array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 167

تواجه روسيا "أوكوس" بسحب مبادرة تجميد الترسانات النووية

الخميس، 28 تشرين1/أكتوير 2021

أثار إعلان الشراكة الدفاعية بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، في 15 سبتمبر الماضي، "أوكوس"، والتي تتضمن تبادل التكنولوجيات العسكرية وتزويد أستراليا بثماني غواصات نووية أمريكية، العديد من التساؤلات حول الموقف الروسي من هذا التحالف الثلاثي على مقربة من تخومها الشرقية، وتداعيات ذلك لاسيما على العلاقات مع الولايات المتحدة والتي تعتبرها موسكو في أدنى مستوياتها، ثم الإجراءات التي قد تتخذها روسيا لتحييد الانعكاسات السلبية لمثل هذا التحالف؟

فقد أبرزت روسيا قلقاً واضحاً من تحالف "أوكوس"، وطلبت توضيحات من الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا بشأنه، وحذرت مما قد تجلبه صفقة "أوكوس" من تداعيات على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. وأشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مقابلة صحفية نُشرت على موقع الكرملين يوم 14 أكتوبر الماضي، إن اتفاقية "اوكوس" الأمنية الثلاثية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة تقوض الاستقرار الإقليمي، لأنه، كما يعتقد، "من الجيد أن نكون أصدقاء، لكن أن نكون أصدقاء ضد أي شخص أمر سيء من شأنه أن يقوض الاستقرار الذي نسعى دوماً لتحقيقه". وأعرب الرئيس بوتين عن أمله ألا يتطور الوضع في ظل سيناريو لا يمكن التنبؤ به وألا يتسبب في توترات إضافية في المنطقة. والرئيس بوتين على هذا النحو أوجز الموقف الروسي من تحالف "أوكوس" وعبر عن شكوك ومخاوف موسكو بشأنه.

ويمكن فهم هذا الموقف الروسي في ضوء مجموعة من الاعتبارات والعوامل، أولها، اعتقاد موسكو أن تحالف "أوكوس" سيقوض من نظام الحد من الانتشار النووي الذي تطور واستقر على مدى نصف قرن، وسيكون له عواقب سلبية على انتشار الأسلحة النووية في العالم حيث تشارك الولايات المتحدة تكنولوجيا الغواصات الخاصة بها لأول مرة منذ 50 عامًا، بعد أن شاركتها في السابق مع بريطانيا فقط. وقد أكد نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف، في الأول من أكتوبر ذلك وأعرب عن قلق موسكو إزاء الشراكة الثلاثية الجديدة، محذرًا من أن هذه الصفقة تمكن أستراليا من الحصول على عدد كبير من الغواصات النووية، لتصبح بذلك بين خمس دول في العالم تتمتع بمثل هذه القدرات العسكرية مما يشكل تحديًا ملموسًا لنظام منع انتشار الأسلحة النووية. وأن تصدير وقود نووي للغواصات ذات نسبة تخصيب 90% كما هو منصوص عليه بموجب الصفقة الجديدة يتعارض مع التزامات أستراليا بموجب اتفاقية الضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والملحق الإضافي الخاص بها.

إن الصفقة تتيح لأستراليا الدخول إلى نادى الدول المالكة للغواصات النووية، وذلك في إطار توطين التكنولوجيا بها بما فيه الشق النووي للمحركات النووية بنسبة تخصيب (93 – 97%)، وهي النسبة التي تسمح بتصنيع الأسلحة النووية (90% فأكثر)، ويعتبر هذا خياراً استراتيجياً لدول التحالف الثلاثة حيث إنه كان من الممكن تعديل الغواصات الفرنسية التي تم العدول عنها من جانب استراليا لتعمل بالطاقة النووية ولكن بتخصيب (20%)، هذا فضلاً عن أن الغواصات الثمانية سيتم تزويدها بصواريخ "توماهوك" التي يمكنها حمل رؤوس نووية. ويعني ذلك أن أستراليا ستكون قادرة على بناء غواصات أسرع تعمل بالطاقة النووية، يصعب اكتشافها من خلال الأساطيل البحرية التي تعمل بالطاقة التقليدية، وبإمكانها أن تظل في المياه لأشهر، فضلا عن قدرتها على إطلاق صواريخ لمسافات أطول محملة برؤوس نووية، على الرغم من أن أستراليا تقول إنها لا تعتزم تجهيزها بأسلحة نووية.

