array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

4عقبات تواجه "السقف السعري" لخامات روسيا و3 خيارات أوروبية لتعويض الغاز

الأربعاء، 28 أيلول/سبتمبر 2022

يشهد العالم اليوم توترات سياسية نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع منسوب التوتر في منطقة بحر تايوان وعدم الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط أثرت بصورة كبيرة على أسواق النفط والغاز وأمن الطاقة العالمي، حيث تعاني أوروبا من أسوأ أزمة طاقة منذ عقود، بعدما أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي والكهرباء إلى ارتفاع كبير في معدل التضخم وتدهور قيمة اليورو بشكل غير مسبوق، ويهدد بسحب الاقتصادات الأوروبية إلى دائرة الركود مع تقليص روسيا إمدادات الغاز الطبيعي لأوروبا مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا.

     سنتناول في هذا المقال مستقبل أسواق الطاقة على ضوء التوتر الدولي القائم وتأثير ذلك على نفط دول مجلس التعاون الخليجي، مع إلقاء الضوء على الخيارات الخليجية في سقف الإنتاج وجهات تصدير النفط والغاز، وكذلك الاستراتيجية الأمريكية / الأوروبية للتعامل مع الطاقة وتوفير احتياجات هذه الدول على ضوء نقص الإمدادات الروسية، مع بيان الاستراتيجية الروسية للتعامل لإمدادات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد الأزمة، وكذلك موقف روسيا من تحديد سقف إنتاج (أوبيك +)، مع توضيح الضوابط والشروط اللازمة لتأمين إمدادات النفط العالمية.

أولاً-أسواق الطاقة العالمية في ضوء التوتر الدولي:

    شهدت أسواق الطاقة العالمية تحولات جوهرية بعد قيام الحرب الروسية / الأوكرانية في فبراير 2022م، حيث تخطى سعر برميل النفط سقف (100) مليار دولار، كما ارتفعت أسعار الغاز بأكثر من 60%، حيث قارب سعر الغاز الطبيعي الأوروبي في 26 أغسطس حده الأقصى التاريخي البالغ 345 يورو للميغاوات/ ساعة المسجل في مارس في بداية الحرب الروسية/  الأوكرانية، الأمر الذي أثر على أسعار السلع والخدمات لاسيما الوقود والكهرباء، وقاد بالتالي لرفع معدلات التضخم بشكل لم تشهده الدول الأوروبية منذ أربعة عقود خلت، حيث من المتوقع أن يتجاوز الــــ (10%) عام 2022م.

    وغني عن البيان، فقد استهلت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في أوروبا تعاملات الأسبوع الأول من شهر سبتمبر بالارتفاع، بعد قرار روسيا وقف ضخ الغاز عبر خط نورد ستريم 1 إلى أجل غير مسمى، بدعوى رصد تسرب في محطة (بورتوفايا) لضغط الغاز. ويُهدد القرار الروسي بتصاعد أزمة الطاقة في أوروبا، وقد يدفع الاقتصاد إلى حالة ركود ويعطل الصناعات الثقيلة في القارة العجوز. ومباشرة بعد إعلان روسيا إيقاف ضخ الغاز، ارتفعت أسعار الغاز في أسواق العالم بنسبة 30%، ووصلت إلى ارتفاع نسبته 400% مقارنة مع السنة الماضية.

   وتجدر الإشارة إلى ارتقاع سعر العقود الآجلة الهولندية، وهي العقود القياسية للسوق الأوروبية بنسبة (35%) بعد إعلان شركة غاز بروم الروسية المصدرة للغاز الطبيعي الروسي بتاريخ 2 سبتمبر 2022م، استمرار توقف الضخ عبر خط نورد ستريم 1، في ظل صعوبات تواجه الاتحاد الأوروبي لجمع احتياطات كافية تمكّنه من الاستغناء عن واردات الغاز الروسي خلال الشتاء القادم، من دون إحداث نقص في المخزونات الاستراتيجية. ليواجه التكتل الاقتصادي الأكبر في العالم واحدة من أخطر التحديات منذ تأسيسه قبل ثلاثة عقود. وكانت أوروبا تعول على الإمدادات الروسية التي تلبي 40% من احتياجاتها من الغاز لعبور شتاء هذا العام على الأقل.

