array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

الشراكة الاقتصادية مع دول الخليج ستثبت فائدتها لإفريقيا على المدى الطويل

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

يُنظر إلى التكامل الإقليمي في إفريقيا على أنه وسيلة للتدرج نحو الاندماج القاري الكامل، بدءاً بخطط دعم التصنيع والتحديث، من خلال تأمين اقتصادات النطاق الإقليمي، وتشجيع التجارة بحرية الوصول إلى الأسواق. ونتيجة لذلك، ظهرت الترتيبات الإقليمية في جميع أنحاء إفريقيا، التي قُصِدَ بها أيضاً وقف تهميش القارة الإفريقية في منافسات التجارة العالمية، والتي شهدت انخفاضاً كبيراً في حصتها في السلع والخدمات؛ من أكثر من 5 % في عام 1980م، إلى حوالي 2 % في عام 2003م. وقد حدث هذا التراجع في نصيب إفريقيا في تجارة العالم بالتزامن مع زيادة في الحصة الإجمالية للبلدان النامية، التي كانت تُشير إلى أن نمو تجارة البلدان الإفريقية قد تَخَلَّفَ عن غيره في البلدان النامية في آسيا وأمريكا اللاتينية. الأمر الذي جعل موضوع ضعف أداء التجارة الإفريقية مسألة قلق خاص للحكومات ومفوضية الاتحاد الإفريقي، التي اتجهت لتعويض هذا التصنيف المتدني عالمياً بمؤسسات تطور إقليمية داخلية تبلغ بها غاية السوق القارية المشتركة. وقد أشارت عدة دراسات إلى أن التجارة الإفريقية تَعَثَّرَت بسبب النظم التجارية المشوهة وارتفاع تكاليف المعاملات، وعدم كفاية البنية التحتية للنقل والمعلومات والاتصالات، وكانت لديها أكثر نظم التجارة المقيدة بين جميع مجموعات البلدان، مع ارتفاع الرسوم الجمركية، وعدد كبير من الإجراءات التعسفية، مع وجود الحواجز غير الرسمية، مثل عدم قبول شهادات قواعد المنشأ، والإجراءات الجمركية المرهقة وغير المتسقة.

وبالنظر إلى نماذج النمو، فإن الإقليمية المفتوحة والتكامل العميق تتميزان بأفضليات صالحة للشراكة بين تكتلات إفريقيا الاقتصادية الإقليمية؛ مثل، السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا “كوميسا”، والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي “سادك”، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. فالإقليمية المفتوحة على نطاق واسع تُعنى بالالتزام تجاه الدولة الأكثر رعاية للتحرير، وتقدم تغطية شاملة للمنتجات والسلع والخدمات، وهي، مع استثناءات قليلة، تعمل على التركيز على خفض تكاليف المعاملات على الحدود، وتؤسس لقواعد منشأ ليبرالية وواضحة ومتسقة. وتُشَكِّل الإقليمية المفتوحة عنصراً أساسياً في نجاح هيئات الطرق والمواصلات، وتلعب دوراً هاماً في توسيع نطاق المنافسة، وخلق فرص التجارة، وتقليل فاقد عائداتها. فيما يذهب التكامل العميق إلى تضمين الترتيبات الإقليمية لالتزامات التحرير، التي تذهب بعيداً خارج الاتفاقات المتعددة الأطراف، وتساعد الالتزامات في مجالات؛ مثل، الاستثمارات وحقوق الملكية الفكرية، وسياسة المنافسة والمعايير، وتسهيل التجارة على المستوى الإقليمي، في التوفيق بين الممارسات الوطنية المتباينة، ويمكن أن تخلق آليات تنفيذ فوق وطنية. وعندما يتم تكييف التكامل العميق مع مستوى التنمية في بلد ما، فإن لديه القدرة على تحسين المؤسسات، وإضفاء المصداقية على إصلاحات التجارة، بما يتجاوز ما يمكن أن يكون ممكناً في السياق متعدد الأطراف. بالإضافة إلى ذلك، فإن للتعاون الإقليمي إمكانية التخفيف من قيود تنمية العرض والطلب، إذ سيجري التركيز على التقريب بين نماذج التجارة والاستثمار، التي تحقق النمو الاقتصادي من خلال القضاء على السياسات التمييزية، وتفضيل عوامل النمو المشتركة؛ مثل، الزراعة، والتصنيع، والتكنولوجيا، والإنتاج القائم على المعرفة.

