array(1) { [0]=> object(stdClass)#13179 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 165

الصين وأمريكا يتعاونان ويتنافسان ويتواجهان وينغي تجنب الحرب الباردة

الإثنين، 30 آب/أغسطس 2021

اعتبرت الولايات المتحدة القوة الأوروبية والآسيوية الصاعدة بمثابة الند المنافس لها منذ الحرب العالمية الثانية: فهناك ألمانيا منذ عام 1939م، والاتحاد السوفيتي منذ عام 1945م، واليابان منذ عام 1991م، وأخيراً الصين منذ تفشي جائحة كوفيد-19. وثمة خطر محتمل يتمثل في وقوع بكين وواشنطن في "فخ ثيوسيديدس" (وهو مصطلح يشير إلى حتمية الحرب عندما تحل قوة عالمية جديدة محل قوة موجودة)، وهي النبوءة التي تحقق نفسها.

1- حرب باردة تلوح في الأفق بين الصين والولايات المتحدة

وبحسب البنك الدولي، فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي للصين نموًا ملحوظًا بنسبة 2.3% في عام 2020م، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة 3.3٪ في عام 2020م. وبناءً على المتوسط السنوي لسعر صرف الرنمينبي، فقد بلغ حجم الاقتصاد الصيني 14.73 تريليون دولار أمريكي، بينما بلغ الحجم الاقتصادي الكلي للولايات المتحدة 20.95 تريليون دولار أمريكي في العام نفسه، وبذلك تمثل الصين حوالي 70.3٪ من نظيرها الأمريكي.

وبعد دخوله البيت الأبيض، فقد وصف جو بايدن الصين بأنها "أخطر المنافسين" للولايات المتحدة، وأن واشنطن على أتم استعداد لمواجهة الصين والتنافس والتعاون معها في آن واحد في مجالات الاقتصاد، والأمن، والدبلوماسية، وحقوق الإنسان وحقوق الملكية الفكرية، والحوكمة العالمية. إن النزاع الصيني الأمريكي، وبشكل خاص حول هونغ كونغ، وتايوان، وشينجيانغ، وبحر الصين الجنوبي، والتكنولوجيا المتقدمة، والقواعد الدولية، والقيم، ونظام الأمن الآسيوي، والمجالات المالية، يُعد من بؤر التوتر في المنطقة. وسيتم الإسراع في تدويل الرنمينبي بشكل أكبر، مما يمثل تحديًا لهيمنة الدولار الأمريكي في التجارة العالمية ومعاملات الطاقة.

ومن الجلي أن تطور الصين، الذي يشبه صعود ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، واليابان في التسعينيات، سيشكل تحدياً لزعامة الولايات المتحدة واحتكار الدولار الأمريكي، مما سيصبح ذريعة لمنافسة بايدن مع الصين. وبالتالي، تقوم واشنطن بتحويل محورها الاستراتيجي من الشرق الأوسط الكبير إلى منطقة المحيط الهندي والهادئ، وتعمل جاهدة على بناء شبكة من التحالفات المناهضة للصين، بما في ذلك "التحالف الديمقراطي العالمي" في مواجهة منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، مما يعزز "الحوار الأمني الرباعي في منطقة المحيط الهندي والهادي"، وبناء "تحالف سلسلة التوريد العالمية الجديد" لاستبعاد الصين. علاوة على ذلك، تحاول الولايات المتحدة توسيع "تحالف العيون الخمس" من خلال دعوة اليابان للانضمام إليه. وكذلك شجعت الولايات المتحدة حلفائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مثل ألمانيا وبريطانيا، على إرسال حاملة طائرات وأساطيل للقيام بدوريات في بحر الصين الجنوبي باسم حرية الملاحة، وذلك لإظهار وجودهم وممارسة الضغط على الصين.

وجاءت ردود فعل الصين على تطويق الولايات المتحدة والفصل الاستراتيجي على أوجه عِدة، فهناك الشرق الأوسط الكبير الممتد من أفغانستان إلى المغرب، حيث يعد "الأرضية المشتركة" بين العملاقين العالميين. ويأتي "حزام القوس الإسلامي"، وهو قلب مبادرة الحزام والطريق الصينية، ليمثل ساحة المعركة للتفاعل الصيني والأمريكي. وعلى وجه التحديد، تتخذ الصين ثلاثة تدابير على صعيد "الأرضية المشتركة": التعاون والمنافسة والمواجهة مع الولايات المتحدة.

