array(1) { [0]=> object(stdClass)#12052 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 174

الأداء العربي إزاء المواجهة الراهنة يتسم بالرشادة والتوازن والالتزام بالمصالح العربية

الأربعاء، 01 حزيران/يونيو 2022

على الرغم من وجود أبعاد للصراع الراهن على الأرض الأوكرانية تتعلق بالعلاقات الثنائية بين روسيا وأوكرانيا إلا أن الأبعاد العالمية للأزمة كانت واضحة من البداية، فقد بدا أن السبب المباشر للاحتقان الذي أفضى للعملية العسكرية الروسية هو الرغبة الأوكرانية المُعَززة أمريكياً في الانضمام لحلف الأطلنطي الذي توسع بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي في١٩٩١م، ليضم الدول الأعضاء سابقاً في حلف وارسو الذي مثل البنية التنظيمية للمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوڤيتي رغم الوعود الغربية لروسيا بغير ذلك، ولذلك مهما كانت الأبعاد الثنائية للأزمة لا شك أن لها بعداً أساسياً يتعلق بالصراع العالمي بين الغرب وخصومه الذين تبرز روسيا بين أهمهم، وعندما بدأت العملية العسكرية الروسية في فبراير٢٠٢٢م، سرعان ما تأكدت الأبعاد العالمية للصراع، وهي أبعاد تكتسب عند أطراف الصراع غير المباشرين أهمية أكبر من أبعاده المحصورة في العلاقة بين روسيا وأوكرانيا، وتحاول هذه المقالة تقديم نظرة تحليلية شاملة لهذا الصراع.

 

   أولاً-مصادر الصراع

    لا شك أن فصولاً طويلة يمكن أن تُكْتب في تطور العلاقة بين ما يُعرف الآن بأوكرانيا وبين روسيا عبر مراحل التاريخ المختلفة والتي شهدت سيطرة روسيا على الأراضي الأوكرانية أو أجزاء منها في مراحل معينة، وفي أعقاب الثورة البلشفية١٩١٧م، وانهيار الامبراطورية الروسية أعلنت أوكرانيا استقلالها، لكن حرباً أهلية دامية اندلعت بين الأوكرانيين البلاشفة وخصومهم مما سهل سيطرة الجيش الأحمر على ثلثي الأراضي الأوكرانية في١٩١٩م، فيما سيطرت بولندا على الثلث الباقي، وتم تأسيس جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوڤيتية كإحدى الجمهوريات المؤسسة للاتحاد السوڤيتي في١٩٢٢م، و خضعت أوكرانيا للاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية إلى أن عادت إلى الحكم السوڤيتي بعد دحر النازية، وتوسعت حدودها في١٩٥٤م، بعد أن ضم إليها الزعيم السوڤيتي أوكراني الأصل نيكيتا خروشوف شبه جزيرة القرم، وبعد تفكك الاتحاد السوڤيتي١٩٩١ م، أصبحت أوكرانيا دولة مستقلة، لكن الأزمة لا تعود أساساً للعلاقة التاريخية وتعقيداتها بين روسيا وأوكرانيا وإنما إلى الطريقة التي عوملت بها روسيا بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي من التحالف الغربي، وهي طريقة تشبه كثيراً الطريقة التي عامل بها الحلفاء المنتصرون ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وما انطوت عليه من إذلال سياسي وعسكري واقتصادي وفر بيئة مثالية لظهور الاتجاه القومي المتطرف فيها وبقية القصة معروفة، فعندما يتجاهل المنتصرون أبسط مطالب المهزومين لا يتجاوز الفاصل بين هزيمتهم وتفجر العنف من جديد الزمن المطلوب لإعادة بناء القوة تصحيحاً للأوضاع، وفي الحالة الروسية لم يتوقف الأمر عند تفكك الاتحاد السوڤيتي وإنما قام التحالف الغربي بزعامة الولايات المتحدة بضم كافة الأعضاء السابقين في حلف وارسو رمز الكتلة السوڤيتية إبان الحرب الباردة بالإضافة إلى جمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) التي كانت جمهوريات سوڤيتية أصلاً، وبدأ الحديث عن ضم أوكرانيا وجورجيا، ومن ناحية أخرى بلغ التردي في القوة الروسية مبلغه في ظل رئاسة يلتسين نتيجة الفوضى والفساد وعدم الكفاءة مما جعل التصدي للتطورات السابقة غير وارد، ولا شك أنها أفضت إلى نوع من شعور الشعب الروسي بالهوان خاصة وقد تردى مستوى معيشته على نحو مهين.

