array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

فتح نقاش مباشر مع القوى الصديقة المؤثرة للوصول لوفاق يحقق المصالح المشتركة

الأربعاء، 28 أيلول/سبتمبر 2022

مقدمة من المفارقة الإيجابية  أن كاتب هذه السطور قد صدر له كتاب في سلسة عالم المعرفة مبكرًا وكان في ( أبريل 1982م)  بعنوان ( النفط و العلاقات الدولية ) وعالج الكتاب في وقتها القضايا المطروحة  والساخنة بعد ( ثورة أسعار النفط) كما كانت تسميها الصحافة العالمية، أو  كما نسميها وقتها في المنطقة ( معركة تصحيح الأسعار)، و التي حدثت بشكل تدريجي بدأ من الثلث الأول من سبعينات القرن الماضي، وقتها كانت مرحلة انتقالية بين سيطرة شركات النفط العالمية على هذه المادة الهامة وهي الغاز والنفط ولعقود منذ اكتشافها والأسعار المدنية التي تدفع فيها، وبين أن تسترد الحكومات ثروتها والتحكم  في الإنتاج حسب مصالحها الوطنية. بداية المعركة كانت مناصفة في الأرباح، ومن ثم تطورت حتى تم الاستيلاء الكلي على إنتاج النفط والغاز لصالح الحكومات والشعوب، لم يكن تقبُل الأفكار التي طالب بها الكتاب في ذلك الوقت بسهولة، ولكن ثبت بعد ذلك أن ما قدم من تحليل تحقق على أرض الواقع بعد سنوات. كان ذاك الزمن صعبًا، فقد أطلقت تلك المعركة بين الدول والشركات شرورًا كثيرة، وكان من بينها بناء تكتل ( في الغالب غربي) لمواجهة ما عرف ( بارتفاع الأسعار) غير المقبول من جانب المنتجين، والاستفادة من مشهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود في الكثير من الدول الغربية، كي تستخدم من أجل حشد الشعور المناوئ للدول والمجتمعات المنتجة، وخاصة العربية، وكانت ردود الفعل الغربية متنوعة منها الضغوط الناعمة، ومنها الخشنة والتي وصلت إلى درجة ( تغيير بعض الأنظمة) كما يعتقد أنه حدث في إيران ، وبعض دول أمريكا الجنوبية المنتجة للنفط.

 تعاملت الدول الخليجية في تلك المرحلة بصورة مرنة على طريقة (لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم) وبذلك مرت من خلال تعقيدات الأزمة بأقل التكاليف، ولكن أسعار النفط منذ وقتها شهدت (صراعًا طويلاً) في السوق العالمي، بين ارتفاع كبير في مراحل، وانخفاض ضخم في مراحل أخرى، حتى توصل المنتجون إلى تنظيم أنفسهم، بعد جهد دبلوماسي مشهود، فيما عرف لاحقًا بـ (أوبك بلس) من أجل الدفاع عن مصالحهم، وفي نفس الوقت عدم تجاهل متطلبات المستهلك في العالم وفي الغرب على أكثر تحديدًا. لقد تعلم الطرفان في المعادلة (المنتجون للطاقة) و(المستهلكون) على أن هناك (مصالح مشتركة) يجب العناية بها، فإن كان سعر الطاقة (النفط والغاز) قد ارتفع، فإن المنتج الغربي في مختلف السلع المنتجة عندهم قد ارتفع مضاعفًا أسعاره بأكثر من نسبة صعود أسعار الطاقة.

إلا أن الساحة التي دارت عليها المعركة لم تكن اقتصادية فقط، بل كانت أيضًا ساحة سياسية بامتياز، لذلك فإن ما يؤثر فيها ليس فقط (أدوات السوق التجاري) ولكن أيضًا (عوامل المصالح الوطنية).