 

2- التعاون بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكبير

لا يحمل الشرق الأوسط الكبير أهمية حيوية سواء للصين أو للولايات المتحدة، ولن يتعاون الجانبان إلا في القضايا التي تمثل مصالح متوافقة ومبادئ دبلوماسية متشابهة. على سبيل المثال، ليس لدى الصين والولايات المتحدة قوات في اليمن أو في ليبيا، وكلاهما يهتمان بالأزمة الإنسانية في الدولتين المتعسرتين. ففي اليمن، تُعد القوى الإقليمية مثل إيران، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، هي المؤسس الفعلي للهيكل الأمني، بينما تعتبر كل من روسيا، ومصر، وتركيا، وفرنسا، وإيطاليا اللاعبين الرئيسيين في ليبيا.

لا تؤثر بكين وواشنطن في اليمن وليبيا إلا بشكل طفيف، وليس للصين ولا للولايات المتحدة وكلاء في البلدين العربيين، وبالتالي فإنهما مبدئيًا ضد التدخل العسكري الأجنبي. وتدعو الصين والولايات المتحدة إلى التوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية والليبية من خلال بناء حكومات شاملة داخل المؤسسات متعددة الأطراف التي تقودها الأمم المتحدة. وتتفق إدارة بايدن وحكومة شي جين على أنه يجب مساعدة اللاجئين وتمويلهم؛ نظرًا لأنه إذا ظلت الأزمة الإقليمية دون حل، فسيكون لها تداعيات غير مباشرة.

3- المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط

تأتي المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في المناطق التي تتمتع فيها الصين والولايات المتحدة بمصالح ومبادئ دبلوماسية متوافقة ومتضاربة، فتُعد أفغانستان وسوريا مثالان في هذا الصدد.

في أفغانستان، أجرى وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، ووزير الخارجية الأمريكي، أنتوني ج .بلينكين، مكالمة هاتفية بعد سيطرة طالبان على كابول في أغسطس 2021م، أي بعد عقدين من شن الولايات المتحدة للحرب في أفغانستان. واتفقت بكين وواشنطن على ضرورة إنشاء حكومة شاملة في أفغانستان، حيث يجب أن يكون للشعب في أفغانستان الكلمة الأخيرة في عملية الانتقال السياسي. وكانت الصين على أتم الاستعداد للتواصل والتحاور مع الولايات المتحدة لتشجيع الاستقرار في أفغانستان، وذلك للحيلولة دون وقوع حرب أهلية جديدة أو كارثة إنسانية، وحتى لا تصبح أفغانستان أرضًا خصبة ومأوىً للإرهاب. وشجعت كل من الصين والولايات المتحدة طالبان على إنشاء هيكل سياسي منفتح يتماشى مع ظروفها الوطنية.

وبالرغم من ذلك، أكد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، أن الحقائق أثبتت مرة أخرى أنه من الصعب غرس النموذج الغربي في دول ذات تاريخ وثقافة وظروف وطنية مختلفة؛ وأن حل المشاكل بالوسائل العسكرية لن يؤدي إلا إلى خلق المزيد من المشاكل. ويتعين على الولايات المتحدة التفكير الجاد في الدروس الأفغانية - وعليها أن تلعب دورًا بناءً في مساعدة أفغانستان على الحفاظ على الاستقرار، ومنع الفوضى، وإعادة الإعمار السلمي. علاوة على ذلك، فقد أثر انسحاب الولايات المتحدة المتسرع وغير المسؤول بشكل سلبي على الوضع في الإمارة الإسلامية، حيث كان من الخطير والخطأ إعلان حكومة الولايات المتحدة انسحاب حركة تركستان الشرقية الإسلامية من قائمة المنظمات الإرهابية الأمريكية.

