array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 177

أمريكا تضعف روسيا ثم احتوائها لإجبار الصين على عدم المشاركة في الحرب

الأحد، 28 آب/أغسطس 2022

ليس من المتوقع أن يستقر الوضع الدولي على حالة واحدة وأبدية، سواء في تربع دولة واحدة على عرش الدولة الأولى في العالم، أو في بقاء مجموعة من الدول متحكمة بمصير العالم إلى ما لا نهاية، لم يحدث ذلك في التاريخ ولا الحاضر ولن يحصل في المستقبل، لأن الدول مثل البشر كما يقول ابن خلدون، تولد صغيرة وتنمو وتكبر إلى سن الرجولة ثم الهرم والموت، وهذا أمر مصدق في التاريخ البشري بدليل انهيار الامبراطوريات القديمة في الشرق والغرب مهما طال عمرها، لذلك فإن ما يحدث من دخول الدول في حروب ضد بعضها بعضاً، أو في حروب عالمية إنما لفتح الطريق لهذا التغيير في أعمار الدول ومكانتها السياسية والدولية.   

وبعد انتهاء الحرب الباردة في مطلع التسعينات من القرن الماضي، سعت أمريكا لتوسيع التحالف العسكري الغربي في الناتو، بينما خلال أربعين عامًا قبلها لم يكن هناك حاجة إلى تغيير في التحالفات العسكرية أو توتيرها، وبعد سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حماية روسيا الاتحادية من الانهيار، أو سعيه لإعادة روسيا إلى المسرح الدولي، فإن ذلك جعل الغرب وحلف شمال الأطلسي العسكري الغربي (الناتو) يحذرون من مشاريع بوتين العسكرية وتوسعاته الجغرافية في القرم وغيرها، وجعلهم يخططون لإيقافه أولاً، وإضعافه ثانياً، وذلك بإدخاله في حرب استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي، قد لا تنتهي إلا بنهاية عهد بوتين أولاً، ثم جعله ذريعة لإضعاف روسيا ثانيًا، وجعل أوروبا كاملة تابعة للقيادة الأمريكية عسكريًا وسياسيًا في القرن الحادي والعشرين ثالثًا.

أثر الحرب الروسية الأوكرانية على التغيرات الدولية:

إن الحرب الروسية على أوكرانيا اليوم هي من أكبر الأسباب التي قد تدفع إلى تغيرات دولية كبيرة، قد يكون من بينها تغيراً حاسماً في النظام العالمي الذي حكم العالم بعد الحرب العالمية الثانية 1945م، وأسس نظام الأمم المتحدة.

لقد وجد في السنوات الماضية رغبة أوروبية للاستغناء عن حلف الناتو العسكري وإنشاء حلف دفاعي أوروبي خاص قادته ألمانيا وفرنسا، وقد تعزز ذلك في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (2016-2020م)، الذي طالب أعضاء الناتو الأوروبيين زيادة نسب مشاركتهم المالية في الناتو، وقد نجح ترامب جزئيًا في ذلك، ولكن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" قد رجحت المحافظة على الناتو وعملت على تقويته بوصفه ذراعًا عسكريًا بيد أمريكا للسيطرة على أوروبا والعالم معًا، وجعل جيوش الدول الأوروبية في مقدمة حروبها مع روسيا والصين وضد كل دولة طامحة بترأس العالم في المستقبل، فالاستراتيجية الأمريكية التي وضعت عام 1985م، هي إبقاء الهيمنة العسكرية الأمريكية على العالم في القرن الحادي والعشرين.

وقد تأكد لأمريكا صحة رؤيتها لإبقاء قيادتها لأوروبا سياسيًا وعسكريًا بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، وجاء مؤتمر قمة الناتو الأخير منتصف يونيو (حزيران) 2022م، في مدريد بعد أربعة أشهر من حرب روسيا على أوكرانيا، لإعادة النظر في بناء قوة الناتو والتأكيد على أهمية توسيعه جغرافياً وتقويته عسكرياً، لأن كل أطراف الناتو من الدول الأوروبية وأمريكا وكندا قد اكتشفوا حاجتهم الماسة لزيادة تضامنهم في مواجهة التهديدات الروسية المتفاقمة، وأعلنت قمة الناتو على تصميمها للرد على الهجوم الروسي على أوكرانيا، كما أكدت أهمية تعاون الشركاء في منطقة آسيا والمحيط الهادي وغيرهما، في معالجة التحديات الأمنية المشتركة.