 

مخزون الطاقة

من المعروف أن 57% من احتياطات النفط المؤكدة، وأكثر من ثلث الإنتاج العالمي يتمركز في دول الخليج، كما أن الاضطراب في كل من ليبيا والعراق، وهي دول منتجة، والعقوبات على إيران، وهي دولة منتجة أخرى (الاضطراب في هذه الدول) جعل من نقص الإمدادات حقيقة شعر بها الاقتصاد العالمي والغربي على السواء، لذلك ازدادت أهمية معرفة سياسات الدول وخاصة التي تنتج وتحتفظ بمخزون ضخم من الطاقة.

وعلى خلفية الديناميكيات التي أفرزتها الحرب الروسية / الأوكرانية منذ نهاية فبراير 2022م، وتصاعد المخاوف كلما ارتفعت الحدة الصراعية بين الغرب الأطلسي وروسيا وحلفاؤها وخاصة إيران والصين، عاد موضوع أمن الطاقة إلى صدارة الاهتمام، ليشغل من جديد مراكز البحث والمهتمين بالعلاقات الاقتصادية الدولية.

 العقدة الأخيرة التي أطلقت ذلك الاهتمام هي ( الحرب الروسية / الأوكرانية)،  وكما هو قد تكرر  كثيرًا في التاريخ، تقوم دولة ترى أن لديها القدرة على فرض هيمنتها على الآخرين بقضم بعض الأراضي المجاورة، و يتسامح العالم مع ذلك إلى درجة معينة، ثم  تحاول التوسع أكثر، و يتبين أن طموحاتها غير محدودة فينفجر الصراع على مستوى أكبر، حدث ذلك مع طموحات أدلف هتلر في ألمانيا النازية في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وتكرر روسيا الاتحادية اليوم تقريبًا نفس الخطوات، فبدأت في قضم جزء من  جورجيا، ثم  شبه جزيرة القرم و أخيرًا أوكرانيا، و تكاد تتكرر الخطوات مع الصين، أولاً في هونكونج  وقد تكون الخطوة الصينية الأخرى في تايوان في وقت ما في المستقبل والتي يكثر حولها الجدل في الأشهر الأخيرة، إلا أن الذهاب أبعد من الخطوات الأولى يثير ردة فعل تصل إلى مرحلة الحرب، وما نشاهد اليوم من استقطاب عالمي حول الصراع الروسي / الأوكراني، هي حرب في ثياب صراع حاد، واحتمال أن يتفاقم الأمر ويتوسع، و هي حرب أخذت من الاقتصاد مسرحا لها وخاصة اقتصاد الطاقة و الإنتاج الصناعي. 

روسيا اخترقت ما استقر من ثوابت في القانون الدولي وهو (اجتياح ومن بعده ضم أراضي لدولة أخرى) كان ذلك محرمًا بعد أن عانى العالم ويلات الحروب، جراء تلك التصرفات التي أطلقت حربين عالميين اكتوى العالم بفظائعهما.

 

 أين مجلس التعاون من تلك الصورة؟

الصراع بين روسيا والغرب الأطلسي في أوكرانيا والذي يبدو أنه سوف يطول، أطلق ما أصبح معروفًا من عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا أثرت بشدة في الاقتصاد الروسي وأصبح لها تداعيات عميقة، إلا أن تلك العقوبات على تعددها خلقت في نفس الوقت (نتائج مرتدة) على الاقتصاد في دول الحلف الأطلسي وفي العالم، مما تسبب في ارتفاع الأسعار وتسارع التضخم شبه المنفلت، وخاصة ارتفاع أسعار الطاقة (نفط وغاز). والأخير الذي يسمى (الطاقة) هو مسرح الصراع الاقتصادي، ترغب روسيا في هذا الصراع أن (تحرم دول حلف الأطلسي) من أي فائض للطاقة، وتشعرها بحاجتها إليها، وترغب من جهة أخرى دول الحلف أن تتوفر مصادر أكثر يسرًا للطاقة لتخفيف النتائج المرتد للعقوبات والتي أساسها ارتفاع أسعار الطاقة. تلك أهداف المتصارعين والمتحاربين وهي متناقضة تمامًا، ولان دول الخليج هي أحد أهم مصادر الطاقة في الوقت الحالي وربما في الزمن القريب، فإنها محط التجاذب بين القطبين، وقد وجدنا في الأشهر الأخيرة أن المنطقة أصبحت (محجة) لكبار القوم من الجانبين، كل يرغب أن تكسب وجهة نظره السباق لدى متخذ القرار الخليجي، ويقدم الوعود لدول المنطقة.