في المنهج:

يَتَقَصَّد هذا المقال تقديم فحصٍ عامٍ، ورؤيةٍ من الداخل لفكرة تصميم وكسب اثنتين من أبرز اتفاقيات التجارة الإقليمية في شرق وجنوب إفريقيا؛ “كوميسا” و”سادك”، ويحاول أن يبرز باختصار نقاط القوة والضعف فيهما، ويكشف عن بعض التحديات والمخاطر، التي يمكن مواجهتها وتجاوزها، والفرص المتوخاة منهما؛ إفريقياً وإقليمياً وعالمياً. ومن ثم، تقييم تجربتهما ومدى نجاحها، بدءاً من نشأتهما، وكسب مسيرتهما لأعضائهما والقارة الإفريقية، وكيف يتسنى لجوارهما العربي عامة، والدول الخليجية خاصة، تمتين وتكثيف عرى التعاون والتشارك معهما، في كل المجالات، التي تمثل أولوية وأفضلية لكليهما، مع استدراك أن ما هو قائم من أساس راسخ للتعاون بين هاتين الكتلتين يصلح للبناء عليه، فقط يحتاج إلى رصد نتائجه، التي تحققت حتى الآن، وما هو متوقع من زيادته وتفعيله مستقبلاً. إذ إن اليقين لدى الطرفين أن الفرص المتاحة للجانبين في المجال الاقتصادي كبيرة وواعدة، وما تحتاجه هو المزيد من الاستثمارات للنهوض بها وتعظيم العائد منها. فكل من السوق المشتركة لشرق إفريقيا “كوميسا”، والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي “سادك”، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، تنفذ فكرة منطقة تجارة حرة على طريقتها الخاصة، ولديها خطط لتشكيل اتحادات جمركية. وبينما كان التقدم في دول الخليج كبيراً؛ منذ لحظة الميلاد، لأسباب موضوعية معلومة، كانت بدايات “كوميسا” و”سادك” متواضعة؛ نتيجة لمشاكل التنفيذ على المستوى القطري، كما أعاقت بعض إشكالات قواعد المنشأ المعقدة والمقيدة سرعة الانطلاق.

لهذا، فإن الغرض من هذا المقال هو دراسة ومناقشة آفاق وتحديات توسع الاستثمار والتجارة في “كوميسا” و”سادك”، ويتمحور وصف ميزات الاتفاقيتين، ومدى امتلاكهما للسمات المرغوبة للتكامل الداخلي والتعاون الخارجي، ومناقشة التحويل والتوسع التجاري في الاتفاقيتين الإقليميتين، بإلغاء نظرة على بناء خططهما لتنفيذ الاتحادات الجمركية، وكيفية سعيهما لتحقيق الهدف المنشود، وإيجازٍ لبعض القضايا والتحديات والفرص، وما يمكن أن تضيفه دول الخليج لكليهما، ومنافعها من هذه الإضافة، وفقاً لمدى الميزات التفضيلية، التي يمتلكها كل طرف، والصفات المرغوبة في الإقليمية المفتوحة والتكامل العميق. وبشكل عام، يُنظر إلى التكامل الإقليمي في إفريقيا على أنه وسيلة لتشجيع التجارة وتأمين حجم الوفورات. من هنا، فإن آفاق التوسع التجاري والاقتصادي في اثنتين من أبرز التكتلات في شرق وجنوب إفريقيا يؤشر على إمكانيات النمو في التجارة البينية غير المحدودة، ويوفران فرصاً للدول الأعضاء لاكتساب مصداقية في السياسات من أجل إصلاحات التجارة، وتحرير التعريفات الجمركية، ومعالجة نقاط الضعف الهيكلية. وفي هذا الصدد، يمكن أن يكون للتفاوض بشأن اتفاقيات التعاون والشراكة التجارية والاقتصادية مع دول الخليج العربية تأثير إيجابي كبير.

