array(1) { [0]=> object(stdClass)#12115 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 174

تسعى الهند لتُقدم رؤية لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب في السنوات المقبلة

الأربعاء، 01 حزيران/يونيو 2022

في 24 فبراير الماضي، بدأت القوات الروسية شن عملياتها العسكرية على أوكرانيا، وانتشرت أصداء تلك الهجمات في كافة أنحاء العالم وفي نيودلهي أيضًا، حيث أصبحت العاصمة الهندية مركزًا للجهود الدبلوماسية الحثيثة لدعم الطرفين المشاركين في هذا الصراع، ويرجع الصراع الدائر في أوكرانيا إلى الخلافات الأمريكية ــ الروسية حول العضوية المحتملة لكييف في الناتو، خاصة في الوقت الذي تتشارك فيه البلدان حدوداً ممتدة وعلاقات طويلة الأمد ترتبط ارتباطًا وثيقا بتاريخ الشعبين وثقافتهما وسياستهما، ومنذ عام 2008م، أكد الرئيس بوتين مرارًا وتكرارًا للولايات المتحدة أن موسكو تعتبر عضوية أوكرانيا بمثابة تهديد وجودي لبلاده وستتسبب في النهاية في ضم روسيا لشبه جزيرة القرم وتفكيك أوكرانيا، وفي عام 2014م، كررت روسيا هذه الرسالة بشدة قبل أن تضم شبه جزيرة القرم وأصرت على وضع إقليمي دونيتسك ولوهانسك ذوي الأغلبية الروسية في شرق أوكرانيا تحت الحكم الذاتي.

وأضحت القضية الروسية ـ الأوكرانية منذ ذلك الحين قضية مُعقدة وغامضة. ثم حدث بارقة أمل في الفترة من شهر يونيو إلى نوفمبر من العام الماضي، حول إمكانية التوصل إلى حل لهذه القضية التي تؤثر على العلاقات الثنائية بين البلدين والأمن الأوروبي خلال اللقاء بين بوتين والرئيس بايدن، وتلته اجتماعات رفيعة بين المسؤولين الأمريكيين والروس، ما قدم انطباعًا إيجابيًا بأن واشنطن أدركت "الخطوط الحمراء" الروسية.

الحرب والعقوبات الغربية

ورُغم هذه التأثيرات، فبدءًا من نوفمبر الماضي ظهرت مؤشرات تُشير إلى تبني واشنطن موقفًا أكثر تشددًا؛ فلم تُبد قطاعات من المؤسسة الأمنية الأمريكية ارتياحها لنهج الرئيس المتساهل تجاه المخاوف الروسية بل شجعته على اتباع نهجًا صداميًا من خلال زيادة الإمدادات من المعدات العسكرية الفتاكة إلى أوكرانيا، ورفض الوضع الخاص المُقترح للأقاليم في شرق أوكرانيا.

ودفعت المؤسسة الأمنية جو بايدن إلى التأكيد على التزام بلاده بالحفاظ على سيادة أوكرانيا واستقلالها بموجب "ميثاق الشراكة الاستراتيجية" المُبرم مع أوكرانيا في نوفمبر 2021م، والذي يهدف إلى "تعميق اندماج أوكرانيا في المؤسسات الأوروبية الأطلسية"، في إشارة واضحة إلى عضوية البلاد في الناتو.

وعزت موسكو تدشينها لهجومها العسكري إلى ما اعتبرته حشدًا من قبل كييف لقواتها على حدود إقليم دونباس الشرقية واعتزام قواتها العسكرية وضع المنطقة تحت السيطرة الأوكرانية، في انتهاك للاتفاقات السابقة بين البلدين.

وفي ظل تزايد انعدام الثقة المتبادل وتصاعد التحركات العسكرية، رأت موسكو في هذه المرحلة ضرورة حماية المصالح الروسية من خلال شن هجوم وصفته بأنه "رد فعل وقائي".

ويتلخص الجهد الغربي في إطالة أمد الصراع بحيث تصبح روسيا منهكة بشدة، وتفقد في النهاية قدرتها على تهديد المصالح الاستراتيجية الغربية في أوروبا، وإلى جانب الإمدادات لأوكرانيا، فرضت الدول الغربية عقوبات مالية صارمة على روسيا، حيث استبعدت العديد من البنوك الروسية من نظام سويفت، وانسحاب الشركات الغربية من روسيا التي تستثمر في خدمات الشحن والخدمات اللوجستية والطيران والسلع الاستهلاكية والتكنولوجيا.