 

   وبصعود بوتين إلى قمة السلطة في مطلع القرن الحالي وهو الذي اعتبر تفكك الاتحاد السوڤيتي أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين بدأ عملية التصحيح بالسعي الحثيث لإعادة بناء القوة الروسية، وعبر ولايته التي تقترب الآن من ربع القرن تمكن من إعادة الاعتبار للقوة العسكرية الروسية، وبدا واضحاً أن ثمة خطوات محددة لاستعادة الحضور الروسي في الفضاء السوڤيتي السابق سواء بتحسين الروابط مع عدد من الجمهوريات السوڤيتية السابقة أو بالتدخل وقت اللزوم لضبط التفاعلات فيها وفقاً للمصلحة الروسية كما حدث مثلاً في جورجيا٢٠٠٨بالنسبة لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وكذلك بضم القرم وتأييد الحركات الانفصالية في شرق أوكرانيا في٢٠١٤م، بعد أن أُطيح بالنظام الموالي لروسيا في أوكرانيا، ومن المعروف أن القرم كانت جزءاً من الأراضي الروسية حتى١٩٥٤م، حين ضُمت لأوكرانيا كما سبقت الإشارة، وقد ترتب على هذه الخطوات فرض عقوبات غربية على روسيا لم تفض إلى تعديل سلوكها، وبمرور الوقت توالت التصرفات من نظام الحكم الجديد في أوكرانيا على النحو الذي فاقم من الشعور الروسي بتهديد أمني، ففي مارس٢٠٢١م، على سبيل المثال اعتمدت أوكرانيا استراتيجية عسكرية جديدة تقترح تنظيم خلايا سرية في القرم والمناطق الانفصالية في شرق أوكرانيا، وتتحدث عن حرب "بدعم عسكري من المجتمع الدولي في المواجهة الجيوسياسية مع الاتحاد الروسي"، وفي مؤتمر ميونِخ الأخير للأمن في فبراير الماضي أعلن الرئيس الأوكراني أمام المؤتمر أن بلاده تعتزم "استعادة وضعيتها النووية السابقة" التي تخلت عنها بموجب إعلان بودابست١٩٩٤م،علماً بأنها تملك البنية التحتية المطلوبة لذلك والتي ورثتها عن الاتحاد السوڤيتي، وبعدها مباشرة أدلى بوتين بخطاب شامل عن الأزمة مع أوكرانيا في٢١ فبراير الماضي شرح فيه أبعاد التهديد الذي يمثله انضمامها لحلف الأطلنطي وحديثها عن خيار نووي، وزاد بحديث مستفيض عن نشأة أوكرانيا كدولة مستقلة لأول مرة في ظل الاتحاد السوڤيتي، وقرر كنوع من الرد على التجاهل التام لمطالبه الاعتراف بالجمهوريتين الانفصاليتين في شرقها، ووقع معهما فور انتهاء الخطاب معاهدة دفاع مشترك ثم بدأ العملية العسكرية.

 

