array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

يستطيع العالم العربي تشكيل قوة عظمى بعد الفشل الأيديولوجي الشيوعي والرأسمالي

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

كانت حقبة الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي تتميز بالأحلاف العسكرية والتكتلات السياسية، من حلف الناتو 1949م، وحلف وارسو والأحلاف العسكرية الإقليمية ومشاركة الدول الكبرى فيها مثل الحلف المركزي وحلف السيتوSEATO وحلف الانزيس Anzus الذي ضم أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، ولكن التحولات الدولية والإقليمية أدت إلى قيام التكتلات الاقتصادية على المستوى العالمي والإقليمي، حتى أن هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق قال قبل ثلاثة عقود إن التقاليد الكلاسيكية من توازن القوى وأمن الدول بالتسلح لم تحقق أهداف الدول ومصالحها بعد الدخول في حقبة جديدة، لأنها أصبحت متداخلة اقتصادياً في ظل تقدم تكنولوجيا الاتصالات والطموح الإنساني لدولة الرفاهية.

إن الأهداف الاقتصادية أصبحت محور اهتمام الدول في ظل تحول العالم إلى قرية كونية وتجاوز حدود الدول في ظل العولمة حتى أن بعض المفكرين وصف الدولة بأنها " وحدة اقتصادية".  وقد عبر عن الأهمية الاقتصادية عام 1953م، تشارلز ويلسون الرئيس التنفيذي لشركة جنرال موتورز General MOTORS كبرى شركات صناعة السيارات الأمريكية في جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ عندما رشحه الرئيس أيزنهاور لمنصب وزير الدفاع فقال عبارته التي شاعت " ما هو جيد لجنرال موتورز هو جيد لأمريكا"؟ وكان تولي وزارة الدفاع 1953-1957م، فالشركات العملاقة لها باع طويل في التأثير على السياسة الداخلية والخارجية في معظم الدول الرأسمالية وحتى الاشتراكية.

القوة السياسية تتبع القوة الاقتصادية

كان الاتحاد السوفيتي يملك الصواريخ العابرة للقارات وترسانة الأسلحة النووية ولكنه عندما انهار الاقتصاد السوفيتي انتهى بسقوط الاتحاد وتفكك الامبراطورية السوفيتية، فلم ينهار بقوى خارجية وإنما انهار من الداخل بانهيار الاقتصاد، وبسبب ضعف الاقتصاد السوفيتي والروسي فيما بعد في عهد يلستن كان تأثير روسيا السياسي ضعيفًا على المستوى الإقليمي والدولي ولكن عندما استعاد الاقتصاد الروسي عافيته بارتفاع أسعار البترول والغاز الطبيعي تخلصت روسيا من ديونها واستطاع بوتين أن يعيد الدور العالمي لروسيا الاتحادية فالقوة السياسية تابعة للقوة الاقتصادية، فاليابان دولة مؤثرة دوليًا وفي علاقاتها مع الدول الكبرى بسبب اقتصادها القوي رغم عدم امتلاكها السلاح النووي وكذلك ألمانيا أكبر قوة اقتصادية في أوروبا وتتزعمها اقتصادياً وسياسياً وتراجع دور بريطانيا بسبب أزماتها الاقتصادية بعد أن كانت امبراطورية لا تغيب عن ممتلكاتها الشمس.

أكد الاستاذ بجامعة هارفارد جزيف ناي والذي تولى في عهد الرئيس كلنتون رئاسة مجلس الاستخبارات الوطنية (NIC) 1993-1994م، أهمية العامل الاقتصادي في علاقات الدول،  ويعتبر صاحب نظرية  القوة الناعمةSOFT POWER  لتحقيق المصالح الأمريكية كما ركز في كتابه " الاعتماد المتبادل والقوة POWER AND INTERDEPENDECE " في العلاقات بين الدول وخاصة من خلال التكتلات الاقتصادية سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي لأن المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الدول الكبرى تؤدي إلى الاستقرار الدولي، وتبقى الدول بسبب علاقاتها الاقتصادية حساسة لما يحدث في دول أخرى في مجال الاقتصاد كما في العلاقات الأوروبية الأمريكية أو العلاقات الصينية الأمريكية بسبب حجم المصالح الاقتصادية، يتم الابتعاد عن التصعيد السياسي واحتواء الخلافات السياسية للمحافظة على المصالح الاقتصادية، ونجد أن السلاح الاقتصادي أصبح أكثر فعالية من الأسلحة التقليدية العسكرية، مثل الحصار الاقتصادي والمقاطعة الاقتصادية والعقوبات الاقتصادية ونشهد الآن "حرب العملات"  في العلاقات التجارية الدولية في الدعوة للتخلي عن الدولار والدعوة لاستعمال عملات أخرى في التعامل التجاري الدولي،  وإن سعي الدول للدخول في التكتلات الاقتصادية يأتي لتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية فالنمو الاقتصادي ينعكس على الشرائح الاجتماعية ومستوى المعيشة وبالتالي الاستقرار السياسي وخاصة أن كثيراً من الدول النامية تواجه الأزمات الغذائية وبعضها المجاعة.