فقد زار المنطقة كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ميكرون، كما زارها رئيس وزراء بريطانيا السابق بورس جونسون، كما زارها وزير خارجية روسيا الاتحادية سيرجي لافروف واجتمع مع وزراء خارجية مجلس التعاون، انتهى الأمر بقدوم رئيس الولايات المتحدة مع عدد من كبار معاونيه في وسط شهر يوليو 2022م، لاجتماع قمة خليجية ــ أمريكية والتي انتهت ببيان يحفظ حقوق الأطراف. تلك مؤشرات تقودنا إلى أن الروس يريدون أن تبقى أوروبا (عطشي) للطاقة، والأطلسي يرغب أن يتجاوز حاجة أوروبا للطاقة من روسيا ويعوضها من الخليج، مما خلق ما يمكن أن يعرف ب (الدبلوماسية الاقتصادية الساخنة) في المنطقة ودليل على أهميتها الاستراتيجية.

ليس سرًا أن دول الخليج في مرحلة صعبة بين الطرفين، وليس سرًا أنها أيضًا في موقف صعب، فصراع الكبيرين ليس له نهاية قريبة بل وله تداعيات دولية، قد لا تكون بعضها الأهم  قد ظهر على السطح،  والصراع  يقع في إطار  ( كسر إرادة الآخر ) فروسيا مصممة على نصر في أوكرانيا، والأطلسي مصمم على حرمانها من هذا النصر ، والانحياز  إلى أي طرف  في هذا الصراع يحمل  مخاطر لا يمكن تجاهلها و حتى الحياد بين الطرفين ليس مقبولاً من كلاهما،  والذي قد يفسره طرف أنه مضر  لمصالحه و قد يطلق تداعيات امنية خطيرة على المنطقة، إذا أخذنا في الاعتبار ما سنته الحرب على أوكرانيا من سابقة، وهي أن أي ادعاء لدولة لمصالح لها في الجوار يمكن أن تكون ذريعة للقفز على ذلك الجوار بالقوة  .

والجوار الخليجي (دول مجلس التعاون) لا تخلوا من تلك القوى الإقليمية التي تدعي لأسباب مذهبية وتاريخية أو مصلحية أن أمنها مهدد إذا لم تسيطر بشكل مباشر أو غير مباشر على الإقليم، وتغير في تركيبة الجوار الجيوسياسية. في الذهن بالطبع كل من إيران و تركيا و حتى إسرائيل،  وأي قوة من القوتين العالميتين  المتصارعتين ( روسيا و الأطلسي) ترى أن مصالحها قد تضررت بشكل كبير جراء سياسات اقتصادية خليجية تراها ( معادية)، وهي في مرحلة حرب، لا يستبعد أن توعز لأي من قواها الحليفة في المنطقة ( إيران) أو ( تركيا) أن تعبث في  الفضاء الخليجي  الداخلي، إما من خلال إثارة مشكلات داخلية من المعروف أن لهذه الدول أذرع فيها مطيعة وجاهزة لتنفيذ أجندتها، أو اضطراب أمني في إمدادات النفط الدولية كمثل إغلاق المرور لمضيق هرمز أو الاعتداء على المنشآت النفطية ذاتها كما فعلت في السابق ، ليس سرًا أن أذرع إيران في كل من لبنان والعراق تقوم باستضافة جماعات تطلق على أنفسها ( المعارضة الخليجية).  كما حدث مؤخرًا في النجف (سبتمبر 2022) !