كان تأسيس حلف الناتو العسكري عام 1952م، وكان توسيعه الأكبر في بدايات تسعينيات من القرن الماضي بعد انهيار حلف وارسو الروسي، مما أشعل مخاوف روسيا الاتحادية من الناتو مرة أخرى، حيث أن معظم الدول المنضمة للناتو كانت أعضاءً سابقين في حلف وارسو المنحل، وبذلك أحيطت روسيا الاتحادية بالدول المعادية، أو بالدول غير الصديقة على أقل تقدير، وهي تملك أسلحة وترسانة عسكرية سوفيتية مشابهة للترسانة العسكرية الروسية، وكان ضم القرم إلى روسيا الاتحادية عام 2014م، القشة التي قصمت ظهر البعير على مستوى العلاقات بين الدول الغربية وروسيا على وجه التحديد.

يرى بوتين وهو رئيس أكبر دولة في مساحتها الجغرافية وأغناها في الموارد الطبيعية أنه يتعرض لأطماع غربية، وأن الناتو يقترب أمنياً إلى حدوده الغربية، وهذا أحدث قلقًا كبيرًا لدى موسكو، حاولت القيادة الروسية توضيحه وشرحه للدول الغربية، بينما كانت الأخرى تحرص على جعل روسيا الاتحادية تدخل في حرب فعلية ومدمرة.

وقد وجدت روسيا أن فرصتها سانحة في منع انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وأنها أمام الخطوة الأولى والأساسية لمنع الغرب التمركز على أراضيها ـ المختلف عليها في أوكرانيا ـ وبالأخص في إقليم دونباس، وقد وجدت روسيا بالثقل القومي الروسي في إقليم دونباس سبباً مشروعاً للقيام بما تطلق عليه عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا، وقد وضعت لها خططًا عسكرية لتنفيذ ذلك، ولكنها واجهت صعاباً كبيرة في الشهر الأول من الحرب، مما اضطرها إلى تعديل خططها العسكرية وتعديل أهدافها منها، وهو ما أطمع الناتو بها أكثر ودفعه إلى استمرار الحرب وتغذيتها لإضعاف روسيا مهما طال مدى الحرب زمنياً أو كلفة عسكرية ومالية واقتصادية.

وروسيا اليوم ليست أمام خيار التراجع عن عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا قبل تحقيق أهدافها، إلا مرغمة وهي لم تصل لهذا الحد حتى الآن، وبتاريخ 31 تموز/يوليو 2022م، وقع الرئيس بوتين على مرسومين للعقيدة العسكرية للبحرية الروسية والأسطول الروسي، كجزء من إجراءات تتعلق بمواجهة كافة التهديدات على حدود روسيا، وبالأخص في المجال البحري، فالعقيدة العسكرية الروسية الجديدة تعتبر التحرك الأمريكي القريب من حدودها تحديًا للأمن الروسي، وتشدد على استراتيجية الدفاع البحرية، سواء التي تعسكر في الموانئ الروسية أو تحت مياه البحر، وتنص على تعزيز مكانة روسيا في البحار وتعزيز الاستراتيجية العسكرية البحرية الروسية في البحر الأسود والبلطيق وبحر أزوف، وقال إننا نمتلك صواريخ قادرة على الدفاع عنا، وليس لها مثيل في العالم، وأنه عازم على منع تقدم الناتو نحو البنية الروسية.

لم تكن أوكرانيا من دول حلف الناتو قبل غزوها من روسيا، وقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي مرارًا أنه ليس من هدف أمريكا أن تقاتل لتحرير الأراضي الأوكرانية المحتلة، وأن أمريكا لا تعمل لإضعاف حكم فلاديمير بوتين، وهذه الرؤية أطلقها وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر، وهذه تصريحات ينبغي فهمها على أنها جزء من الاستراتيجية الأمريكية نحو أوروبا بشقيها الشرقي والغربي، وأن الحرب الأوكرانية قد أشعلت الصراع بين شقي أوروبا وربما تقسيمها مرة أخرى، سواء أثناء الحرب أو بعدها، وإن كانت أمريكا تعمل وبمساعدة حلفائها على فرض نظام عالمي جديد دون روسيا ولا الصين.