تكتلات كبرى تتجاوز الخلافات الأيديولوجية لتحقيق المصالح القومية

إن المصلحة القومية للدول تفرض عليها تجاوز الاختلافات الأيديولوجية، فمجموعة آسيان (رابطة دول جنوب شرق آسيا )، فهي مجموعة اقتصادية تضم عشر دول مختلفة في الاتجاهات السياسية والأيديولوجيا ولكن مصالحها الاقتصادية دفعتها للتعاون فيما بينها، تشكلت عام 1967م، من خمس دول هي:  إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند ثم انضمت لها دول أخرى مثل فيتنام، ولاوس، وميانمار، وكمبوديا، وهي دول مختلفة الديانة واللغة ومنها يتبنى الرأسمالية وأخرى الاشتراكية، وتسعى منذ إنشائها تسريع النمو الاقتصادي وتحقيق التقدم الاجتماعي يسودها روح التعاون وقد حققت أهمية كبرى في نجاحها حتى فرضت وجودها في المجال الدولي وتتعاون مع الدول الكبرى.

وتعتبر مجموعة آيبك الاقتصدية APEC (التعاون للشراكة الاقتصادية لآسيا والهادي)، أكبر تجمع عالمي يضم الدول الكبرى للتعاون الاقتصادي ويضم في عضويته 21 دولة منها الولايات المتحدة، والصين، وأستراليا، وكندا، واليابان، وروسيا، ومجموعة دول أخرى على ضفتي المحيط الهادي تستفيد منه الشركات العملاقة في المجالات التجارية والاستثمارات وبسبب أهميته الاقتصادية نجد أن الولايات المتحدة توجهت في اهتمامها لشرق آسيا وأعلنت نيتها في الانسحاب من وجودها في الشرق الأوسط ولو جزئياً لأن مصالحها الاقتصادية تتركز في المحور الهادي الآسيوي واحتواء الخطر الصيني الذي يتصاعد كقوة اقتصادية عالمية تنافس الولايات المتحدة، ورغم التنافس بينهما فإن ذلك لم يمنعهما في الانضمام في الشراكة الاقتصادية لمصالحهما، فالمصلحة تفرض البر جماتية السياسية بين الدول الكبرى وتجنب الصدام المسلح والاعتماد على الدبلوماسية خاصة أن حجم الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين بكين وواشنطن مرتفع جداً، رغم التوتر بينهما في عهد الرئيس ترامب عندما فرض 2018م، تعرفة جمركية على البضائع  الصينية المستوردة إلى السوق الأمريكية، ونمت التجارة بينهما في الربع الأول من هذا العام (2022م)، 10.9 %،  عما كانت عليه في العام الماضي 2021م، وقد استوردت الصين من الولايات المتحدة في الربع الأول من هذا العام ما يعادل 60.8 مليار دولار أمريكي وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2021م، 755.6 مليار دولار هذا التبادل رغم التوتر في العلاقات بين البلدين فهما في حالة اعتماد اقتصادي  متبادل ECONOMIC INTERDEPENDENCE  بسبب حجم العلاقات التجارية بينهما. وما تخشى واشنطن هو التوسع الاقتصادي الصيني في إفريقيا والشرق الأوسط والقمة المتوقع عقدها في الرياض بين خادم الحرمين الشريفين والرئيس الصيني وقمة خليجية وعربية صينية، وتأتي السعودية على قائمة الدول المصدرة للبترول للصين.