المصالح الاقتصادية الخليجية بين الطرفين

لدول الخليج مصالح اقتصادية  في كل من روسيا الاتحادية و دول الأطلسي ( أمريكا وحلفائها) فترتبط دول الحليج باتفاقات مع روسيا في ما عرف بـ ( أوبك + 1) و هو اتفاق لتنظيم أسعار النفط على المستوى العالمي، لا تستطيع و ربما لا ترغب دول الخليج المنتجة للنفط أن تخل به (حتى بعد معرفة أن روسيا تبيع نفطها لمن تسميهم الدول الصديقة بحسومات كبيرة ) كما يحدث مع الهند، كما أن جزء غير يسير من استثمارات دول الخليج توظف في روسيا في مجالات الطاقة و النقل البحري و الخدمات اللوجستية و قطاع تقنية المعلومات، أكبر الشركاء مع روسيا هي المملكة العربية السعودية و دولة الإمارات، إلا أن معظم تلك الاستثمارات من شركات خليجية خاصة أو مشتركة، بمعنى أن الدولة في الخليج  ليس لها قدر كبير في قطاع  الاستثمار في روسيا . أما العلاقة الاقتصادية بين دول الخليج ودول حلف الأطلسي، فهي متجذرة وتاريخية وتقدر الاستثمارات الخليجية في أوروبا بحوالي 130 مليار دولا، بما فيها استثمارات الصناديق السيادية، أما الاستثمار في الولايات المتحدة فتقدر بحوالي 300 مليار دولار، وفي حقيقة الأمر إن الباحث يجد صعوبة في تحديد الرقم، لأن بعض الاستثمار قادم من القطاع الخاص والذي يصعب تتبعه. عدى أن العلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة استراتيجية وأمنية، فهناك العديد من القوات العسكرية الأمريكية في دول الخليج وترتبط عدد من دول الخليج باتفاقات أمنية مع الولايات المتحدة وهي مصدر التقنية الحديثة والصناعات الحديثة.

ولان الولايات المتحدة هي جزء من دول الأطلس الأوروبي، و الأخيرة تعاني من نقص الطاقة بشكل واضح فتلك الدول تشهد ارتفاع في نسب التضخم لم تشهدها قبل أربعون عامًا أو أكثر ، و نقص في الطاقة جعل من ( عاصمة الأنوار باريس ) تقرر إطفاء الأنوار في معظم معالمها التاريخية ، وطالبت الحكومة الفرنسية بأن تسعفها الدول المحيطة بالطاقة الكهربائية، بل الحكومة الهولندية قررت أن يقتصر مواطنوها  على ( أخذ حمام لا أكثر من مدة خمس دقائق) و أن يضعوا درجة الحرارة لا أكثر من 19 درجة في النهار ، ولا أكثر من 15 درجة باليل  بل طالبت إحدى رئاسات دولة أوروبية ان يكون  (استحمام المواطنين جماعيًا) توفيرًا للطاقة، كما أن المملكة المتحدة ( بريطانيا) تعاني من أزمة طاقة إلى درجة أن قررت رئيسة الوزراء المحافظة، و المؤمنة بقوة بقوى السوق، أن تفارق أيديولوجيتها و تضع حدًا أعلا لفاتورة الطاقة للأسر البريطانية  والصناعة لمدة عامين قادمين، مما يجعل الحكومة البريطانية مضطرة أن تستدين في السوق 250 مليار جنيه، على أساس احتمال تراجع أسعار الطاقة في المستقبل، ولكن ذلك الاحتمال غير مؤكد  .

ذلك المشهد الذي تفجر معه ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة و شح الطاقة قد يجعل الأوضاع الاجتماعية والعمالية في الدول الغربية مضطربة وتهدد الاستقرار الاجتماعي بقوة، من خلال الإضرابات المتوقعة، بل أصبحت شريحة من المجتمع البريطاني تبيع مصوغاتها بسبب العوز   ، وترى تلك الدول أن على المنتجين للطاقة، وخاصة في الخليج، أن يقوموا بضخ إنتاج نفطي وغازي أكثر من أجل توفر الطاقة و تراجع الأسعار في دولها  .