شكل (1) التوزيع النسبي لصادرات الغاز الروسي

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على بيانات جهاز الإحصاء الأوروبي  

  وقادت سياسة (صفر كوفيد) الصارمة في الصين إلى إبقاء مدن كتشنغدو، في حالة إغلاق، مما حد من حركة الناس وقلص الطلب على النفط في ثاني أكبر مستهلك في العالم. كما أدى ارتفاع الدولار الأمريكي، الذي زاد بنحو 11% من مطلع العام 2022م، إلى الضغط أيضاً على أسعار النفط، حيث يتم تسعيرها بالدولار الأمريكي، لذا فإن الدولار القوي يجعل الخام أكثر تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.

    سجلت أسعار النفط ارتفاعاً أكثر من المتوقع بتعاملات يوم 14 سبتمبر، بعد صدور بيانات تشير إلى نمو مخزونات النفط الأمريكية.وارتفعت العقود الآجلة لخام "برنت" لشهر نوفمبر ببورصة لندن بواقع 1.04 دولارات ما نسبته 1.12٪ مسجلة 94.2 دولار للبرميل.كما ارتفعت أسعار العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط لشهر أكتوبر في بورصة نيويورك التجارية 1.12 دولار ما نسبته 1.28٪ لتسجل 88.43 دولار للبرميل.وانخفضت مخزونات البنزين بواقع 1.77 مليون برميل، فيما نواتج التقطير ارتفعت بواقع 4.22 مليون برميل.وتوقع المحللون انخفاضًا بمقدار 1.6 مليون برميل في مخزونات البنزين وبقاء احتياطيات نواتج التقطير عند مستواها الحالي.من جهة أخرى خفضت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري من توقعاتها لارتفاع الطلب على النفط بمقدار 100 ألف برميل يومياً ليسجل مليوني برميل خلال العام 2022م.

ثانياً-الخيارات الخليجية بشأن سقف الإنتاج ووجهات التصدير:

  تُعد دول مجلس التعاون الخليجي أحد اللاعبين الكبار في سوق النفط والغاز ومن الجهات المؤثرة في تحديد أسعار الطاقة العالمية، حيث تمتلك أكثر من ثلث الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط الخام (37.45%).

جدول (1) الاحتياطيات المؤكدة من النفط الخام في دول مجلس التعاون الخليجي" مليار متر مكعب "

المصدر: منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول " أوابك" التقرير الإحصائي السنوي 2021، الكويت، 2021، ص 8-9

 

كما يشكل إنتاج دول مجلس التعاون من النفط الخام الذي تخطى (20) مليون برميل يومياً حوالي (22.4%) من إجمالي الإنتاج العالمي لعام 2021 البالغ قرابة (90) مليون برميل من النفط الخام.

 

جدول (2) إنتاج النفط الخام في دول مجلس التعاون لعام 2021" ألف برميل يومياً "

Source British Petroleum, bp Statistical Review of World Energy 2022, 71st edition 2022, P. 15

   وتجدر الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون قد استطاعت خلال تبنيها لدبلوماسية ناجحة للطاقة عبر عملها في إطار تحالف أوبك بلس من المحافظة على استقرار أسعار النفط بما يضمن عدم تحقيق انتكاسات سعرية.

   أما فيما يتعلق بالوزن النسبي لصادرات دول مجلس التعاون من النفط الخام على الصعيد العالمي، فقد اقتربت هذه الصادرات من ثلث الصادرات العالمية للنفط الخام عام 2021م، وهذا يعكس الدور المؤثر لهذه الدول في السوق العالمية لتجارة النفط الخام، وتشكل الصادرات السعودية ما نسبته (15.7%) من إجمالي الصادرات العالمية من النفط الخام لعام 2021م.

جدول (3) صادرات النفط الخام لدول مجلس الخليجي لعام 2021

Source British Petroleum, bp Statistical Review of World Energy 2022, 71st edition 2022, P. 28

 

    وغني عن البيان، فإن الفكر الاقتصادي السعودي ورؤيته لتوازن أسواق النفط، يحظى بدعم من معظم منتجي النفط حيث تتفق الإمارات مع تفكير السعودية بشأن أسواق النفط. وأشارت المملكة، إلى إمكانية تطبيق تخفيضات بالإنتاج لتحقيق التوازن في سوق النفط التي وصفتها بأنها تعاني من " انفصام". وحظي تصريح وزير الطاقة السعودي بشأن استعداد «أوبك» للتدخل وإعادة التوازن في سوق النفط بموجة من الدعم، وأدلى كل من العراق والجزائر وليبيا وكازاخستان وأذربيجان وفنزويلا والكونغو وغينيا الاستوائية بتصريحات مماثلة، الأمر الذي سهل على اتفاق أوبك + لتخفيض الإنتاج بمعدل (100) ألف برميل يومياً في مطلع أكتوبر 2022م.

