array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

تجربة الآسيان ثرية وفريدة من نوعها في العالم وتعاون دول الخليج معها مفيد

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

يقوم مشروع التعاون الإقليمي من خلال التشديد على إعطاء الأولوية القصوى لبلدان الجوار الجغرافي فيما بينها قصد تعزيز التبادل التجاري وتكثيف التنوع الاقتصادي؛ إلا أن هذا التوجه يقوم بدوره على عدة عوامل رئيسية أبرزها توفير الاستقرار، فضلاً عن مد جسور الثقة المتبادلة، وعدم التدخل قي الشؤون الداخلية لدول الجوار من خلال تفعيل حسن أدائه دون الإضرار بمصالح الآخرين. 

 بيد أن النهوض بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية لا يتأتى إلا في ظل قيام دول الأعضاء من خلال تبادل التجارب ونقل الخبرات فيما بينها لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي من خلال التبادل التجاري لتعزيز روح التعاون فيما بينها بما يخدم اقتصادات دول الأعضاء لتوثيق الصلة فيما بينها بشكل ملحوظ ضمن العلاقات الثنائية والجماعية بين دوله. 

أولاً: أهمية التعاون الإقليمي 

   اتضح أنه إلى غاية الفترة الراهنة بأن العلاقات الدولية؛ إذ تمر بمخاض عسير ليس بسبب الحرب الروسية / الأوكرانية فحسب، بل من خلال ما يعرفه النظام العالمي من تطورات وتحولات جد معقدة دون التوصل إلى مستوى مستقر بخصوص الأحداث أو على مستوى التحليل الأكاديمي لفهمها بشكل أعمق. يتزامن ذلك ضمن عديد التأويلات، وتنوع الرؤى، وتباين المواقف الرسمية دون الوصول إلى قناعة تضمن هذا التحول العالمي. لقد بات العالم إذًا يمر بفترة عصيبة من خلال ما تنبئ به حركيته التي تمر بوتيرة جد متسارعة من حيث خلق للتكتلات الاقتصادية. تزامن هذا مع بناء تجمعات اقتصادية جديدة أو إنعاش للهياكل القديمة لكي تتوافق والتغيرات الحاصلة في كثير من الدول بدل من إعلان الحروب فيما بينها.

  تفاعل هذا النزوع الاقتصادي مع وتيرة التطورات الاقتصادية والسياسية في الساحة الدولية من خلال ما رمى بظلاله على توقيع الاتفاق الجزئي للتجارة الدولية والجمركية المعروف باسم الجات، وذلك عقب جولة الأورغواي التي انطلقت عام 1986 واختتمت عام 1994م، ما جعل من تفتح الأسواق بأن تتكتل فيما بينها ضمن الاقتصادات الجوارية وعلاقة ذلك بباقي القطاعات الأخرى من جهة، وإحداث نمو ملحوظ من خلال إنتاج السلع وتوفير الخدمات بشكل تنافسي مع الاقتصادات الأخرى من جهة ثانية. 

    لقد جاء مفهوم التعاون الإقليمي إذًا بمثابة توطيد لدعائم السلام والأمن من خلال بناء الصرح المؤسساتي عبر السوق خاصة من قبل الدول التي لا تنوي دخول الحروب، فضلاً على أن هذا التوجه الاقتصادي المنفتح كثيراً ما يدفع صوب تعزيز القواعد الاقتصادية في مواجهة التحديات والرهانات الجيوسياسية والجيواستراتجية المفروضة عل هذه المنطقة أو تلك.

 وعلاوة عليه، هناك تجارب عدة من حيث هذه التكتلات كتلك التي عرفتها ''رابطة جنوب شرق آسيا'' والمعروفة تحت اسم الآسيان Asean كأنموذج قائم بحد ذاته دون التخلي عنه من خلال ما يحمله من تجربة رائدة في مجال التعاون الإقليمي بين دوله، الأمر الذي يمكن فهمه بإعادة طرحه من خلال ما يتوافر عليه من مقاربات وطروحات وصعوبات يمكن الاستفادة منها كما يمكن تفاديها من حيث التعاون الإقليمي بين دول الخليج على سبيل المثال.     

