array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 167

صفقة الغواصات النووية: ما بين ردع الخصوم وتصدع الحلفاء

الخميس، 28 تشرين1/أكتوير 2021

ما بين قرار فرنسا إعادة سفيريها إلى الولايات المتحدة وأستراليا بعد استدعاء دام لقرابة ثلاثة أسابيع من كلتا الدولتين وبين بلوغ التوتر مداه بين فرنسا وكل من الدولتين بالإضافة إلى بريطانيا على إثر ما عرف "بأزمة الغواصات النووية" تساؤلات عديدة أثيرت حول تأثير تلك الصفقة ليس فقط على مستقبل حلف شمال الأطلسي" الناتو" بل تداعياتها أوروبياً في ظل كون العديد من الدول الأوروبية أعضاء في الناتو والاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته وسعي الدول المحورية في الأخير ومنها فرنسا لصياغة هوية أمنية مستقلة لأوروبا، ويثير ما سبق أربعة تساؤلات:

 الأول: ما هو مضمون تلك الصفقة ودلالاتها بالنسبة لأطرافها؟

 والثاني: ما هو تأثير تلك الصفقة على مستقبل حلف الناتو؟

والثالث: أي تأثير للصفقة على جهود أوروبا لتأسيس هوية أمنية مستقلة؟

 والرابع: هل يصل الخلاف الأمريكي- الأوروبي إلى حد الصدام؟

 

أولاً: مضمون تلك الصفقة ودلالاتها بالنسبة لأطرافها

في السادس عشر من سبتمبر 2021م، أعلنت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا توقيع اتفاقية تحالف أمني باسم "أوكوس" سوف يحصل بموجبها الجيش الأسترالي على 8 غواصات تعمل بالطاقة النووية من الولايات المتحدة ومن ثم إلغاء أستراليا عقداً مع فرنسا تم توقيعه عام 2016م، بقيمة 66 مليار دولار لبناء 12 غواصة تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء، وبموجب تلك الاتفاقية أيضاً سوف يتم تبادل المعلومات والمعرفة بين الدول الثلاث في المجالات التكنولوجية الرئيسية مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الإلكترونية والأنظمة التي تعمل تحت الماء وقدرات شن هجوم بعيد المدى،الأمر الذي أدى إلى غضب عارم لدى المسؤولين الفرنسيين وجد سبيله في مفردات الدبلوماسية الفرنسية وبلغ الأمر مداه بقرار فرنسا سحب سفيريها لدى كل من الولايات المتحدة وأستراليا ،ومع أهمية التبريرات التي أعلنتها أطراف الصفقة الثلاث ما بين  فنية عبر عنها  سكوت  موريسون رئيس الوزراء الأسترالي بأنه ألمح للرئيس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يونيو 2021م، بشأن عدم قدرة صفقة الغواصات التقليدية على تلبية الاحتياجات الأمنية الاستراتيجية لأستراليا في المحيطين الهندي والهادئ، وما بين تبريرات مالية بشأن قيمة الصفقة  الفرنسية الباهظة بالنسبة لأستراليا، أو المزايا النسبية التي تتسم بها الغواصات الجديدة، فإنه في ظل أن القرارات الاستراتيجية يصعب تفسيرها من منظور واحد فإن ذلك القرار يتجاوز الجوانب المادية والتقنية ويمكن تفسيره من ثلاث زوايا الأولى: سعي الأطراف الثلاثة الموقعة على ذلك الاتفاق إلى تأسيس نقطة ارتكاز متقدمة لتأكيد مفهوم الردع ضد النفوذ المتنامي للصين في بحر الصين الجنوبي ويجد ذلك تفسيره في  رد فعل الصين تجاه الصفقة من خلال تصريح تشاو ليجان المتحدث باسم الخارجية الصينية الذي قال" إن التحالف يخاطر بإلحاق أضرار جسيمة بالسلام الإقليمي وتكثيف سباق التسلح"،ولعل إمعان النظر في بقية جوانب الاتفاق وخاصة قضايا الأمن البحري يؤكد طبيعة ذلك التحالف ومساره المستقبلي، والثانية: من منظور المصلحة الوطنية فإنه يعكس تلاقي إرادات الأطراف الثلاثة على مصلحة مشتركة، فأستراليا تريد الغواصات الأعلى كفاءة، والولايات المتحدة تريد حلفاء ولو بعدد أقل من دول الناتو في ظل عدم ثبات العلاقات الأمريكية - الأطلسية على وتيرة واحدة، أما بريطانيا فإنها في حاجة لتحالفات جديدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وتعد الولايات المتحدة الحليف التقليدي أهم خياراتها، والثالثة: أن الاتفاق يعد خطوة لتحقيق مفهوم توازن القوى في بحر الصين الجنوبي، وهو المتطلب الأساسي لتحقيق الأمن الإقليمي، فبنظرة سريعة نجد أنه في الوقت الذي تمتلك فيه الصين ثالث أقوى جيش في العالم ويصنف أسطولها البحري في المرتبة الأولى عالمياً، فإن الجيش الأسترالي يصنف في المرتبة رقم 19 والأسطول البحري لأستراليا يصنف في المرتبة 47 عالمياً، إلا أنه بعد الاتفاق الجديد فإننا بصدد موازين قوى جديدة في منطقة كانت سبباً رئيسياً في تغيير الاستراتيجيات الدفاعية للولايات المتحدة غير ذي مرة وخاصة أن جوهر تلك الاتفاقية كونها تحالفاً نووياً ثلاثياً بين ثلاث دول كبرى.

