array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 169

الاحتواء لا المواجهة بين أمريكا والصين والهند مع علاقة مبنية على قواعد

الخميس، 30 كانون1/ديسمبر 2021

تحميل    ملف الدراسة

يُلقىي التنافس الصيني ـ الأمريكي بظلاله على معظم جوانب العلاقات الدولية الحالية، الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية، ويأتي هذا التنافس في صورة "حرب باردة" بمعنى أنها ستكون منافسة عالمية طويلة الأجل، وكما يصفها جون ميرشايمر، فالعلاقة بين البلدين أشبه "بتنافس أمني شرس يمس كل بُعد من أبعاد علاقتهم"، ويُنظر إليها من كلا الجانبين على أنها منافسة حصيلتها صفرية.

وتكمن جذور التنافس بين واشنطن وبكين في الصعود الاقتصادي والعسكري للصين، مما دفع قياداتها إلى المطالبة بمكانة مركزية في تحديد شكل المؤسسات الدولية وعمليات صنع القرار بها. ويعتقد القادة الصينيون أن بلادهم احتلت هذه المكانة لعدة قرون قبل "قرن الإذلال الوطني" في أوائل القرنين التاسع عشر والعشرين، والذي انتهى بظهور جمهورية الصين الشعبية عام 1949م.

في مارس 2021م، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ نجاح الصين في التعامل مع جائحة كورونا، وعزا ذلك إلى "الثقة بالنفس في مسارنا، والثقة بالنفس في نظرياتنا، والثقة بالنفس في نظامنا، والثقة بالنفس في ثقافتنا". كما أعلن أن الصين مستعدة لتأخذ مكانها في قلب نظام عالمي جديد، وهو نظام سيكون في تنافس مع قوى الوضع الراهن التي تقودها أمريكا حاليًا، مشيرًا إلى أن الصين ستقود المعركة من أجل النظام الجديد.

مطالبة الصين لها أسس راسخة، وكما تشير إليزابيث إيكونومي، فهي بالفعل الدولة التجارية الأولى في العالم ومصدر الاستثمارات، ولديها أكبر عدد من القوات المسلحة في العالم، وهي مركز رئيسي للإنجازات التكنولوجية. وبحلول عام 2030م، من المتوقع أن تتفوق على أمريكا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وتصبح أكبر اقتصاد عالمي. وفي يونيو 2021م، أقر الكونجرس الأمريكي قانون الابتكار والمنافسة، والذي وصف الصين بأنها "أكبر تحد جيوسياسي وجيو-اقتصادي للسياسة الخارجية للولايات المتحدة"؛ كما دعا إلى التعامل مع تايوان كدولة ذات سيادة لها أهمية استراتيجية "حيوية" للولايات المتحدة.

التنافس الصيني-الأمريكي في المحيطين الهندي والهادئ

منطقة "المحيطين الهندي والهادئ" تقع في قلب المنافسة بين البلدين، حيث تواجه الدول الإقليمية اختيارات حول موقعها في النظام العالمي، أو في النظام الذي تقوده واشنطن، مدعومًا بالحلفاء الإقليميين والقوى الأخرى خارج المنطقة، أو في نظام آخر تقوده الصين. وتتنافس الولايات المتحدة مع التحدي القادم من الصين من خلال التأكيد على مبادئ "سلامة الممرات البحرية" و "سيادة القانون"، الواردة في الاستراتيجية "الحرة والمفتوحة بين المحيطين الهندي والهادئ" والتي تنظر إلى أمن المحيطين الهندي والهادئ باعتباره "متكاملاً."

لا يوجد حتى الآن إجماع بين صانعي السياسة حول مساحة "منطقة المحيطين الهندي والهادئ": ووفقًا لمصالحها الاستراتيجية، لدى واشنطن وجهة نظر محدودة نسبيًا، حيث تنظر إلى المنطقة على أنها تبدأ من غرب المحيط الهادئ حتى الساحل الغربي للهند. وعلى الجانب الآخر، ترى الهند، أنها تمتد من الساحل الغربي للولايات المتحدة حتى الساحل الشرقي لإفريقيا والبحر الأحمر والخليج.