كما إن الكيل بمكيالين وقبول واشنطن بتزويد أستراليا بقدرات نووية يفقدها المصداقية فيما يتعلق برفضها ذلك ودعوتها لدول أخرى إلى الالتزام الصارم بنظام منع الانتشار النووي، مما يشجع دول طامحة على امتلاك التكنولوجيا والقدرات النووية المؤهلة للاستخدامات غير السلمية بالضرورة. من ناحية أخرى، تربط موسكو بين تحالف "أوكوس" وإعلان بريطانيا توسيع ترسانتها النووية في وقت سابق من العام الجاري، وترى أن ذلك سيعقد من العلاقات بين القوى النووية في العالم، وأن تفاقم الوضع جاء نتيجة تدمير ركائز نظام الرقابة على الأسلحة النووية، وأن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تتحمل أكبر قدر من المسؤولية عن ذلك بسبب "سعيها المطلق إلى كسب التفوق العسكري".

ثانيها، إن أوكوس ليست مجرد صفقة ولكنها إرهاصات حلف عسكري جديد على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فمع تغير العدو الأخطر والأهم بالنسبة لواشنطن واعتبار الصين التهديد الأهم سيكون الحلف الثلاثي نواة حلف جديد في شرق آسيا تقوده واشنطن لمواجهة الصين وقد يتطور "أوكوس" إلى East Asia Treaty Organization ، "EATO" في المدى المنظور. وتمتلك واشنطن شبكة تحالفات عسكرية مع دول المنطقة، وسبق وأن سعت لنشر درع صاروخي في دول شرق آسيا لاحتواء توسع النفوذ الصيني في المنطقة.

وقد أشار وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن خلال جولته الآسيوية والأولى منذ توليه المنصب في مارس الماضي وشملت اليابان وكوريا الجنوبية والهند إلى أهمية تعزيز التعاون العسكري في المنطقة مع حلفاء الولايات المتحدة وإرساء "ردع موثوق به" في مواجهة الصين، مشيراً إلى أنه بينما كانت الولايات المتحدة تركز على مكافحة "الجهاديين" في الشرق الأوسط، كانت الصين تُحدث جيشها في سرعة عالية. وجاءت زيارته في أعقاب قمة غير مسبوقة أعادت تفعيل التحالف "الرباعي" والحوار الاستراتيجي بين واشنطن واليابان وكوريا الجنوبية والهند على أعلى مستوى منذ تأسيسه في العقد الماضي لمواجهة صعود الصين. كما إنها أعادت التأكيد على التوجه الاستراتيجي لواشنطن والذي دشنه وزير الدفاع الأمريكي السابق بجولته الآسيوية في أغسطس 2019م، والتي شملت خمسة من دول المنطقة، أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ومنغوليا ونيوزيلندا.

يدعم هذا إعلان وزيرة الخارجية البريطانية إليزابيث تراس في 3 أكتوبر عزم لندن عقد اتفاقيات أمنية جديدة مع "دول ديمقراطية" "محبة للحرية" في وجه نفوذ "جهات مارقة ودول استبدادية"، في إشارة إلى روسيا والصين، وأن بريطانيا تسعى إلى تحالفات مع كل من الهند واليابان وكندا من أجل حماية الممرات التجارية، على غرار اتفاقية "أوكوس"، وأن الطريق الأمثل لأن تكسب الدول الديمقراطية نفوذا في آسيا وإفريقيا هو توفير مصدر للاستثمارات الحيوية بالنسبة للبنى التحتية وأغراض التنمية "بديلا" عن الصين وروسيا.