ولهذا، فإن المقال يُشِيرُ، باستعراضٍ موجزٍ، بأن الأطراف الثلاثة؛ “كوميسا” و”سادك” ومجلس التعاون الخليجي، بحاجة إلى تبني نهج أكثر واقعية لأجندة التكامل الإقليمي الأوسع، من أجل زيادة احتمالات أهداف تنويع مجالات الاستثمار، والانفتاح معاً على منطقة التجارة الحرة القارية، التي تتسابق خُطى مفوضية الاتحاد الإفريقي لجعلها واقعاً ملموساً. ولا مناص، لتأكيد أهمية ذلك، من دراسة حقائق الاقتصاد السياسي للتكامل الإفريقي، وتسليط الضوء على بعض التحديات السياقية، التي ربما تخلق فجوة بين النوايا والأهداف المعلنة للتكامل الإقليمي للقارة على النحو الوارد في معاهدة أبوجا، التي تشكل المجموعات الاقتصادية القائمة، وفي مقدمتها “كوميسا” و”سادك”، نواة لها. فخطى التكامل الإفريقي الأشمل تتسارع، وفقاً للجدول المحدد ضمن الأطر الزمنية المتفق عليها. ويتطلب الأمر أن تقوم إفريقيا بتقييم نهجها المختار للتكامل، الذي يجب أن يدفع القارة إلى إعادة النظر في تركيزها الحالي غير المتناسب على تكامل السوق والسعي إلى أجندة تحرير التجارة لصالح نهج تنموي للتكامل. نهج الإقليمية التنموية هو النهج، الذي يسعى إلى تعزيز التجارة ذات المنفعة المتبادلة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي مع وضع قدر متساوٍ من التركيز على التنمية الصناعية، والارتقاء بسلاسل القيمة الإقليمية، التي تعد شرطاً أساسياً للتصنيع التحويلي. ولكي تنجح منطقة التجارة الحرة القارية، ستحتاج إفريقيا إلى التركيز بشكل كبير على التعاون في الاستثمار في البنية التحتية عبر الحدود والتنمية الأفقية والرأسية، مع مواصلة جهودها الرامية إلى مواءمة المعايير وتدابير تيسير التجارة ذات الصلة مع الجوار الإقليمي. وسيحقق هذا التغيير في التركيز على اعتماد نهج الإقليمية التنموية فوائد تنموية أكبر، ويزيد من احتمالات نجاح منطقة التجارة الحرة القارية.

النشأة والتطور:

جرت إبان عقد المؤتمرين الأول والثاني للدول الإفريقية المستقلة، في كلٍ من أكرا، غانا، في أبريل 1958م، وأديس أبابا، إثيوبيا، في يونيو 1960م، على التوالي، مناقشة المشكلات الاقتصادية، التي قد تواجهها هذه الدول المستقلة. وكان هناك توافق في الآراء على أن صغر وتجزئة الأسواق الوطنية الإفريقية في فترة ما بعد الاستعمار من شأنه أن يشكل عقبة رئيسة أمام تنويع النشاط الاقتصادي، بعيداً عن التركيز على إنتاج مجموعة ضيقة من الصادرات الأولية، إلى إنشاء أسواق حديثة وقادرة على المنافسة دولياً، والتي من شأنها تلبية الاحتياجات المحلية وتلبية متطلبات التصدير. لذلك، اتفِقَ على أن البلدان الإفريقية، التي حصلت على الاستقلال السياسي ينبغي أن تعزز التعاون الاقتصادي فيما بينها. وقُدِّمَ خياران لتنفيذ استراتيجية التكامل في إفريقيا؛ أولهما، النهج الإقليمي الشامل لعموم إفريقيا، الذي يتوخى الإنشاء الفوري لترتيب اقتصادي إقليمي قاري؛ والثاني، هو النهج الأضيق جغرافياً، والذي سيكون له جذوره على المستويات الإقليمية الفرعية، ويبني على ترتيبات التعاون دون الإقليمي لتحقيق أشكال أوسع جغرافياً من التعاون، ففضلت غالبية الدول النهج الثاني. وبناءً على ذلك، اقترحت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا تقسيم القارة إلى أربع مناطق فرعية: شرق وجنوب ووسط وغرب وشمال إفريقيا.