وستقتصر هذه المقالة على المنافسة بين البلدين في منطقة شمال شرق وجنوب شرق آسيا، بما في ذلك استراليا ونيوزيلندا. وهذه هي المنطقة التي كانت تُسيطر الولايات المتحدة عليها على مدار عقود في الماضي، ولذلك كان التحدي المتمثل في صعود الصين ملحوظًا بشكل كبير. وتمتلك أمريكا في هذه المنطقة، مصالح والتزامات وتحالفات أمنية طويلة الأمد. كما أقامت الصين، في هذه المنطقة، على مدى العقدين الماضيين، روابط اقتصادية كبيرة من خلال التجارة والاستثمارات وسندات سلسلة التوريد، ودعمتها بمشاريع ربط لوجستي بمليارات الدولارات في البر وفي المحيط تحت عنوان مبادرة الحزام والطريق.

وفي هذه المنطقة، يقف الجيشان الصيني والأمريكي، وجهاً لوجه، مدعومين بقدراتهما التكنولوجية المتزايدة، حيث يتنافس كلا الجانبان في المناطق البحرية المتنازع عليها والمطالبات المتنازع عليها من أجل السيطرة السيادية على الجزر في المنطقة. وهذه المواجهة تعمل على تعبئة قدرات كلا البلدين جويًا وبحريًا، وبشكل متزايد، حشد قوتهم في الفضاء والأمن السيبراني، مع تطوير قدرات العمليات عبر مختلف المجالات.

وتتمثل المخاوف الرئيسية لواشنطن فيما يتعلق بمطالبات الصين في التواجد بالمنطقة:

  • مطالبتها بجزر سينكاكو، في بحر الصين الشرقي، الخاضعة حاليًا لسيطرة اليابان.
  • مطالبتها بالسيطرة السيادية على تايوان.
  • مطالباتها بشأن معظم المساحات البحرية لبحر الصين الجنوبي، من خلال خط النقاط المتقطع، ومطالبتها بالاحتفاظ بالحق في تنظيم أنشطة القوات العسكرية الأجنبية في المناطق الاقتصادية الخالصة. ولم تقبل واشنطن هذه المطالبة.  وعلاوة على ذلك، فإن مطالبات الصين متنازع عليها من قبل فيتنام (جزر باراسيل) والفلبين وماليزيا وبروناي (جزر سبراتلي وسكاربورو شول).

وبدأت الصين مؤخرًا في تعزيز مزاعمها من خلال بناء الجزر وإنشاء قواعد في جزر باراسيل وسبراتلي، حيث تسعى للسيطرة على بحر الصين الجنوبي من خلال القانون المحلي والوجود العسكري المتزايد. وينظم القانون البحري الجديد، الذي تم سنه في شهر أبريل 2021م، حركة السفن الأجنبية في "المناطق البحرية الخاضعة لولاية" الصين. ويعتقد المحللون الأمريكيون أن هذه الضوابط "تتجاوز حدود القانون الدولي على الولاية القضائية للدول الساحلية وستقيد بشكل غير قانوني حرية الملاحة" في المياه الإقليمية.

إن تطوير قدرات الصين العسكرية أمرًا رئيسيًا لدعم مزاعم الصين الخاصة بقيادة العالم. وبالتالي، من المتوقع أن تصل بكين خلال العقد المقبل إلى مرحلة الإنتاج في العديد من المناطق الحدودية، وخاصة فيما يتعلق بإنتاج الصواريخ الباليستية، وأنظمة الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والقدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية، وتطوير فئة جديدة من الألغام ذات القوة الانفجارية عالية التقنية، فضلاً عن تعزيز قدرات التحكم والتوجيه. ويتوافق التوسع في قدرات الصين العسكرية مع التحول من الأهداف العسكرية التقليدية -مقاومة العدوان وحماية الحدود -إلى "المهام التاريخية الجديدة" والتي تشمل: الإغاثة في حالات الكوارث، وحماية المواطنين في الخارج، وعمليات مكافحة القرصنة، وعمليات حفظ السلام، وحماية السفن التجارية، ومكافحة الإرهاب.

في بحر الصين الجنوبي، طورت الصين بالفعل أنظمة عسكرية متنوعة وهامة -كالمطارات ومنصات الرادار ومنصات الصواريخ -وذلك في العديد من الجزر الخاضعة لسيطرتها. ويتضمن هذا التطوير نشر صاروخ دي أف-26 المضاد لحاملات الطائرات، وهو أكثر أسلحة الصين تطورًا.  وتدعم هذه الأنظمة القوات البحرية الصينية وقوات خفر السواحل والميليشيات البحرية، بحيث تشكل مجتمعة "أكبر قوة بحرية في المحيطين الهندي والهادئ".

