيل الفريق الرئاسي المسؤول عن السياسة الخارجية الأمريكية إدراك بايدن لأهمية المنطقة، وعزمه على إعادة تفعيل الدور الأمريكي بها ضمن توجهه العام لاستعادة الدور الأمريكي عالمياً تحت شعار "أمريكا عادت"، مع إعادة صياغة الأولويات الأمريكية بالمنطقة في ضوء المستجدات وأبرزها تحول الولايات المتحدة لأكبر منتج ورابع أكبر مصدر للنفط في العالم. فقد تجاوزت المصالح والأهداف الأمريكية في المنطقة قضية النفط وضمان تدفقه وخطوط نقله إلى اعتبارات المنافسة الاستراتيجية العالمية مع روسيا وكذلك الصين، ومن الواضح أن تنامي شراكات الدولتين مع دول الخليج والشرق الأوسط عامة أصبح مثار قلق لواشنطن وأصبح تقليص نفوذهما هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا لها بالمنطقة.

إن التطور في العلاقات الخليجية / الروسية أصبح أمراً لا شك فيه، وربما الفارق بين السيناريوهين السابقين هو في سرعة هذا التطور ومستواه الاستراتيجي، فالتحديات السابقة لن توقف النمو المضطرد للتعاون الخليجي الروسي ولكنها قد تبطئ منه قليلاً، كما إن تأثيرها سيتفاوت من دولة لأخرى في منطقة الخليج. إن قطار التعاون الاستراتيجي بين الخليج وموسكو أنطلق بالفعل وأياً ما كانت سرعته فإنه سيظل يتقدم بثبات. فالإرادة المتبادلة للطرفين والمصالح المشتركة تمثل قاعدة صلبة لآفاق أرحب من التعاون الاستراتيجي بين الخليج وروسيا خاصة مع إدراك دول الخليج، لاسيما المملكة العربية السعودية والإمارات، للتحولات في النظام الدولي والانتقال إلى التعددية الاستراتيجية والاقتصادية به، وأهمية تنويع شراكاتها الدولية وإحداث أكبر قدر من التوازن في علاقاتها مع القوى الدولية المختلفة من ناحية، وزيادة أهمية الشرق الأوسط في الأولويات الروسية ومحورية منطقة الخليج في هذا الإطار والحرص على دفع التعاون والشراكة معها في مختلف المجالات من ناحية أخرى.

مقالات لنفس الكاتب