تكتلات اقتصادية وأيديولوجية: الاتحاد الأوروبي نموذجاً

بدأت فكرة التعاون الاقتصادي بين الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، فالحرب كانت مدمرة وقتل فيها ملايين البشر ، فكانت فكرة التعاون في المجالات الاقتصادية تؤدي لتجاوز الحروب والخلافات السياسية المدمرة فكانت معاهدة بروكسل عام 1948م، ومعاهدة باريس 1951م، والتي توجتها معاهدة روما 1958م، لتشكيل السوق الأوروبية المشتركة التي فتحت الباب للدول الأوروبية للانضمام لها وفي عام 1993م، تحولت للاتحاد الأوروبي ويضم الاتحاد الأوروبي اليوم 27 دولة أوروبية  و24 لغة واللغات الرسمية في الاتحاد الانجليزية والفرنسية والألمانية وتتربع ألمانيا على رأس الاتحاد بسبب قوتها الاقتصادية ويبلغ عدد سكان الاتحاد عام 2022م،  حوالي 450 مليون نسمة، وبالمقارنة فإن مجموع سكان الدول العربية عام 2022م، بلغ 453 مليون نسمة وتتحدث لغة واحدة ودين واحد وتملك خيرات متعددة اقتصاديًا وثروات معدنية ومع ذلك فشلت السوق العربية المشتركة في إيجاد تعاون فعال بين الدول العربية حيث لا تتجاوز التجارة البينية بين دول الجامعة العربية 10%، وفشلت في تحقيق تقدم صناعي أو حتى اكتفاء ذاتي في الغذاء والصناعة ومن لا يملك غذاءه لا يملك إرادته.

وتطور الاتحاد الأوروبي من المجال الاقتصادي إلى إيجاد مؤسسات سياسية للتعاون بين الدول الأعضاء في التعاون السياسي والقضائي مثل المحكمة الأوربية وحقوق الإنسان وتوحيد المواقف السياسية من خلال منسق السياسة الخارجية للاتحاد، ولكن بقي الاتحاد مغلقًا على الدول الأوروبية فهو في واقعه الحالي منتدى دول أوروبية مسيحية وترفض قبول تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي باعتبارها دولة مسلمة رغم علمانية تركيا ويظهر أن أوروبا لم تنس سيطرة الدول العثمانية على ثلث القارة الأوروبية وحصارها للعاصمة النمساوية عام 1683م، في الوقت الذي يمنح الاتحاد الأوروبي إسرائيل علاقات خاصة في مختلف المجالات رغم انتقاد الاتحاد لإسرائيل بسبب المستوطنات والفصل العنصري وتعليق العلاقة لمدة عشر سنوات إلا أنها استؤنفت مؤخرًا بعد زيارة رئيس وزراء إسرائيل لبيد لبروكسل أكتوبر الماضي ولقائه مع منسق السياسة الخارجية جوزيب بوريل، وأكد البيان المشترك أن التعاون يستأنف في مختلف المجالات، التجارة والطاقة والعلوم والتكنولوجيا والثقافة، والمثير أن يفتح باب التعاون لإسرائيل ويرفض انضمام تركيا للاتحاد ولكن عند الحاجة للدفاع عن أوروبا وأن يضحي الأتراك بأرواحهم تقبل تركيا في حلف الناتو مفارقة عجيبة، أن تسيل دماء الأتراك للدفاع عن أوروبا وتمنع عنها الفوائد الاقتصادية من الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وكان الاتحاد السوفيتي السابق قد أسس منظمة الكوميكون (مجلس التعاون الاقتصادي) عام 1949م، للتعاون بين الدول الاشتراكية التي تزعمها الاتحاد السوفيتي وضمن دول حلف وارسو وانتهت منظمة الكوميكون مع انهيار الاتحاد السوفيتي ولكن روسيا الاتحادية أخذت تؤسس تكتلات اقتصادية وسياسية لمواجهة الدول الأوروبية والولايات المتحدة مثل تأسيسها لمجموعة كومنولث الدول المستقلة وهي الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق، وتم تشكيل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لدول وسط آسيا وشمالها وفي أوروبا الشرقية وقد وقع قادة دول بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا معاهدة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في 29 مايو 2014م، ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2015م، وانضمت إليها دول أخرى مثل أرمينيا وقرغيزستان وبذلك تكون روسيا الاتحادية قد تجاوزت الحصار الأوروبي لها بتوسيع علاقاتها الاقتصادية والتي توجد بدورها في منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة بريكس لمواجهة المعسكر الاقتصادي الغربي.