ثالثها، انتقال ساحة التنافس الاستراتيجي العالمي من أوروبا إلى آسيا، وخاصة منطقة شرق آسيا وبحر الصين الشرقي والجنوبي. إن تحالف "أوكوس" يمثل أهم ترتيب أمني بين الدول الثلاث منذ الحرب العالمية الثانية، ويعزز التعاون القائم بالفعل حيث ترتبط أستراليا بعلاقة وثيقة مع القوات الجوية الأمريكية والمخابرات الأمريكية من خلال اتفاق تبادل المعلومات والإشارات الاستخباراتية أو ما يعرف بتحالف "العيون الخمس" الاستخباراتي. كما أن الولايات المتحدة عازمة على مواجهة الصين التي ترى أنها تمثل تهديدًا للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتهديدًا لحلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. وترى روسيا في الصفقة خطوة تهدف إلى خلق توازن استراتيجي جديد في المحيط الهادئ مع قيام بريطانيا وأمريكا بنقل أكثر تقنياتهما حساسية لأستراليا إلى جانب التعاون في مجالات أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة. الأمر الذي سيفاقم من التوتر القائم بالفعل في تلك المناطق بين واشنطن وبكين حول مدى واسع من القضايا في مقدمتها بحر الصين الجنوبي وتايوان وغيرها. يعزز من هذا الانسحاب الأمريكي من اتفاقية الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى (INF) التي كان قد تم توقيعها في 8 ديسمبر 1987م، مع موسكو، وتتعلق بالصواريخ ذات المدى المتراوح بين 500 و5500 كم، والتوجه الأمريكي لنشر منظومة صواريخ متوسطة المدى في شرق آسيا، والذى كان محظور عليها نشرها بمقتضى الاتفاقية، فيما يشبه درع صاروخي لتطويق الصين وعرقلة تمددها في مجالها الحيوي، ومواجهة الترسانة الصينية الضخمة من هذه الصواريخ حيث أن 80% من ترسانة الصين مؤلفة من أسلحة تشملها الاتفاقية، وتمتلك الصين ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، من أبرزها الصاروخ "إس واي — 400"، قصير المدى، وصواريخ "دي اف — 17"، الباليستية متوسط المدى التي يمكنها حمل رؤوس نووية وتقليدية.

يرتبط بهذا تخوف روسيا من إطلاق سباق تسلح في المنطقة وتقويض السلام والاستقرار الإقليميين، وقد أعلن نيكولاي نيوزدريف، مدير الدائرة الآسيوية الثالثة بالخارجية الروسية في 15 أكتوبر أن المهام التطبيقية لإنشاء تحالف "أوكوس" تثير قلقًا من حيث تأثيره على الأمن الإقليمي ومخاطر بداية سباق تسلح في المنطقة، وأن هناك معلومات حول الاتفاق بشأن نشر كل الأنواع من الطائرات العسكرية الأمريكية في "القارة الخضراء" وتوسيع الأشكال الأخرى من التعاون العسكري، كذلك بحث احتمال استخدام القواعد العسكرية الأسترالية من قبل الغواصات النووية البريطانية. مؤكداً أن موسكو تعتبر منطق التحالفات ضيقة الكتلة التي يتم إنشاؤها لحل المهام الظرفية غير مقبول ولا تساعد في الحفاظ على الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ والعالم، وأنه من الضروري ضمان الأمن المتساوي للجميع.

في ضوء الاعتبارات السابقة تتحرك روسيا في اتجاهات عدة لمواجهة التحديات والتهديدات الآنية والمحتملة لتحالف "أوكوس"، منها التحرك في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف، في 30 سبتمبر أن روسيا ستطرح مسألة إنشاء تحالف "أوكوس" أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتباره يتعارض مع نظام منع انتشار الأسلحة النووية على النحو السابق بيانه.

كذلك، قامت موسكو بسحب مبادرتها لتجميد الترسانات النووية التي أعلنتها في أكتوبر من العام الماضي وتضمنت استعدادها لـ"تجميد" مشترك مع الولايات المتحدة لعدد رؤوسهما النووية، وإجراء مفاوضات ثنائية شاملة حول مستقبل السيطرة على الأسلحة الصاروخية النووية وكل العوامل التي تؤثر في الاستقرار الاستراتيجي.