إن روسيا دولة أوروبية كبيرة، لم تستطع الاستمرار في منافسة أمريكا على قيادة العالم في المرحلة السوفيتية، وقد كان من مشاريع الرئيس الأخير للاتحاد السوفيتي ميخائيل غوربتشوف في كتابه: برنامج التغيير لروسيا (البيروسترويكا) عام 1989م، أن يكون دور روسيا القادم هو دور الشقيق الأكبر للدول الأوروبية، ليس عسكريًا ولا أمنيًا في المرحلة الأولى وإنما اقتصاديًا واجتماعيًا وتشكيل وجهة النظر الواحدة للعالم أجمع، وقد كان لقاء الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مع الرئيس السوفيتي ليونيد بريجنيف عام 1972م، نقطة الانطلاق لإحداث تفاهمات واتفاقيات بين الشرق والغرب، وعلى أساس السعي إلى التقارب بين الدول الأوروبية، جرى على أساسها تأسيس اتفاقية هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي، التي وقعت مبادئها الأولى في الأول من آب/أغسطس عام 1975م.    

وبالرغم من أن اتفاقية هلسنكي منذ تأسيسها قد أرست عشرة (10) مبادئ تحكم سلوك الدول تجاه مواطنيها وتجاه بعضها بعضاً، إلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا تعتبر الخرق الأكبر لمبادئ تلك الاتفاقية، لقد حددت وثيقة هلسنكي المبادئ الأساسية لإقامة علاقات جديدة في القارة الأوروبية وهي: المساواة في السيادة، واحترام حقوق السيادة الوطنية لكل دولة، وحصانة حدودها ووحدة أراضيها وسلامتها، وحل الخلافات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية بما فيها حرية التفكير والمعتقدات، والمساواة بين الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وترسيخ مظاهر التعاون بين الدول وتنفيذ الالتزامات والتعهدات الدولية بما ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي، وتضمنت الوثيقة مجموعة من الإجراءات سعت إلى تدعيم الثقة العسكرية بين الدول المشاركة مثل الإبلاغ المسبق عن المناورات العسكرية التي ستقام في القارة الأوروبية، وتحديد هدف المناورات وزمانها والدول وعدد القوات المشاركة فيها، وتبادل المراقبين والخبراء العسكريين للاشتراك في هذه المناورات.

وفي الجوانب الأمنية والعسكرية أكدت الوثيقة على ضرورة الربط بين الأمن السياسي والعسكري، وبين أمن كل دولة من دول المؤتمر وأمن القارة الأوروبية، والربط بين أمن القارة الأوربية والأمن العالمي وأمن منطقة البحر المتوسط، وأكدت أهمية المفاوضات وسيلة لتسوية الخلافات بين الدول وتبادل وجهات النظر.

هذه الاتفاقية قد ضُربت في مقتل، ولكن ليس من المتوقع أن يعلن عن موتها، بل سيتم الدعوة إلى الاحتكام إليها كخطوة أولى، ومن الممكن أن يتم إضافة بنود إليها تعالج الثغرات التي انتهكت في الحرب الروسية على أوكرانيا.

 الموقف التركي من الاحتواء الغربي لروسيا والصين:

تدرك الحكومة التركية أن وضعها الجيوسياسي حرج للغاية مع كل أطراف النزاع، وبالأخص على مستوى مشروع الدول الغربية لاحتواء روسيا والصين، فتركيا وإن كانت عضوًا مهمًا في حلف الناتو من جيشها وأمنها القومي، فإنها كذلك بالنسبة للناتو نفسه، حيث بدا إصرار الدول الأوروبية وأمريكا على تلبية مطالب تركيا للموافقة على عضوية فنلندا والسويد لحلف الناتو، وفي ذلك دلالة أن الناتو وإن لم يضمن وقوف الجيش التركي مع الحلف في حالة دخوله في حرب مع روسيا أو الصين، إلا أنه لا يريد أن يخسر تركيا لصالح أعدائه، بل ويعمل بكل وسائله وضغوطه لجعلها جبهة أساسية وقوية لحماية وسط أوروبا والشرق الأوسط أيضًا.   