وفي 8 مارس، أعلنت واشنطن حظرًا على الواردات من الطاقة الروسية لتقويض الاعتماد الغربي على الطاقة الروسية وحرمان موسكو من الإيرادات التي هي في أمس الحاجة إليها، وبعد بضعة أسابيع تعهدت معظم الدول الأوروبية بالالتزام بإنهاء وارداتها من الطاقة من روسيا خلال أشهر قليلة.

علاقات الهند مع روسيا

وفي الوقت الذي وضعت فيه أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون المواجهة مع روسيا في إطار المواجهة بين تحالف الدول الديمقراطية ضد دولة ذات النظام الاستبدادي، كان عليها ضم الهند إلى التحالف من أجل إضفاء المصداقية على هذا النهج، إلا إن الهند كان لها رأي مُغاير، ومما لا شك فيه أن الهند أسست على مدى العقدين الماضيين علاقات وثيقة مع واشنطن، خاصة في مجالي الأمن والدفاع، وعلى سنوات، توطدت هذه العلاقات إلى حد كبير بدعم من المخاوف المتزايدة لنيودلهي بشأن الوجود الصيني المتزايد على الحدود الصينية ـ الهندية، وفي البلدان المجاورة في جنوب آسيا، وفي الآونة الأخيرة في المحيط الهندي أيضًا.

وسعت الهند إلى تعزيز قدرتها الاستراتيجية من خلال الانضمام إلى معسكر أمريكا، حيث أبرمت أربع اتفاقيات لضمان "قابلية التشغيل البيني" لقواتها المسلحة، ووافقت على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأجرت جيوش البلدين تدريبات مشتركة مُتعددة، وأضف البلدان الطابع المؤسسي على هذا التقارب الاستراتيجي من خلال الحوار الوزاري الهندي ـ الأمريكي "2+2" بين وزيري الخارجية والدفاع وكذلك عضوية الهند في "القمة الرباعية"، وهو تحالف حواري أمني يتكون من أربعة أعضاء يضم أمريكا واليابان وأستراليا والهند، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة ما تعتبره الدول الأعضاء في تلك المجموعة تصريحات الصين "العدائية" في المنطقة، لذلك، ربما اعتقدت واشنطن وحلفاؤها في المعسكر الغربي أن الهند سوف تنضم بسهولة إلى تحالفها لشل روسيا.

ويمتد الموقف الهندي المؤيد لروسيا إلى أمد طويل، حيث وصفه نائب مدير برنامج آسيا في مركز ويلسون بواشنطن مايكل كوغلمان بأن "نيودلهي نظرت إلى موسكو دائمًا باعتبارها شريكها الأكثر اعتمادية وموثوقية، وهو التصور الذي شكلته عقود عديدة من الصداقة، التي نشأت منذ بدايات الحرب الباردة".

وبعد فترة وجيزة من استقلالها في عام 1947م، رفضت الهند آنذاك الانضمام إلى الانقسام العالمي في الحرب الباردة وأعلنت التزامها بعدم الانحياز، وعقابًا لنيودلهي على ذلك قررت واشنطن آنذاك الانحياز إلى جارة الهند المعادية -باكستان، وعززت قدرتها العسكرية بأحدث الأسلحة، ودعمت موقفها بشأن قضية كشمير في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية.

وفي مواجهة العداء الأمريكي، كان الاتحاد السوفيتي هو الداعم للهند سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا ضد التحالف الغربي، فيما دعم الاتحاد السوفيتي الهند في قضية كشمير في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من خلال استخدام حق النقض "الفيتو" ضد القرارات المناهضة للهند في الأعوام 1957 و1962 و1971م، وفي المقابل، دعمت الهند الاتحاد السوفييتي في الأعوام 1956 و1968 و1971م، بعد غزوه للمجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان.