    ومن الواضح أن بوتين قد استند في سلوكه إلى مبررات تتعلق بحماية أمن بلاده، وتفسير سلوك الدول من منطلق الأمن القومي شائع بغض النظر عن الموافقة عليه من عدمه، وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة التي تتصدى بضراوة للعملية العسكرية الروسية الآن بنت سلوكها الخارجي عبر الزمن على هذا المفهوم بدءاً من مبدأ مونرو١٨٢٣م، ضد التدخل الأوروبي في الأمريكيتين، وتاريخ السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية حافل بعمليات الغزو، وفي التاريخ المعاصر تبدو أزمة الصواريخ الكوبية١٩٦٢م، نموذجاً مثالياً لما تطالب به روسيا من ضرورة عدم انضمام أوكرانيا لحلف الأطلنطي، فقد رفض الرئيس كيندي آنذاك وضع صواريخ سوڤيتية في الأراضي الكوبية التي تمثل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، غير أن الرشادة سادت آنذاك وتم التوصل إلى تسوية سُحبت الصواريخ بموجبها مقابل ضمانات بعدم التدخل في كوبا، وفي التاريخ القريب غزت الولايات المتحدة العراق بمبررات كاذبة، بل إن القوى الإقليمية تمارس السلوك نفسه كما فعلت إسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي في١٩٨١م، فتصرف الدول انطلاقاً من اعتبارات الأمن القومي أمر مألوف ومستقر في الممارسات الدولية بغض النظر عن الاتفاق معه من عدمه، غير أن ثمة من يتبنى تفسيراً  آخر لما يجري في أوكرانيا الآن، إذ يجب أن تُوَظف في التحليل فكرة "الاستدراج" في إدارة الصراعات التي تذكرنا بالرواية الشهيرة عن السفيرة الأمريكية في العراق قبيل الغزو العراقي في١٩٩٠م، والتي قيل أنها أجابت عن سؤال صدام حسين لها بخصوص الموقف الأمريكي من الأزمة مع الكويت بأن الولايات المتحدة لا تربطها معاهدة دفاع مشترك مع الكويت بما أغراه بالمضي قُدُماً في تنفيذ نية الغزو، والهدف هنا كما يرى أنصار هذا التفسير هو استدراج الخصم إلى موقف يُسَهل مهمة القضاء على قوته، وفي حالتنا يرى هؤلاء أن جوهر الأزمة يرتبط بخط أنابيب نوردستريم٢ لنقل الغاز الروسي لألمانيا ومنها لأوروبا والذي اكتمل بناؤه وكاد أن يُفتتح، وكان من شأن تشغيله أن يُزيد الاعتماد المتبادل بين ألمانيا وروسيا من ناحية، وروسيا وأوروبا من ناحية أخرى، وهو ما تراه الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها، ولذلك فإنها لم تترك فرصة إلا وحاولت تعويقه، ومع ذلك استمر بناء الخط واكتمل وبات جاهزاً للتشغيل.

 

   وعليه يرى أنصار منطق "الاستدراج" أن الخيار الوحيد أمام السياسة الأمريكية لنسف نوردستريم٢ من أجل منع تقارب أوروبي-روسي أكيد كان استدراج روسيا للقيام بعمل عسكري  ضد أوكرانيا ثم الادعاء بأن الانتقام من هذا العمل يفوق أي مصالح اقتصادية وطنية، وهو ادعاء مهم لأن العقوبات التي فُرِضَت لاحقاً على روسيا لا تُلحق الضرر بها وحدها وإنما بأوروبا أيضاً، ولذلك لابد أن يكون هناك مبررًا قويًا لفرضها، وهكذا استُخدمت أوكرانيا لدى أنصار هذا المنطق كطعم لاستدراج بوتين بتشجيعها على استفزازه والتأكيد في الوقت نفسه على عدم التدخل الغربي المباشر تفادياً لحرب عالمية ثالثة، ويؤدي استدراج بوتين للفخ إلى استنزاف القوة الروسية التي تمثل الند العسكري الوحيد للولايات المتحدة عالمياً، ويُقال أنها مارست اللعبة ذاتها إبان رئاسة رونالد ريجان (١٩٨٠-١٩٨٨)  الذي أنهك الاتحاد السوڤيتي بسباق مكلف للتسلح، ومصدر الذكاء في هذه اللعبة لو صحت أن الاستدراج يتعلق بهدف لا يمكن لبوتين أن يتجاهل التهديدات الموجهة له وهو الأمن الروسي حتى ولو كان مدركاً للتكلفة الباهظة للمسار الذي اختاره، ولا يوجد بطبيعة الحال ما يثبت على نحو قاطع هذا التحليل، لكنه يقدم دون شك تفسيراً مُعَززاً بسوابق عديدة في إدارة الصراعات، ويُضاف إلى ما سبق في تحليل مصادر الصراع الراهن أن التاريخ المشترك لروسيا وأوكرانيا قبل الاتحاد السوڤيتي وبعده أوجد حالة من البنية السكانية المعقدة حيث تتراوح نسبة السكان ذوي الأصول الروسية في أوكرانيا بين الربع والثلث، وتتهم روسيا السلطات الأوكرانية باضطهادهم، وبالذات منذ أحداث ٢٠١٤م، التي تم في أعقابها أول استخدام للقوة الروسية على نحو غير مباشر بدخول عناصر ملثمة لشبه جزيرة القرم لم يكن هناك أدنى شك في تبعيتها لروسيا، وقد سيطرت هذه العناصر على مؤسسات شبه الجزيرة، وتم تنصيب حكومة موالية لموسكو وإجراء استفتاء شعبي تلاه ضمها لروسيا في مارس٢٠١٤م، وأثار هذا بطبيعة الحال اعتراضات دولية واسعة، وفُرِضت عقوبات على روسيا، غير أن الأصل الروسي لسكان القرم وأنها أصلاً أرض روسية جعلت الأمر يمر بسلاسة نسبية، وتزامنت هذه التطورات مع احتجاجات وصلت إلى حد الصراع المسلح في "دونباس" بشرق أوكرانيا وسكانها أيضاً روسيو الأصل، وتم إعلان جمهوريتي "دونيتسك"و"لوجانسك" بدعم روسي، وإن حاولت روسيا التوصل إلى تسوية من خلال اتفاقيات مينسك٢٠١٤و٢٠١٥م، غير أنها لم توضع موضع التطبيق حتى اعترفت روسيا بالجمهوريتين عقب خطاب بوتين في٢١فبراير٢٠٢٢م، والواقع أن هذه العمليات التي تتضمن محاولات لتصحيح الحدود السياسية لتتطابق مع الحدود القومية بالغة التعقيد، وتنطوي على عنف أكيد، وكانت مستحيلة إبان الحرب الباردة ونظام الثنائية القطبية حيث كان كل قطب يحمي السلامة الإقليمية لحلفائه، غير أن تفكك الاتحاد السوڤيتي إلى١٥دولة فتح الباب على مصراعيه لإعادة رسم الحدود وفقاً لاعتبارات قومية، فتفككت يوغوسلاڤيا لست دول، وتشيكوسلوڤاكيا لدولتين، وإثيوبيا لدولتين فضلاً عن محاولات لانفصال كويبك (كندا)  واسكتلندا (بريطانيا) وكاتالونيا (إسبانيا) وأكراد العراق، وها هي روسيا تضم المناطق ذات الأغلبية روسية الأصل من أوكرانيا.