وقاومت واشنطن التواجد الصيني المتزايد في المحيطين الهندي والهادئ، والذي تعتبره واشنطن اعتداءً متزايداً من جانب الصين، من خلال التأكيد على مبدأ "حرية البحار". وتشدد وزارة الدفاع الأمريكية على أن حرية البحار لا تنطبق فقط على السفن التجارية في المياه الدولية ولكن أيضًا على "الحقوق والحريات والاستخدامات المشروعة للبحار والمجال الجوي، بما في ذلك السفن والطائرات العسكرية". وتطالب واشنطن بهذا الحق لسفنها وطائراتها في المناطق الاقتصادية الخالصة التابعة للدول الساحلية. ولذلك فهي ترفض مزاعم الصين في بحر الصين الجنوبي، باعتبارها "لا أساس لها من الصحة وغير قانونية وغير معقولة، ولا تمتلك السند القانوني أو التاريخي أو الجغرافي"، ولذلك تساند واشنطن حلفاءها وشركاءها في جنوب شرق آسيا لحماية حقوقهم السيادية في الموارد البحرية.

وفيما يلي سنناقش تأثيرات التنافس الصيني ـ الأمريكي، فيما يتعلق باليابان ورابطة دول جنوب شرق آسيا.

اليابان: التعاون والمواجهة

ترتبط الصين واليابان ارتباطًا وثيقًا منذ ما يزيد عن 1500عام، لأسباب عديدة، من بينها ما يتعلق بالتاريخ والثقافة والسياسة والحرب. وهناك علاقات حالية تربط الصين باليابان من حيث العلاقات التجارية والاستثمارية والتكنولوجية، ولكن هذه العلاقات كثيرًا ما تتوقف بسبب اندلاع المشاكل القديمة التي يُسمع صداها حتى الآن.

فبعد التجارب المؤلمة في الحرب العالمية الثانية، طَبًعَت اليابان علاقاتها مع الصين في عام 1972م، ووقعت معاهدة سلام عام 1978م، ولتعويض بكين عن النهب الذي تعرضت له وقت الحرب، ساهمت اليابان في تنمية الصين من خلال برامج مساعدات التنمية الخارجية. ولكن في الوقت الذي تلقت فيه الصين مساعدات بسخاء من اليابان، اشتكى القوميون في الصين من التقليل من وقائع الحرب مع اليابان، بما في ذلك الكتب المدرسية التي قللت من فظائع اليابان وزيارات رئيس الوزراء جونيشيرو كويزومي إلى ضريح ياسوكوني الذي يحيي ذكرى مجرمي الحرب في اليابان. وعلاوة على ذلك، لم تكن اليابان راضية عن التجارب النووية التي أجرتها الصين في عام 1995م، في حين شهدت الصين أعمال شغب مناهضة لليابان في عام 2005م.

وفي عام 2010م، اندلع الخلاف حول جزر سينكاكو غير المأهولة (ويطلق عليها جزر دياويو بالصينية)، ولا يزال حتى اليوم سببًا للخلاف الدائم بين الدولتين. وفي عام 2010م، تفوقت الصين على اليابان باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وبدأت في تطوير قواتها المسلحة، الأمر الذي ساهم في انعدام الأمن في اليابان وتعزيز علاقاتها مع أمريكا.

وبدأ رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في تلطيف الأجواء مع الصين-واعتبارًا من عام 2017م، ركزت اليابان على التقليل من أهمية الخلافات السياسية وبناء العلاقات الاقتصادية، حيث جزأت البلدان علاقاتهما الأمنية والاقتصادية من خلال التعاون التجاري المشترك بأكثر من 300 مليار دولار؛ إذ تعد الصين أكبر شريك تجاري لليابان، وتمثل 24 % من التجارة في اليابان، مقابل 15 % مع أمريكا. وتعد اليابان أيضًا المستثمر الأول في الصين، حيث بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر التراكمي 130 مليار دولار في عام 2019م، كما تعمل أكثر من 7500 شركة يابانية في الصين، أي أكثر من عدد الشركات الموجودة في دول "الآسيان" العشر وأكثر من عدد الشركات اليابانية في جميع دول أوروبا وأمريكا الشمالية مجتمعين.