وفي الهند، تجاوز الدعم للاتحاد السوفييتي الخطوط الحزبية، ففي عام 1978م، وصف أتال بيهاري فاجبايي، وزير الخارجية آنذاك من حزب بهاراتيا جانا سانغ اليميني، الاتحاد السوفييتي بأنه "الصديق الوحيد الموثوق به للهند"، واستمرت هذه العلاقات الوثيقة في أعقاب الحرب الباردة، ففي عامي 2000 و2010م، وقع البلدان على "إعلان الشراكة الاستراتيجية" و"الشراكة الاستراتيجية الخاصة". ودعمت الهند روسيا في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وامتنعت عن التصويت على القرارات المناهضة لروسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وإلى جانب هذا الدعم المتبادل في المحافل الدولية، أقامت الهند وروسيا علاقات قوية للغاية في المجالات الاقتصادية والدفاعية خلال الحرب الباردة، كما أصبح الاتحاد السوفييتي هو الشريك التجاري الرئيسي للهند وشيد التكتل السوفيتي أُسس التنمية الصناعية في الهند، وخلال هذه الفترة، لبى التكتل السوفيتي الجزء الأكبر من الاحتياجات العسكرية للهند من خلال توفير البنادق والدبابات والطائرات وحاملات الطائرات والغواصات والصواريخ.

وبعد الحرب الباردة، استمرت روسيا باعتبارها المورد الأول للدفاعات الهندية، وبالرغم من اعتماد الهند على التنوع في وارداتها، إلا إن موسكو تُلبي ما يزيد قليلًا عن 50% من متطلبات الهند، وأغلب تلك الواردات مدعومة بنقل التكنولوجيا واتفاقات الإنتاج المشتركة.

ومن أجل تعزيز قدراتها الدفاعية، حصلت الهند على نظام الدفاع الصاروخي الروسي "إس 400"، ما جعلها عُرضة لعقوبات أمريكية محتملة بموجب "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات"، إلا أنه لم تُفرض أي عقوبات على نيودلهي على إثر ذلك حتى الآن.

وعند التعاطي مع تلك الخلفية للعلاقات بين البلدين، يجب عندئذ معرفة نهج الهند في تعاطيها مع الحرب في أوكرانيا.

رد الفعل الهندي الأول على الحرب الأوكرانية

اتضح للقوى الغربية بأن الهند لن تنضم إلى تحالفهم ضد روسيا في اجتماع وزراء خارجية القمة الرباعية في ملبورن في أوائل فبراير، ففي حين انتقد الأعضاء الثلاثة الآخرون -وهم أمريكا واليابان وأستراليا -بشدة حشد روسيا قواتها على الحدود الأوكرانية، رفضت الهند الانضمام إليهم، وأصرت على عدم ذكر الحرب الأوكرانية في البيان المشترك للقمة الرباعية، وهو النهج الذي وصفه الرئيس الأمريكي في وقت لاحق بأنه "هش".

وفي التاسع عشر من فبراير في مؤتمر ميونيخ للأمن، نفى وزير الخارجية الهندي سوبرامنيام جاي شانكار أن تكون القمة الرباعية نسخة آسيوية من حلف شمال الأطلسي، نظرًا لكون ثلاثة من أعضاء القمة حلفاء في المعاهدة، إلا أن الهند ليست حليفًا في تلك المعاهدة.

ووصف شانكار آنذاك المجموعة الرباعية بأنها لا تتأسس بناءً على معاهدة ولا هيكل تنظيمي ولا أمانة عامة، وقال إنها نوع ما من أنواع الاستجابات لعالم أكثر تنوعًا، وأشار في مؤتمر ميونيخ إلى أن الأزمة في أوكرانيا مستمدة من السياسات التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي من حيث توسع الناتو والحراك بين روسيا وأوروبا وروسيا والغرب -ما يوضح فهم الهند للأصول التاريخية للانقسام الحالي بين الشرق والغرب.

وانتقل الصراع إلى الأمم المتحدة، ففي الثاني والعشرين من فبراير الماضي، اجتمع مجلس الأمن الدولي بعد اعتراف روسيا باستقلال الإقليمين الانفصاليين في شرق أوكرانيا، واكتفى الممثل الدائم الهندي عندئذ بإعرابه عن "قلقه العميق" إزاء "تصاعد التوتر" على الحدود الروسية الأوكرانية ورفض الإشارة إلى العمليات العسكرية الروسية.