 لقد تبنى مؤتمر رؤساء الدول والحكومات لمنظمة الوحدة الإفريقية هذه المقترحات، وألْزِمَتْ جميع الدول الإفريقية المستقلة باتخاذ الخطوات اللازمة لتعزيز التكتلات التعاونية الاقتصادية شبه الإقليمية القائمة، وعند الضرورة، إنشاء مجموعات جديدة لتغطية كامل المنطقة دون الإقليمية، وتعزيز التنسيق والمواءمة بين التكتلات من أجل التأسيس التدريجي لمجموعة اقتصادية إفريقية بحلول نهاية القرن. لذلك، ترجع نشأة “كوميسا” إلى منتصف الستينيات، أي قبل اعتماد خطة عمل لاغوس ووثيقتها الختامية. إذ بدأت بلدان شرق وجنوب إفريقيا بالفعل العملية نحو إنشاء ترتيب تعاون بينها. وأوصى الاجتماع، الذي عقد في لوساكا، زامبيا، عام 1965م، بتأسيس مجموعة اقتصادية لدول شرق وجنوب إفريقيا لتحقيق هذا الهدف. وفي الاجتماع الأول للمجلس الوزاري المؤقت، الذي عقد في أديس أبابا، في مايو 1966م، اُعْتُمِدَت شروط الشراكة، التي تنظم الترتيبات المؤقتة قبل التوقيع على المعاهدة الرسمية؛ ووقعتها بوروندي وإثيوبيا وكينيا ومدغشقر وملاوي وموريشيوس؛ ومن بعد، كل من رواندا والصومال وتنزانيا وزامبيا. وفي نوفمبر 1967م، أوصى اجتماعٌ للجنة الاقتصادية المؤقتة للمسؤولين ببرنامج عمل مؤقت للتنفيذ يتم دمجه في المعاهدة عند الموافقة عليها.

 بالتوازي مع هذه التطورات، تم إنشاء منظمتين أخْرَيَين، حركة الحرية الإفريقية في شرق ووسط وجنوب إفريقيا (PAFMECSA)، ومؤتمر دول شرق ووسط إفريقيا. على الرغم من أن هاتين كانتا سياسيتين في اتجاههما بشكل أساس، إلا أن الحاجة إلى ترتيبات اقتصادية شبه إقليمية كانت أكثر إلحاحاً من السياسة، وذلك نتيجة لثلاثة تطورات رئيسة. أولها، أدى انهيار الاتحادات الفدرالية في شرق ووسط إفريقيا إلى تراجع التعاون السياسي بين دول المنطقة، وهو أمر احتاج إلى الكثير من المعالجة. وثانيتها، أدت زعزعة استقرار اقتصادات دول الجنوب الإفريقي من قبل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا إلى ضرورة إنشاء منظمة شبه إقليمية، على سبيل الاستعجال، من شأنها أن تكون ثقلاً اقتصادياً موازناً لجنوب إفريقيا. وشهدت الثالثة، عقد الاجتماع غير العادي الأول لوزراء التجارة والمالية والتخطيط في لوساكا، في مارس 1978م. وأوصى الاجتماع بإنشاء مجتمع اقتصادي إقليمي، يبدأ بمنطقة تجارة إقليمية فرعية يتم تطويرها تدريجياً على مدى عشر سنوات إلى سوق مشتركة. وتحقيقاً لهذه الغاية، اعتمد الاجتماع "إعلان لوساكا للنوايا والالتزام بإنشاء منطقة تجارة تفضيلية لشرق وجنوب إفريقيا"، وكَوَّنَ فريقَ تفاوضٍ حكوميٍ دوليٍ بشأن المساعدة في إنشاء منطقة التجارة التفضيلية. كما وافق الاجتماع على جدول زمني إرشادي لعمل هذا الفريق.

وبعد الانتهاء من الأعمال التحضيرية، انعقد اجتماع لرؤساء الدول والحكومات في لوساكا في 21 ديسمبر 1981م، حيث تم التوقيع على معاهدة تأسيس منطقة التجارة التفضيلية. ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ، في 30 سبتمبر 1982م، بعد أن تم التصديق عليها من قبل أكثر من سبع دول موقعة على النحو المنصوص عليه في المادة 50 من المعاهدة. ونصت معاهدة منطقة التجارة التفضيلية على تحولها إلى سوق مشتركة، وعليه، تم التوقيع على المعاهدة المؤسِّسَة للـ”كوميسا”، في 5 نوفمبر 1993م، في كمبالا، أوغندا، وتم التصديق عليها بعد عام في ليلونجوي، ملاوي، في 8 ديسمبر 1994م، لذلك، لم تكن عملية التكامل الاقتصادي في شرق وجنوب إفريقيا عرضية، بل كانت منهجية، سبقها تقدم منطقي على أساس خطوة بخطوة. فأولاً، تم إنشاء منطقة التجارة التفضيلية وتشغيلها لأكثر من عقد، وتحولت بعد ذلك إلى سوق مشتركة. وتلزم المعاهدة المؤسِّسَة للـ”كوميسا” الدول الحرة المستقلة ذات السيادة، التي وافقت على التعاون في استغلال مواردها الطبيعية والبشرية للصالح العام لجميع شعوبها. ولتحقيق هذا الهدف، تُدرك “كوميسا” أن السلام والأمن والاستقرار هي عوامل أساسية في توفير الاستثمار والتنمية والتجارة والتكامل الاقتصادي الإقليمي.