وكذلك فإن روسيا ومنذ نشوء الحرب مع أوكرانيا لم تصدر أية تصريحات معادية لتركيا، ولقاء بوتين مع أردوغان في طهران أثبت رغبة روسية لتفهم المطالب التركية للقيام بعملية عسكرية شمال سوريا لإقامة منطقة آمنة بعمق 32كم، فالموقف الروسي كان أقل حدة في رفض العمل العسكري التركي في سوريا من إيران، وإن لم يعلن موافقته على العملية التركية، ولعل توقيع اتفاقية نقل الحبوب من الموانئ الأوكرانية عبر الوسيط التركي بموافقة روسية وإشراف الأمم المتحدة يدل أيضًا على أن روسيا وافقت على إرضاء تركيا للقيام بهذا الدور الذي يعود على تركيا إيجابيًا من الناحية الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، حيث أصبحت تركيا سيدة في إدارة الحركة البحرية في البحر الأسود.

إن تركيز العمل الدولي بين أمريكا وروسيا والصين يدور منذ سنوات حول دول شرق آسيا وجنوب شرق أوروبا ودول المحيط الهادئ، وقد زارت "عزرا زيا" نائبة وزير الخارجية الأمريكي العاصمة القيرغيزية (بشكيك) في منتصف أبريل/نيسان الماضي، والتقت عددًا من المسؤولين هناك، وأشارت إلى استعداد الجانب الأمريكي لتوقيع اتفاقية تعاون جديدة مع قرغيزستان، وكذلك جاءت زيارة الرئيس الأمريكي بايدن للشرق الأوسط يوليو /تموز 2022م، لبناء شراكة جديدة مع أهم الدول العربية بحكم أهميتها الجيوسياسية، حيث أن ممرات الشرق الأوسط المائية ضرورية للتجارة العالمية، وأن مواردها من الطاقة حيوية للتخفيف من التأثير على الإمدادات العالمية لحرب روسيا في أوكرانيا، وقال سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي إن زيارة بايدن للشرق الأوسط أكدت دور الولايات المتحدة "الحيوي" بالمنطقة، وأشار إلى أن هذا الدور سيكون مختلفًا عما كان عليه الوضع قبل زيارة بايدن، أما الرئيس الأمريكي بايدن فقد أعلن بنفسه أن هدف زيارته للشرق الأوسط:" يدور حول وضع أمريكا مرة أخرى في هذه المنطقة من أجل المستقبل، لن نترك فراغا في الشرق الأوسط تملؤه روسيا والصين، نحن نحقق نتائج في هذا الصدد".

ويرى رئيس قيادة الأركان الأمريكية "مارك ميلي" بتاريخ 24 تموز/يوليو 2022م، وهو في زيارة إلى العاصمة الأندونيسية جاكارتا:" أن الصين تواصل بناء قوتها العدوانية في السنوات الخمس الماضية، وأن الصين تحاول توسيع نفوذها في منطقة المحيط الهادئ".

إن كثافة الزيارات الأمريكية تظهر مدى إدراك أمريكا للتحديات التي تواجهها في هذه المرحلة المضطربة قبيل توقعات لقيام أمريكا بحروب إقليمية وعالمية مع روسيا والصين، فالرئيس الأمريكي بايدن أعلن صراحة أنه يرفض أن ينتشر النفوذ الروسي أو الصيني في مناطق النفوذ الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط وغيرها.

إن الحكومة التركية تدرك ذلك وتشاهده وتتقاطع معه إيجابيًا وسلبيًا في توثيق علاقاتها الدولية مع روسيا والصين ومع دول الشرق الأوسط والدول الإفريقية والدول الأوراسية والدول الناطقة بالتركية وغيرها، ولكن أهمها ما تذهب إليه من توطيد للعلاقات مع روسيا اقتصاديًا وعسكريًا، فتركيا تعتمد على روسيا في موضوع الطاقة وإنتاج الكهرباء من المفاعلات النووية كثيرًا، والتزود بأحدث الأسلحة الروسية مثل منظومة الصواريخ الروسية س400، والتي أثارت الكثير من المشاكل مع وزارة الدفاع الأمريكية والبيت الأبيض والكونغرس معاً، والعروض الروسية العسكرية تتوالى على تركيا بما فيها طلب طائرات بيرقدار التركية من قبل روسيا وغيرها، وهو ما يفرض على تركيا الحفاظ على التوازن والحياد لحين ترجيح كفة على أخرى.

مرجعية نظام الأمن والتعاون في مرحلة الاحتواء المزدوج:

إن أمريكا قد لا تكون معنية اليوم بالتفكير بالنظام الدولي القادم، إلا إذا نجحت في احتواء روسيا والصين، وتعمل بصدد ذلك لجمع أكبر عدد من الدول لتكون في تحالف معها في حربها القادمة مع روسيا قبل الصين، فهي تراهن عليها أولاً في النظام الدولي الحالي، وبانتصارها سيكون بديلاً عن النظام الدولي الحالي.