وإثر رفض الاتحاد الأوروبي قبول تركيا في عضويته، قامت روسيا بالالتفاف على ذلك بالدعوة لتاسيس منظمة التعاون الاقتصادي لحوض البحر الأسود وكانت الفكرة تركية وتم توقيع مشروع التأسيس رسميا في أستنبول في يونيو 1992م، وتضم منظمة التعاون للبحر أحد عشر منها: اليونان، ورومانيا، وبلغاريا، وهذه الدول أعضاء  في الاتحاد الأوروبي، وروسيا وأذربيجان، وبذلك تستطيع تركيا اختراق الاتحاد الأوروبي من خلالها وتعمقت علاقاتها مع روسيا ودول آسيا الوسطى، كما أن تركيا عضو في منظمة التعاون الاقتصادي (ECO)، وترجع جذورها لحقبة الحرب الباردة ومع سقوط الشاه تشكلت عام 1985م، المنظمة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي انضمت الجمهوريات الإسلامية الست التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي إلى منظمة التعاون مع إيران وباكستان وتركيا وأفغانستان وهذه الدول هي دول إسلامية، وكان نجم الدين أربكان عندما تولى رئاسة الوزراء 1996م، قد دعا إلى تشكيل مجموعة الدول الثمانية الإسلامية النامية (D8) وبالفعل تأسست عام 1997م، رغم أن المؤسسة العسكرية التركية أجبرت أربكان على الاستقالة في نفس العام، واستمرت المجموعة التي تضم تركيا وباكستان وماليزيا وإيران وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنغلادش، والهدف الأساسي هو التعاون الاقتصادي بمجالاته المختلفة وكان هدف أربكان إيجاد تكتل اقتصادي إسلامي يواجه التكتلات الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي.

النظام العالمي الجديد وتعدد الأقطاب الاقتصادية

تأسست منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001م، في شنغهاي وذلك لمواجهة الضغوط والعقوبات الاقتصادية الغربية وتضم ثماني دول حاليًا هي: الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقرغيزستان، وطاجكستان، وأوزباكستان، والهند، وباكستان، وانضمت مؤخراَ للمجموعة إيران في قمة سمرقند (أوزباكستان) والتي عقدت في سبتمبر 2022م، وبذلك يصبح عددها تسع دول ويشارك في الحوار مع المجموعة عدة دول تركيا وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا وكمبوديا ونيبال وسريلانكا وانضمت للدول المشاركة في الحوار الدول العربية، مصر وقطر والإمارات والكويت والبحرين، ومما يميز كتلة شنغهاي أنها تضم تقريبًا نصف سكان العالم ودول ذات حضارات قديمة تجاوزت الخلافات السياسية والدينية والعرقية والتاريخية لتحقيق اهدافها الاقتصادية وعالم متعدد الأقطاب، وبهذه الدول أربعة دول تملك السلاح النووي، والصين وروسيا لهما حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، وبها دول تتمتع بنمو اقتصادي مرتفع فالصين تعتبر ثاني دولة في اقتصادها  بعد الولايات المتحدة، وبالاضافة إلى الأهداف الاقتصادية فقد أجرت الصين وروسيا مناورات عسكرية مشتركة على حدودهما حتى أن بعض المعلقين الغربيين أطلق على منظمة شنغهاي للتعاون صفة (ناتو الشرق)، وفي قمة سمرقند الأخيرة قال الرئيس الصيني، إن الوقت حان لإعادة تشكيل النظام الدولي والتخلي عن المعادلات الصفرية والسياسات القائمة على تشكيل كتل، والعمل معاً لدعم تنمية النظام الدولي في اتجاه أكثر إنصافاً وعقلانية، وقال الرئيس الروسي بوتين "إن روسيا والصين تدافعان بشكل مشترك عن إقامة نظام عالمي عادل وديمقراطي ومتعدد الأقطاب، وكان الرئيس بوتين قد أعلن قبل ذلك " أن النظام الأحادي القطبية في العالم يجري استبداله"؟

ويظهر أن الدول التي تضم منظمة شنغهاي تواجه توترًا سياسيًا مع الولايات الأمريكية والغرب وخاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية فروسيا تتعرض للعقوبات الاقتصادية وكذلك إيران، والصين في خلافات تجارية مع واشنطن يصفها البعض بالحرب التجارية والخلاف حول الموقف الأمريكي من تايوان مما يدفع لتعزيز التعاون الصيني الروسي وتوسيع نطاق الدول التي تؤيدهما.