ثانياً: تأثير صفقة الغواصات النووية على مستقبل حلف الناتو 

 إن إمعان النظر في طبيعة حلف الناتو نجد أنه يتجاوز كونه مجرد تحالفاً  دفاعياً  لايزال هو الأقوى في العالم ولكنه تأسس على مبدأ التضامن بين أعضائه، ذلك المبدأ الذي واجه اختباراً قاسياً غير ذي مرة ابتداءً بقرار فرنسا في عام 1966م، الانسحاب من اللجنة العسكرية للحلف مع البقاء في اللجنة السياسية  وعلى إثر ذلك تم نقل مقر الحلف من باريس إلى بروكسيل لتعود فرنسا لعضوية اللجنة مجدداً في عام  2009م، ومروراً بإعلان فرنسا في يوليو 2020م، الانسحاب من مهمة بحرية للحلف في البحر المتوسط إثر خلاف مع تركيا، وانتهاءً باستمرار احتدام الصراع في شرق المتوسط بين تركيا واليونان الدولتان العضوتان في الحلف والذي أدى بدوره إلى اصطفافات داخل الحلف، إلا أن الأمر الجديد لايرتبط بتباينات في وجهات النظر داخل الحلف وإنما في تأسيس تحالفات فرعية داخل الناتو لا تقتصر على  أعضائه فحسب بل ضمت أطرافاً ليست عضواً في الحلف(أستراليا).

 وعلى الرغم من تأكيد الأدميرال  روب باور رئيس اللجنة العسكرية في الحلف أن الاتفاق لن يكون له تأثير على التماسك الداخلي للحلف أو التعاون العسكري بين دوله الأعضاء بيد أنه لم ينف" التأثيرات السياسية لمثل تلك الاتفاقات على الحلف"، ويعني ما سبق أنه من التبسيط الشديد القول أن الناتو في سبيله نحو التفكك أو الانهيار  لسبب بسيط أن الحلف لم يؤسس على أيديولوجية على غرار حلف وارسو ،بل أن الناتو ما بعد الحرب الباردة ليس هو الناتو خلالها،سواء من حيث آليات أو مناطق العمل، ناهيك عما لدى الحلف من آليات تشاورية لرأب الصدع بين أعضائه بل وإدارة الأزمات ومن بينها آلية منع الصدام العسكري بين هؤلاء الأعضاء وهي التي تم تفعيلها ضمن الصراع بين تركيا واليونان ضمن صراعهما في شرق البحر المتوسط.