 

بعض مراكز البحث في تصوراتها للمستقبل في الخليج تعتمد على دراسة متغيرين:

الأول أن أسعار النفط ستكون على مستوى معقول من الارتفاع ولكنها لن تبقى مرتفعة، فهناك جهد جدي وتقني في البحث عن البدائل في دول الأطلسي، وهي جهود متعددة منها تطوير الطاقة النووية (النظيفة) ومنها مصادر أخرى للطاقة في أماكن مختلفة في العالم، ومنها طبعًا الطاقة المتجددة، وتتجه تلك المجتمعات بالفعل إلى الاستبدال السريع لمصادر الطاقة، واليوم لا يخلو مرأب سيارات في البنايات الكبيرة أو تجمعات التسويق في الغرب من محطات شحن كهربائي للسيارات.

المحصلة في هذه الرؤية أن النفط لن يكون بتلك القيمة التي وصل إليها في السنوات الثلاث الأخيرة، كما أن أسعار السلع والخدمات سوف تظل على مستواها العالي، والمعادلة النهائية  أن أموال أقل سوف تدخل خزائن دول الخليج المنتجة للطاقة، و في نفس الوقت  مبالغ أكبر تحتاجها الحكومات للوفاء بنفس المستوى من المعيشة لمواطنيها،  مما سوف يطلق أزمات اجتماعية وسياسية، و خاصة أن الخطط البديلة  في عدد من هذه المجتمعات تعمل بكفاءة أقل، بسبب الثقافة الإدارية السائدة ومستوى الاستهلاك المرتفع، وانتشار الفساد ببعضها وغياب الرؤية في إدارة رشيدة .

الثاني أن سابقة الحرب الروسية الأوكرانية وربما تايوان في المستقبل سوف تفتح شهية القوى المتوسطة في الإقليم لمد نفوذها (كما أسلفنا) إما باحتلال سافر أو هيمنة مغلفة بأغلفة منها مذهبي ومنها مصلحي ومنها استباقي. في الذهن القوة الإيرانية و التي ترتكز على نصوص كمثل (الدستور) أو قصص التاريخ السابق، على أحقيتها (الشرعية) في الهيمنة، و تخلط (بنجاح) بين الدولة وسياستها و المذهب، وتستخدم قوى في داخل المجتمعات المجاورة (اختلط عليها مفهومان الأمة و الوطن) كي تجندها لتوسيع نفوذها، تركيا ليست بعيدة عن استخدام الفرصة التي هيأتها السيولة في المشهد العالمي، ليس فقط لمد نفوذها في الجوار ( شمال العراق و شمال سوريا) بل استقطاب جماعات الإسلام الحركي لاستخدامها في حروبها في أماكن أخرى من ليبيا وأذربيجان، السيولة في المشهد الدولي تستفيد منها إسرائيل و يدها الطويلة و التي لا يبدو أنها تهتم أو تقيم وزناً بما يسمى ( القانون الدولي)، فالواضح أن الكل يريد أن يستفيد متحالفًا مع آخرين من الفرصة التي وفرتها  ذريعة الحرب في أوكرانيا .

على الرغم من الجهود الخليجية من أجل مد جسور البحث عن ( مشتركات) مع القوى الإقليمية ، إلا أن تلك القوى تشعر ( بنشوة) التفوق، ولديها تصور أن الجسم الخليجي يمكن اختراقه و هو ليس بتلك المتانة المتصورة، و تقوم قوى (من بيننا و لكن ليست معنا) و أقصد الإسلام الحركي بتغذية أشكال من ( التنمر) على دول المجلس، تارة من زاوية ( الاستبداد) الذي يتصورونه، و تارة من زاوية ( التطبيع) الذي  يعارضونه، وهي شعارات يستقبلها المواطن الخليجي بشيء من القبول بسبب ضعف المناعة الفكرية و التعلمية، هؤلاء  الذين ( بيننا وليس معنا) يحاولون جاهدين نخر المجتمع الخليجي وتضخيم الأخطاء إن وجدت، و تجاهل النجاحات من أجل تمرير أجندتهم القائمة على استحضار النصوص و فسخها عن سياقها، ويلاقون في بعض المنصات الإعلامية الخليجية قبولاً وترويجًا بسبب المناكفة (الخليجية الداخلية) مع الأسف .