وفي عام 1996م، اختار المفاوضون التجاريون في الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي “سادك”، في البداية، نفس قواعد المنشأ البسيطة والشفافة مثل “كوميسا”، على أن تكون السلع مؤهلة للحصول على معاملة تفضيلية إذا خضعت لتغيير واحد في التعريفة يحتوي على ما لا يقل عن 35 % من القيمة المضافة الإقليمية، أو تضمينه من خارج “سادك” مواد لا تزيد قيمتها عن 60 % من قيمة إجمالي المدخلات المستخدمة. وبحلول وقت تنفيذ بروتوكول التجارة، في عام 2000م، ضغطت الدول الأعضاء من أجل استثناءات من هذه القواعد على أساس القطاع والمنتج المحدد. وتم تعديل هذه القواعد لتشمل متطلبات العملية الفنية التفصيلية، محتوى استيراد أقل مسموح به ومتطلبات قيمة مضافة محلية أعلى. وفي الآونة الأخيرة، ركزت “سادك” على استقرار الاقتصاد الكلي والتقارب من أجل تحقيق تكوين سوق مشتركة. وفي هذا الصدد، أعلنت “سادك”، في مارس 2004م، عن خطة تشمل أهدافها إنشاء اتحاد جمركي، وتنفيذ التعريفة الخارجية المشتركة، قبل عام 2010م، واتفاق سوق مشترك بحلول عام 2012م، وإنشاء بنك مركزي للمجموعة، والتحضير لعملة واحدة بحلول عام 2016م. وفي حين أن هدف التكامل الإقليمي الأعمق أمر مرغوب فيه، كان هناك قلق من أن يعكس هيكل الاتحاد الجمركي المقترح للمجموعة تعقيدات جديدة، إلا أنه تم تبسيط هيكل التعريفة الجمركية إلى حد ما في السنوات الأخيرة.

تحديات:

تواجه التجارة في المنطقة مجموعة تحديات، تتراوح بين عددٍ من التشوهات في الأنظمة التجارية، إلى أوجه القصور في الجمارك والنقل والبنية التحتية للاتصالات، وأن العديد من اقتصادات إفريقيا ليس لديها ملامح تكامل الإنتاج. ويبدو أن تنشيط التجارة بشكل مصطنع من خلال التفضيلات الجمركية لا طائل من ورائه، وإذا كان فعالاً، يمكن أن يكون مكلفاً، إذ لم تفعل اتفاقيات التجارة الإقليمية السابقة الكثير لوقف تهميش إفريقيا في التجارة العالمية. ويمكن لترتيبات التجارة الإقليمية، إذا تم توظيفها جيداً، أن تساهم في اندماج إفريقيا في الاقتصاد العالمي. فالدفع المتجدد للتكامل الإقليمي يجب أن يُنظر إليه على أنه فرصة لتحسين تصميم اتفاقيات التجارة الإقليمية في إفريقيا، من خلال وضعها بحزم في إطار التحرير متعدد الأطراف، أو ما يسمى بـ"الإقليمية المفتوحة"، والاستفادة من التعاون على المستوى الإقليمي لمعالجة العوائق التنظيمية، وغيرها من العقبات، التي تعترض "الدمج العميق" للتجارة الإفريقية مع جوارها الخليجي والعربي والعالم. كما يعتبر التحرير وراء ترسيخ فكرة هذا الاندماج الإقليمي والعالمي، وبدرجة عالية يمكن أن تكون الحواجز الخارجية هي مجرد طرح لأنماط اقتصاد الرفاهية الشكلية، ولا تفعل الكثير لتعزيز القدرة التنافسية، أو تُحَفِّز التكامل إقليمياً وعالمياً.

