array(1) { [0]=> object(stdClass)#12958 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 179

الخلايا الإرهابية وحدة الصراعات والتدخلات الإقليمية تتطلب المظلة

الخميس، 27 تشرين1/أكتوير 2022

ربما لم يكتسب السؤال عن أهمية تأسيس مظلة أمنية في منطقة الخليج العربي هذا المستوى من الأهمية والزخم في أي مرحلة ماضية بقدر ما يبدو في المرحلة الحالية، وذلك لاعتبارات ثلاثة رئيسية: يتمثل أولها، في تصاعد حدة الضغوط والتهديدات التي تفرضها تطورات إقليمية ودولية عديدة. فرغم أن أنشطة وعمليات التنظيمات الإرهابية تراجعت، إلى حد كبير، بفعل الضربات القوية التي تعرضت لها في المرحلة الماضية، وفي مقدمتها تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، على غرار تصفية قياداتهما الرئيسية مثل أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي وأبو إبراهيم الهاشمي القرشي، إلا أن هذه التنظيمات ما زالت موجودة وتسعى إلى تأسيس خلايا جديدة سواء في دول الأزمات، مثل العراق وسوريا، أو في دول أخرى بالمنطقة، على نحو يوحي بأن التهديدات التي تفرضها ما زالت قائمة ولا يبدو أنها ثانوية.

وينصرف ثانيها، إلى تصاعد حدة الأزمات الإقليمية، والتي يقع معظمها من مناطق قريبة من الخليج العربي، على غرار الأزمات في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهنا، فإن هذه الأزمات تفرض بدورها تداعيات سلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة. إذ أن هذه الدول تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية عديدة، كما أن الجهود التي بذلت من أجل الوصول إلى تسويات بشأن أزماتها تواجه تحديات لا تبدو هينة، بسبب اختلاف أجندات القوى السياسية الرئيسية فيها، فضلاً عن تباين ولاءاتها وارتباطاتها الخارجية.

إذ ما زالت الأزمة السياسية العراقية قائمة حتى بعد تسمية رئيس جديد للجمهورية، وهو السياسي الكردي عبد اللطيف رشيد في الجلسة التي عقدها مجلس النواب، في 13 أكتوبر 2022م، الذي قام بدوره بتكليف محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة، وهو مرشح "الإطار التنسيقي" الشيعي الموالي لإيران، على نحو سوف يدفع التيار الصدري-في الغالب- إلى التدخل لمحاولة عرقلة الترتيبات السياسية الجديدة التي تجري بما لا يتوافق مع مصالحه، لا سيما أنه من البداية كان يبدي تحفظات على السوداني ويسعى إلى تحدي محاولات "الإطار التنسيقي" السيطرة على دوائر صنع القرار في الدولة.

ورغم تراجع حدة الصراع العسكري في سوريا، وتغير توازنات القوى نسبياً لصالح النظام السوري، إلا أن حالة الأمن والاستقرار في الدولة ما زالت تواجه تهديدات قوية. إذ أن سوريا تحولت إلى ساحة تنشط فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية عديدة، كما أنها تواجه استحقاقات صعبة، لا تنحصر فقط في الترتيبات السياسية التي يجري العمل على صياغتها وتواجه أزمات واختبارات صعبة، على غرار اللجنة الدستورية، وإنما تمتد أيضاً إلى أزمة اللاجئين والنازحين، وعمليات إعادة الإعمار التي تبدو قضية مؤجلة إلى حين الاستقرار على ترتيبات سياسية جديدة للدولة.

كما تبدو الأزمة في لبنان على أشدها. صحيح أن هذه الأزمة لم تحل دون توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بوساطة أمريكية، بعد أن أعلن الرئيس ميشال عون، في 13 أكتوبر 2022م، موافقة بلاده على المسودة التي عرضها الوسيط الأمريكي آموس هوكستين، إلا أن الصحيح أيضاً أن هذه الأزمة تبدو مرشحة لمزيد من التفاقم، بفعل السياسة التي يتبناها حزب الله وحلفاؤه، والقائمة على ضرورة احتكار القرار السياسي للدولة، وعدم التراجع عن السيطرة على المناصب الرئيسية فيها، لا سيما رئاسة الجمهورية والحكومة، فضلاً عن معارضة التوجه الرسمي للدولة إزاء الصراع السوري والقائم على "النأي بالنفس" من خلال الانخراط بقوة في هذا الصراع بتعليمات مباشرة من إيران. ويبدو ملف انتخاب رئيس جديد للجمهورية أحد الملفات الشائكة التي يمكن أن تتسبب في تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي، التي تتوازى مع تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية على نحو غير مسبوق في لبنان.