وعلى الرغم من أن اليابان لديها "لوبي صيني" قوي، لا سيما من مجتمع الأعمال، والذي يدعم العلاقات الوثيقة مع الصين، إلا أنها تمتلك لوبي مساوي من "الصقور" الذين يعتبرون الصين تهديدًا عسكريًا. وأصبح الصقور أكثر قوة بعد رحيل "آبي" عن اليابان، لا سيما في أعقاب قانون الأمن الصيني الجديد لهونج كونج، والضغوط الاقتصادية التي مارستها الصين مؤخرًا على استراليا، والأنشطة العسكرية الصينية المتزايدة في مضيق تايوان وبحر الصين الشرقي والجنوبي. وقد أدى ذلك إلى تجميد ملحوظ في العلاقات السياسية بين البلدين، انعكس في تصريحات المسؤولين في كل البلدين والإجراءات المتخذة من كلا الجانبين.

ومع ذلك أصبحت اليابان أكثر صراحة بشأن قضية تايوان التي أدت إلى تفاقم التوترات مع الصين. ففي يوليو 2021م، أشار الكتاب الأبيض الأمني السنوي الياباني إلى "زيادة الضغط العسكري" من الصين في مضيق تايوان. وبعد ذلك، في أغسطس، أجرى الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان حوارًا أمنيًا رفيع المستوى مع نظرائهم من تايوان.

وفي ديسمبر، ردت الصين بقوة على بيان رئيس الوزراء السابق "آبي" بأن أمريكا واليابان ستتدخلان إذا قامت الصين بمهاجمة تايوان. ووصف المتحدث الرسمي باسم الحكومة الصينية بأن ذلك يعد تحديًا لسيادة الصين وهدد بأن الصين سوف "تراجع علاقاتها مع اليابان" إذا اتخذت أي إجراءات أخرى في هذا الشأن. وتجاهلت اليابان هذه التصريحات ووصفتها بأنها تصريحات فردية، وانتقدت الصين لإعلانها استدعائها للسفير الياباني، وذكّرت الصين بأن تتفهم أن "هناك مثل هذه الأفكار في اليابان".

وبرزت مخاوف الصين الأمنية المستمرة من اليابان مرة أخرى، عندما اتفق وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين ونظيره الياباني يوشيماسا هاياشي على هامش اجتماع وزراء خارجية الدول السبع الكبرى في ليفربول في 13-14 ديسمبر على أن "في ضوء البيئة الأمنية المتزايدة الخطورة في المنطقة [المحيطين الهندي والهادئ]، كان من الضروري تعزيز قدرات الردع والاستجابة للتحالف الياباني ـ الأمريكي".

موقف "الآسيان" من التنافس الصيني ـ الأمريكي

دُعي وزراء خارجية الدول العشر الأعضاء في الآسيان، لأول مرة، للانضمام إلى اجتماع وزراء خارجية الدول السبع الكبرى في ليفربول في شهر ديسمبر. وأعرب البيان المشترك لمجموعة السبع بشأن الصين عن مخاوف تلك الدول بشأن السياسات الاقتصادية "القسرية" للصين ودبلوماسيتها القائمة على الوقوع في شراك الديون.   وناقش وزراء مجموعة السبع "العدوان الإقليمي المتزايد" للصين، لا سيما في المحيطين الهندي والهادئ، وشددوا على التزامهم "بالحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ كمنطقة حرة ومفتوحة."

وبعد ذلك، غادر أنتوني بلينكين في زيارة تستغرق أسبوعًا لثلاث دول في رابطة "الآسيان" -إندونيسيا وماليزيا وتايلاند. وتعليقًا على هذه الزيارة، قال مسؤول في الخارجية الأمريكية، إن الرئيس بايدن "ملتزم برفع مستوى واشنطن ورابطة "الآسيان" إلى مستويات غير مسبوقة"، بما في ذلك مناقشة "إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ".

وأعلن بايدن في قمة شرق آسيا في أواخر أكتوبر، حيث أوضح أن بلاده "ستستكشف مع الشركاء تطوير إطار اقتصادي بين الهند والمحيط الهادئ" من شأنه أن يركز على تيسير التجارة، وتعزيز التجارة الرقمية، وزيادة مرونة سلسلة التوريد، وتوفير الطاقة النظيفة وتطوير البنية التحتية ومعايير سلامة العمال. بعدها، أجرى وزير التجارة الأمريكي والممثل التجاري الأمريكي زيارة إلى اليابان وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية لإجراء مناقشات أولية، ستتبعها مفاوضات مبدئية في بداية عام 2022م.