وتسعى منظمة شنغهاي لمواجهة الغرب بتوسيع تعاونها مع تكتلات أخرى مثل مجموعة بريكس BRICS التي يصل امتدادها لأمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا حيث تضم خمس دول مهمة؛ الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وهذه التكتلات تستطيع أن تواجه تكتلات أخرى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. تشكلت مجموعة بريكس عام 2006م، وجاء الاقتراح للمجموعة من قبل الرئيس بوتين على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتبنت المجموعة إنشاء بنك للتنمية ووضع احتياطي طارئ للمجموعة  وباتت تملك ما مجموعه 200 مليار دولار وعقدت قمتها الرابعة عشر في يونيو 2022م، ويقول الخبير الاقتصادي دانيال" إن هدف المجموعة وبطريقة غير مباشرة منافسة مجموعة السبع التي تمثل 60% من الثروة العالمية، فيما تمثل دول بريكس 40% من مساحة العالم، وقد أخذت اهتماماً أكبر من السابق بعد الحرب الروسية الأوكرانية، والتشتت الحاصل في النظام العالمي والاتجاه نحو تكتلات جيوسياسية وجيو-اقتصادية أو جيو استراتيجية، برزت أهمية بريكس خصوصًا بعد اجتماع  القمة الأخيرة في يونيو 2022م، الماضي وحضرت بعض الدول هذا الاجتماع وصل عددها 20 دولة بينها السعودية والجزائر وأندونيسيا وماليزيا وأصبحت المجموعة تضاهي مجموعتي السبع والعشرين حيث أن هذه الدول الخمس بها الصين ثاني اقتصاد والهند ثالث اقتصاد في العالم وروسيا أكبر مصدر للطاقة وخاصة الغاز الطبيعي. وقد أعلنت الجزائر في يونيو الماضي رغبتها الانضمام لمجموعة بريكس وقد رحبت كل من روسيا والصين بطلبها الانضمام، وتستطيع الجزائر في حالة انضمامها توسيع قاعدتها الاقتصادية ونفوذها السياسي فالمجموعة تشكل 41% من سكان العالم و24% من الاقتصاد العالمي و16% من التجارة العالمية، وتسعى البريكس إلى توسيع علاقاتها مع الدول المحورية في العالم وقد أعلن الرئيس بوتين عن ترحيب روسيا بالسعودية في حالة طلب انضمامها للمجموعة وفي حالة انضمامها يجعلها عضواً في أكبر مجموعة اقتصادية في العالم تضم دولاً نامية صاعدة بدون أي مشاركة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وتشهد القارة الإفريقية تكتلات اقتصادية حيث يوجد في القارة ما لا يقل عن 14 مجموعة إقليمية، توجد ثلاث منها في الغرب، وثلاث في وسط القارة ، ويوجد في شرق وجنوب القارة ست مجموعات إقليمية وتقوم هذه التكتلات الاقتصادية على أساس فكرة التكامل الاقتصادي والخروج من الهيمنة الاقتصادية الغربية، كما وقعت 44 دولة إفريقية من دول القارة ال55 في مارس 2018م، أثناء انعقاد القمة الإفريقية في كيجالي عاصمة رواندا على اتفاق منطقة  التجارة الحرة الإفريقية ويسعى الاتفاق القاري للتجارة الحرة الى إلغاء التعريفات الجمركية عن 90% من السلع وإزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار من أجل تعزيز التجارة بين الدول الإفريقية للخروج من تبعية الدول الأوروبية التي نهبت خيراتها في القرون السابقة وجعلت اقتصادها في تبعية للدول المستعمرة.

كما شهدت أمريكا اللاتينية تكتلات اقتصادية أهمها تجمع الميركوسور( السوق المشتركة الجنوبية واختصارًا بالبرتغالية ) MERCOSUL بموجب معاهدة اسونسيون 1991م، بعضوية البرازيل والأرجنتين وأورجواي وباراغوي ودخلت حيز التنفيذ عام 1994م، ولحقت بعض دول أمريكا اللاتينية بالانضمام لهذه المجموعة،  وعملت دولها على إزالة الرسوم الجمركية بنسبة 85% من التجارة البينية كما فعلت كل من البرازيل والأرجنتين، والجدير بالذكر أن أمريكا اللاتينية اعتبرت من 1823م، منطقة نفوذ أمريكي وفقاً لمبدأ مونرو، وهيمنت الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر والعشرين على اقتصاد القارة من خلال الشركات العملاقة، وشجعت واشنطن الانقلابات العسكرية لخدمة أهدافها، ولكن شعوب القارة انتفضت ضد الهيمنة الأمريكية وظهرت دول عملاقة ناشئة كما في البرازيل والأرجنيتن والمكسيك وتشهد القارة نموًا في اقتصادها والتعاون من خلال التكتلات الاقتصادية بين دولها. أما الولايات المتحدة فقد عززت نفوذها في أمريكا الشمالية من خلال تكتل نافتا NAFTA الذي يضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وهو تكتل للتجارة الحرة تستفيد منه الشركات الأمريكية التي تسخر القوى العاملة المكسيكية الرخيصة بنقل الشركات حيث العمالة المتوفرة والرخيصة التكلفة.