أما في اليمن، فتتزايد خطورة وتهديدات الأزمة التي تواجهها. إذ لا تبدي مليشيا المتمردين الحوثيين أي استجابة فعالة للجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة العربية السعودية وأطراف دولية عديدة من أجل الوصول إلى تهدئة أكثر استقراراً تقود إلى تسوية سياسية للأزمة. وقد بدا ذلك جلياً في رفض المليشيا المتمردة الخطة التي أعدها المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيم ليندر كينج من أجل تمديد الهدنة وتوسيعها بعد انتهائها في 2 أكتوبر 2022م، واتجاهها بدلاً من ذلك إلى محاولة فرض شروط اعتبرت الأمم المتحدة أنها متطرفة.

ومن دون شك، فإن استمرار تمرد المليشيا الحوثية على الشرعية الدستورية وتحدي إرادة المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن يفرض تهديدات مباشرة للمنطقة، خاصة في ظل حرصها على مهاجمة مصالح دول عديدة بالمنطقة بواسطة الصواريخ والطائرات من دون طيار وتهديد الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر.

ويتعلق ثالثها، باتساع نطاق التدخلات الإقليمية، التي تقوم بها بعض دول الجوار، على غرار إيران وتركيا. وتبدو الحالة العراقية مثالاً بارزاً لذلك. ففضلاً عن أن تركيا تتواجد عسكرياً في شمال العراق، فإنها تشن باستمرار عمليات عسكرية ضد مواقع حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه كمنظمة إرهابية، فإن إيران تقوم حالياً بمواصلة هجماتها ضد مواقع تابعة لحزب العمال الكردستاني الإيراني وحزب "كومله"، مع إصرارها على ربط ذلك بالاحتجاجات الداخلية التي تتصاعد حدتها تدريجياً بعد وفاة الشابة الكردية مهسا أميني على يد شرطة "الإرشاد" في 16 سبتمبر 2022. بل إن تقارير عديدة باتت تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني يقوم حالياً بالإعداد لعملية برية في شمال العراق تستهدف مواقع قوى المعارضة المسلحة، في تدخل سافر في الشؤون الداخلية العراقية، يتوازى مع تدخل آخر لا يقل أهمية وخطورة في الترتيبات السياسية التي يجري العمل على صياغتها في بغداد حالياً من أجل إضعاف وتهميش التيار الصدري وإتاحة الفرصة أمام "الإطار التنسيقي" الموالي لإيران من أجل الاستفراد بمراكز السلطة وصنع القرار.

كما أن إيران ما زالت مصرة على إدارة التمرد الحوثي في اليمن. إذ تواصل تقديم الدعم السياسي والعسكري واللوجيستي للمتمردين الحوثيين. ومن دون شك، فإن إصرار المليشيا المتمردة على رفض تمديد الهدنة التي انتهت في 2 أكتوبر 2022م، لم يحدث إلا بضوء أخضر من جانب إيران، التي ترى أن الملف اليمني يوفر لها ورقة ضغط في مفاوضات مع القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، حول البرنامج النووي الإيراني، وربما تستغله لاحقاً في حالة ما إذا اتسع نطاق التصعيد مع قوى في المنطقة، مثل إسرائيل، ما زالت تعمل على محاولة كبح القدرات النووية والصاروخية والعسكرية الإيرانية.

حسابات إيران:

تتبنى إيران دائماً تحفظات إزاء المبادرات التي تطرح لتأسيس مظلة أمنية إقليمية في منطقة الخليج العربي. ويمكن تفسير ذلك في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

  • تكريس الدور الإيراني في الترتيبات الأمنية بالمنطقة: تقوم الرؤية الإيرانية إزاء تأسيس مظلة أمنية في منطقة الخليج العربي في الأساس على تكريس دور إيران باعتبارها "الدولة القائد" في أية ترتيبات أمنية يجري العمل على صياغتها في منطقة الخليج العربي. وتدعي إيران أن القدرات التي تمتلكها، على أكثر من مستوى، تؤهلها للتحول ليس إلى قوة إقليمية في المنطقة فحسب، وإنما إلى القوة الإقليمية الأولى، وهو فارق شاسع يرتبط برؤية النظام الإيراني للمجال الحيوي الذي تحاول إيران ممارسة نفوذها فيه.