تعد منطقة "الآسيان" محط اهتمام خاص للصين. ومع مرور 30 عامًا على انطلاق العلاقات الرسمية بين رابطة "الآسيان" والصين، والتي وصفها الرئيس الصيني "شي جين بينج" بأنها "النموذج الأكثر نجاحًا وحيوية للتعاون"، وزاد حجم التعاون التجاري بين الصين وأعضاء رابطة الآسيان من 8 مليارات دولار في عام 1991 إلى 685 مليار دولار في عام 2020م، بحيث أصبحت الصين وأعضاء "الآسيان" أكبر شركاء تجاريين. وبرز التعاون الأمني بين الجانبين ​​من خلال التدريبات البحرية المشتركة في أكتوبر 2020م، وهي أول مناورات يجريها التكتل الآسيوي مع دولة واحدة. أما على مستوى الشعوب، فالجانبان يحافظان على العلاقات بين المواطنين، حيث سافر 65 مليون شخص من وإلى الصين ودول الآسيان في عام 2019م، على متن 4500 رحلة أسبوعية.

وكما أشرنا سابقًا، فإن المنافسة الاستراتيجية بين الصين وأمريكا لإعادة تشكيل النظام العالمي تتمحور حول منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتواجه دول رابطة "الآسيان"، معضلة كانوا في غنى عنها، ألا وهي وقوعهم بين القوتين العظمتين، إذ لابد من اختيار أحد الجانبين. وفي مواجهة هذا التنافس بين الصين وأمريكا وخوفًا من عدم سماع صوتها وسط تنافس القوى الكبرى، صاغت رابطة الآسيان في يوليو 2019م، "وثيقة الآسيان لآفاق المحيطين الهندي والهادئ". لدعم مبدأين لهما أهمية لرابطة أمم جنوب شرق آسيا وهما "مركزية رابطة الآسيان" و "الشمولية". وباختصار، ما تفعله الوثيقة هو قبول استراتيجية "المحيطين الهندي والهادئ كمنطقة حرة ومفتوحة"، لكنها تصر في الوقت نفسه على أن هيكل الأمن الإقليمي الذي تقوده رابطة الآسيان يشمل الصين. وهذا من شأنه أن يضمن السلام والهدوء الإقليميين، مع تجنب حاجة الأعضاء للاختيار بين القوى الكبرى المتنافسة وخلق معسكرين متحاربين في المنطقة.

ومن المحتمل أن ترى واشنطن أن هذه المبادئ لا تحقق سوى قليل من المزايا، لا سيما عندما تسعى إلى خيارات أكثر صعوبة، لكبح مطالبات الصين في المنطقة؛ ويتجلى ذلك في إنشاء "مجموعة الكواد"، أو النقاش الأمني الرباعي، والتي تضم أمريكا، واليابان، واستراليا، والهند، وتحالف "أوكوس"، التحالف الأمني الثلاثي بين أمريكا واستراليا وبريطانيا.

"مجموعة الكواد" وتحالف "أوكوس"

في سبتمبر2021م، أسست أمريكا مجموعتين جديدتين، "الكواد والأوكوس"، وهما تحالفان بحريان نحو هدف واضح وهو احتواء الصين في المحيطين الهندي والهادئ، والمضي قدمًا في التزام بايدن بتحدي الصين وتأكيد قيادة الولايات المتحدة للعالم في الوقت الحالي.

كان الحوار الأمني الرباعي، "الكواد"، بمثابة منصة مشاركة أمنية لأمريكا واليابان واستراليا والهند منذ عام 2007م، ولكن تم إحياء التكتل مرة أخرى عام 2017م، ثم تم رفعه إلى المستوى الوزاري في 2019م، وعقد اجتماع القمة الأول للأعضاء الأربعة في مارس 2021م، تلته قمة شخصية في واشنطن في سبتمبر المنصرم.

تحالف أوكوس، ومجموعة الكواد، يكملان بعضهما بشكل فعال. وذكر البيان المشترك لقمة الكواد في سبتمبر الماضي أن التحالف سيتنافس بقوة مع الصين في المجالات التي لم يواجه فيها أي تحد حتى الآن –وهي البنية التحتية، وإدارة الأوبئة، وتطوير التكنولوجيا -في توريد أشباه الموصلات والأمن السيبراني وبيانات الأقمار الصناعية. وهذه أجندة طموحة لمواجهة الصين، مع تجنب طابع المواءمة الأمنية العلنية.