ثانياً: التعاون الإقليمي في إطار الآسيان

  تعتني الدول بعضها ببعض في القرب الجغرافي بأهمية الإقليم كمعطى أولي بين كياناته السياسية فيما يضمن تعاونها الاقتصادي بالدرجة الأولى بما يسمح بالمعاملات والاتصالات بينها لضمان مستقبل رشيد. وهو كمصطلح مركب؛ إذ يحمل في ثناياه عديد الفواعل أبرزها الدول، الأشخاص، المؤسسات، والأجهزة وغيرها، وذلك للعمل المشترك نحو تحقيق مطالب وغايات أعضائه المنضويين تحت إمرته.

  بيد أن القرب أو البعد الجغرافي لا يهم بقدر ما يهم في انضمام أطرافه للدفع بعجلة التنمية من منطلق تأصيل مبدأ الأمن كمنطلق للتعاون في قضايا وملفات مشتركة نحو الاستثمار الحسن بل الأمثل للإقليم الجغرافي، وذلك كخطوة إيجابية تضمن مستقبل العلاقات الثنائية أو الجماعية للدول التي تجمعها رابطة الآسيان مثلاً. وقد يشمل مبدأ ''الإقليمية المفتوحة'' ذلك التقارب نحو التعاون في مجالات عدة نحو الاستثمار على عكس ''الإقليمية الرخوة'' كونها جزء من التعاون وليس كل التعاون بالكامل.

  تشمل الإقليمية الجديدة في ضوء المعطيات والرهانات العالمية على أن أنماط التعاون لم تعد تقتصر على التعاون التقليدي بل تجاوزته بكثير في ظل العولمة، والثورة الرقمية، والاتصالاتية، والأزمات الاقتصادية، والنقدية وغيرها التي تعصف بالاقتصاد الواحد على أن التعاون أضحى يمس عديد القطاعات للخروج من النطاق الجغرافي المحدود والضيق في آن واحد إلى تحقيق فرص للتعاون أكثر اتساعاً وأعمق فائدة. تزامن مصطلح التعاون الإقليمي على أساس تضافر الجهود وتوسيع نطاق العمل السياسي من منطلق السياسية الجوارية نحو خلق منطقة تجارية حرة، والاتحاد الجمركي، والاندماج والتكامل الاقتصاديين، والسوق المشتركة وغيرها لبناء فضاء يعمه التبادل الاقتصادي والتجاري الحر.

 يتأتى ذلك ضمن بناء سياسات ضد الحواجز والعراقيل التي تحول دون تخليص المبادلات التجارية من قيود البيروقراطية مثلاً خاصة تلك التي تعترض انتقال السلع والخدمات في ما بين الأقطار ليتم الاستفادة منها من خلال تنظيم الإنتاج في ما تسهر على تقديمه المؤسسات من منطلق الدول تجاه الإقليم الواحد ضمن سن القوانين و التشريعات لخدمة أغراض السوق. 

 إلا أن دعم التنظيم الدولي للتنظيم الإقليمي؛ إذ يعد كجزء منه لضمان السلم والأمن الدوليين ضمن الفصل الثامن من ميثاق هيئة الأمم المتحدة للرفع من التحديات المضروبة على الإقليمي الواحد. من جهة أخرى، فإن توسيع المصلحة قياساً بالوظيفية والوظيفية الجيدة والاتصالية لبناء الاتحادات أضحت ضرورة استراتيجية لا يمكن تحاشيها أو التغافل عنها  فيما يعلن التعاون الإقليمي القيام بما تنفرد به تجربة الآسيان.

ثانياً: ميلاد وتطور الآسيان    

  تعد الآسيان كمنظمة للتعاون الإقليمي بين دول جنوب شرقي آسيا التي تأسست في آب/ أغسطس 1976م، خلال الحرب الباردة بإقليم آسيا الباسيفيك خوفاً من اكتساح المد الشيوعي لها من جهة، مما جعل الولايات المتحدة تسعى إلى تحصينها خاصة بعد خروج فرنسا من الهند الصينية وانتصار فيتنام في كمبوديا، فضلاً عن تفاقم الصراعات في العديد من مناطق العالم من جهة أخرى. تكمن أهمية الآسيان كمنطقة تحول لها وزنها الاستراتيجي في العلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية العالمية لصد نمو اليابان واتخاذ من سياسة الحصار لعزل السوفييت عبر هذا التنظيم الاقتصادي حفاظاً على أمن المنطقة من قبل واشنطن. 

  يأتي مطلب التعاون هذا ضمن إنشاء منتدى الآسيان الإقليمي ARF الذي عقد أول اجتماعاته في يوليو/ حزيران 1994م، في بانكوك لاعتبارات استراتيجية وأمنية؛ إذ تكمن في حل المنازعات بالطرق السلمية بين أعضائه، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لها، واحترام كل من الاستقلال، والسلامة الإقليمية، مع عدم اللجوء إلى القوى الأجنبية للتدخل في الصراعات التي تنشب في المنطقة مع إمكانية حلها بداخل المنظمة.   