هنا، يمكن القول إن إيران تعتمد في المقام الأول على "البروباجندا" والاستعراض دون أن يكون لادعاءاتها سند حقيقي على الأرض. فرغم أنها إحدى الدول التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز، إلا أن ذلك لم ينعكس على مصادر قوتها، خاصة أن السياسة التي يتبناها النظام الإيراني تعتمد على استنزاف عوائد تلك الثروات في الإنفاق على المغامرات الخارجية، التي تتمثل في الدعم الذي يتم تقديمه للمليشيات المسلحة الموجودة في دول الأزمات.

وقد أنتج ذلك في النهاية تداعيات سلبية لم تقتصر على دول الأزمات فحسب، وإنما امتدت إلى إيران نفسها، التي باتت تعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية لا تبدو هينة، انعكست في الاحتجاجات التي اندلعت منذ 16 سبتمبر 2022م، اعتراضاً على وفاة الفتاة الكردية مهسا أميني على يد شرطة "الإرشاد". ورغم أن تلك الاحتجاجات اكتسبت في البداية طابعاً قومياً اجتماعياً، إلا أنه سرعان ما تحولت إلى احتجاجات ذات طابع سياسي بعد أن انضمت فئات وطبقات عديدة من المجتمع الإيراني إليها، ونجحت في التوسع أفقيا ورأسياً، بمعنى الانتشار تدريجياً داخل المحافظات الإيرانية المختلفة حتى وصلت إلى العاصمة طهران، والانتقال من التنديد بالأوضاع الاجتماعية الصعبة التي تتعرض لها القوميات إلى رفض السياسة العليا للنظام، بما فيها المحاولات التي يبذلها لتعزيز تمدده في الخارج. ولم يكن شعار "مرگ بر ديكتاتور" أو (الموت للديكتاتور) إلا تعبيراً عن أن قسماً من الشارع الإيراني بات يرى أنه طالما أن النظام الإيراني ما زال مصراً على اتباع النهج نفسه داخلياً وخارجياً، فإن إيران لن تنجح في التخلص من أزماتها نهائياً أو حتى تقليص تداعياتها.

كما أن إيران التي تدعي أنها "القوة الإقليمية الرئيسية" في المنطقة تواجه اختراقات أمنية واسعة لم تستطع الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية احتواءها، حيث استهدفت المنشآت النووية، ولا سيما منشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم والتي تعتبر بمثابة العمود الفقري للبرنامج النووي الإيراني، إلى جانب العلماء النوويين أمثال محسن فخري زاده رئيس مركز الأبحاث والتطوير في وزارة الدفاع، إلى جانب حسن صياد خدايي القيادي في الحرس الثوري وبعض الكوادر العسكرية الأخرى. وفوق ذلك، فقدت إيران أحد أهم قياداتها العسكرية، وهو قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري قاسم سليماني المسؤول عن إدارة العمليات الخارجية، وذلك في العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في 3 يناير 2020م، على نحو تسبب في ارتباك دورها ونفوذها الإقليمي، بدليل فشلها في احتواء الأزمة السياسية العراقية حتى الآن رغم الجهود التي بذلها قائد "فيلق القدس" الحالي إسماعيل قاآني.

 2ـ مناوأة العمق العربي للخليج: رفضت إيران بصفة دائمة أية مبادرات عربية تتصل بقضية أمن الخليج باعتبارها قضية حيوية بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، على غرار "إعلان دمشق" الذي صدر في 6 مارس 1991م، واعتبرت أن الترتيبات الأمنية التي يمكن أن يفرضها تمثل تقليصاً لقدرتها على تكريس نفوذها باعتبارها القوة الإقليمية الأولى وفقاً لتصورات قياداتها.

من هنا، عارضت طهران تلك المبادرة، وأعلنت على لسان نائب وزير الخارجية الأسبق محمد بشارتي رفضها أي دور مصري وسوري في ترتيبات الأمن في الخليج، وادعت أن ذلك يعود إلى الأسس التي تقوم عليها رؤيتها لأمن الخليج والتي تتضمن النقاط التالية:

  • رفض التدخل الأجنبي في الترتيبات الأمنية التي تجري صياغتها في المنطقة. ومن دون شك، فإن إيران تركز في هذا الصدد على الوجود العسكري الأمريكي، حيث ترى أن هذا الوجود يفرض تهديدات جدية لأمنها، خاصة بعد مقتل قاسم سليماني في العملية العسكرية التي أمر بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 3 يناير 2020م. وفي هذا الصدد قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في 30 مايو 2022م: "إن وجود القوات الأجنبية في منطقتنا لا يصب في صالح أمننا ويجب حل الملفات الإقليمية عبر دول المنطقة"، مؤكداً على "ضرورة التعاون الإقليمي لضمان أمن المنطقة". كما أن إيران بدأت تزعم أن إسرائيل تسعى بدورها إلى تعزيز وجودها في المنطقة بعد توقيع اتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية، واندفعت بسبب ذلك إلى توجيه تهديدات بأنها لن تسمح بأي تحركات إسرائيلية في المنطقة يمكن أن تهدد أمنها.
  • التعاون الشامل بين جميع دول الإقليم، أي إيران ودول مجلس التعاون الخليجي الست، مع استثناء العراق (آنذاك بالطبع) بسبب غزو الكويت. وقد حاولت إيران في هذا الصدد استغلال موقفها المحايد إزاء الأزمة التي فرضها الغزو، من أجل الحصول على مكاسب استراتيجية من الأطراف المعنية.

