array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 172

إقليم البحر الأحمر يحتاج استراتيجيات وتعاون لمواجهة إعادة ترتيب التوازن

الثلاثاء، 29 آذار/مارس 2022

باعتباره ممرًا بحريًا عالميًا يتمتع البحر الأحمر بخصائص جيواستراتيجية، لكونه يصل البحار المفتوحة شمالاً عبر البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس، والبحار المفتوحة جنوبًا عبر مضيق باب المندب إلى خليج عدن فالمحيط الهندي، ويمر من خلاله 13% من التجارة العالمية وأغلب الإمدادات النفطية للدول الأوروبية، والتي تصل نسبتها إلى 60 % وإلى الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 25 %.

ومع تصاعد الأزمات الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة في إطار محاولات الدول في إقليم الشرق الأوسط تحقيق اصلاحات في ظل تصاعد كبير لأنواع مختلفة من التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وتنافس متنامي بين القوى الدولية لإعادة تشكيل نظام عالمي جديدة تسعى مختلف هذه القوى للهيمنة واقتسام الفرص بما يدعم مصالحها المتنوعة، وارتفاع أهمية البحار كجزء من التنافس الدولي المحموم، احتل البحر الأحمر كممر مائي حيوي يتميز بخصائص فريدة أهمية استراتيجية في الخطط الدولية والإقليمية، كما أصبحت الدول المطلة على هذا الممر المائي تخضع للكثير من محاولات الدمج ضمن الأهداف الخارجية، كما تصاعد التنافس الإقليمي داخل الإقليم مما أسفر عن العديد من ظواهر عدم الاستقرار .  

    ومنذ عام 2015م، تمت إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي لإقليم البحر الأحمر فأصبحت منطقة القرن الإفريقي جزءًا لا يتجزأ من الرابط الذي يجمع الأنظمة الأمنية للشرق الأوسط والمحيط الهندي والبحر المتوسط، حيث سعت دول الشرق الأوسط إلى تأكيد وجودها في القرن الإفريقي بشكل لم يسبق له مثيل منذ قرن من الزمان، في الوقت الذي انعكست التحولات التي شهدتها ظاهرة الإرهاب وخاصة في ظل صعود تنظيم داعش على إقليم البحر الأحمر.

 

وفى هذا الإطار تتنوع دوافع انعدام الأمن في هذا الإقليم من العالم، ما بين انتشار للأنشطة التي يتولى الوكلاء في الإقليم تنفيذها لتحقيق مصالح دول أخرى لا تنتمي للإقليم، وكذلك تحول الإقليم إلى مركز للتنافس الدولي وتصفية الحسابات الإقليمية التي تضمنت الاعتماد على أدوات مختلفة من بينها إنشاء القواعد العسكرية، هذا فضلاً عما تعانيه دول الإقليم من أزمات ومشكلات هيكلية ترتبط بالمسار السياسي لدوله وخاصة على الجانب الإفريقي.

يضاف إلى ذلك ما تقوم به بعض الجهات المشبوهة من استغلال لإقليم البحر الأحمر كمعبر لأعمال الجريمة المنظمة كالاتجار بالبشر وتهريب المخدرات والسلاح المهدد للسلام والأمن الدوليين.

أولا – مصادر التهديد في إقليم البحر الأحمر

هناك جملة من المصادر التي تنبع من خلالها التهديدات المختلفة التي يشهدها إقليم البحر الأحمر حيث تحول الإقليم خلال السنوات الأخيرة إلى مركز رئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي والعالمي، ويمكن توضيح أهم هذه المصادر فيما يلي:  

  • تصاعد الأنشطة بالوكالة

تشهد الدول المطلة على البحر الأحمر الكثير من الأنشطة التي يتولى تنفيذها فاعلون لتحقيق أهداف فاعلون آخرون ومن أهم هذه الأنشطة:

  • الإرهاب

فقد شهد إقليم البحر الأحمر أنواعًا مختلفة من التنظيمات الإرهابية التي لعبت أدوارًا في التأثير على استقرار هذا الإقليم، فقد ظهر في شبه الجزيرة العربية أحد أفرع تنظيم القاعدة، وعلى الرغم من ظهور العديد من التقارير التي تشير إلى تراجع قوة هذا التنظيم في اليمن، إلا أن فرع تنظيم القاعدة في القرن الإفريقي أو حركة شباب المجاهدين لا تزال تمثل تهديدًا خطيرًا للأمن والاستقرار في العديد من دول المنطقة والدول المجاورة في الصومال وكينيا.