ومع الاتفاقيات الأمنية المشتركة طويلة الأجل مع اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا ونيوزيلندا، ومع وجود الهند في مجموعة الكواد، وهي المنطقة التي تركز عليها واشنطن الآن منطقة "الآسيان". ومن الواضح أن زيارة بلينكين إلى إندونيسيا وماليزيا بعد اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الكبرى في ليفربول في شهر ديسمبر، تهدف بوضوح إلى جذب باقي الأعضاء المتمسكين برابطة الآسيان إلى التعاون مع الولايات المتحدة.

وفي خطابه في جاكرتا 14 ديسمبر، تحدث بلينكين عن "الأعمال العدوانية" لبكين من "شمال شرق آسيا إلى جنوب شرق آسيا ومن نهر ميكونج إلى جزر المحيط الهادئ". وأكد أن بلاده "مصممة على ضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي" حيث تهدد تصرفات الصين حركة التجارة التي تزيد قيمتها عن 3 تريليونات دولار، ولديها "مصلحة ثابتة في السلام والاستقرار في مضيق تايوان". وأكد بلينكين أن الجيش الأمريكي سوف يحافظ على "ميزته التنافسية" تجاه الصين وأن استراتيجيته الإقليمية سوف تعتمد بشكل كبير على "الحلفاء والشركاء".

آفاق التعاون في المحيطين الهندي والهادئ

حذر الكاتب الأمريكي المتميز في قضايا الأمن العالمي، جون ميرشايمر، منذ عدة سنوات من احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين، بناءً على النتيجة المنطقية للنظرية الواقعية حول العلاقات الدولية المتأثرة بقوة صاعدة تتحدى الهيمنة الحالية. وقد أشار ميرشايمر في عدد نوفمبر -ديسمبر 2021م، من مجلة فورين أفيرز إلى أن "الحرب الباردة الثانية قد شنت بالفعل" وأن "التنافس بين واشنطن وبكين من المرجح أن يؤدي إلى حرب ساخنة أكثر من التنافس بين أمريكا والاتحاد السوفيتي".

ووصف ميرشايمر القومية الصينية كقوة واحدة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الانقسام بين الولايات المتحدة والصين لأن الصين ترى أن المناطق المتنازع عليها مع جيرانها هي "مناطقة مقدسة" يرتبط وضعها المستقبلي ارتباطًا وثيقًا بقومية البلاد. ويشير إلى أن العديد من نزاعات الصين في آسيا هي تلك النزاعات التي يمكن أن تؤكد فيها الصين على مطالبها من خلال شن حرب تقليدية. ويرى أن المناطق المحتملة للصراع هي: تايوان، وبحر الصين الجنوبي، وجزر سينكاكو/ دياويو، والطرق البحرية من الصين إلى الخليج، أي مضيق ملقا. وتقع جميع هذه المناطق المذكور أعلاه في المحيطين الهندي والهادئ.

ويرى ميرشايمر أن الطريقة الوحيدة أمام الولايات المتحدة لتجنب الحرب هي أن تحتفظ الولايات المتحدة بقوات تقليدية كبيرة في المنطقة لتذكير الصين بأنها لن تحقق نصرًا سريعًا حاسماً ومنخفض التكلفة. ويبدو أن بلينكن قد نقل هذه الرسالة خلال رحلته الأخيرة إلى جنوب شرق آسيا من خلال الحديث عن نسج "جميع أدوات سلطتنا الوطنية -الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية" والاعتماد على الحلفاء.

وفي ظل تحالف "أوكوس" ومجموعة الكواد، و"الإطار الاقتصادي للمحيطين الهندي والهادئ " المقترح، قامت الولايات المتحدة بإعداد خطة شاملة لمواجهة الصين في مجالات نجاحها الكبرى-الأمن، والبنية التحتية، والاتصال، والتطوير التكنولوجي (العسكري والاستخدام المزدوج) -وتحقيق الأمن من خلال التوازن الإقليمي مع التحالفات. وتُعد "قوى التوازن المتشددة"، أي أولئك الأكثر التزامًا بقيادة أمريكا واستراتيجيتها، هم أعضاء مجموعة الكواد. هم يمثلون مجتمعين ثلث سكان العالم (1.8 مليون) والناتج المحلي الإجمالي (30 تريليون دولار) ونصف الإنفاق العسكري العالمي (1 تريليون دولار). كما لديهم الكثير من النفوذ السياسي: فقد شككوا في العديد من جوانب مبادرة الحزام والطريق، وأوقفوا انتشار تقنية G5 في أجهزة هواوي، وتصدوا لمزاعم الصين في بحر الصين الجنوبي والشرقي. 