وبعد ذلك عُرض قرارين على مجلس الأمن في 26 و27 فبراير، وامتنعت خلالهما الهند عن التصويت، وكان القرار الأول برعاية أمريكا سعى إلى إدانة روسيا، في حين كان الثاني مجرد قرار إجرائي يدعو إلى إحالة المسألة إلى الجمعية العامة، وامتنعت الهند عن التصويت في الجمعية العامة على القرار الذي يؤكد سيادة أوكرانيا واستقلالها وسلامتها الإقليمية، وهو القرار الذي أيده 141 عضوًا، في حين امتنع 35 عضوًا عن التصويت، ورفض خمسة أعضاء التصويت.

النشاط الدبلوماسي في الهند

وبعد أن أدركت القوى الغربية موقف الهند من الحرب، كثفت القوى الغربية ارتباطاتها مع الهند طوال شهري مارس وأبريل، واستضافت الهند كبار القادة والمسؤولين من أمريكا وأوروبا وشركاء المجموعة الرباعية اليابان وأستراليا وأمريكا، في حين زار وزراء الخارجية والدفاع الهنود واشنطن لحضور الاجتماع الوزاري "2+2" في نهاية أبريل، وفي مارس الماضي، استقبلت الهند أيضًا وزيرا الخارجية الصيني والروسي لاستشراف آفاق العلاقات، وما بين 2 إلى 4 مايو، زار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ألمانيا والدنمارك وفرنسا من أجل تعزيز علاقات الهند مع الدول الأوروبية في أعقاب موقفها من الصراع الأوكراني.

وتُعد المحاولات التي يبذلها قادة الدول الغربية مع الهند هي محاولة لتخفيف موقفها المُحايد من الحرب الأوكرانية وجذبها للمعسكر الغربي من خلال توجيه "نداءات" تدعو إلى التضامن بين الدول "الديمقراطية" والتركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول "الديمقراطية"، وفي أوقات أخرى، تُقدم تلميحات "إكراه" نحو دفع نيودلهي إليه، وألمحت وكيلة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند إلى علاقات الهند التقليدية مع روسيا، لكنها أصرت على أن "الزمن قد تغير الآن" وأن هناك "تطورًا في التفكير في الهند"، وأوضحت أن الصراع الأوكراني بمثابة "نقطة تحول رئيسي في الصراع بين الديمقراطية والاستبدادية " الذي يتطلب دعم الهند، فيما تبنى نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، سينغ، موقفًا أكثر تشددًا عندما حذر من وجود "عواقب وخيمة" في حال "تحايلت الدول على العقوبات الأمريكية على روسيا أو تجاهلتها"، في إشارة إلى زيادة الهند مشترياتها من النفط الروسي بالرغم من العقوبات الأمريكية، وتطرقت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس إلى موضوع زيادة مشتريات الهند من النفط الروسي، ودعت الدول ذات التفكير المماثل إلى العمل سويًا، وعلق عليها وزير الشؤون الخارجية الهندي بوصف ذلك "أمرًا طبيعيًا" أن تسعى الدول إلى الحصول على أفضل الصفقات لشعوبها، وسلطت تراس الضوء في تصريحاتها إلى ضرورة التضامن بين الدول الديمقراطية "من أجل ردع المعتدين والحد من التعرض للإكراه وتعزيز الأمن العالمي".

وخلال زيارة رئيس الوزراء الياباني كيشيدا للهند، أعرب البلدان عن "قلقهما البالغ إزاء الصراع المستمر والأزمة الإنسانية في أوكرانيا"، لكنهما ركزا اهتمامهما على تعزيز التعاون الاقتصادي، حيث وافقت اليابان على استثمار خمسة تريليونات ين (38 مليار دولار) في الهند على مدى السنوات الخمس المقبلة، وبالمثل، اتخذ رئيسا الوزراء الأسترالي والهندي خطواتهما الأولى نحو إبرام اتفاقية للتجارة الحرة تستهدف الاتفاق مؤقتًا على خفض أو إلغاء التعريفات الجمركية على معظم السلع المتداولة بين البلدين، وأبدى رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون قلقه إزاء القيود التي تفرضها الصين على الواردات من أستراليا، موضحًا أن اتفاق بلاده مع الهند يفتح بابًا كبيرًا إلى الاقتصاد الرئيسي الأسرع نموًا في العالم لصالح المزارعين والمصنعين والمنتجين الأستراليين، بالإضافة إلى العديد من القطاعات الأخرى.