وفى الوقت الذي سعى فيه تنظيم القاعدة لتحقيق هدفه الأكبر وهو القضاء على الهيمنة الأمريكية واستهداف المصالح الغربية، استخدم آراضي الدول المطلة على البحر الأحمر في تحقيق أهدافه عبر فروعه المحلية على جانبي الممر المائي، مما يؤكد اعتماد التنظيم على أفرعه في هذا الإقليم في تنفيذ أهدافه بالوكالة.

ومع بروز التنظيمات الإرهابية المبايعة لتنظيم (داعش) خلال السنوات الست الأخيرة في إفريقيا مع انشقاق أحد أجنحة حركة الشباب ومبايعته لداعش ودخول الحركة في صراعات عنيفة شمال الصومال للقضاء على هذا التنظيم، وما تبعه من مبايعة تنظيم الشباب في موزمبيق والقوات الديمقراطية المتحالفة في الكونغو الديمقراطية  لداعش  وتصاعد التهديدات في الجنوب الشرقي من القارة الإفريقية بما يؤثر على الأمن في دول البحر الأحمر وكذلك تنزانيا المجاورة لإقليم البحر الأحمر والمطلة بسواحلها على المدخل الجنوبي للممر المائي الحيوي في المحيط الهندي، أصبحت التهديدات الإرهابية من أهم العوامل المؤثرة على الأمن والتنمية في إقليم البحر الأحمر.   

  • الحرب اليمنية

 حملت الحرب اليمنية مضامين تشير إلى استغلال إيران للأزمة التي عاشتها الدولة اليمنية في تصفية حسابتها مع دول الخليج وحولت جماعة الحوثي إلى وكلاء لها في اليمن لتنفيذ مخططاتها واستهداف المصالح الخليجية.

  فقد بدأت هذه الأزمة على شكل انتفاضة سياسية وحرب أهلية، بعد الإطاحة بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح في عام 2012م، سرعان ما أصبح مسرحًا للنفوذ الإيراني والتنافس على السيادة الإقليمية عندما دعمت إيران المتمردين الحوثيين في اليمن. ودعمت دول مجلس التعاون الخليجي الحكومة اليمنية القائمة التي استنجدت بهذه الدول وخاصة المملكة العربية السعودية.

ومنذ اندلاع الحرب في اليمن في عام 2015م، تصاعدت التهديدات التي يواجهها إقليم البحر الأحمر في ظل الانتهاكات التي يقوم بها الحوثيون من محافظة الحديدة بموانئها الثلاثة، ميناء الحديدة، وميناء الصليف، وميناء رأس عيسى، حيث بلغت تلك الانتهاكات وحتى يوم 10 ديسمبر 2021م، (1683) انتهاكا ما بين زوارق مفخخة ولغم بحري وطائرات مسيرة وصواريخ كروز وبالستية، وهو ما يعطي الدليل القاطع لحجم ومدى المخاطر التي تهدد أمن البحر الأحمر.

 وتطورت الحرب إلى تهديد كبير للشحن البحري في البحر الأحمر، فقد نفذت قوات الحوثي عشرات الهجمات على سفن دولية قبالة ساحل اليمن، بدءًا بهجمات بالقذائف الصاروخية غير المتطورة نسبيًا. استخدمت ما لا يقل عن عشرين ضربة للحوثيين صواريخ مضادة للسفن، بما في ذلك صواريخ C-802 الصينية الصنع وصاروخ نور الإيراني. كما أشارت القوات السعودية إلى أنها نزعت أسلحة العديد من الألغام التي زرعها الحوثيون في ممرات الشحن الدولية.

في الآونة الأخيرة، أصبحت الطائرات المسلحة بدون طيار تشكل تهديدًا أكبر. وفقًا لـ War on the Rocks، نفذ الحوثيون 24 هجومًا "إرهابيا أو محاولة" باستخدام طائرات بدون طيار بحرية بين يناير 2017م، ويونيو 2021م.