 

ثانياً تطور الصراع

       انتهى الجزء السابق إلى تفسير السلوك الروسي تجاه أوكرانيا بهواجس أمنية حقيقية، وأن لهذا السلوك سوابق تاريخية وصولاً إلى التاريخ المعاصر من قوى عالمية وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يعني هذا بالضرورة الاتفاق مع دوافعه ولكنه يؤكد أنها ليست بلا أساس، وقد اختار الرئيس الروسي بوتين استخدام القوة العسكرية لحفظ أمن بلاده من وجهة نظره قائلاً: إن التحالف الغربي لم يترك له خياراً آخر، ولا شك أن استخدام القوة لتحقيق أهداف السياسات الخارجية للدول يجب أن يكون الملاذ الأخير بعد أن تفشل الوسائل الأخرى كافة سواء السلمية منها أو الخشنة كالعقوبات أو التهديد باستخدام القوة نظراً لما يترتب على استخدام القوة من نتائج كارثية، فهل استنفذ بوتين كافة السبل السلمية لتحقيق أهدافه؟ الحقيقة أنه منذ وصوله للسلطة في٢٠٠٠م، يحاول ذلك، و ذكر في خطابه يوم٢١فبراير أنه سأل الرئيس الأمريكي كلينتون أثناء زيارته لموسكو عام٢٠٠٠م،عن موقف بلاده إن طلبت روسيا عضوية "الناتو" فجاء رد فعله متحفظاً للغاية، وفي٢٠٠٨م، قدمت روسيا مبادرة لإبرام معاهدة أمنية أوروبية تقوم على شراكة بين الجميع فرُفِضت على أساس أن المقترح يتضمن تقييداً لأنشطة "الناتو"، وعندما وقعت أحداث٢٠١٤م، في أوكرانيا تم التوصل إلى اتفاقيات مينسك في٢٠١٤و٢٠١٥م، لترتيب الأوضاع في شرق أوكرانيا بما يمنح الحكم الذاتي للجمهوريتين الانفصاليتين في إطار الدولة الأوكرانية، لكن روسيا اتهمت أوكرانيا بعدم الالتزام بها، وفي ديسمبر٢٠٢١م، بادرت روسيا باقتراح معاهدة بينها وبين الولايات المتحدة بشأن الضمانات الأمنية ومسودة اتفاقية حول تدابير للأمن بين روسيا و"الناتو"، لكن الرد جاء مبهماً، وكانت المطالب الروسية تتمحور حول وقف تمدد "الناتو" شرقاً ورفض نشر أسلحة فتاكة على حدود روسيا وعودة الحلف إلى الوضع الذي كان عليه عند توقيع الاتفاق بين روسيا والحلف في١٩٩٧م، ونتيجة انسداد الأفق السياسي وصلت العلاقات بين روسيا والحلف في عامي٢٠٢٠و٢٠٢١م، إلى أدنى مستوياتها وصولاً إلى التحذير من مواجهة بين الطرفين وهو ما يحدث الآن.