ففي وقت مضى، خلقت أنظمة التجارة الحمائية في إفريقيا تحيزاً قوياً ضد التصدير، وجعلت التحرير التفضيلي بلا معنى، وربطت أداء النمو الضعيف بالقيود التجارية. ولكن، بدا من الواضح، في الأعوام الأخيرة، أن المزيد من التكامل في التجارة الإقليمية ضرورة حتمية للتكامل مع الاقتصاد العالمي، لأنه يشكل حافزاً قوياً لتوسيع التجارة البينية والخارجية، التي تضع الترتيبات التفضيلية الإقليمية تجاه ما يقابلها من مطلوبات إقليمية وعالمية. لذلك، انتعش السعي لاتفاقيات التجارة الإقليمية في إفريقيا في الآونة الأخيرة، مدفوعاً جزئياً بالاتجاهات الإقليمية في نفس الاتجاه، وجزئياً من خلال مفاوضات اتفاقيات الشراكة الاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وغيره من التجمعات الاقتصادية العالمية، التي نرى أنها ينبغي أن تركز أكثر، في المرحلة القادمة، جهد تعاونها مع كل الجوار العربي، لكل الامتيازات التفضيلية، والنتائج المُوجِبة المُتَحَصَّلَة من تطويره وتعميقه. وذلك على أساس القرب الجغرافي، والمشتركات القائمة، والمعرفة الموجودة حول الروابط التاريخية، وما يمكن استخلاصه بين كل هذا ومردوداته الإيجابية على التجارة والنمو. والمطلب الواضح، الذي يتعلق به هذا التوجه، هو أن البلدان الإفريقية يجب أن تتبع في وقت واحد عدم التمييز في التحرير والتكامل الإقليمي. وعلى نفس القدر من الأهمية، ينبغي استخدام الاتفاقات التجارية الإقليمية كآلية لتعزيز مصداقية السياسات في المنطقة، وتثبيت الإصلاحات التجارية. فالتعاون الإقليمي داخل القارة الإفريقية، ومع جوارها الخليجي والعربي، ينبغي تصميمه لتعظيم الفوائد المرغوبة والمرجوة منه، وذلك بجعل الاتفاقات التجارية الإقليمية مفتوحة لتكامل عميق، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في معالجة قيود البنية التحتية المختلفة، بما في ذلك القيود على الموارد المالية في إفريقيا، وضعف بعض الموارد الطبيعية في دول الخليج والعالم العربي.

آفاق وتَجَدُّد:

 إن أية محاولة لتقييم آفاق التوسع في التجارة البينية في دول “كوميسا” و”سادك” لا بد أن تستصحب المخاوف فيما يتعلق بتداخل العضويات وتكامل المنتجات، فضلاً عن الاتجاهات في هذه التجارة البينية، لأن هذا مفيد للتخلص منها على ضوء الفوائد المحتملة من هاتين المنظمتين، وما يجمعهما بغيرهما. أما فيما يتعلق بمستويات التجارة البينية المنخفضة في الماضي، فإن كل المؤشرات تقول إنها توسعت بوتيرة صحية فيما تلى ذلك من أعوام، وتسابق الزمن الآن لتعويض ما فات. لذلك، فإن الفوائد الرئيسة من “كوميسا” و”سادك” من المرجح أن تأتي من قدرتها على نقل المصداقية للسياسات التجارية في المنطقة، ونجاحها في معالجة معوقات التجارة الهيكلية، وما وراء الإجراءات الحدودية، وتدخل في ذلك الحاجة الملحة لترشيد العضوية في هذه المنظمات، أي ما ذكرناه عن تداخل العضويات بين مختلف الترتيبات الإقليمية، الذي له تكاليف تضغط على موارد وقدرات التفاوض، بما فيها التكاليف الإدارية المتعلقة بقواعد المنشأ المعقدة، ورسوم العضوية المتعددة.

وفي بيئة مواتية مثل هذه، فمن المرجح أن تتدفق فوائد “كوميسا” و”سادك” على غيرها من الدول الإفريقية، والجوار الجغرافي الأقرب، الذي تأتي في مقدمته دول الخليج والعالم العربي، التي لها من مصادر القوة الاقتصادية ما يمكنها من دعم الآخرين لتعظيم المصالح المتبادلة. والعلاقة مع دول الخليج والجوار العربي يمكن أن تكون، بجانب الاستثمار المباشر، وسيلة مفيدة للتنسيق وبناء القدرات في مختلف المجالات المتعلقة بالتجارة؛ بما في ذلك المعايير، والإجراءات الجمركية، والحواجز غير التعريفية الأخرى، وما إلى ذلك. كما أن هذه العلاقات يمكن أن تساعد على التخفيف من قيود البنية التحتية من خلال التعاون الإقليمي الأوسع. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لدول الخليج خاصة توفير الكثير من المصداقية لسياسات إصلاحات التجارة من خلال الالتزام بتحرير شروط الاستثمار في الدول الأوْلَى بالرعاية، التي تتضح من خلال تعريفة خارجية مشتركة منخفضة وموحدة. إذ إن هناك العديد من التحديات في تنفيذ أي تبادل خارجي مشترك منخفض وموحد التعريفة، أبرزها ما يتعلق باعتماد عدد كبير من البلدان في المنطقة على الضرائب التجارية كمصدر للدخل. ففي جميع بلدان “كوميسا” و”سادك” تقريباً، تزيد ضرائب التجارة عن 10 % من إجمالي الإيرادات. علاوة على ذلك، تُشير التجارب السابقة إلى أن ذلك قد حدث بالفعل، وكان من الصعب على البلدان منخفضة الدخل استبدال عائدات الرسوم الجمركية الضائعة بإيرادات مصادر أخرى.