إن تأسيس نظام دولي جديد سيحتوي على الكثير من مخلفات النظام الدولي السابق، والتركيبة الجديدة للمجتمع الدولي لن تكون مختلفة كثيرًا عما أنشئ وتشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والأرجح أنه ستمر فترة زمنية ليست بالقصيرة على حالة عدم الاستقرار للوضع الدولي، لأن أمريكا والدول الغربية لن تكون مستعجلة للدخول في حرب عالمية ثالثة، فثمانية عقود سابقة في الحرب الباردة وما بعدها تؤكد أن وزارة الدفاع الأمريكية لن تتهور في حرب يجري فيها تبادل ضربات صاروخية دقيقة أو نووية مع روسيا أو الصين أو غيرهما، وأن البنتاغون لن يعلن الحرب على روسيا أو الصين إلا بعد التأكد من انهيارهما العسكري.

والأرجح أن تعمد أمريكا إلى مواصلة إضعاف روسيا أولاً، ثم توجيه ضربة قاضية لها أو احتوائها دون ضربة عسكرية قاصمة، مما سيضطر الصين إلى التراجع عن المشاركة في حرب عالمية، وتفضيل بناء علاقات جديدة مع أمريكا، وهذا سيعني نوعاً من الاحتواء الأمريكي للصين، فالقيادات العسكرية بين هيئة الأركان الأمريكية ونظيرتها الصينية في حالة تواصل دائم، حتى لو تجاوزت القيادات السياسية في البلدين، كما حصل في الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2020م، حيث أخبرت قيادة الأركان الأمريكية نظيرتها الصينية أنها لن توجه لها ضربة عسكرية في تلك المرحلة إطلاقًا.

والأرجح أن تتمكن أمريكا من التفاهم مع القيادة الصينية سياسيًا، أو عدم التصادم معها، أو توريطها في حروب إقليمية مع تايوان واليابان وإندونيسيا وأستراليا وغيرها، تشارك فيها أمريكا والدول الغربية بالدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي.

وعند التفكير في مرجعية نظام الأمن والتعاون في مرحلة الاحتواء لروسيا والصين فإن المرجعية هي نفس النظام الدولي القائم مع ما تفرضه قوانين الطوارئ في حالة نشوب حروب معلنة، أو في حالة سن قوانين عقوبات من أمريكا والدول الأوروبية ضد روسيا بصورة متلاحقة، يكون الهدف منها تقييد حركة روسيا والصين في الساحة الدولية بحرية، سواء بتحريك أموالها أو مبيعاتها الخارجية، كما تحاول أمريكا فرض أسعار للنفط الروسي التي تشتريه الدول الأوروبية منها بسعر ثلاثين (30) دولاراً أمريكياً على سبيل المثال، أو منع تأمين السفن التي تنقل النفط الروسي إلى الصين أو إلى الهند أو إلى غيرهما، بحصر حقوق التأمين على السفن البحرية الخاصة بنقل النفط على شركة بريطانية واحدة في العالم كله، وهذا سيحد من حرية تصدير روسيا لنفطها إلى الأسواق العالمية عن طريق البحر.

ومن المرجح أن تتمكن أمريكا والدول الغربية وقوة حلف الناتو العسكرية من احتواء روسيا والصين بصعوبة في المرحلة المقبلة، لأن هذه الدول غنية في مواردها الذاتية أولاً، وقد أعدت نفسها لمثل هذه العقوبات الاقتصادية ثانياً، وهذا ما سيطيل مرحلة الاحتواء أولاً، وما يفرض على أمريكا والدول الأوروبية أن تمتلك نفساً طويلاً في صراعها معهما أيضاً.

كما أن أمريكا ستكون مطالبة بتقديم تنازلات للدول التي تخلت عنها أو عن أمنها في السنوات الماضية، والعمل على إعادتها إلى النفوذ الأمريكي وحصار الانتشار الروسي والصيني فيها، وهذا ما كان من أهداف زيارة الرئيس الأمريكي بايدن إلى السعودية في تموز 2022م، وعقده مؤتمر قمة مع تسع دول عربية في مدينة جدة، وإذا تمكنت أمريكا من تشكيل تحالفات سياسية ذات فاعلية عسكرية عند الضرورة من دول المراكز الإقليمية العالمية، فإنها ستكون أكثر قدرة على احتواء روسيا والصين في المستقبل، حتى ولو اضطرت لكشف المقربين منها غير المعلنين مثل سوريا وإيران، وتقوية بعضهم عسكريًا على مستوى عال من الأسلحة الذكية والنووية.