 

   ويمكن القول بوجود أهداف تكتيكية واستراتيجية لكل من طرفي الصراع، فالطرف الروسي يهدف تكتيكياً إلى منع أوكرانيا من الانضمام لحلف الأطلنطي وتحييدها عسكرياً واعترافها بضم شبه جزيرة القرم، وبالتأكيد سوف ينسحب هذا لاحقاً على جمهوريتي دونيتسك ولوجانسك اللتين لم يترك المسؤولون فيهما مجالاً لشكٍ في انضمامهما لروسيا بمجرد استقرار الأوضاع بنفس آلية شبه جزيرة القرم أي بإجراء استفتاء يعقبه الضم، وقد تردد كثيراً أن روسيا كانت تستهدف غزو أوكرانيا بأكملها وضمها، وهو ما لم يرد أبداً في الأهداف الروسية المعلنة، وإن كان بوتين قد دعا الجيش الأوكراني مرة للإطاحة بنظام الحكم على أساس أن وجود نظام حكم موالٍ لروسيا أو على الأقل لا يناصبها العداء يلبي مطالبها الأمنية، وعلى الصعيد الاستراتيجي لم يترك الرئيس بوتين مجالاً لشك في أن الهدف هو كسر نموذج الأحادية القطبية الذي ميز النظام العالمي بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي١٩٩١م، وبالنسبة للطرف الأوكراني-الغربي فالهدف التكتيكي هو التحاق أوكرانيا بحلف الأطلنطي بدعوى حماية أمنها، وأما الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة بالذات فهو استنزاف القوة الروسية في الصراع بحيث يتراجع نفوذها الدولي وتختفي من مسرح المنافسة على قمة النظام العالمي كما حدث بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي.

 