  ومن بين الدول الأعضاء في منظمة الآسيان نذكر منها إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند الموقعة على نص المعاهدة بإنشاء رابطة أمم جنوب شرق أسيا الآسيان في آب / أغسطس 1967م، والتي انضمت إليها بروناي عام 1984م، ليعاد لها الاعتبار عقب اجتماع رؤساء الحكومات الدول الأعضاء في بالي بإندونيسيا لمناقشة تطورات هذه الرابطة بإعطائها النفس الجديد.

تضم رابطة الآسيان مجموعة من الهياكل الإدارية سواءً أكانت تنظيمية كاجتماع القمة، أو عقد المؤتمرات الوزارية، أو اللجنة الدائمة، أو الأمانة العامة، أو اللجان والتي تصب كلها في تفعيل الداخل للرابطة أو في مجال التعاون الاقتصادي مع الدول الأخرى ضمن المعاهدات التجارية، والمشروعات الصناعية، والمناطق الصناعية ذات الأهمية الاستراتيجية،  أو في المجال السياسي من خلال دور الدولة كمحك للمعادلة بعيداً عن سيطرة الهيمنة الأيديولوجية مع احترام الدول بعضها بعضاً قصد تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية من داخل دول الآسيان.

  تزامن ذلك مع تنازل من ماليزيا للفلبين عن إقليم ''الصباح'' على سبيل المثال لإنعاش التعاون ومد جسور الثقة المتبادلة بين الأعضاء قصد القضاء على الخلافات والمشكلات السياسية المناوئة لأنظمة الحكم كالفصائل المسلحة، والمعارضة السياسية بالسهر على تنظيم انتخابات ديمقراطية وشفافة وغيرها أو اجتماع وزراء الخارجية بإجراء حوارات مع المجموعة الأوروبية عام 1972م، واستراليا عام 1974م، ونيوزيلندة عام 1975م، وكندا واليابان والولايات المتحدة عام 1977م، للحوار مع المجموعة الدولية والتي تصب كلها عموماً في مجال التعاون، وتلقى المساعدات الفنية، والحث على مشروعات الأبحاث، وتطوير التجارة والتي كلها أنشطة توليفية تسمح حينها بتطويع المجال الاقتصادي بالإسهام فيه وصولاً إلى الإنتاج الذي يسفر عنه الاستثمار بشكل أساسي في هذا القطب الاقتصادي الناشئ.

  علاوة عليه، كما لا يمكن للآسيان أن يبقى معزولاً عن باقي المناطق الخارجية بحيث عليه أن يبرم اتفاقيات ويقيم معاهدات مع الدول المجاورة والبعيدة عنه كتلك التي عرفها مع المجموعة الأوروبية عام 1995م، بخصوص الاستثمار الأوروبي، واليابان عام 1981لتطوير الاستثمار ونقل التكنولوجيا، أو مع كوريا الجنوبية عام 1991م، لمضاعفة الشراكة، والنمو الاقتصادي وتعزيز الصادرات والواردات بينها وبين الآسيان.

ثالثًاً: مجلس التعاون الخليجي في ضوء تجربة الآسيان

  تحاول مجموعة الآسيان معالجة التنمية الاقتصادية ضمن التعاون الإقليمي بعيداً عن الصراعات والحروب كأنموذج ناجح إلى حد ما بالرغم من الاختلافات بين دوله سواء أكانت دينية أو عرقية أو أيديولوجية في وقت لم تتوافر عليه الدول العربية قياساً بالآسيان لبلوغ هذا المستوى من التكامل بالرغم من توافر جملة من القواسم المشتركة كاللغة والدين والثقافة و...إلخ، بل كرمز للوحدة وتفعيل للتكامل الإقليمي المشترك.