في هذا السياق قد يلقى تحالف "أوكوس" بظلال حول التقدم في المفاوضات الخاصة بالاستقرار الاستراتيجي بين موسكو وواشنطن والتي انطلقت جولتها الثانية في جنيف في 30 أغسطس 2021م، وتتحمل روسيا والولايات المتحدة المسؤولية عن الاستقرار الاستراتيجي في العالم، باعتبارهما أكبر دولتين نوويتين، خاصة وأن كلا البلدين تعملان على تحديث ترساناتهما النووية وإحداث قفزات نوعية بها. ففي يناير 2018م، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) وثيقة "استعراض الموقف النووي" التي تهدف إلى تعزيز الترسانة النووية الأمريكية بأسلحة جديدة ودعم قدرتها على الردع في مواجهة روسيا خلال العقدين المقبلين. كما تعمل روسيا على تطوير قدراتها النووية وأعلن الرئيس بوتين في رسالته السنوية للجمعية الفيدرالية الروسية (البرلمان)، في 21 أبريل 2021م، أن نسبة تحديث الثالوث النووي الروسي ستتجاوز 88% بنهاية العام، ويتضمن ذلك تزويدها بمنظومات متطورة حديثة مثل الصواريخ فرط الصوتية "أفانجارد" و"تسيركون" وغيرها.

وعقب أول اتصال هاتفي بين بوتين وبايدن اتفق الطرفان في 26 يناير 2021م، على تمديد معاهدة ستارت الجديدة لمدة خمس سنوات وحتى 4 فبراير 2026م، يتم خلالها التوصل إلى صياغة ترضى الجانبين. وتبدى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) قلقا بشأن الأسلحة النووية الروسية الجديدة ومخزونات روسيا من الأسلحة النووية "غير الاستراتيجية" قصيرة المدى. من جانبها تبدي روسيا قلقاً بشأن القدرات الاستراتيجية التقليدية للولايات المتحدة وأنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية خاصة في شرق أوروبا. وتتضمن قضايا الاستقرار الاستراتيجي المتبادل أيضاً التقنيات العسكرية الناشئة ومن أهمها تلك الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والأسلحة التي تفوق سرعة الصوت، والقدرات الفضائية التي تستهدف القيادة والسيطرة والاتصالات النووية القائمة على الأقمار الصناعية، ووقف تداعى نظام الحد من التسلح بعد انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى ومعاهدة الأجواء المفتوحة ورد موسكو بالمثل.

ومن أهم نتائج قمة جنيف في يونيو الماضي اتفاق الرئيسان بوتين وبايدن على إطلاق حوار ثنائي حول الاستقرار الاستراتيجي، مؤكدين تمسك موسكو وواشنطن بضرورة منع شن حرب نووية لا يمكن أن يكون فيها منتصر ويجب ألا يتم شنها أبدا، وأنهما يسعيان من خلال إطلاق هذا الحوار إلى وضع أساس للمراقبة المستقبلية للأسلحة والإجراءات لتخفيض الأخطار. إلا أن مثل هذه التفاهمات لن توقف سباقات التسلح النوعية بين الطرفين، وتوظيف أكبر للذكاء الاصطناعي في الأغراض العسكرية وفي تطبيقات متنوعة منها الطائرات والمركبات ذاتية القيادة، وإطلاق الأسلحة السيبرانية أو الأسلحة الحقيقية. من المتوقع كذلك أن يستمر التنافس الأمريكي الروسي في سوق السلاح العالمي حيث تنظر موسكو بقلق إلى صادرات السلاح النوعية الأمريكية لعدد من حلفائها في أوروبا وآسيا وجنوب شرق آسيا، كما تبدى واشنطن قلقاً متزايداً إزاء تحركات روسيا لزيادة صادراتها من الأسلحة خاصة للأسواق التقليدية للسلاح الأمريكي، وسوف تستمر في التلويح بتفعيل قانون "مواجهة أعداء أمريكا عبر العقوبات "(CAATSA) الموجهة ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية، والذى بدأ سريانه في 29 يناير 2018م، لعرقلة الصفقات الروسية مع شركاء واشنطن، وسيؤثر "أوكوس" بشكل واضح على التنافس الأمريكي الروسي وسيؤدي إلى تعميق أزمة الثقة المتبادلة بين موسكو وواشنطن.