   وقد اعتمدت روسيا في تحقيقها لأهدافها على تفوقها العسكري على أوكرانيا، فالجيش الروسي هو الثاني عالمياً ناهيك بقدراته النووية التي تُحَصنه من الهزيمة في حرب تقليدية، أما الجيش الأوكراني فترتيبه الثاني والعشرون عالمياً، وهو ما جعل البعض يتوقع نهاية سريعة للقتال، غير أن هذا التوقع لم يتحقق لسببين أولهما يتعلق بأوكرانيا والثاني بالولايات المتحدة، وبالنسبة للسبب الأول فإن المرتبة٢٢على العالم تعني أن ثمة قدرة على المقاومة قد لا تكون فعالة في مواجهة الصواريخ فائقة السرعة والدقة والقدرة التدميرية، لكنها بالتأكيد يمكن أن تصمد وبالذات في معارك المدن والمواقع الحصينة كما حدث في ماريوبول، أما السبب الثاني والأهم بالتأكيد فيتعلق بالدعم الغربي وأساسًا الأمريكي لأوكرانيا بالأسلحة والمساعدات والمعلومات والخدمات الاستخبارية واللوجستية، فضلاً عن العقوبات الاقتصادية الأوسع من نوعها التي وُقعت على روسيا لتقليص قدرة اقتصادها على مواصلة الحرب بأكبر درجة ممكنة، ناهيك بتوظيف الأداة الإعلامية الغربية لتشويه روسيا وحجب الحقائق التي لا تصب في وجهة النظر الغربية وصولاً إلى منع بث الفضائية الروسية، وهو عمل غير مسبوق في الممارسات الإعلامية الغربية، ومن الصعوبة بمكان معرفة أثر هذه المساعدات على تطور القتال، لكن ما يمكن رصده موضوعياً هو تحقيق روسيا لمعظم أهدافها الخاصة بشرق أوكرانيا وإن بتكلفة تتراوح بين المتوسطة والعالية لا يمكن تقديرها بدقة لغياب المعلومات الموثوق بها، وكذلك تحقيق درجة عالية من التدمير للبنية التحتية العسكرية الأوكرانية وكذلك الأسلحة، وإن كان سيل الأسلحة المتقدمة الذي يتدفق من الغرب ومحاولات تدميره من قِبَل روسيا أولاً بأول لا يترك مجالاً لعمل حسابات المكسب والخسارة بدقة، كما يمكن القول بأن الهدف الخاص بكسر نموذج الأحادية القطبية قد تحقق قبل العملية العسكرية الروسية ولو جزئياً سواء نتيجة لتكرار الهزائم الأمريكية وآخرها الهزيمة في أفغانستان أو الصعود الأكيد للصين أو استعادة الحضور الروسي عالمياً في ظل رئاسة بوتين، غير أنه يبقى للعملية العسكرية الراهنة أنها مثلت أول سابقة لتحدي التحالف الغربي عسكرياً من قِبَل قطب دولي له وزنه وفي مسألة جوهرية كتوسع الحلف، كما أن الصين على الرغم من عدم تأييدها رسمياً للعملية العسكرية الروسية لم تتبن أي موقف معاد لروسيا وامتنعت عن المشاركة في عقابها اقتصادياً، وتمثل الصين دون شك رصيد قوة لروسيا في الصراع الراهن خاصة وأنه ليس من مصلحتها بالتأكيد خسارتها في معركة السباق نحو القمة.

 

   ويبدو إمعان النظر في التأثير المحتمل للعقوبات الاقتصادية على مسار الصراع ضرورياً نظراً لأن من شأن نجاحها تقليص إن لم يكن إنهاء القدرة الروسية على مواصلة الحرب، وثمة ملاحظات ثلاث بالغة الأهمية في هذا الصدد أولها أن خبرة فرض العقوبات الاقتصادية بغرض تغيير السلوك السياسي لدولة ما لا تبدو ناجحة، ويكفي أن دولة صغيرة ككوبا واجهت العقوبات الأمريكية لستة عقود دو أن تؤثر في مسارها السياسي، فما بالنا بدولة كبرى كروسيا بمواردها الضخمة وتقدمها العلمي والتكنولوجي، والواقع أن المثال الوحيد لنجاح العقوبات الاقتصادية في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة يتعلق بالعقوبات التي فُرضت على النظام العنصري في جنوب أفريقيا وأدت إلى تصفيته في تسعينات القرن الماضي، وثمة فروق جذرية بين هذا المثال وبين الحالة الروسية، فقد كان ثمة إجماع دولي على عقاب النظام العنصري في جنوب إفريقيا بينما يغيب الإجماع في حالتنا، ويكفي أن دولاً كالصين والهند والبرازيل وعديد من دول أمريكا اللاتينية وآسيا وكل الدول العربية والإفريقية لا تشارك في هذه العقوبات مما يؤثر بداهة على فاعليتها، كما أن نظام جنوب إفريقيا العنصري كان يواجه نضالاً مدنياً شاملاً من الأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا بينما أشارت تقارير إلى زيادة شعبية بوتين في روسيا بعد العملية العسكرية، والملاحظة الثانية أن العقوبات مفروضة على روسيا منذ ضمها للقرم في٢٠١٤م، ومع ذلك لم يثنها هذا عن عمليتها العسكرية الراهنة، بل لقد حفزها على تطوير اقتصادها، ولعلنا نلاحظ الآن صمود العملة الروسية بل وتحسن وضعها بعد أن اهتز لمدة قليلة في بدايات العملية العسكرية، أما الملاحظة الثالثة فهي أن الغرب يألم لهذه العقوبات كما تألم روسيا نتيجة مكانتها في مجالي الطاقة والغذاء بالإضافة إلى تصدير بعض المعادن والأسمدة والمنتجات التكنولوجية المهمة، وبالتالي فإذا كان هناك من يُعول على أن تؤدي العقوبات إلى تغييرات داخلية في روسيا نتيجة المصاعب المعيشية المترتبة على العقوبات فإن ذات العقوبات يمكن أن تفضي إلى تغييرات في التحالف الغربي بسبب التضخم وارتفاع الأسعار غير المسبوقين، وإذا كانت التغييرات في روسيا يمكن أن تأخذ شكل حالة من عدم الاستقرار فإنها قد ترتبط في حالة التحالف الغربي بتغييرات سياسية داخلية في أعقاب انتخابات بسبب تغير مزاج الرأي العام، أو تفاقم تململ دول أوروبية لمعاناتها من العقوبات، والواقع أنه من المستحيل في ظل تعقد الموقف الراهن وتشابكه وغياب المعلومات الكاملة الصادقة أن نتوصل إلى استشراف دقيق لمستقبل الصراع، غير أنه يكاد أن يكون من المؤكد أن روسيا لن تُهزم وإنما قد تكون تكلفة النصر عالية على نحو يحد ولو إلى حين من نطاق حركتها الفاعلة في الساحة العالمية على اتساعها وإن رسخت وضعها كقطب عالمي لا يمكن تجاهل مصالحه أو الاستخفاف بها.