وتكرر ذلك أيضًا خلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون للهند، فقد تجنب الخطاب القاسي المناهض لروسيا أو التعبير عن مخاوفه تجاه الموقف الهندي، وركز بدلًا من ذلك على ضرورة تعزيز العلاقات التجارية والدفاعية، وسعى إلى تنويع علاقات بريطانيا بعد انسحاب بلاده من الاتحاد الأوروبي.

وخلال قمة افتراضية، انطلق الاجتماع الوزاري (2+2) في واشنطن الذي حدد خلاله مودي وبايدن مواقفهما بشأن أوكرانيا، ووصف مودي الحرب الروسية الأوكرانية بأنها "مقلقة للغاية"، وأوضح أنه تحدث إلى رئيسي روسيا وأوكرانيا عدة مرات، وأدان قتل المدنيين، وناشد الرئيسين الدخول في حوار مباشر.

وأبدى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن تفهمه لموقف الهند، وأشار إلى أن علاقات الهند مع روسيا تطورت على مدى عدة عقود في الوقت الذي لم تكن فيه واشنطن قادرة على إبرام شراكة مع الهند، لكنه أوضح أن "الزمن تغير الآن".

وعندما سأل الإعلاميون وزير الشؤون الخارجية الهندي حول مشتريات الهند من النفط الروسي، أوضح أن مشتريات بلاده في شهر واحد تُساوي ما تشتريه قارة أوروبا في عشية يوم واحد فقط.

وفي غضون ذلك جاءت تعليقات بمثابة تهديد من واشنطن ضد الهند، حيث أكد بلينكن أن بلاده تراقب انتهاكات مسؤولي الحكومة والشرطة والسجون الهندية لحقوق الإنسان، وهي التعليقات التي عقب عليها الوزير الهندي بأن بلاده لديها مخاوف أيضًا تجاه الانتهاكات الحقوقية في بلدان أخرى وأنه على دراية بـ"دوائر التأثير ومجموعات الضغط" التي تُحركها.

علاقات الهند مع الصين وروسيا وأوروبا

وفي يومي الرابع والخامس من عشرين لشهر مارس، أثارت زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى الهند تكهنات كبيرة، خاصة في ظل استمرار المواجهة العسكرية في لاداخ، وعدم وجود أي علامة تُشير إلى التخفيف من حدة الأزمة، وجاءت الزيارة لتُبرهن على تمسك الصين والهند بموقف واحد تجاه الأزمة الأوكرانية، حيث رفضت الهند بوضوح الموافقة على الموقف الأمريكي، ما أقنع المراقبين الصينيين بأن نيودلهي تضع قيودًا صارمة لمدى قرب علاقاتها مع واشنطن، وأن التزامها بالاستقلال الذاتي الاستراتيجي ظل راسخًا.

وفي حال كان الحشد العسكري الصيني في لاداخ، بمثابة رد على توقعات بكين بانضمام نيودلهي بشكل لا رجعة فيه إلى المعسكر الأمريكي، فإن التطورات المتعلقة بالحرب الأوكرانية تُقدم للجانب الصيني نصيحة بضرورة إلقاء نظرة جديدة على العلاقات بين الجارتين.

ورُغم أن سياق الزيارة منطقي، إلا أنه لا توجد كثير من المعلومات بشأن المناقشات التي دارت بين وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع محاوريه -وزير الشؤون الخارجية ومستشار الأمن القومي الهندي، وكل ما يتضح من معلومات حتى الآن هو أن المسؤولين الهنود أصروا على تعديل الوضع الحدودي بين البلدين قبل متابعة الجوانب الأخرى للعلاقات الثنائية.