 ومع أهمية ما سبق فإن تلك الاتفاقية سيكون لها تأثير على الناتو من خلال ثلاثة أمور الأول: زيادة هوة الشقاق بين أعضاء الحلف بما يعني النيل من مبدأ التضامن الذي يعد جوهر عمل الحلف والذي لم ينعكس في الاتفاقية المنشأة للحلف  1949م، عامة والمادة الخامسة منها على نحو خاص فحسب بل في إصدار الحلف لما عرف بالمفهوم الاستراتيجي كل عشر سنوات كمراجعة أمنية جماعية لواقع التهديدات وكيفية مواجهتها،ومع الأخذ بالاعتبار تأخر صدور ذلك المفهوم حتى الآن ،حيث صدر المفهوم السابع عام 2010م، ، سوف نجد تبرير ذلك في رد ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف على سؤال في عام 2018م، عما إذا كان الحلف يعتزم إصدار مفهوم استراتيجي جديد قال " إن الأهم من المفهوم الاستراتيجي هو الإجراءات الاستراتيجية"، ويتسق ذلك مع ما أشار إليه جان إيف لورديان وزير الخارجية الفرنسي تعليقاً على التحالف الجديد بالقول" أن ما حدث سوف يؤثر على تحديد المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف شمال الأطلسي". بما يعنيه ذلك من أن مثل تلك الاصطفافات داخل الحلف سيكون لها تأثير بالغ على صعوبة حدوث توافقات بين دول الحلف ليس فقط داخل الأراضي الأوروبية وإنما خارجها ولعل قرار الولايات المتحدة الانسحاب من أفغانستان وبشكل مفاجئ ودون التشاور مع الشركاء الأوروبيين كان مؤشراً واضحاً في تكريس تصدع العلاقة بين الحلفاء  بالإضافة إلى تناقض مسارات العلاقات بين الحلفاء مع الأهداف الثلاثة  التي تضمنها التقرير السنوي للحلف عام 2020م، والذي حدد أهدافاً يجب على  الحلف أن يظل متمسكاً بها  في المستقبل ومنها ضرورة أن  يظل إطاراً سياسياً قوياً للتشاور بين أعضائه، بالإضافة إلى أهمية أن يكون مظلة دفاعية إقليمية لأكثر من مليار شخص هم شعوب الحلف، والثاني: مع حرص أعضاء الناتو على الإبقاء عليه كمظلة دفاعية جماعية لم تعد ترتبط بمناخ الحرب الباردة، ولكن يلاحظ ظهور تحالفات ثنائية وثلاثية داخل تلك المنظمة ظهرت إرهاصاتها في أعقاب الخلاف بين تركيا واليونان والذي حظيت فيه الأخيرة بدعم فرنسي واضح وهو ما يفسر إعلان فرنسا في 28 سبتمبر 2021م، أن اليونان سوف تقوم بشراء ثلاث فرقاطات فرنسية في إطار ما أسماه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون " شراكة استراتيجية أكثر عمقاً للدفاع عن مصالحهما المشتركة في البحر المتوسط" ومع أن كرياكوس ميتسوتاكيس رئيس الوزراء اليوناني قد أكد على أن "الاتفاقية ليس لها تأثير على اتفاق التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة" بيد أنه أشار إلى"وقوف فرنسا إلى جانب اليونان خلال فترات صعبة في عام 2020"، الجدير بالذكر أن الدولتين وقعتا على صفقة بقيمة 3 مليارات دولار في يناير 2021م، لشراء 18 طائرة رافال (12 مستعملة و6 جديدة)، والثالث: مدى قدرة حلف الناتو  على ممارسة مفهود الردع بشكل جماعي ضد خصوم الحلف "روسيا والصين" وخاصة في ظل وجود مؤشرات تعكس توجهاً أمريكياً للانحسار عن الأزمات في العالم بما يعني إيجاد فراغات في مناطق تماس استراتيجي تسعى تلك القوى لاستغلالها، بالإضافة إلى مصداقية التحالف ذاته بشأن إمكانية التدخل والقدرة على حسم الأزمات في ظل عدم وجود قوات أممية تضطلع بتلك المهمة ولطالما اضطلع بها حلف الناتو في كل من البوسنة 1995 وكوسوفو1999 وليبيا عام 2011م.