 

 

ثالثاً-التداعيات على النظام العربي

    من البديهي أن يكون للصراع العالمي الراهن تداعياته على العالم ككل، ومن المهم إمعان النظر في خصوصية هذه التداعيات بالنسبة لنا، ومن الصعوبة بمكان تحديدها بدقة بينما لم تتضح بعد الملامح النهائية للمواجهة الراهنة، غير أن ثمة افتراضات يمكن إثارتها لحفز النقاش حولها والتحسب لما تظهر صحته منها، ويمكن وضعها بالاستعانة بتحليل النظم الذي يُفسح المجال لتأثير المتغيرات العالمية والإقليمية على النظام العربي، فإذا بدأنا بالمستوى العالمي رأينا أن الصراع الحالي قد أكد الطابع التعددي لقيادة النظام العالمي، وهو أمر إيجابي للدول المتوسطة والصغيرة ومنها الدول العربية لما يتيحه من درجة أكبر من حرية الحركة، وبالإضافة لذلك ترتبت على الصراع أزمات في أسعار الطاقة والغذاء، ويختلف تأثير أسعار الطاقة على الدول العربية بحكم أن الدول المصدرة لها ستستفيد من ارتفاع الأسعار بينما تُضار منه الدول المستوردة، ويُضاف لذلك زيادة الوزن الدولي للدول المصدرة بحكم تعاظم أهميتها في المحاولات الغربية لخنق روسيا، أما أزمة الغذاء فكل الدول العربية إزاءها سواء وإن بدرجات متفاوتة، وعلى الصعيد الإقليمي. يبدو أن الصراع الحالي يقلل من تركيز أطرافه على القضايا الإقليمية كما حدث مثلاً بالنسبة لتخفيض أعداد القوات الروسية في سوريا، وهو ما يعني زيادة محتملة في أدوار القوى الإقليمية الثلاث الرئيسية المحيطة بنا، ويُضاف لهذا احتمال تعثر المرحلة الأخيرة من إحياء الاتفاق النووي مع إيران، والأزمة الأخيرة في العلاقات الروسية-الإسرائيلية، وعليه فلابد من التحسب لهذا كله، وهو موضوع مهم جدير بأن يُبحث تفصيلاً، ومن الأمور التي تدعو للتفاؤل أن الأداء العربي حتى الآن إزاء المواجهة الراهنة يتسم بالرشادة والتوازن والالتزام بالمصالح العربية، فقد رفضت كبريات الدول العربية المصدرة للنفط وعلى رأسها السعودية أن تشارك في المواجهة على حساب مصالحها الوطنية، وحاولت الدول العربية بنجاح ملحوظ أن تتبنى موقفاً متوازناً تجاه الأزمة ينبع من مصالحها كما بدا في اجتماعات مجلس وزراء الخارجية العرب وما أعقبها من اتصالات بأطراف الصراع، وكذلك في نموذج التصويت العربي على إخراج روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ويبقى ضرورياً الاهتمام بالسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، وهو هدف قديم وحيوي على جدول الأعمال العربي آن له أن يحظى بالاهتمام الواجب.

مقالات لنفس الكاتب