وبهذا ينتهي سرد مظاهر النجاح. وبينما يسعد أعضاء المجموعات، بما في ذلك " قوى التوازن المتشددة"، بجني الفوائد التي تجلبها عضوية التحالفات التي ترعاها واشنطن – أي تعزيز القدرات الدفاعية والاستثمارات والشراكات من أجل الاتصالات، والبنية التحتية، واللقاح، والتطوير التكنولوجي -فهناك القليل من الاندماج بينهم بسبب الانفصال عن الصين، ناهيك عن المواجهة والصراع. وبالنسبة لليابان، وكوريا الجنوبية، واستراليا، ونيوزيلندا، وتايوان، على سبيل المثال، تُعد الصين أكبر شريك تجاري لها.

وقد أشار "بول نادو" إلى أن كل دولة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لديها "مصالحها الخاصة ... في علاقاتها مع الصين"، وأنه يجب تقبل فكرة أن التعايش مع الخلافات بين الشركاء الإقليميين هو أمر ضروري. ومن ثم، فإنهم يعارضون المبادرات التي يُنظر إليها على أنها معادية للصين. ويدعم جيف سميث هذا الرأي، قائلاً إن "الثقافة الدبلوماسية في العديد من عواصم دول جنوب شرق آسيا... تعارض التكتلات والتحالفات العسكرية" و"هناك تحذيرات من نشر التظلمات الجيوسياسية في العلن".

وحتى اليابان لن تقبل القطيعة مع الصين. فقد صرح توبياس هاريس أن "الشعب الياباني لا يزال يعتقد أن العلاقة مع الصين مهمة وتستحق الحفاظ عليها": فقد أفاد ما يقرب من 90% من اليابانيين بآراء سلبية حول الصين، ولكن أكثر من ثلثيهم يرون أن التعاون الاقتصادي مع الصين ذو أهمية كبيرة لمستقبل بلدهم.

ومن المهم أن نشير إلى أن العلاقات بين واشنطن والصين تتميز بالاعتماد المتبادل. ففي 2020م، كانت الصين أكبر شريك تجاري للسلع لأمريكا، وأكبر مصدر للواردات، وثالث أكبر سوق تصدير. وبلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين أكثر من مليون وظيفة في الولايات المتحدة. كما بلغت حيازة الأسهم والسندات الأمريكية الصينية 3.3 تريليون دولار في نهاية عام 2020م. وهناك أيضًا اعتماد كبير متبادل في المجال التكنولوجي: حيث تمتلك شركات التكنولوجيا الرائدة في كلا البلدين مراكز أبحاث في الدولة الأخرى. وعلى الرغم من خطاب ترامب الصارخ المناهض للصين، فقد أشارت معظم الشركات الأمريكية إلى أنها تخطط للبقاء في الصين.

وبينما تتحرك الولايات المتحدة بجنون عبر المحيطين الهندي والهادئ لبناء قدرات عسكرية وتحالفات ضد الصين، سيكون من المفيد أن نتذكر أن هذه الجهود محفوفة بالمخاطر، لا سيما بسبب العدد الكبير من الخلافات الصغيرة التي تشمل الدول الساحلية، والتي بينهما روابط مشتركة، والسرديات التاريخية والسياسية والاستراتيجية المتنافسة.

وفي هذه الحالة يحذر جيريمي كليف من "تزايد خطر سوء التفاهم والعثرات"، لا سيما عندما لا يكون هناك وضوح بشأن ردود فعل الدول في مواجهة التطورات المفاجئة، مثل الاحتلال القسري لقطعة أرض متنازع عليها من قبل أحد الأطراف المعنية.  وعلى عكس أجندة المواجهة الأمريكية، فتتمثل المجالات التي تعطيها دول المنطقة الأولوية في التجارة، والتنمية، والوصول إلى اللقاحات والأدوية والمعدات الطبية، وفي المقام الأول، السلام والاستقرار في المنطقة.