ثالثاً: تأثير الصفقة  على جهود أوروبا لتأسيس هوية أمنية مستقلة

  لدى الولايات المتحدة الأمريكية قناعة بأهمية الحفاظ على توازن القوى في أوروبا ذلك المفهوم الذي وجد سبيله نحو التنفيذ من خلال ركيزتين الأولى: هي مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والثانية: تأسيس حلف شمال الأطلسي الناتو، وعلى الرغم من أهمية هاتين الركيزتين فإن ذلك لم يحل دون حرص الدول الأوروبية على تأسيس كيان أوروبي يعكس الهوية والمصالح الأوروبية متمثلاً في الاتحاد الأوروبي الذي بدأ ضمن إطار اقتصادي ولم يكن الاتحاد الأوروبي منافساً للناتو في ظل وجود 22 دولة تجمع بين عضوية المنظمتين، إلا أنه في ظل وجود خلافات وتباينات بين أعضاء الحلف فإن ذلك كان سبباً في سعي الدول الأوروبية إلى تأسيس هوية أمنية مستقلة، تلك الخلافات التي لم تكن وليدة اليوم بل تمتد إلى أزمات عديدة منها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، ورفض بعض الدول الأوروبية المشاركة في الغزو الأمر الذي حدا بمسؤولي الإدارة الأمريكية آنذاك إلى إطلاق مفردات تضمنت التمييز بين "أوروبا  القديمة" و"أوروبا الجديدة"، ودون الخوض في تلك الخلافات فإن الدعم الذي حظيت به فرنسا من جانب الاتحاد الأوروبي قد تجاوز كونه دعماً لأزمة عابرة وإنما بلغ حد إعادة إحياء الطموحات الأوروبية في تأسيس هوية أمنية مستقلة لا تتنافس بالضرورة مع الناتو وإنما يمكن من خلالها الحفاظ على المصالح الأوروبية من منظور دولها، ففي أول تصريح له تعليقاً على تلك الصفقة اعتبر جوزيب بوريل الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي في 21 سبتمبر 2021م، "أن الوضع مخيباً للآمال وأن القضية لاتهم فرنسا فقط بل الاتحاد الآوروبي مؤكداً تضامن وزراء خارجية الاتحاد الواضح مع فرنسا" أما أورزولا فون دير لاين رئيسة المفوضية فقد أكدت على أن" المعاملة التي تلقتها فرنسا غير مقبولة"، ولعل الأمر الأهم هو مدى انعكاس تلك الأزمة على إصرار الدول الأوروبية على بلورة بديل ذاتي للأمن الأوروبي وهو ما أشار إليه مايكل روث وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية بالقول" إنه تنبيه للجميع في الاتحاد الأوروبي" وأضاف" أن شعار أمريكا أولاً لم يكن مرتبطاً بالرئيس ترمب وإنما هو جزء من سياسة الدولة الأمريكية العميقة التي تجمع عليها النخب السياسية الأمريكية من المعسكرين الديمقراطي والجمهوري "،بالإضافة إلى تصريح جان إيف لورديان وزير الخارجية الفرنسي الذي قال" لابد للأوروبيين أن يفكروا ملياً بالتحالفات في المستقبل، حيث أن الموضوع يتعلق في المقام الأول بانهيار الثقة بين الحلفاء".