لهذا، فإن هناك ميزة مثيرة للاهتمام في توسيع قاعدة علاقات دول الخليج بالتكتلات الاقتصادية في إفريقيا، في مرحلة تسبق اكتمال بناء السوق الإفريقية القارية المشتركة، وذلك للعمل مع هذه التكتلات لمعالجة كل ما يتعلق بالتحديات القادمة، والفرص المحتملة باعتبارها شريك تجاري مهم للمنطقة. ولذلك، يجب بذل جهود كبيرة للتعويض عن كل خسارة متوقعة الآن من أجل ربح المستقبل. وبالنظر إلى التأكيد على أهمية ذلك، ينبغي تعزيز اتفاقيات التجارة الإقليمية والدفع نحو تشكيل اتحادات جمركية، تُمَكِّن من اغتنام الفرصة، وتنفيذ اتفاقيات تعريفة منخفضة وموحدة، لأن عدم القيام بذلك سوف يبطئ التحرير في المستقبل، ولديه القدرة على تفتيت نظام تعددية التداول. رغم أنه من المرجح أن تكون النزعات المعارضة للتحرير، التي تتعدى حدود هذه التكتلات القائمة، ومتعددة الأطراف، قد تتفاقم مع إنشاء المصالح الخاصة، والتي ترغب في الحفاظ على امتيازات الوصول إلى السوق الممنوحة بموجب اتفاقيات حماية منتجات المنشأ. لكن، ينبغي أن يكون واضحاً لكل الأطراف أن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية مع دول الخليج، والبلدان العربية الأخرى، ستثبت فائدتها لبلدان إفريقيا على المدى الطويل. وذلك من خلال تعزيز اتفاقيات الاستثمار والتجارة الإقليمية، لأن ما بين الجانبين؛ الإفريقي والخليجي والعربي، تكامل موارد، يملك فيها كل طرف ميزات تفضيلية مانعة للتنافس. فإذا نجحت علاقات الطرفين في تعزيز الالتزام بتحرير التجارة غير التمييزي والمواءمة في مجالات التبادل المختلفة، يمكن للبلدان الإفريقية أن تستفيد من اكتساب مصداقية أكبر للسياسات الاقتصادية، وتكون أفضل تكاملاً مع الأسواق الإقليمية.

استنتاجات:

إن الحقيقة المستخلصة من هذا العرض هي أن التنسيق الاقتصادي الإقليمي آخذ في الازدياد، رغم أن “كوميسا” و”سادك” ما تزالان تواجهان العديد من التحديات في السعي وراء الإقليمية المفتوحة، أي في شكل الالتزام بتحرير التعريفة غير التمييزي. في ظل هذه الظروف، فإن تنسيق تعديلات التعريفة الخارجية المشتركة سوف ينطوي على قدر كبير من الأهمية، كما قد ينطوي على بعض المخاطر، التي تدفع البعض إلى الإغلاق بدلاً من فتح اقتصاداتهم. لكن الأكثر والأهم من ذلك، هو ما إذا كانت الشراكة مع دول الخليج العربية ستلعب دوراً إيجابياً في تعزيز الانفتاح الإقليمي، أو ما إذا كان ذلك ممكناً، من خلال ضمان التنفيذ الأكثر منهجية لأحكام التكامل الإقليمي، ويعمل في نهاية المطاف على تعزيز القوى، التي تتطلع إلى الداخل في علاقاتها الخارجية. ولمتابعة التحرير غير التمييزي بالتزامن، مع التحرير التفضيلي في كل من السلع والخدمات، يجب أن تهدف الاتفاقات الإقليمية إلى تغطية شاملة للتدفقات التجارية والسياسات التنظيمية المختارة، وحسب الاقتضاء التسلسلي، بما في ذلك التجارة والإصلاحات الضريبية، والتوصل إلى اتفاق على مستوى منخفض للتعريفة الخارجية الموحدة، مع استمرار الالتزام بالمزيد من التخفيضات الجمركية. كما ينبغي التأكيد على أن التكامل الإقليمي العميق والأسواق المفتوحة من السمات المرغوبة إقليمياً وعالمياً، لكنها في حاجة إلى الإرادة السياسية والالتزام لضمان تحقيق هذه الأهداف بشكل فعال.