وهناك نقطتان أخريان يجب طرحهما حول الآثار المترتبة على مقاربات السياسة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ: الأولى، الافتقار إلى الوضوح، والثانية، المستوى المنخفض لمصداقية أمريكا في المنطقة. وعلى سبيل المثال، فقد كانت السياسة الأمريكية مُربكة، حتى فيما يتعلق بمسألة خطيرة مثل تايوان. كما أشار كل من ريتشارد هاس وديفيد ساكس في مقال حديث في مجلة فورين أفيرز أن بايدن يقترح في كثير من الأحيان أن الولايات المتحدة ستساعد في الدفاع عن تايوان في مواجهة هجوم الصين، وأن مسؤوليه "قد تراجعوا" عن تصريحاته، مشيرين إلى أن هناك " افتقار في الإرادة تجاه الصين وإزعاج للحلفاء والشركاء الذين يتطلعون إلى الولايات المتحدة للحصول على توجيهات واضحة حتى يتمكنوا من تغيير مواقفهم وفقًا لذلك ".

وأصبحت مسألة انخفاض مصداقية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أكثر عمقًا ولها آثار طويلة المدى. وببساطة، فإن سياسات الولايات المتحدة تتغير بشكل كبير مع التغييرات في البيت الأبيض، وعادةً ما تخدم المصالح الأمريكية قصيرة المدى، وغالبًا ما تخضع لتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية وضغوط مجموعات المصالح الخاصة.

لا تخدم المواجهة مع الصين سوى القليل من الأغراض المفيدة؛ حيث تُعد إنجازاتها الاقتصادية حقيقة مُسلم بها ولا يُحتمل أن تنعكس في الظروف العادية. وعلى الرغم من عدم ارتياح دول المنطقة إزاء المزاعم والتأكيدات الدورية للصين، فإنها ترى أن العمل مع الصين بدلاً من مواجهتها سينتج عنه منافع لها. وبالتالي، فإن جميع الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة تقريبًا هم شركاء في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي ترعاه الصين وفي الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي أطلقتها آسيان، وهي أكبر كتلة تجارية في تاريخ العالم.

وتُعد الرسالة القادمة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ رسالة احتواء أكثر من كونها رسالة مواجهة. وقد صرحت الهند في قمة شرق آسيا حول التعاون الأمني البحري التي انعقدت في نوفمبر 2021م، أنها "تتوخى منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة والشاملة والقائمة على القواعد" على أساس القانون الدولي. وقد حث المعلق المقيم في طوكيو، ستيفن ناجي، الولايات المتحدة على "ترسيخ نفسها في أطر التجارة الإقليمية والعمل مع الحلفاء والمنافسين لتشكيل التنمية المؤسسية ".

وفي حين أنه لا يمكن التنبؤ بنتيجة التنافس الصيني ـ الأمريكي على المدى الطويل، وكما هو الحال بالنسبة لطموح الصين لتشكيل نظام عالمي جديد، فإنه من الواضح أنه لا يمكن لأي من الجانبين السماح بتصعيد المنافسة المستمرة إلى الصراع - وقد أشار دان التمان إلى أن "الصراعات على المناطق الصغيرة يمكن أن تؤدي إلى اندلاع حرب تالية كبيرة" و "ما إذا كان استيلاء الصين على الأراضي سيحدد الحقائق حول القرن الحادي والعشرين"  ، بينما حذر جون ميرشايمر ، المذكور أعلاه، من أن الحرب تطرح دائما احتمال التصعيد إلى مواجهة نووية.

وبالتالي، فإن التحدي المباشر أمام الخصمين الرئيسيين هو تجنب الخطب الرنانة وتعبئة القوى للمواجهة، والسعي لتحقيق الأمن من خلال التوازن والردع، وفي المقام الأول، البحث عن تحالفات شاملة وفرص للتعاون. وفي محادثتهما الأولى مع بعضهما البعض في نوفمبر 2021م، تحدث بايدن عن " الحاجة إلى حواجز حماية منطقية لضمان عدم انحراف المنافسة نحو الصراع مع ضرورة الإبقاء على خطوط الاتصال مفتوحة". وقد وصف شي جين بينغ الفترة الحالية بأنها "حقبة جديدة" وأعلن عن ثلاثة مبادئ لتوجيه العلاقات بينهما؛ وهما الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجانبين. وللدولتين أن يمارسوا ما يدعون إليه.

 

مقالات لنفس الكاتب