 ومع أهمية ما سبق فإن الدول الأوروبية كان لديها بالفعل محاولات لتأسيس آليات أمنية مستقلة منها  توقيع 23 دولة أوروبية وثيقة للتعاون الدفاعي في نوفمبر 2017م، وتتضمن 20 التزاماً من شأنها إرساء تعاون منظم في المجال الدفاعي، وتشمل في مراحلها الأولى مشروعات دفاعية مشتركة، مثل تطوير معدات ( الدبابات والطائرات بلا طيار، والأقمار الاصطناعية وطائرات النقل العسكري والمستشفيات الميدانية)، فضلاً عن تأسيس قوة أوروبية لمواجهة الأزمات خارج الأراضي الأوروبية  في يونيو 2018م، وتضم 9 دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا، والدنمارك وإستونيا وهولندا، وأسبانيا والبرتغال، بالإضافة إلى بريطانيا من خارج المنظومة الأوروبية،وكذلك مقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتأسيس الجيش الأوروبي الموحد في  نوفمبر 2018م، و معاهدة التعاون والاندماج بين فرنسا وألمانيا  في يناير 2019م، وتتكون تلك المعاهدة من 7 فصول و28مادة، تم نشر تفاصيلها على الموقع الإلكتروني لقصر الإليزيه و تضمنت التعاون بين البلدين في مجالات الأمن الداخلي والخارجي وكذلك السياسة الخارجية، و تعزيز التضامن فيما بينهما.

 ومع أهمية تلك المحاولات فإنه تكتنفها عدة إشكاليات أولها: أنها لم تشمل كل الدول الأوروبية بسبب ترددها واستمرار اعتبار الناتو هو المظلة الدفاعية الأهم، وثانيها: استمرار تباين رؤى الدول الأوروبية حول ماهية القوة الأوروبية المزمع تأسيسها وإطارها، هل يجب أن تكون ضمن هيكل الاتحاد الأوروبي أم خارجه؟ وهل يجب أن تكون قوات تدخل سريع أم قوة لإدارة الأزمات؟ أم جيش أوروبي موحد؟ تلك التباينات التي تعكسها ثلاثة تيارات داخل دول الاتحاد كلما أثيرت تلك الأفكار بين أقصى التأييد وأقصى الرفض وما بينهما من مواقف ضبابية. وثالثها: أنه في الوقت الذي يعد فيه التدخل العسكري لحلف الناتو خارج أراضي دوله الأعضاء  أمراً محدداً في الحلف بتوافر ثلاثة شروط وهي إجماع الدول الأعضاء على أن ثمة خطر يهدد مصالحها ووجود قرار أممي بالإضافة إلى طلب الدولة المعنية فإن الأمر ليس من السهولة بمكان في دول الاتحاد الأوروبي والتي تتباين فيما بينها في الأطر الدستورية والقانونية التي تتيح لدولها إرسال تلك القوات خارج الأراضي الأوروبية، بالإضافة إلى عدم وجود خبرات ممتدة للدول الأوروبية بشأن التدخل في الصراعات خارج أراضيها، باستثناء الخبرات التي اكتسبتها الدول الأوروبية في الحفاظ على الأمن البحري ابتداءً بالمشاركة في الجهود الدولية لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن، ومروراً بمهمة  الاتحاد الأوروبي قبالة السواحل الليبية " إيريني" لمنع وصول الأسلحة لأطراف الصراع   وانتهاءً بالبعثة الأوروبية لمراقبة الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن ذلك لا يعني قدرة الاتحاد على التدخل في كافة الأزمات وفي مدى زمني محدد على غرار حلف الناتو.    