وعلى الرغم من تراجع عمليات القرصنة قبالة سواحل الصومال خلال السنوات الأخيرة حيث تم تقليص مواجهة القرصنة إلى مجرد عملية بحرية دولية واسعة النطاق بدأت في عام 2008م. ومنذ ذلك الحين، لم يشهد الإقليم عمليات للقرصنة إلا بعد عام 2015م، حيث حلت عمليات القرصنة التي يقوم بها الحوثيون على السواحل اليمنية محل القرصنة التي كانت تشهدها السواحل الصومالية.

  • التنافس الدولي على البحر الأحمر

بالإضافة إلى القلق بشأن تداعيات حرب اليمن، سعت أمريكا إلى التواجد في المنطقة لمواجهة التنظيمات المتطرفة وخاصة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001م، وأنشأت قاعدة عسكرية واستخباراتية في جيبوتي وقواعد تدريب عسكرية في الصومال. كان الغرض منها ليس فقط ملاحقة التنظيمات الإرهابية مثل حركة شباب المجاهدين في الصومال والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، ولكن أيضًا للحماية من القرصنة، حيث كان هناك حوالي 60 هجومًا للقراصنة في خليج عدن عام 2008م، وحده، كما احتفظت فرنسا بقاعدة عسكرية في جيبوتي، إحدى مستعمراتها السابقة.

وبالنظر إلى هذه القواعد باعتبارها مصدرًا مربحًا للدخل، فإن جيبوتي سعت لاستثمار موقعها الجغرافي لمواجهة الفقر ولم تقتصر استضافتها على القوى الغربية. فوفقًا للرؤية الصينية فإن طريق الحرير البحري هو جزء من مبادرة الحزام والطريق، وتعد قناة السويس والبحر الأحمر وخليج عدن عناصر أساسية لنجاح الطريق البحري، وهذا ما دفع الصين إلى إنشاء أول قاعد عسكرية لها في جيبوتي مع استثمارات واسعة في بناء الموانئ والمستودعات، حيث تنشغل الصين بقضية حرية الملاحة عبر البحر الأحمر والذى يسمح بشحن البضائع الأسرع والأكثر اقتصادًا بين أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، وتمثل السفن الصينية عشر حجم حركة المرور السنوية لقناة السويس، وفي عام 2020م، كانت الصين ثالث أكبر سوق لصادرات دول الاتحاد الأوروبي وأكبر مصدر لواردات الاتحاد الأوروبي، حيث يلعب البحر الأحمر دورًا محوريًا في نقل هذه البضائع، كما استحوذ عدد من الدول الإقليمية الرئيسية على نصيب كبير من التجارة مع الصين حيث تقدم السعودية ما يقرب من 17 % من واردات الصين من النفط.

 وتثير القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي قلقًا للمخططين الاستراتيجيين الأمريكيين، فقد شهد القائد السابق للقيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) الجنرال توماس والدهاوزر قبل الكونجرس في عام 2019م، أن القاعدة الصينية في جيبوتي (التي لا تبعد سوى أميال قليلة من القاعدة الأمريكية) "تتعدى، وفي بعض الأحيان، تقلل من نفوذ  الولايات المتحدة " في المنطقة ومن وجهة نظر بكين، فإن قاعدتها في جيبوتي لا تشير فقط إلى إسقاطها لقوتها العسكرية على بعد آلاف الأميال من حدودها، ولكنها تحمي مصالحها التجارية الكبيرة في القرن الإفريقي، والتي تشمل مئات الملايين من الدولارات في استثمارات في الطرق والسكك الحديدية والطاقة، ومشاريع البنية التحتية للاتصالات. ومشروع السكك الحديدية الذي يربط إثيوبيا وجيبوتي على وجه الخصوص هو جزء من مبادرة الحزام والطريق الطموحة، بالإضافة إلى ذلك، بدأت شركة CM Port الصينية في توسيع مرافق ميناء جيبوتي التي ستوفر للسفن الصينية أولوية المناولة ورسوم الإرساء المنخفضة.