لهذا، لا بد من الإشارة هنا إلى أن تحليل بيانات الاستثمار وحركات رأس المال داخل التكتلات الاقتصادية في إفريقيا أصبح أكثر موثوقية مما كان عليه في الماضي. فتحديث البيانات حول تدفقات الاستثمار داخل هذه التكتلات صار يستصحب اتجاهات هذه التدفقات والاستراتيجيات المتبعة للترويج لها، مما يمكن من تقييمها بشكل جيد. إذ إن سجل البيانات الدقيقة لن تساعد فقط صانعي السياسات على صياغة الاستراتيجيات الإقليمية، ولكنها ستساعدهم أيضاً على تجنب المخاوف غير الضرورية بشأن اتجاهات سياسية معينة، مثل تحرير حسابات رأس المال، أو تنسيق اتفاقات الاستثمار الإقليمية والدولية والتكاليف، التي سيتم تكبدها. ولذلك، فإن مؤشرات البيانات تؤكد التأثير الإيجابي للاقتصاد الكلي المحلي على إصلاحات القطاع المالي ومناخ الأعمال، وتدعم تقدم التكامل الإقليمي، التي تشكل عامل جذب مهم يقوم عليه الاستثمار وتدفقات رأس المال، ليس فقط فيما بين إفريقيا ومناطق أخرى، كالخليج والعالم العربي، ولكن أيضاً داخل إفريقيا. ويُشير النمط الإفريقي الداخلي أيضاً إلى بعض الترابط بين تدفقات استثماراتها وتجارتها، وأن تنميتها يمكن أن تكون معتمدة على الآخرين. ففي السنوات الأخيرة، كانت اتجاهات تدفقات رأس المال والاستثمار داخل إفريقيا إيجابية، خاصة تمويل الاستثمار الأجنبي المباشر لعمليات الاندماج والاستحواذ في مجال التعدين والمالية والاتصالات السلكية واللاسلكية والصناعات القائمة على الموارد، مما يجعلها جذابة للبلدان الأخرى، خاصة خصخصة أصول الدولة في الشركات القائمة، أو السعي لزيادة الصادرات منها.

ولهذا، ننبه إلى أنه من الاعتبارات الإيجابية الأخرى للاستثمار الخليجي المباشر داخل التكتلات الاقتصادية الإفريقية يمكن أن تكون الشراكة فيه طويلة الأجل، وبسبب الأنشطة، التي تشارك فيها دول الخليج الآن، يمكن أن يكون استيعابها للمتغيرات سريعاً وسهلاً. لذلك، تحتاج دول الخليج إلى تعزيز حضور استثماراتها في البلدان الإفريقية، وتوجيه تدفقات رأس المال، على غرار السياسات المطلوبة بشكل عام. وسوف يساعد الاتحاد الجمركي في مرحلة ما على القيام بذلك، ولكن في غضون ذلك، يمكن للأطراف أن تتخذ الخطوات اللازمة لمواءمة سياسات الاستثمار داخل التكتلات الاقتصادية الإقليمية من خلال دمج بروتوكولات الاستثمار في اتفاقيات التجارة الحرة القارية. وللبناء على التقدم المحرز نحو تحقيق الاستقرار في بيئتها الاقتصادية الكلية، تحتاج هذه التكتلات إلى بناء مؤسسات من أجل الاقتصاد الكلي وتعزيز الشفافية في صنع السياسات والإدارة من أجل الحد من أوجه القصور والمخاطر، وذلك بتنسيق السياسات الاقتصادية بشكل أكثر إحكاماً. فهذه التكتلات خلقت المزيد من الفرص للتجارة البينية عن طريق إزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار. ونتيجة لخفض التعريفات، أو إلغائها، يؤدي التعاون إلى أسعار أرخص للمستهلكين في دول الكتلتين. كما أن التكامل الاقتصادي الإقليمي يساهم بشكل كبير في معدلات النمو المرتفعة نسبياً في البلدان الأقل نمواً. لذلك، قد تجد الدول أن العضوية في هذه التكتلات تُسَهِّل التفاهم الاقتصادي الإقليمي الأوسع، وتخلق تعاوناً سياسياً أوثق.

مقالات لنفس الكاتب