وإلى جانب ذلك، فقد اتفقت الصين والولايات المتحدة، على أن سوريا يجب أن تمر بمرحلة انتقالية سياسية نحو حكومة أكثر شمولًا؛ حيث ينبغي على اللاجئين السوريين العودة إلى ديارهم، ويجب أن تلعب الأنظمة متعددة الأطراف التي تقودها الأمم المتحدة دورًا مهيمنًا من أجل تخفيف حدة الأزمة. ومع ذلك، تشدد الصين على احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها؛ وأن يكون لحكومة الأسد الحق المشروع في محاربة الإرهاب في محافظة إدلب؛ وأن التدخل الإنساني الغربي هو مصدر الأزمة الإنسانية السورية. وهو ما يُعد من المبادئ المتضاربة بين بكين وواشنطن.

4- المواجهة بين الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكبير

من المحتمل أن تقع مواجهة بين بكين وواشنطن على صعيد القضية الفلسطينية والعلاقات بين الصين وإيران. فالصين من أشد المؤيدين لقضية فلسطين حيث تؤمن بأن "حل الدولتين" هو الإجراء الوحيد الممكن، كما تدعم الصين دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية. وقد انتقدت الصين انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل خلال تبادل إطلاق النار الذي حدث بين إسرائيل وحماس هذا العام، وألقت اللوم عليها في فشلها في ممارسة الضغط على إسرائيل، مما نجم عنه توليد أفعال عدائية خطيرة. وترى الصين أن الولايات المتحدة قد أخطأت في نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بما يعد دعماً للسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، وإعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لبناء مستوطنة يهودية في الضفة الغربية، ومنحها إسرائيل أسلحة هجومية متطورة، إلخ.

كما تنعكس المواجهة بين الصين والولايات المتحدة على القضية الإيرانية، فالصين غير راضية عن قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، بحيث يكون لدى الحكومة الإيرانية التظلم المتعلق بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60٪. وقد أعرب وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، عن دعمه لإيران في المناسبات العامة في يوليو 2021م، حيث صرح بأن السبب الجذري للمشكلة بين الولايات المتحدة وإيران هو الهيمنة الأمريكية. ولحل هذه المشكلة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تفي بالتزامها تجاه الشعب الإيراني من خلال العودة غير المشروطة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، وذلك لكسب ثقة الشعب الإيراني وتسريع المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وقد أضحت الصين أكثر انزعاجًا من الهيمنة الأمريكية واستغلالها لسلاح العقوبات الاقتصادية، فقد تم اتهام ابنة مؤسس شركة هواوي، منغ وانزو، بخرق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وتم القبض عليها في فانكوفر في 2018 م، وسيتم تسليمها إلى الولايات المتحدة. وقد انتقدت الصين بشدة الولايات المتحدة بسبب عقوباتها طويلة الأمد ضد شركة هواوي الصينية وشركات النفط التي لها أعمال تجارية مع إيران.

الخلاصة

يشهد العالم تغييرًا كبيرًا في العصر الجديد، فالعلاقات بين الصين والولايات المتحدة معقدة للغاية لدرجة أنه لا يوجد ثمة "أبيض أو اسود " في تفاعلهما على صعيد الشرق الأوسط الكبير. وفي الواقع، لا يكمن الخطر الحقيقي في التنافس بين الصين والولايات المتحدة، ولكن في الافتقار إلى المصلحة العامة. وقد يحفز تمحور الولايات المتحدة نحو المحيط الهندي والهادئ الجهات المتطرفة إلى ملء فراغ السلطة الذي خلفته الولايات المتحدة.

تتعاون الصين والولايات المتحدة وتتنافسان ويتواجهان في قضايا متنوعة. وبالتالي، فهما شريكان ومنافسان في الشرق الأوسط الكبير. وينبغي على الصين والولايات المتحدة، باعتبارهما قوتين عظميين اقتصاديًا وعسكريًا، تجنب تكرار الأخطاء التي ارتكبها كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة، وعليهما تحمل واجباتهما ومهامهما المقدسة لتجنب اندلاع حرب باردة جديدة. ويظل هذا أمرًا حاسمًا من أجل تعزيز السلام والازدهار لجميع شعوب الشرق الأوسط الكبير.

مقالات لنفس الكاتب