وحتى لا يتم تجاوزها، توصلت روسيا إلى اتفاق مع السودان لإنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر في نوفمبر 2020م، حيث يسمح هذا الاتفاق -الذي يسرى لمدة 25 عامًا -لموسكو بوضع أربع سفن وما يصل إلى 300 فرد في بورتسودان هذا فضلاً عن حرية استخدام روسيا المطارات السودانية لنقل "الأسلحة والذخيرة والمعدات" لدعم قاعدتها البحرية الجديدة. وتريد روسيا استعراض قوتها في المنطقة كوسيلة لتوسيع نفوذها ومواجهة دور أمريكا والصين. لطالما كانت روسيا موردًا رئيسيًا للأسلحة للجيش السوداني، ويقال إن مجموعة مرتزقة فاجنر سيئة السمعة متورطة في السودان لعدة سنوات. وجاءت الصفقة الروسية مع السودان في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تزيل السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

مما لا شك أن القوى الثلاث الكبرى تستخدم، أو ستستخدم، منشآتها العسكرية لمراقبة أنشطة بعضها البعض، مما يمنح المنطقة نوعًا من التكرار لديناميكيات الحرب الباردة.

 

  • تصفية الحسابات الإقليمية

تحولت منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية المختلفة خلال السنوات الأخيرة وانعكست على أرضها كافة التفاعلات بين هذه القوى، فمع بروز الانشقاقات والخلافات في الشرق الأوسط بدأت الكثير من الدول تسعى لبناء حضور كبير لها في الدول المطلة على البحر الأحمر، من أجل حماية مصالحها، وكان لدول الخليج حضور كبير في هذه الدول، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر حيث تقاربت الدول الثلاث ووفقا لسياسات خاصة بكل دولة من حكومات دول القرن الإفريقي حيث اشتمل هذا التقارب على مجالات مختلفة لتعزيز الحضور الخليجي في الساحل الإفريقي للبحر الأحمر .

 كما أن اندلاع الحرب في اليمن زاد الحضور الخليجي في دول القرن الإفريقي المشاطئة للبحر الاحمر، فأنشأت دولة الإمارات في ميناء عصب بإريتريا عام 2015م، قاعدة لوجستية لدعم العمليات العسكرية في اليمن وكذلك للحد من الهجمات البحرية ومنع الدعم الإيراني للحوثيين عبر إريتريا، كما قامت شركة دبي لتطوير الموانئ بالاستثمار في ميناء جيبوتي، وحصلت المملكة العربية السعودية على عقد امتياز لإدارة ميناء جيبوتي، في الوقت الذي عملت فيه قطر على استثمار علاقاتها المتطورة مع الحكومة الصومالية لدعم حضورها في الإقليم.

على الجانب الآخر، كان للحضور التركي، والإيراني، والقطري على الجانب الإفريقي من البحر الأحمر دور في جذب مزيد من المتنافسين للحد من استخدام هذا الموقع الاستراتيجي من قبل تركيا وإيران في تهديد مصالح منافسيهم، كذلك ساهم هذا الحضور في تزايد التوترات على هذا الجانب.

فقد اتجهت تركيا وقطر إلى تنويع وسائل النفوذ والتمركز في الدول الإفريقية على البحر الأحمر ما بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، فعملت الدولتان على نشر المساعدات الاقتصادية والصفقات التجارية إلى جانب بعض الحضور العسكري، فأنشأت تركيا قاعدتها العسكرية في العاصمة الصومالية مقديشو في عام 2017م، واستخدمتها في تدريب أعداد من القوات المسلحة الصومالية، وشيدت المدارس والمستشفيات والبنية التحتية وقدمت منحًا دراسية للطلاب الصوماليين للدراسة في المؤسسات الأكاديمية التركية كوسيلة لبسط نفوذها في جميع أنحاء البلاد. كما قدمت أنقرة تدريباً لوحدة شرطة صومالية مثيرة للجدل، الأمر الذي أدى إلى إرسال جماعات المعارضة الصومالية رسالة إلى الحكومة التركية تحث أنقرة فيها على عدم إرسال أسلحة وذخائر لهذه الوحدة خوفًا من استخدامها ضدها في الانتخابات الصومالية المقبلة. كما أدت العلاقات والدعم الذي تقدمه قطر للحكومة الصومالية الفيدرالية وبما ينعكس على تدخل قطر في الشؤون الداخلية للصومال إلى إثارة الكثير من المشكلات والأزمات بين هذه الحكومة والأقاليم الصومالية.