     رابعاً: تأثير الصفقة النووية على مستقبل العلاقات الأمريكية- الأوروبية: خلاف لن يبلغ حد التصادم

بتحليل مضامين الخلافات الأمريكية- الأوروبية عبر التاريخ نجد وبما لايدع مجالاً للشك ترسيخ مفهوم "المصالح تتصالح"، صحيح أن تلك الخلافات آخذة في التزايد ولكنها لن تبلغ حد التصادم ويؤكد ذلك عدة أمور أولها: مع أهمية سعي الدول الأوروبية إلى تأسيس هوية أمنية مستقلة فإن ذلك لم يتعارض مع الدعم الأوروبي للناتو في ظل تقاطع المصالح، فعلى سبيل المثال عندما أعلنت الإدارة الأمريكية السابقة في عهد الرئيس دونالد ترامب عن تأسيس التحالف العسكري البحري لأمن وحرية الملاحة البحرية في الخليج العربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والذي بدأ مهام عمله في نوفمبر عام 2019م وانضمت إليه كل من المملكة العربية السعودية  ومملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة وبريطانيا وأستراليا وألبانيا   فقد أعلنت فرنسا قيادة بعثة أوروبية لمراقبة الملاحة في مضيق هرمز  وتحظى بدعم 8 دول أوروبية وهي  فرنسا ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال والدنمارك واليونان والتي بدأت عملها من مدينة أبوظبي في يناير عام 2020م، وفي معرض تعليقها على عمل البعثة الأوروبية قالت فلورانس بارلي وزيرة الجيوش الفرنسية أن عمل البعثة الأوروبية سوف يتكامل مع الجهود الأمريكية في هذا الشأن، إلا أن ذلك لاينفي أن هناك تنافساً على "ريادة الدفاع عن أوروبا بين الرئيس بايدن والرئيس ماكرون " لأن ثمة تناقضاً بين طلب الولايات المتحدة الحلفاء الأوروبيين بتعزيز تواجدهم العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادي ولكنها في الوقت ذاته تضع ذاتها أول المنافسين لصفقات الغواصات الفرنسية وذلك على حد وصف آن سيزال خبيرة شؤون السياسة الخارجية الأمريكية بجامعة السوربون.    والثاني: أنه بالرغم من الغضب الفرنسي بسبب تلك الصفقة فإنه لاتزال هناك مصالح استراتيجية لفرنسا في منطقة المحيطين الهندي والهادي تعمل للحفاظ عليها في ظل اعتبار الصين تحدياً كبيراً ، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالقول" لدينا مليون مواطن يعيشون في تلك المنطقة وأكثر من 8 آلاف جندي ينتشرون هناك- أي مناطق ماوراء البحار"، والثالث:  صدور بيان مشترك عن البيت الأبيض والرئاسة الفرنسية مفاده أن الرئيس الأمريكي ونظيره الفرنسي سوف يلتقيان في نهاية أكتوبر 2021 في أوروبا  وضمن ذلك البيان اعتبر الرئيس الأمريكي جو بايدن أن" هناك ضرورة لأن يكون الدفاع الأوروبي أقوى وأكثر كفاءة للمساهمة في إرساء الأمن والاستقرار عبر المحيط الأطلسي وإكمال دور حلف الناتو، فضلاً عما تضمنه البيان من أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تعهدت بتعزيز دعمها لعمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الدول الأوروبية في منطقة الساحل الإفريقي"، بالإضافة إلى إعلان أنطونيو جوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة في 8 أكتوبر أن حلف الناتو يدرس الآن خيارات تتضمن زيادة الدعم للقوة المتعددة الجنسيات في دول الساحل الإفريقي لمواجهة الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة،  والرابع: : أنه بالرغم من أن أستراليا ليست عضواً في حلف الناتو  ولكنها تعد شريكاً استراتيجياً للحلف من خلال توقيع اتفاقية شراكة موسعة مع الناتو في أغسطس 2019م، تركز بشكل أكبر على منطقة المحيط الهادئ وهي الاتفاقية التي وصفها  ينس ستولتنبرج  العام للحلف بالقول أنها" إطار للجهود المستقبلية المشتركة والتعاون".