ويرى المحللون أن وانغ قدم بعض الحلول الجديدة لدفع العلاقات الثنائية بين البلدين، فيما يعتقد الدبلوماسي الهندي السابق، كانوال سيبال، أنه في ظل الحرب الباردة الجديدة، من المرجح أن يكون وانغ يي قد أشار إلى "استعداد بلاده لاتخاذ خطوات إضافية لفض الاشتباك وخفض التصعيد" ، ويتفق الأكاديمي الأمريكي تايلور فرافيل مع الدبلوماسي الهندي من حيث أن "الصين ترغب في متابعة إعادة ضبط علاقاتها مع الهند، والعودة إلى الوضع السابق بين البلدين قبل تدهور العلاقات في عام 2020"، حيث يرى أن المصلحة الرئيسية للصين تكمُن في تعزيز علاقاتها مع الهند.

وكانت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى الهند مناسبة لتوطيد العلاقات الوثيقة بين البلدين على الرغم من الضغوط الغربية ضد روسيا، وقال وزير الشؤون الخارجية الهندي شانكار إن بلاده تفضل حل الخلافات والنزاعات من خلال الحوار والدبلوماسية، وأشاد لافروف بالهند في تعاملها مع الوضع الأوكراني ونظرها للقضية برمتها وليس بطريقة أحادية الجانب، منوهًا بأن الضغوط الغربية لن تؤثر على الشراكة بين البلدين، وأوضح أن بلاده مستعدة لتزويد نيودلهي بأي سلع تريد شراءها.

وعكست زيارة مودي إلى ألمانيا والدنمارك وفرنسا خلال الفترة من 2 إلى 4 مايو ثقة الهند بنفسها في صحة وقوة موقفها، حتى في الوقت الذي أشارت فيه إلى اهتمامها بمتابعة علاقاتها، على أساس ثنائي، مع الدول الأوروبية التي كانت جزءًا من التحالف المناهض لروسيا، أما بالنسبة للأوروبيين، فلقد رأوا في تلك الزيارة فرصة جديدة للتعاون مع الهند في المصالح والمجالات ذات الاهتمام المشترك، وأكد مودي ذلك عندما قال إن الشراكة الهندية الألمانية "يمكن أن تكون مثالاً للنجاح في عالم معقد"، وقام بتوقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الدفاع والهجرة والتكنولوجيا الخضراء، كما وافقت ألمانيا على استثمار 10 مليارات يورو في الهند حتى عام 2030م، في تعزيز الطاقة النظيفة.

نظام عالمي جديد

وفي الوقت الذي أصبحت فيه رواية الحرب الأوكرانية تُسرد بشكل دائم تقريبًا من أمريكا وحلفائها، وبعد مرور ثلاثة أشهر، تسرد الرواية الحالية أن المجهود الحربي الروسي أخفق في مواجهة المقاومة الأوكرانية، وأن الاقتصاد الروسي تلقى ضربات متتالية بسبب العقوبات، وأن الصراع تسبب في تقسيم العالم إلى ثنائية جديدة بين الدول ذات النظم الديمقراطية والدول ذات النظم الاستبدادية، لتؤكد أن هذا الصراع أصبح على وشك أن يُشكل النظام العالمي الجديد.

لكن في الواقع فإن كل هذه الافتراضات هي محض كذب، أو في أفضل أحوالها، نصف حقيقة، فالمجهود الحربي الروسي لم يتعثر، بل في الواقع قد حقق بالفعل أهدافه الحربية الرئيسية، ويرى محلل هندي أن الجيش الأوكراني فقد تماسكه، وأصبحت مدنه الرئيسية معزولة عن بعضها، وعانت أوكرانيا من خسائر إقليمية فادحة في دونباس وعلى طول ساحل البحر الأسود.

ويُضيف إن تقسيم أوكرانيا بطول نهر دينفر أصبح قائمًا بالفعل، خاصة مع سيطرة القوات الروسية على الجانب الشرقي.

وكذلك فإن السرد الغربي حول العواقب الوخيمة للحرب على روسيا مغايراً للحقيقة، فلم تلحق العقوبات الغربية أضرارا جسيمة بالاقتصاد الروسي، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط ، حيث شهدت روسيا تدفقات نقدية داخلة جيدة وازدهرت مبيعاتها من المنتجات النفطية، ولم تتضرر إمداداتها من الغاز، إلا إنها قد حُرمت من الوصول إلى نظام "سويفت" العالمي، لكن موسكو لديها بالفعل طرقًا بديلة للمعاملات المالية القائمة على المدفوعات بالروبل، وتجارة المقايضة، واستخدام البنوك الروسية الصغيرة التي لم تُستبعد بعد من "سويفت"، وأخيرًا، إتاحة الوصول إلى "النظام الصيني للمدفوعات بين البنوك عبر الحدود".