على صعيد أخر، سيؤدى "أوكوس" إلى مزيد من الدفع للشراكة الروسية الصينية المتنامية في المجال الاستراتيجي والعسكري فقد أعلنت دول التحالف الثلاثي صراحة أن شراكتها الدفاعية تأتى بهدف أساسي وهو مواجهة الصين، وأنه جزء من الاستراتيجية الأمريكية في هذا الصدد، وذلك في الوقت الذي تزداد فيه ممارسات الصين التي تراها واشنطن عدائية في بحر الصين الجنوبي، وفي ظل العقوبات التي تفرضها الصين على أستراليا بعدما دعت الأخيرة إلى إجراء تحقيق بشأن تسرب وباء كورونا من معامل الصين. ومن المعروف أن الغواصات النووية أكفأ من الغواصات التي تعمل بالديزل لما لها من قدرة على جمع المعلومات الاستخباراتية ونشر القوات الخاصة والبقاء في المياه العميقة في المحيطين الهندي والهادئ لأشهر، وهو ما سيمثل تهديدًا للصين.

وقد شنت الصين هجوما على "أوكوس"، ووصفتها بأنها صفقة "غير مسؤولة" و"ضيقة الأفق"، ووصفت الدول الثلاث باستمرار التفكير بنفس "عقلية الحرب الباردة". واتهم سفير الصين لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية واشنطن بتقويض أنشطة عدم انتشار الأسلحة النووية من خلال نقل المعرفة النووية واليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة النووية إلى أستراليا، مشيراً إلى أن هذا سيجعل من الصعب منع إيران وكوريا الشمالية من السعي لامتلاك تقنيات مماثلة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، إن التحالف يخاطر "بإلحاق أضرار جسيمة بالسلام الإقليمي ... وتكثيف سباق التسلح".

  إن كلاً من موسكو وبكين تعتبران السياسة الأمريكية "العدائية" أبرز التهديدات والتحديات المشتركة التي تواجههما معاً، وتعملان على الانتقال لنظام دولي متعدد القوى تمثل أوراسيا مركز ثقل هام وقائد فيه على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي. وتؤكدان من خلال سلسلة المناورات والتدريبات المشتركة بينهما في المنطقة على حضورهما القوي في منطقة شرق آسيا، وتحاولان تحجيم النفوذ الأمريكي وتطويقه عبر تمددهما العسكري في المنطقة، وإبراز قدراتهما العسكرية الضخمة براً وجواً وبحراً.

ومن أبرز هذه المناورات "التعاون البحري" الذي يتم أجراؤها في بحر اليابان وكان أخرها خلال الفترة من 14 إلى 17 أكتوبر وشاركت فيها سفن حربية وسفن دعم من أسطول المحيط الهادي الروسي، بما في ذلك كاسحات ألغام وغواصة ومدمرتان، وغواصة وطرادان من الصين. وفى أغسطس أجرت الصين وروسيا مناورات عسكرية ضخمة "التعاون 2021" بمشاركة 10 آلاف جندي من القوات البرية والجوية لدى الجانبين، وتم إنشاء مركز قيادة مشترك أجري التدريب بداخله، بحيث تشمل المناورات الاستطلاع المشترك والإنذار المبكر، والهجمات السيبرانية والمعلوماتية، وتنفيذ الضربات المشتركة. وأكد الجانبان أن التدريبات المشتركة تهدف إلى تعميق التعاون بين الجيشين الصيني والروسي في مجال «مكافحة الإرهاب»، فضلاً عن إظهار «العزم القوي وقدرة البلدين على حماية الأمن والاستقرار الدوليين والإقليميين بشكل مشترك».