  بيد أنه كان من الأفضل من تفعيل هذا المنحى منذ تأسيس ميلاد الجامعة العربية عام 1945م، قياساً بتأسيس الآسيان عام 1967م، حيث الحرب العربية مع إسرائيل في ظل البحث عن نظام إقليمي عربي بالرغم من الجهود المبذولة في ذات السياق. كما تسعى دول الخليج العربي في المقابل كمنظمة إقليمية ضمن الجامعة العربية بأن تعزز التنسيق فيما بينها كون أن كل من قطر والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة تشكل أعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط. كما يسعى الاتحاد الأوروبي من خلال اتفاقية التعاون عام 1988م، مع منظمة التعاون الخليجي على تعزيز الاستقرار في المنطقة كونها ذات أهمية استراتيجية وتسهيل العلاقات السياسية والاقتصادية وتوسيع رقعة التعاون الاقتصادي والفني، وزيادة التعاون في عديد من المجالات الهامة كالطاقة والصناعة والتجارة والزراعة والخدمات ومصائد الأسماك والاستثمار والعلوم والتكنولوجيا والبيئة وغيرها.    

  كما تنص اتفاقية التعاون هذه على عقد مجالس تضم اجتماعات وزارية سنوية مشتركة بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي إلى جانب اجتماعات تنسيقية مع المديرين الإقليميين بينهما، فضلاً عن لجان التعاون المشترك على مستوى حضور كبار المسؤولين بغية تطوير آفاق التعاون في قضايا كالطاقة والنقل والبحث والابتكار والاقتصاد،  فضلاً عن المشاورات السياسية بين الطرفين.    

  كان هناك بالفعل عقد اجتماع وزاري بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي في بروكسل في 18 يونيو/ تموز 2016م، وفي 25 يوليو/ حزيران 2020م، إذ يشكل التاسع والعشرون بين لجنتي التعاون المشتركة والذي تأخر حينها بسبب القيود الصحية لجائحة كورونا. كما يسعى حضور الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف جهوده في منطقة الخليج ولو دبلوماسياً من خلال تلك البعثات المعتمدة لدى مجلس التعاون الخليجي لاسيما تلك المتواجدة في كل من المملكة العربية السعودية والكويت وقطر.

  يعد الاتحاد الأوروبي كأول شريك بعد الصين لدول الخليج العربي بمعدل يساوي 12.3 بالمئة من إجمالي تجارة السلع عام 2020م، أما الواردات فإنها تقدر ب 7.8 لمجلس التعاون التي تأتي من الاتحاد الأوروبي، بينما الصادرات الخليجية للاتحاد الأوروبي فإنها تقدر بــ 6.9 بالمئة. كما تسعى اتفاقية عام 1988م، حث الطرفان على إجراء مفاوضات بشأن التجارة الحرة بالرغم من توقفها؛ إلا أنها ما زالت متواصلة بينهما في خضم توسيع نطاق الشراكة والحوار السياسي وتنويع الاقتصاد وتعزيز التواصل.  

خاتمة: تبقى تجربة الآسيان من إحدى التجارب الثرية والفريدة من نوعها في العالم ضمن الاتحادات الناجحة عموماً والتي لا بد من تعميقها وإثرائها ضمن البعد الاقتصادي والتجاري في المنطقة العربية عامة، ومنطقة الخليج العربي خاصة، وذلك للظفر بانتصارات أخرى ملائمة بما تتوافر عليه المنطقة بشكل أساسي من طاقات بشرية وموارد طبيعية يُرجى استغلالها عقلانياً في الداخل بما يعزز من توسيع للقاعدة الاقتصادية وبث الحوار السياسي للخروج من فترة إلى أخرى أكثر تفاعلاً بما يزيد من الانسجام والتوافق في باقي القطاعات والأنشطة الأخرى ذات الأهمية القصوى. إنه لمن الضروري إذًا من تفعيل هذا المنحى المؤسسي بما يضمن الصلة ويعزز الرباط الوثيق بين أعضاء الأمة من منطلق تجربة الآسيان وغيرها من التجارب الناجحة لحد الساعة في العالم قصد تجاوز الخلافات والانقسامات التي تؤثر على موازين القوى خارجياً.

  من جهة أخرى، إذ لا يمكن التغافل عن هذه التجربة الاقتصادية وغيرها من التجارب الأخرى الناجحة لاستلهام العبر والدروس التقنية والفنية في تجاوز الثغرات وتدارك النقائص التي تعيق من مسار وحدة التعاون الخليجي لتعزيز محتوى الأمن الإقليمي لديه باتجاه الاستثمار في الفرد كقيمة اجتماعية قصد توزيع القاعدة الاقتصادية وتنويع منتجاتها الزراعية والصناعية ضمن تقسيم العمل بالاعتماد على الذات والتعامل ضمن حاجيات الإقليم وتكامل أطرافه وعناصره للإسهام فيما يلي بدخول حقل المنافسة العالمية. 

مجلة آراء حول الخليج