 الخلاصات الاستراتيجية لتلك الرؤية

  • على الرغم من قدرة كافة أطراف الأزمة على احتوائها فإنه لايمكن اعتبارها كسحابة صيف بل تركت آثاراً بعيدة المدى على مسألة الثقة والتضامن بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، فما كادت أوروبا أن تنتهي من صدمة الانسحاب الأمريكي  من أفغانستان  لتأتي تلك الصفقة لتؤكد بما لايدع مجالاً لأدنى شك على حاجة الدول الأوروبية لبديل أمني ذاتي بغض النظر عن شكل وآلية عمل ذلك البديل والذي لايجب أن يتعارض بالضرورة مع التزاماتها  داخل حلف الناتو.
  • يعكس مضمون وتوقيت تلك الصفقة رسالة واضحة ولالبس فيها إلى الصين والقوى المناوئة للمصالح الأمريكية في منطقتي المحيط الهندي والهادئ بأن ثمة ردع سوف يمارس ضد أي محاولات لتغيير معادلة التوازن الراهنة لصالح طرف ما .
  • على الرغم من قدرة حلف الناتو على احتواء الخلافات بين أعضائه وهو ما اتضح في أزمات عديدة فإنه يلاحظ أن تلك الخلافات أضحت تطال مبدأ التضامن ذاته وهو جوهر عمل الحلف مما يثير التساؤلات حول مدى قدرة الحلف على الاستمرار في رأب الصدع وخاصة مع ظهور مسارات ثنائية  داخل الحلف( الولايات المتحدة-بريطانيا)،( فرنسا- اليونان)، وربما نشهد مستقبلاً تحالفات ومسارات أخرى وهو أمر من شأنه وضع الحلف أمام تحد لا يقل عن تحدي ما بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة والتساؤل حول جدوى وجود الحلف من عدمه؟
  • تتمثل معضلة الدول الأوروبية في كيفية الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وسعيها لتأسيس شراكة استراتيجية مع الصين التي تراها الولايات المتحدة وحلفاء الناتو أنها التحدي الأول للمصالح الغربية.
  • على الرغم من تحذير أنطونيو جوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2021م،  من نشوب حرب باردة جديدة ودعوة كل من " الصين والولايات المتحدة لإصلاح علاقتهما  قبل أن تمتد المشكلات بين الدولتين الكبيرتين المتمتعتين بنفوذ كبير إلى بقية الكوكب" فإن أزمة الغواصات النووية ترسخ لتلك الحرب والتي وإن اختلفت في مضامينها ومناطقها فإن نتيجتها ستكون واحدة وهي المزيد من الاصطفاف والتحالفات والتحالفات المضادة التي وإن نجحت أحياناً في تفادي الاصطدام فإنها قد لا يحالفها النجاح أحايين أخرى أخذاً في الاعتبار أن الغواصات النووية تعد أخطر الأسلحة على الإطلاق ولا توجد إلا لدى دول محدودة وأنها وفقاً لإحدى المجلات الأمريكية يمكن تجهيزها بصواريخ باليستية عابرة للقارات وبإمكان كل صاروخ أن يحمل 12 رأسًا نوويًا     ويصل مدى تلك الصواريخ لآلاف الكيلومترات وبإمكان الرماد البركاني والإشعاع النووي الناتج عن إحداها تغطية مدينة بأكملها، ولعل إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن تعرض غواصة نووية أمريكية لحادث في المياه الدولية ببحر الصين الجنوبي في 8 أكتوبر على إثر اصطدامها بجسم لم تتضح هويته وإصابة 15 من بحارتها بإصابات طفيفة يعد مؤشراً على إمكانية وقوع مواجهات أمريكية- صينية في تلك المنطقة مستقبلاً.   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية ومدير تحرير دورية دراسات بمركز دراسات -البحرين

مقالات لنفس الكاتب