سبق المناورات مباحثات بين وزير الدفاع الصيني وي فنج خه، مع نظيره الروسي سيرجي شويجو في دوشنبه عاصمة طاجيكستان، على هامش اجتماع وزراء الدفاع في منظمة شنغهاي للتعاون يوم 4 أغسطس الماضي، لمناقشة تعزيز التعاون العسكري، في وقت يزداد التوتر بين البلدين والولايات المتحدة. وحملت المناورات «مؤشرات قوية» عن قدرة الجيشين على التعاون المشترك، ضد المخاوف بشأن زعزعة الاستقرار في آسيا الوسطى، والتصدي للولايات المتحدة. وجاء الإعلان عن التدريبات العسكرية بين موسكو وبكين، بعد أيام من تحذير الرئيس الأميركي جو بايدن من اندلاع حرب عسكرية شاملة، في ضوء تزايد التوترات مع روسيا والصين بسبب سلسلة حوادث سيبرانية استهدفت الوكالات الحكومية والبنية التحتية الأمريكية.

ومنذ عام 2005م، تجري موسكو وبكين تدريبات مشتركة إلا أن السنوات القليلة الماضية شهدت تطورًا نوعيًا في المناورات بين البلدين وكثافة التدريبات المشتركة في منطقة المحيط الهادي، والتي كان من أبرزها مناورات "فوستوك" أو "الشرق"، في سبتمبر 2018م، قرب الحدود الروسية مع الصين، وكانت أكبر مناورات حربية تجريها روسيا منذ المناورات العسكرية السوفيتية "زاباد" أو "الغرب" في عام 1981م، أي منذ أربعة عقود، وشارك فيها 300 ألف جندي روسي وحوالي 3200 جندي صيني. و"التعاون البحري-2019"، التي أجريت للمرة الأولى في مايو 2019م، على الساحل الشرقي للصين في مياه المحيط الهادي، في ميناء تشينجداو الصيني على شاطئ البحر الأصفر، وتضمنت التدريب على عمليات مضادة للغواصات وإنقاذ السفن، ومن المعروف أن العمليات المضادة للغواصات تتسم بكونها سرية في القوات المسلحة لأي دولة، ومن ثم فإن قيام روسيا والصين بمثل هذه المناورات يؤشر للمستوى الاستراتيجي الذي وصلت إليه الشراكة بين البلدين.

كذلك، المناورات الجوية المشتركة بعيدة المدى التي أُجريت للمرة الأولى بين القوات الجوية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني والقوات الجوية الروسية في 23 يوليو 2019م، فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي بالمحيط الهادي، وتضمنت رسائل ودلالات عدة منها ما يتعلق بالعلاقات بين البلدين، ومنها رسائل لأطراف دولية وإقليمية أخرى. فمن ناحية، كانت المناورات نوعية واستراتيجية وبالغة الدلالة فيما يتعلق بالمدى الذي وصل إليه التعاون الاستراتيجي بينهما، وكونه اقترب كثيراً من مستوى التحالف الاستراتيجي. وقد أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية، وتشيان، في اليوم التالي للمناورات، أن "القوات المسلحة لروسيا والصين ستواصل تطوير العلاقات العسكرية بين البلدين، وتعزيز دعم بعضهما البعض وتكثيف آليات التعاون الاستراتيجي، وتطوير المعدات العسكرية، ومكافحة الإرهاب"، و "أن الصين وروسيا دخلتا حقبة جديدة من العلاقات، كما أن تفاعل القوات المسلحة للبلدين دخل أيضًا حقبة جديدة تحت القيادة الاستراتيجية لقادة الدولتين".

ولهذا التركيز الروسي ـ الصيني على منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي دلالته فيما يتعلق بالتوازن الاستراتيجي في تلك المنطقة، والذي بدأ يميل تدريجياً لصالح الصين وروسيا، وتعد المناورات مؤشرًا على ذلك ورسالة هامة للولايات المتحدة التي طالما كان لها النفوذ الأكثر تأثيراً في المنطقة في ضوء الحضور العسكري الأمريكي الضخم في المحيط الهادي عامة، وتحد واضح لما تطلق عليه البلدان "سياسة القطب الأوحد" والتي يقصد بها الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة على العالم، ولتحالف "أوكوس" وفرص تطوره المستقبلي.

مقالات لنفس الكاتب