 وما لا شك فيه ستستفيد دول مجلس التعاون الخليجي من المقاطعة الأوروبية للنفط والغاز الروسي، حيث من المتوقع أن يرتفع حجم صادرات النفط الخليجية لدول الاتحاد الأوروبي، كما سيرتفع حجم تصدير قطر للغاز إلى أوروبا بعد التوسع في حجم الطاقات الإنتاجية من الغاز، واستكمال ألمانيا بناء محطات الاستقبال، وإعادة الضخ لدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

ثالثاً-الاستراتيجية الأمريكية الأوروبية للتعامل مع ملف الطاقة:

   تبذل إدارة الرئيس جو بايدن جهوداً لتنفيذ فكرة "السقف السعري" التي اتفق عليه في اجتماع مجموعة السبع في يونيو المنصرم عبر لقاءات دبلوماسية مع الصين ودول الاتحاد الأوروبي والهند، ضمن محاولاتها لتشكيل قناعة بنجاح الفكرة. كما أن مجموعة السبع تدرس جميع الخيارات الممكنة لمنع روسيا من الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة، بما يشمل منع نقل النفط الروسي ما لم يتم شراؤه بسعر محدد أو أقل من ذلك.

   ووفقاً لمعهد بروغيل للدراسات الاستراتيجية البلجيكي، يستهدف مقترح "السقف السعري" للنفط الروسي تحديد سعر محدد للخامات الروسية في الأسواق، عبر آلية حظر التأمين على الشحن والناقلات النفطية التي تحمل الخامات الروسية وحظر التمويل المصرفي. وهذا المقترح سيساعد على تحقيق هدفين هما:

الهدف الأول: خفض الأرباح التي تحصل عليها موسكو من مبيعات النفط، والتي دعمت مجهودها الحربي في غزو أوكرانيا ومكّنتها من مقاومة العقوبات الغربية.

الهدف الثاني: فتح "نافذة محكومة الدخل" تسمح بتمرير الخامات الروسية إلى الأسواق العالمية وتلافي مخاطر الحظر الأوروبي الكامل للنفط الروسي ومشتقاته التي ربما تكون لها تداعيات خطيرة على ارتفاع أسعار الخامات النفطية العالمية وتقود إلى "ركود تضخمي" في الاقتصادات الرأسمالية الكبرى.

      ومن نافلة القول، فإن موعد حظر الاتحاد الأوروبي استيراد النفط الروسي بواسطة الناقلات، في الخامس من ديسمبر يقترب، وستعلن مجموعة السبع سقفًا لأسعار النفط الروسي. في الوقت نفسه، لن يكون من الممكن التعويض عن فقدان الإمدادات من روسيا بالكامل. ووفقاً لمختلف التسريبات، يمكن أن يتحدد سقف السعر عند 48 دولاراً للبرميل.

    من الناحية النظرية، يمكن لروسيا الصمود تحت السقف أعلاه. حيث وضعت موازنتها الفدرالية من دون عجز، انطلاقاً من سعر للنفط يتراوح بين 40 و42 دولاراً للبرميل. ومع ذلك، ففي هذه الحالة، قد تنشأ حالة يتم فيها شراء كل النفط الروسي بهامش ضخم. فما الذي يجب أن تفعله السعودية، في هذه الحالة؟ هل تبيع أيضاً نفطها بأقل من 50 دولارًا؟ هذا السعر لا يوافق موازنتها.

   وتراهن الدول الغربية على نجاح تنفيذ الشركات الروسية لمشروع "السقف السعري" حيث أن روسيا لن تتوقف عن ضخ النفط للأسواق الدولية، لأن إغلاق حقول النفط الروسية سيكون مكلفاً لها وسيضطرها لمواصلة الإنتاج والتصدير.  وإغلاق الحقول يهدد عادة بحدوث إعطاب في بعض الحقول النفطية، لاسيما الحقول التي تقع في منطقة سيبيريا. ومما يزيد الأمر سوءًا أن روسيا ليست لديها خزانات أرضية كبيرة، كما هو الحال بالنسبة للصين أو الولايات المتحدة، وبالتالي ستضطر إلى مواصلة الإنتاج وضخ النفط.

  والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل الطريق معبدة نحو تحديد السقف السعري للنفط الروسي؟  بالتأكيد هناك الكثير من العقبات التي تواجه هذا المشروع، حيث أشارت دراسة لمعهد بروغيل، إن هناك أربع عقبات تواجه تنفيذ "السقف السعري" للخامات الروسية تتمثل بالآتي:

1-إن الحظر الحالي على تأمين شحنات النفط الروسية ربما لا يكون ذا جدوى، لأن دولة كالصين ستمنح تغطية تأمينية للشحنات النفطية الروسية. كما أن الهند أنشأت شركات في "مراكز أوفشور" لتأمين شحنات النفط الروسي وتأمين الناقلات التي تحمل إليها النفط الروسي الرخيص. وتشير الدراسة إلى أن بعض الدول ربما تسمح بمرور الشحنات الروسية عبر ممراتها ومضائقها المالية وتغامر بالعقوبات الغربية بقصد الحصول على النفط الرخيص.

2-في حال تطبيق مقترح "السقف السعري" على النفط الروسي بدرجة مثالية، فإن الدول التي تستفيد من استيراد الخامات الروسية الرخيصة ربما تلتف على العقوبات الغربية. ومثالاً على ذلك، فإن دولة كالهند تشتري السلاح من روسيا. وفي هذه الحالة سيكون من الصعب على الدول الغربية، من الناحية القانونية، تحديد ما إذا كان جزء من هذه المدفوعات للسلاح أم للنفط.

3-هناك قلق غربي بشأن ردة فعل الدول الأعضاء بمنظمة "أوبك" على مشروع "السقف السعري"، وبالتالي ربما تعمل "أوبك" على عرقلته وضمان عدم نجاحه، لأنها تتخوف في حال نجاحه من تطبيقه مستقبلاً عليها من قبل الدول المستهلكة الكبرى.

4-إن هناك أخطاراً في أن تقوم روسيا بخفض إنتاج النفط أو وقف الإنتاج كلياً لفترة محدودة، وتستخدم احتياطاتها المالية في المقابل لتلبية الإنفاق، بهدف خلق أزمة إمدادات في السوق النفطية الغربية. وفي حال حدوث مثل هذا الاحتمال، فإن أسعار الخامات النفطية ربما تقترب من 200 دولار للبرميل، وتحدث أزمة اقتصادية ومالية عالمية.

    أعلن الاتحاد الأوروبي عن بلوغ هدف تخزين 80% من حاجياته من الغاز بحلول بداية سبتمبر، على أن يواصل التخزين ليصل إلى نسبة 90% في نوفمبر القادم. وتجاوزت نسبة التخزين في عدد من الدول الأوروبية نسبة 80% واقتربت من 90%، كما هو الحال بالنسبة لفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبولندا والدانمارك، والتشيك وإسبانيا والسويد.

   ونجد أن خطة المفوضية الأوروبية لتعويض الغاز الروسي ستعتمد على ثلاثة خيارات:

الخيار الأول: “ممر الغاز الجنوبي"، الذي يمر عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا واليونان وبلغاريا وألبانيا والبحر الأدرياتيكي، وسيتم تسليمها إلى إيطاليا عبر خطوط أنابيب. ووفق معطيات المفوضية الأوروبية فإن هذا الخط بدأ بالفعل في ضخ 10 مليار متر مكعب من الغاز نحو أوروبا، ومن المتوقع أن يصل إلى أقصى مستوى (10.5 مليارات متر مكعب من الغاز) بحلول نهاية 2022م.

 الخيار الثاني: الاعتماد على البحر الأبيض المتوسط كمنصة من أجل وصول الغاز نحو أوروبا، وهنا تتحدث المفوضية الأوروبية عن كل من الجزائر ومصر وقبرص، لتوريد الغاز إما عبر أنابيب الغاز أو عبر استيراد الغاز الطبيعي المسال.

الخيار الثالث: استيراد الغاز الطبيعي المسال وتخزينه، وهنا تحدد المفوضية الأوروبية 3 مصادر أساسية، وهي الولايات المتحدة وقطر وشرق أفريقيا. كما أعلنت ألمانيا عن بناء 3 محطات عائمة لتخزين الغاز، مع العودة للاعتماد على الطاقة النووية، والتخلي عن قرار إغلاق 3 محطات نووية. كما بدأت دول أوروبية أخرى مثل النمسا وبولندا وهولندا واليونان في إعادة تشغيل محطات الفحم.

    ومن نافلة القول فالخيار الوحيد أمام الدول الأوروبية لتجاوز الاعتماد على الغاز الروسي، هو خفض الاستهلاك الأوروبي بنسبة تتراوح ما بين 10 و15%، وفي الحالة الألمانية سيكون عليها خفض استهلاك الغاز بنسبة 20%، خلال الأشهر الستة المقبلة لتجاوز هذه الأزمة.