وفي عام 2018م، توصلت تركيا إلى اتفاق مع السودان لإدارة جزيرة سواكن في البحر الأحمر - مركز تجاري عثماني قديم ومنطقة انطلاق للحجاج المسلمين في طريقهم إلى مكة - مما يشير إلى سعى تركيا لبسط نفوذها في إقليم البحر الأحمر، وفى أعقاب الثورة السودانية برزت مؤشرات لتراجع مجلس الحكم الانتقالي عن هذا الاتفاق إلا أن الحوار بين الجانبين قد اسفر عن تعزيز التعاون وقد أعلن فؤاد أقطاي نائب الرئيس التركي في أغسطس 2021م، عن تخصيص السودان لـ 100 ألف هكتار (مليار متر مربع) من أراضيه الزراعية لاستثمارها من قبل تركيا، كما رحبت الحكومة السودانية بالمبادرة التركية لتسوية الأزمة بين السودان وإثيوبيا في سبتمبر 2021م.

كما أدت الخطوة التي تبنتها تركيا بإرسال طائرات مسيرة لدعم الجيش الإثيوبي في حربه ضد جبهة تحرير التيجراي، والذي تزامن مع طلب الرئيس الإثيوبي من مواطنيه حمل السلاح لمواجهة التيجراي إلى إثارة الكثير من الجدل والانتقادات حول الدور التركي في زعزعة الاستقرار في الساحل الإفريقي للبحر الأحمر حيث أعلنت 9 جبهات مقاومة إثيوبية انضمامها إلى الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي.     

  • الافتقار للتوازن بين جانبي البحر الأحمر

في ظل ما تعانيه دول القرن الإفريقي من أزمات سياسية وصراعات داخلية حادة وخاصة دولة الصومال التي لا تزال تواجه التفكك والانقسامات الداخلية وتفتقد لمفهوم الدولة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود ، وكذلك دولة السودان التي يسعى أبناؤها للوصول إلى الاستقرار وتشكيل نظام سياسي مدنى بعد ثورة أطاحت بنظام حكم البشير في عام 2019م، إلا أن المرحلة الانتقالية تواجه الكثير من التحديات، كما تواجه إثيوبيا الكثير من التهديدات وعلى الرغم من أنها دولة حبيسة لا تمتلك سواحل على البحر الأحمر إلا أنها دولة محورية في إقليم البحر الأحمر ، حيث تنعكس التفاعلات داخلها على أمن الإقليم وتعانى هذه الدولة بما يشبه الحرب الأهلية منذ إقدام  رئيس الوزراء  أبي أحمد على الدخول في مواجهة عسكرية مع الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي لتتحول هذه الحرب إلى محاولة للتطهير العرقي ضد قومية التيجراى.

تستمر المحفزات الداعمة لعدم الاستقرار مما يزيد من الأعباء على كاهل دول الإقليم وخاصة أن استمرار هذه التهديدات يلقي بتأثيراته المخيفة على التنمية والمقومات الاقتصادية لدول الإقليم وخاصة في القرن الإفريقي، نضيف إلى ذلك، أن إقليم البحر الأحمر من المتوقع أن يشهد نموًا سكانيًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة، حيث يرتفع عدد السكان من حوالي 620 مليون إلى ما يقرب من 1.3 مليار بحلول 2050م، مع ارتفاع مصاحب في الناتج المحلي الإجمالي خلال نفس الفترة من 1.8 تريليون دولار إلى 6.1 تريليون دولار.

إلا أن افتقاد الساحل الإفريقي للإقليم لمقومات التعاون والتكامل بين دول البحر الأحمر مثل البنية التحتية والموانئ التجارية الكبيرة في المياه العميقة. والذي يتزامن مع ثروات طبيعية غير مستغلة واهتمام دولي وإقليمي متزايد بهذا الإقليم، يعمل على مضاعفة أعباء التعاون بين الجانبين، ويزيد من الفجوة بين الشعوب المطلة على هذا الممر المائي الحيوي.