جـ-استناد الترتيبات الأمنية في المنطقة إلى الصلات التاريخية والدينية والاقتصادية المشتركة بين دول الخليج.

واللافت في هذا السياق، هو أن إيران ما زالت تستند إلى تلك المبررات نفسها في رفض وعرقلة أية مبادرات تتعلق بقضية أمن الخليج، على غرار إقامة مظلة أمنية في المنطقة، رغم أنها في النهاية لا تعبر عن التوجهات الحقيقية للسياسة الإيرانية إزاء تلك القضية. بل ربما يمكن القول إن إيران تمعن في تبني آليات معاكسة لتلك المبررات.

وفي مقابل ذلك، طرحت إيران ما يسمى بـ"مبادرة هرمز للسلام" في 25 سبتمبر 2019م، والتي تعتمد على:

  • تشكيل تحالف أمني يضم إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق.
  • رفع مستوى التعاون في المجالات المختلفة كالعمل الجماعي لتحقيق أمن الطاقة وحرية الملاحة وتدفق النفط من وإلى مضيق هرمز.

جـ-تبني مبدأ عدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

هنا، يمكن القول إن تلك المبادرة وما تتضمنه من بنود تتناقض مع السياسة التي تتبناها إيران على الأرض. إذ أن التحركات الإيرانية في مياه الخليج العربي تمثل أحد مصادر تهديد الملاحة فيه، بعد أن استخدمت إيران قوتها العسكرية في الاحتكاك بقطع عسكرية أجنبية، واحتجاز سفن تجارية، فضلاً عن تهديداتها المستمرة بإغلاق مضيق هرمز الذي تعبر منه نسبة كبيرة من الصادرات النفطية إلى الأسواق العالمية.

وكان حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة "كيهان" (الدنيا)-التي تعتبر وسيلة الإعلام الأقرب إلى مكتب المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي-آخر من دعا إلى إغلاق المضيق، حيث قال، في 19 أبريل 2022م، أنه يجب إغلاق المضيق في وجه السفن الكورية الجنوبية لممارسة ضغوط على سيول من أجل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لديها والتي تصل إلى 7 مليارات دولار.

فضلاً عن ذلك، فإن إيران تمعن في التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، على نحو يفرض تهديدات جدية لأمنها واستقرارها، لا سيما فيما يتعلق بتقديم دعم لبعض الجماعات الإرهابية داخل تلك الدول. وكانت السلطات البحرينية، على سبيل المثال، قد أعلنت، في 22 نوفمبر 2021م، القبض على عناصر خلية بحوزتهم أسلحة إيرانية. وأوضحت وزارة الداخلية أنها اعتقلت عناصر إرهابية شرعوا في التخطيط والإعداد لعمليات تستهدف الأمن والسلم الأهلي في البلاد.

  • تفضيل الصياغات الثنائية: تعمد إيران دائماً إلى التركيز على ما يمكن تسميته بـ"التوافقات الثنائية" وليس "الجماعية" بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بقضية أمن الخليج. وقد حاولت في هذا السياق استغلال عدم وجود رؤية خليجية موحدة إزاءها، بل رؤى متعددة، وفي بعض الأحيان متناقضة. ومن هنا توصلت، في فترات مختلفة، إلى مذكرات للتعاون الأمني مع بعض دول المنطقة، معتبرة أن ذلك يمثل الصيغة الأمثل لتعزيز الأمن في المنطقة.
  • امتلاك برنامج نووي مثير للشبهات: رغم إصرار إيران على تأكيد أن برنامجها النووي سلمي، إلا أن عدم التزامها ببنود الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015م، فضلاً عن تهديداتها المستمرة لدول الجوار والقوى الدولية المعنية بتطورات المنطقة، إلى جانب حرصها على تطوير برنامجها للصواريخ الباليستية، كل ذلك يضفي مزيداً من الشكوك على ادعاءاتها بخصوص طبيعة هذا البرنامج.