            إسرائيل تبحث عن أسواق والدول العربية بحاجة لتفعيل السوق المشتركة

حاولت إسرائيل منذ إنشائها عام 1948م، بالالتفاف على المقاطعة الاقتصادية العربية التي فرضت عليها، فاعتمدت على المساعدات الأمريكية وتوجهت للاتحاد الأوروبي منذ بداية تشكيلها في الخمسينيات من القرن العشرين، وتوجهت للقارة الإفريقية، وتبنت استراتيجية الأطراف مع الأطراف غير العربية إيران الشاه وتركيا وأثيوبيا، ثم تبنت استراتيجية الأطراف الجديدة في تعزيز علاقاتها مع الهند وأذربيجان وإعادة العلاقات مع الدول الإفريقية ونجحت مؤخراً لاختراق الاتحاد الإفريقي كمراقب ولكن موقف الدول العربية الإفريقية بتحرك الجزائر وقفت ضدها لتجميد القرار، وكانت إسرائيل أقامت علاقات اقتصادية مع الصين حتى قبل الاعتراف بها 1992م، حتى أن الكونغرس الأمريكي حقق في اتهام أن إسرائيل تزود الصين بالتكنولوجيا الأمريكية المتقدمة التي تحصل عليها وتسربها لها رغم الحذر الأمريكي، وهدف إسرائيل منع الصين بيع الأسلحة للدول العربية وخاصة الصواريخ البالستية. وبعد رفع المقاطعة العربية عن إسرائيل ورغم اتفاقيات السلام مع بعض الدول العربية فإن الشعوب العربية ترفض التطبيع والدليل أن الشعب المصري ورغم اتفاقية كامب ديقيد 1979م، منذ أربعة عقود، فإن الشعب المصري يرفض التطبيع ووصفه مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق بريجنسكي بأنه " السلام البارد"، وكان شمعون بيرس الرئيس الإسرائيلي السابق في كتابه الشرق الأوسط الجديد أكد على أهمية اختراق المنطقة العربية، للهيمنة الاقتصادية، ولذلك فالدول العربية بحاجة لتفعيل السوق الاقتصادية العربية المشتركة. إن القوة السياسية لأية دولة أو مجموعة مرتبطة بما تملكه من قوة اقتصادية، فالمال سلاح فعال في السياسة الدولية، وفي خطابات الزعماء العرب في قمة الجزائر في الأول من نوفمبر 2022م، كان الاهتمام بتفعيل العلاقات الاقتصادية العربية والسوق المشتركة والحاجة للخروج من حالة التبعية الاقتصادية والشروط المجحفة للمؤسسات الدولية من خلال قروضها ودور الشركات الرأسمالية المتوحشة والحاجة لتوفير الأمن الغذائي.

إن الدول العربية غنية بمواردها الاقتصادية وعدد سكانها الذين هم في سن الشباب ولديها من العلماء في مختلف المجالات العلمية والذين يستفيد منهم الغرب ويحتل الوطن العربي موقعاً استراتيجيًا متميزاً تمر به خطوط التجارة العالمية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب،  ويستطيع العالم العربي في حالة توفر الإرادة السياسية أن يشكل قوة عظمى، خاصة أن له تاريخ عريق وأسهم في الحضارة الإنسانية وله أيديولوجية تنتشر في العالم شرقه وغربه بعد الفشل الأيديولوجي الشيوعي والرأسمالي، إن الذي يملك المال يملك النفوذ، فهل نشهد عهداً جديدًا من التضامن العربي بعد لم الشمل في ظل التكتلات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، وهل يستغل موارده وثرواته حتى يكون قوة اقتصادية عالمية ذات فعالية دولية وبإرادة  سياسية مستقلة ويتحقق الأمن القومي العربي.

 

مقالات لنفس الكاتب