رابعاً-الاستراتيجية الروسية للتعامل لإمدادات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد الأزمة

 إحدى أهمّ نقاط القوة التي تمتلكها روسيا في صراعها مع دول الاتحاد الأوروبي، يتمثل في ارتباطها بأوروبا عبر مجموعة من خطوط الأنابيب التي تستطيع ضخّ كمّيات كبيرة من الغاز تلبي معظم حاجات أوروبا من الغاز بكلفة متدنّية مقارنة بمصادر أخرى.

    ويشير تقرير لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف المستقل بأن قيمة صادرات روسيا من الوقود الأحفوري خلال 6 أشهر منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا بلغت 158 مليار يورو، وأن الاتحاد الأوروبي كان المستورد الرئيسي بقيمة 85 مليار يورو.  وأن ألمانيا كانت أكبر مستورد للغاز الروسي بين دول الاتحاد (19 مليار يورو)، تلتها هولندا (11.1 مليار يورو)، ثم إيطاليا (8.6 مليارات يورو).

شكل (2) المستوردين الكبار للغاز الروسي للفترة من 24 فبراير لغاية 24 أغسطس 2022 " مليار يورو

المصدر: تم إعداد الشكل من الباحث بالاعتماد على بيانات: Center for Research Energy and Clean Air

 

    ومن نافلة القول بأن قرار روسيا الأخير بحظر تصدير الغاز لأوروبا وسياسات الترشيد في استهلاك الطاقة أدى على انخفاض الأهمية النسبية لروسيا في سوق الطاقة والغاز الأوروبي، حيث انخفضت نسبة التجهيز من (40%) قبل الحرب إلى (9%) في الوقت الحاضر.

   ومع توجه أوروبا للاستغناء عن الغاز الروسي تحاول روسيا وضع خطة للبحث عن أسواق جديدة من خلال عقد اتفاقات مع دول آسيوية لتجهيزها بالغاز والنفط، ويمكن إيجاز أهم الخيارات المتاحة أمام روسيا لتصدير النفط والغاز بالتالي:

1-زيادة الطاقات التصديرية للصين:

  وقعت كل من شركة "سويوز فوستوك" لأنابيب الغاز الخاصّة وشركة "غاز بروم"، اتفاقية لتنفيذ أعمال التصميم والمسح كجزء من بناء خط أنابيب الغاز الذي سيمتدّ من روسيا إلى الصين عبر منغوليا. سيسمح هذا المشروع بإمداد ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى الصين.

2-تصدير الغاز لإيران:

بيع الغاز الروسي لإيران بأسعار منخفضة، حيث أن الأرضية متاحة لإيصاله عبر خطوط الغاز الممتدة بين كل من إيران وروسيا والأخرى بين تركمانستان وأرمينيا وأذربيجان وروسيا، حيث أن إيران كانت تصدر الغاز إلى روسيا حتى قبل الثورة الإيرانية وأنه يمكن استخدام تلك الأنابيب لنقل الغاز الروسي إلى شمالي إيران، ومن ثم إعادة بيعه بأسعار مغرية للعراق وتركيا وباكستان وعمان.

3-تصدير النفط الخام لإندونيسيا:

  يمكن تصدير النفط الخام الروسي لإندونيسيا لتعويض الضغوط المتزايدة من ارتفاع تكاليف الطاقة فيها، التي بدأت تشكل ضغوطاً على الحكومة الأندونيسية.

4-تصدير النفط للهند

  تخطط روسيا لزيادة حصتها من سوق النفط الهندي، التي ارتفعت من أقل من 400 ألف برميل يوميًا في عام 2021 إلى أكثر من 900 ألف برميل يوميًا في الوقت الحاضر، لتشكل المورد الثاني للهند.

    وفي الختام نقول بأن المشهد العالمي لأسواق الطاقة العالمية معقد وفق ما أشارت إليه الرؤية السعودية وهو مقبل على تطورات دراماتيكية في ظل تعنت جميع أطراف الأزمة الروسية الأوكرانية، وستبقى أسعار النفط والغاز في مستويات عالية، وستوفر المزيد العوائد المالية لدول مجلس التعاون التي يمكن توجيهها صوب الاستثمارات الحقيقية في الداخل والخارج لتحقيق أهداف استراتيجية التنويع الاقتصادي التي أكدت عليه الرؤى المستقبلية لدول مجلس التعاون.

مقالات لنفس الكاتب