وقد كان لافتاً أن إصرار إيران على مواصلة تطوير برنامجها النووي، رغم المفاوضات التي تجريها مع قوى مجموعة "4+1" بمشاركة غير مباشرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، منذ 6 أبريل 2021م، وحتى الآن، دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تأكيد عدم قدرتها على التيقن من سلمية البرنامج النووي الإيراني.

ففي التقرير الذي أصدرته الوكالة، في 7 سبتمبر 2022م، أكدت أن "الغرض من البرنامج النووي الإيراني قد يكون سلمياً أو عسكرياً، وأن البلاد فعلت القليل في الشهور الأخيرة للإجابة على الأسئلة العالقة بشأن أنشطتها السرية الماضية". واستندت الوكالة إلى مؤشرات عديدة لتبرير هذا الموقف، على غرار رفع كمية اليورانيوم المخصب بنسب مختلفة.

إذ وصل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67% إلى 3940.9 كيلو جرام، بما يعني أنه زاد بمقدار 19 ضعفاً عن الحد المسموح به في الاتفاق النووي (202.8 كيلو جرام). كما بلغت كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% نحو 55.6 كيلو جرام، وهي الكمية التي قد تؤدي زيادتها إلى اقتراب إيران من المرحلة التي تمتلك فيها القدرة على إنتاج القنبلة النووية.

هنا، يمكن القول إن الاتفاق النووي لم يقلص من المخاطر التي يمكن أن يفرضها هذا البرنامج على أمن ومصالح دول الجوار، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي. فالمسألة لا تتعلق فقط بالجانب العسكري المحتمل لهذا البرنامج، الذي تؤكده شواهد عديدة، على غرار تعمد إيران إخفاء بعض أنشطتها النووية عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعمدها بناء بعض المنشآت المهمة في هذا البرنامج تحت الأرض، مثل منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم.

إذ أن ثمة إشكالية أخرى تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون، وتتعلق بالمخاطر البيئية المحتملة لهذا البرنامج، والتي تعود إلى اعتبارين رئيسيين هما:

  • وقوع إيران في منطقة تصادم الصفائح الواقعة مباشرة تحت قشرة الكرة الأرضية، على نحو أدى إلى تعرضها لزلازل مدمرة أنتجت تداعيات كبيرة، على غرار الزلزال الذي وقع في عام 1990م، وأسفر عن مقتل 40 ألف شخص، والزلزال الذي شهدته مدينة بم في عام 2003 م، وأدى إلى مقتل 42 ألف شخص، والزلزال الذي وقع في محافظة هرمزجان في 14 نوفمبر 2021م.
  • قرب بعض المواقع النووية الإيرانية من عدد من العواصم الخليجية أكثر من قربها من طهران، على غرار مفاعل بوشهر، الذي يبعد عن الكويت بمسافة 250 كيلومتر فقط. وفي هذا السياق، قال الدكتور عدنان التميمي مدير مركز مجلس التعاون الخليجي لإدارة حالات الطوارئ، في 23 نوفمبر 2016م، أن المركز يتابع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية الآثار المحتملة للبرنامج النووي الإيراني التي يمكن أن تتسبب في تلوث مياه الخليج، الذي تعتمد عليه دول المجلس في تحلية مياه الشرب، وأبدى قلقه من اختفاء بعض الأجهزة الإشعاعية في مفاعل بوشهر.

خاتمة

على ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن تأسيس مظلة أمنية خليجية بات يمثل ضرورة ملحة خلال المرحلة الحالية للتعامل مع التهديدات الجدية التي تفرضها التطورات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية. ومن دون شك، فإن ما يزيد من أهمية ذلك هو أن منطقة الخليج تقع بالقرب من دول تعاني من أزمات تفاقمت تدريجياً بفعل تشابك المصالح والأجندات المختلفة ووصلت ارتداداتها إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام، بل إنها وصلت إلى الساحة الدولية التي باتت أزماتها تنتج بدورها انعكاسات مباشرة على منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الحرب الروسية-الأوكرانية.

ومع ذلك، فإن أي مبادرات تتعلق بتأسيس هذه المظلة سوف تواجه، في الغالب، تحديات لا تبدو هينة، يتمثل أولها في ضرورة توافر رؤية خليجية موحدة لدوافع وآليات تأسيس هذه المظلة، ويتعلق ثانيها بوجود أجندات إقليمية ربما تتعارض مع ذلك التوجه، في ضوء السياسة التي تتبناها بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إيران، إزاء التعامل مع مثل تلك المبادرات.

مقالات لنفس الكاتب