وختامًا لذلك السرد، فإن فكرة تشكيل نظام عالمي ثنائي جديد نتيجة للحرب الأوكرانية هو وهم، لا أساس له من الصحة، وهو ما يُمكن تحليله في النقاط التالية:

النقطة الأولى: النزاع الحالي كان مدفوعًا بقوة بسبب عوامل سياسية داخلية في أمريكا، وليس بهدف ردع النظم الاستبدادية في العالم.

كما أن هدف بايدن كان العمل مع بوتين على تعزيز الاستقرار الأوروبي، ومن أجل تحقيق هذه الغاية، كان على وشك قبول منطق الخطوط الحمراء الروسية المتعلقة بأوكرانيا وجورجيا، إلا إن أصحاب المصالح في صناعة الأسلحة يضمرون عداءً قويًا لروسيا، والتي امتزجت مع مخاوف بايدن بشأن انخفاض معدلات شعبيته وسمعته التي ساءت خاصت بعد فشل الانسحاب من أفغانستان.

ومن المؤسف أن نهج واشنطن أصبح الآن يبدو وكأنه يستهدف إطالة أمد الحرب من أجل تشويه صورة بوتين واعتباره بمثابة "سفاح" و"مجرم حرب".

والنقطة الثانية: يراها ريتشارد هاس، الدبلوماسي الأمريكي ورئيس مجلس العلاقات الخارجية، في مقال في مجلة "فورين أفيرز" أن القوى الغربية لم تكشف حتى الآن عن أهدافها من الصراع الأوكراني ، ويُشير هاس إلى أن النهج الأمريكي خلال الحرب الباردة كان يستهدف القبول بأقل من النتائج المرجوة لتجنب تهديد المصالح السوفياتية الحيوية، إلا إنه لم يُشير إلى أن أي توسع إضافي لحلف شمال الأطلسي نحو الشرق يشكل تهديدًا كبيرًا لروسيا ويجب تجنبه.

والنقطة الثالثة: أمريكا عملت على تشكيل النظام العالمي الجديد ثُنائي القطبية على أساس الانتماء الأوروبي طويل الأمد إلى حلف شمال الأطلسي، كما كان الحال دائمًا خلال الحرب الباردة.

ورُغم أن التضامن الغربي حول الناتو يبدو راسخًا في الوقت الحاضر (مع وجود مؤشرات على أنه قد يتوسع مع ضم السويد وفنلندا)، إلا أنه لا يوجد ما يضمن استدامة هذا التضامن، خاصة بعد البيان الهندي الفرنسي المشترك خلال زيارة مودي الأخير، والتي أكد خلالها على علاقة البلدين القائمة على "الإيمان الراسخ بالاستقلال الاستراتيجي" والإيمان بعالم متعدد الأقطاب.

وأمر آخر يُشكك باحتمالية استدامة هذا التضامن، ألا وهو أن استفادة ألمانيا من الصراع الأوكراني من خلال إنشاء صندوق بقيمة 85 مليار يورو لتعزيز قواتها المسلحة، يُثير بالفعل شكوكًا حول صعوبة توقع أن تظل ألمانيا المُعاد تسليحها دولة تابعة طائعة لأمريكا.

ويُعد العامل الأكثر أهمية الذي يُعارض فكرة ثنائية الحرب الباردة الجديدة التي تشكلها الحرب الأوكرانية هو تراجع مصداقية أمريكا كضامن للأمن، ويرجع ذلك إلى حالة الاستقطاب العميق للنظام السياسي التي تشهدها واشنطن، وتزايد تأثير دوائر الضغط المحلية والجماعات ذات المصالح الخاصة، والتغييرات المتكررة في النهج السياسية مع تغير إدارة البيت الأبيض.

والنقطة الأخيرة هي أن فكرة الانقسام بين الدول ذات النظم الديمقراطية والدول ذات النظم الاستبدادية الذي يصفه السرد الغربي بأنه الدافع وراء النظام العالمي الجديد لن يُعيد، حسبما يرى الدبلوماسي الهندي شيفشانكار مينون، تشكيل النظام العالمي ولا ينذر بمواجهة أيديولوجية للدول ذات النظم الديمقراطية ضد الصين وروسيا.