وعلى هامش التمايزات التي تفصل بين جانبي البحر الأحمر تبرز أعمال الجريمة المنظمة مثل تهريب البشر والاتجار غير المشروع في الأسلحة والمخدرات وغيرها من الأعمال الإجرامية التي تعزز التدخلات الخارجية في الإقليم. فعلى الرغم من الحرب المشتعلة في اليمن منذ عام 2015م، تزايدت معدلات الهجرة من القرن الإفريقي إلى اليمن ووفقًا لبيانات منظمة الهجرة الدولية هناك نقطتين رئيسيتين لنقل المهاجرين غير الشرعيين هما أوبوك في جيبوتي وبوساسو في الصومال، ويصل ما يقرب من 62% من هؤلاء المهاجرين من الصومال ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة لعام 2019م، يصل ما يقرب من 10 آلاف شخص شهريًا إلى اليمن من القرن الإفريقي.

ثانيًا – أبعاد مواجهة التهديدات في إقليم البحر الأحمر

في ظل ما تعانيه دول إقليم البحر الأحمر من مصادر مختلفة للتهديدات التي لم تعد تنبع من الإقليم نفسه بل تنتقل عبر نقاط خارجية متنوعة، بات على أصحاب المصالح في الإقليم البحث عن سبل لتعزيز الاستقرار في هذه المساحة الجغرافية التي تحتل مكان استراتيجية متقدمة في السياسات العالمية والإقليمية، حيث يمكن أن تتراوح هذه السبل بين مستويين:

  • المستوى الإقليمي

مع انتشار الصراعات في الشرق الأوسط ومع افتقار هذا الإقليم لسياسات موحدة لمواجهة الأزمات، سعت العديد من دوله لحماية مصالحها وتأمين أهدافها عبر استخدام آراضي إقليم البحر الأحمر على الجانب الإفريقي من خلال بناء عدد من القواعد العسكرية واللوجستية مما زاد من عسكرة هذا الإقليم. إلا أن بناء القواعد العسكرية لم يحول دون تعرض المصالح العربية للتهديد، حيث يتعين على الدول العربية التي تربطها روابط تاريخية بدول القرن الإفريقي السعي إلى تعزيز هذه الروابط عبر عدد من الأدوات أهمها:

  • أ-تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول العربية ونظيرتها الإفريقية لما يحمله هذا التعاون من فرص للحد من الأزمات التي تعاني منها دول البحر الأحمر الإفريقية وبما ينعكس على الاستقرار في هذه الدول التي لديها إمكانيات واسعة للاستثمارات الزراعية والتجارية.
  • ب-السعي إلى تعزيز الاستقرار الداخلي والإقليمي في دول القرن الإفريقي، وقد تبنت المملكة العربية السعودية هذا المنهج حيث قامت برعاية الاتفاق التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا في سبتمبر 2018م، كما بذلت مساعي لتحقيق التقارب بين إثيوبيا والصومال.
  • ج-تنمية التعاون العربي الإفريقي المشترك لحماية مصالح دوله الإقليم، من خلال تفعيل مجلس وزراء خارجية الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر الذي تم توقيع ميثاقه في يناير 2020م، مع السعي لإنشاء هيآت جديدة لتحقيق التكامل والدفاع عن المصالح العربية والإفريقية.
  • المستوى الدولي

نظرًا لحالة الاستقطاب التي يشهدها إقليم البحر الأحمر في ظل المحاولات التي تبذلها القوى الدولية الثلاث (الولايات المتحدة – الصين – روسيا) للنفوذ والاستثمار وتحقيق المصالح داخل دوله، لابد من البحث عن أدوات لتخفيض حدة الاستقطاب الذى يساهم في ارتباك المشهد الأمني والسياسي في الإقليم، مع اتجاه دول الإقليم لفقدان الكثير من ثرواتها وسط حالة الضعف الشديدة التي تعاني منها غالبية دول الإقليم، واختفاء بعضها تحت وطأة المنافسات المتصاعدة بين القوى الكبرى التي يفترض أن تعيد النظر في سياساتها المتبعة في الإقليم ومدى توافقها مع مصالح دوله وشعوبه .   