ومن الصعوبات التي سوف تواجهها أمريكا في مرحلة الاحتواء أن روسيا والصين سوف تعملان بسياسات معاكسة دوليًا أيضاً، فالرئيس الصيني أبلغ الرئيس الأمريكي بايدن هاتفيًا يوم الخميس 28 تموز/يوليو 2022م، أن تصنيف أمريكا للصين على أنها دولة معادية غير مقبول، وطالب الرئيس الصيني بمواصلة فتح قنوات الاتصال مع أمريكا، وأضاف الرئيس الصيني أن من يلعب بالنار ستحرقه وأنه يأمل أن تفهم أمريكا ذلك.

والآليات التي سوف ينشغل العالم بها هي إعادة التأطير لبناء الدول الطبيعية وإرساء منظومات للعمل الأممي والدولي والإقليمي، وتأسيس منظمات دولية تتولى التنسيق وعرض مشاريع المواثيق والقوانين الدولية الجديدة.

لقد مرت البشرية في تجربة فاشلة مع منظمة عصبة الأمم لمدة زمنية قصيرة بين الحربين العالميتين، ثم انتقلت بفعل نتائج الحرب العالمية الثانية إلى مرحلة الأمم المتحدة والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، وإن كانت البشرية لا تزال تعيش هذه المرحلة مكرهة، لأن الدول الخمس الكبرى لا تمثل أكثر من سدس عدد سكان العالم، ومع ذلك فإن السعي لتأسيس نظام عالمي جديد سيكون أكثر صعوبة من سابقيه، بحكم تضخم الوعي البشري كثيرًا، وبحكم وسائل التواصل والاتصالات الحديثة، وبحكم أن البرلمانات العالمية ستكون أكثر فاعلية في المشاركة بصياغة ميثاق عالمي جديد.

أثر محاولات الغرب لاحتواء روسيا والصين على الشرق الأوسط:

قد يتمخض عن ذلك حالة طويلة الأمد من عدم الاستقرار الأمني والعسكري على مستوى العالم أجمع، إضافة إلى معاناة كبيرة في تأمين مصادر الطاقة بأسعار محتملة لمعظم دول العالم وشعوبه، وأيضًا تأمين الغذاء، وعدم الدخول في مجاعة طويلة لكثير من دول وشعوب العالم الثالث، التي ستعاني كثيرًا دون أن تكون لها مصالح ذاتية فيما يجري.

وعملية الاحتواء الأمريكي والغربي لروسيا والصين ستدفع العديد من الدول الإقليمية إلى توثيق علاقاتها وتحسين ظروفها أمام تبادل تجاري أقوى، ومواجهة التحديات التي قد تعجز الحكومات عن تأمينها من طاقة أو غذاء أو عمالة أو غيرها، فدول الخليج العربي ستجد نفسها أمام تحديات متصاعدة تتطلب منها تعاونًا أكبر في حماية شعوبها وأجوائها وبيئتها.

 الخاتمة:

إن الفكرة الأساسية التي تدفع الدول الكبرى لإحداث تغيرات دولية هي مخاوف الدول على نفسها وأمنها وحدودها، فروسيا والصين لم تستطيعا بناء تحالف عسكري بينهما، وقد كانتا لعقود غير بعيدة دولا متحاربة، والتحالفات العسكرية الأخرى غير الناتو عاجزة عن إحداث تغيير للنظام الدولي القائم، وحلف الناتو يجد نفسه الآن أمام خيار واحد بالدفاع عن دوله والأمن العالمي، وبالتالي لن تقوم حرب جزئية على فرض تغيير في النظام الدولي أو كسر مبدأ القطب الواحد، كما تحاول روسيا، لأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست وحدها في قيادتها للعالم، بل هي قائد للعالم الغربي بكل مقوماته الاقتصادية والفلسفية والعسكرية والأمنية وغيرها.

والحرب الروسية الأوكرانية كسرت تفاهمات هلسنكي، وخيارات الحروب في المستقبل قاسية ولكن التراجع عنها أكثر قسوة، وهكذا تجد الحروب العالمية طريقها لتفرض سنن التغيير نفسها على الجميع.

مقالات لنفس الكاتب