وكما اتضح جليًا في تصويت الجمعية العامة في الثاني من مارس وخلال إدانة الغزو الروسي، فقد امتنع ما يقرب من نصف البلدان الآسيوية والإفريقية عن التصويت أو أنها قد صوتت بالفعل ضد القرار.

ونُعيد التأكيد أنه بالرغم من امتناع دول ذات نظم ديمقراطية مثل الهند وجنوب إفريقيا عن التصويت، إلا أن هناك دول ذات نظم ديمقراطية في أمريكا اللاتينية مثل المكسيك والبرازيل لم تنضم كذلك إلى العقوبات المفروضة على روسيا.

ويختتم مينون قوله بأن مستقبل النظام العالمي لن تقرره الحروب في أوروبا، بل سيقرره التنافس في آسيا، نظرًا للتأثير المحدود الذي قد ينجم عن الحرب في أوكرانيا.

التوقعات بالنسبة للهند

وتنعكس العديد من النقاط التي أثارها مينون على الموقف الهندي من الحرب الأوكرانية، فبالرغم من علاقات الهند الأمنية والاقتصادية الوثيقة مع واشنطن والدول الأوروبية، إلا أنها رفضت التخلي عن استقلالها الاستراتيجي ودعم التحالف الغربي ضد روسيا، واستمرت الهند في التمسك بهذا الموقف على الرغم من أن واشنطن لمحت إلى تطبيق عقوبات على الدول التي تنتهك العقوبات المفروضة على روسيا بموجب "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" او من خلال الانتقادات العلنية لانتهاكات حقوق الإنسان المزعومة في الهند.

وعلى الصعيد الإقليمي، ذكر التحالف الغربي الهند بالتهديد المستمر للصين، وخاصة بعد تزايد التحالف الصيني الروسي، وهو ما قد يترك الهند معزولة وضعيفة، خاصة في غياب الدعم الغربي.

وتمكنت الهند من تجاهل هذه المخاوف لثلاثة أسباب، أولها، ثقتها في استمرار علاقاتها الجيدة مع روسيا، ورأت كذلك أن الانتماء الهندي الروسي إلى رابطة الحوار الأوسع نطاقًا التي تضم المجموعة الثلاثية روسيا والهند والصين وفي مجموعة البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون هي أفضل السُبل لإدارة علاقتها مع الصين.

وثاني تلك المخاوف هو إدراك الهند أن المصدر الرئيسي للمواجهة الحدودية المستمرة مع الصين ترجع إلى اعتقاد بكين أن الاحتضان الأمني الأمريكي للهند هو موجه نحو الصين ولا رجعة فيه، إلا أن نيودلهي قد اتخذت مبادرات بالفعل لتصحيح هذا الانطباع من خلال التقليل من شأن منظمة الحوار الأمني الرباعي المعروفة باسم "كواد" وكذلك تقديمها دعمًا قويًا لروسيا في الأزمة الأوكرانية في مقابل الضغوط الأمريكية المستمرة ضدها، ما مهد بالفعل الطريق للتفاعل الصيني الهندي على أُسس جديدة تستهدف تحسين العلاقات بين الجارتين.

وختامًا، فقد أكدت الهند أيضًا إيمانها بالتعددية القطبية، وبالرغم من معارضتها للغرب في الحرب على أوكرانيا، إلا أن نيودلهي حافظت على ارتباطات راسخة للغاية مع القوى الغربية، مع التركيز على ما يهم كلا الجانبين من حيث تنويع الشراكات الاقتصادية والأمنية -والسعي إلى إقامة تحالفات قائمة على مواجهة التحديات المتنوعة.

ولذلك، ومع محاولات الولايات المتحدة الهادفة إلى تشكيل نظام عالمي جديد ثنائي القطب من أجل الاحتفاظ بهيمنتها العالمية والتي لا تحظى إلا بعددٍ قليل من المؤيدين في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فمن المرجح أن تُقدم الهند رؤية لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب في السنوات المقبلة.

مقالات لنفس الكاتب