فعلى سبيل المثال، كان للولايات المتحدة مراجعة سياساتها تجاه القارة الإفريقية وخاصة في القرن الإفريقي وأن استراتيجية الانسحاب من كافة الأزمات الدولية للتفرغ لمواجهة روسيا والصين سوف يزيد من التهديدات على المصالح الأمريكية وخاصة في مناطق الصراعات، فعلى إدارة بايدن تحفيز المحفظة التجارية والاستثمارية الأمريكية المتدنية في إفريقيا، لا سيما في دول البحر الأحمر. كما يتعين على الإدارة تطوير استراتيجية شاملة لتعزيز التنمية الاقتصادية والحكم الرشيد في الإقليم. تقدم مجموعة الدراسة العليا حول البحر الأحمر التابعة لمعهد السلام الأمريكي بعض التوصيات التفصيلية في هذا الصدد، ولا سيما صياغة "استراتيجية إقليمية متكاملة" مدتها خمس سنوات للبحر الأحمر من شأنها أن تربط التخطيط والأهداف بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. سيكون هذا بمثابة خطوة جيدة لتطوير نهج استراتيجي أكثر شمولاً للبحر الأحمر والدول المطلة عليه، وهو نهج أعاقه حقيقة أن لا وزارة الخارجية ولا البنتاجون يعاملان إقليم البحر الأحمر كإقليم واحدة، بدلاً من ذلك. تقسيم المسؤولية بين المكاتب الإقليمية والقيادات المختلفة.

وعلى الرغم من اهتمام الصين بتطوير البنية التحتية في عدد من دول القرن الإفريقي المطلة على البحر الأحمر، إلا أن مخاوف القروض تطارد العديد من هذه الدول وخاصة جيبوتي، ولذلك لابد أن تسعى الحكومة الصينية في إطار تنفيذها لمبادرتها الطموحة الحزام والطريق أن تحمي المصالح الإفريقية أيضًا وأن تعمل على تأمين الدول الصديقة لها من السقوط في الأزمات. كما ينبغي أن تعمل بكين على دعم مصالحها في دول البحر الأحمر عبر آليات اقتصادية وسياسية وأمنية حيث تواجه الصين قصورًا كبيرًا في قدرتها على الانخراط في تسوية الصراعات في هذا الإقليم على الرغم من تفضيل بعض الأطراف والدول للتدخل الصيني عن نظيره الأمريكي أو الغربي بصفة عامة.

أما روسيا والتي تنخرط اليوم في حرب لا يمكن التكهن بنتائجها حتى الآن، من المنتظر أن تصبح القارة الإفريقية وخاصة دول البحر الأحمر ملاذًا لأهدافها للهروب من وطأة العقوبات الدولية والوصول إلى المياه الدولية عبر علاقاتها الاستراتيجية مع دول القارة، لذلك من الأفضل أن تسعى موسكو نحو تفعيل علاقاتها مع دول البحر الأحمر عبر أطر للشراكة مغايرة عن النهج الغربي مما يعزز حضورها في هذا الإقليم.

وفى الأخير، لابد من التأكيد على أن إقليم البحر الأحمر بما يحمله من مقومات وأهمية استراتيجية وجيوسياسية واسعة لن تتمكن دوله من مواجهة التهديدات التي تحيط بها إلا عبر استراتيجيات وطنية شامله مع تعزيز التعاون والتكامل على المستوى الإقليمي وتجاوز الخلافات وخاصة أن النظام العالمي يشهد مرحلة جديدة لإعادة التشكيل بما تطرحه من فرص جديدة لإعادة ترتيب التوازنات الدولية والإقليمية وكذلك الخروج من الأزمات وتسوية الصراعات.

وإذا تمكنت دول البحر الأحمر العربية والإفريقية من تحديد أهدافها في هذه المرحلة ووسائل تحقيقها واتجهت إلى طرح مزيد من الأدوات الجديدة ولعبت أدوارًا بارزة في تشكيل النظام العالمي الجديد ربما يسمح ذلك لإقليم البحر الأحمر بالحصول على دعم غير مسبوق للتخلص من كافة الأزمات والتهديدات.   

مقالات لنفس الكاتب