تفعيل دور مجلس التعاون وتمتين الشراكة

أمام تلك التحولات لا يوجد جهد سياسي على الأرض أو حتى بحثي من خلال مؤسسات ومراكز خليجية للحديث عن تصورات (كونفدرالية) تخلق المناعة الأمنية للمجموع، حيث إن عددًا من دول الخليج غنية وفي نفس الوقت تفتقد إلى المساحات في الأرض والعدد البشري الكثيف حتى يكون الاعتماد أحاديًا على النفس، أما المخاطر فإن أي دولة في الإقليم يتم اختراقها بالضرورة سوف يفيض ذلك الاختراق على الدول المجاورة بكل سوءاته. و الاختراق ممكن في بعض تلك البلدان كما نشهد يوميًا في وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى تدريب و تسليح و دعم إعلامي مشهود من القوى الإقليمية لبعض ( المنشقين) . المؤسف أن هذا الموضوع الخطير والذي يناقش على رؤوس الأشهاد في المؤسسات البحثية الخارجية مسكوت عنه في مؤسسة مجلس التعاون مع إن ذلك من صلب أعمالها لتكوين تصور مشترك بين نخب الخليج فيما يخص المخاطر المحيطة بأوطانهم، فمن الأفضل نقل موضوع أمن الخليج في مؤسستنا من (الموقد الخلفي) إلى (الموقد الأمامي) ذو الأولوية القصوى.

الخلاصة

في ضوء المعادلة الصعبة التي نحن بصددها وهي شح الطاقة في الدول الأطلسية والحرب شبه العالمية القائمة والتضخم الذي يصل إلى كل أسواق العالم بما فيها دول الخليج، مع وجود مخزون للطاقة هو الأكبر عالميًا في منطقتنا، تظهر بوضوح الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة. الدول الغربية في طلبها للطاقة لن تكون متحفظة عن (النبش في الملفات) فهي تحتاج إلى الطاقة بأي ثمن، لأن الضغوط الداخلية عليها سياسيًا واجتماعيًا لا تطيقها تلك الحكومات، كما إن تدهور أسعار الطاقة مع ذلك التضخم سوف يضع دول الخليج في أزمة داخلية وترتفع الأسعار التي لها علاقة بالاستهلاك العام كما هي مؤشراتها القائمة اليوم. خطورة الأمر أن الضغوط الاقتصادية على دول الأطلسي قد يدفع الجمهور العام لانتخاب حكومات (يمينية غير ليبرالية) وقتها ستكون دول الخليج وحكوماتها (هدف التنمر السياسي) على قاعدة (دول غنية وحكومات غير ديمقراطية) ذلك سوف يفتح المجال واسعًا لقوى منظمة (ومخالفة) للسباحة الحرة في هذا الفضاء، وهو احتمال علينا أن نفكر فيه.

من هنا فإن الحاجة ملحة للتفكير الجاد في (تلاحم أكثر) بين اللاعبين الأساسيين وهجر تلك اللعبة في المناكفة والعناد (والنظر فقط تحت الأقدام) دون النظر إلى احتمالات المستقبل والاعتماد الكلي على (الآخر) ضد القريب، إنها مرحلة تاريخية فاصلة بين احتمال الاضطراب وبين السعي الحثيث للاستقرار، ولعل فتح نقاش مباشر مع القوى الصديقة والمؤثرة من أجل الوصول إلى وفاق (يحقق المصالح المشتركة) هو أحد الطرق التي تقود إلى الأمن والاستقرار، ذلك يتطلب تنسيق عالي المستوى وذارع دبلوماسي متناغم وفعال وجماعي.

مقالات لنفس الكاتب