array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

علاقة دول مجلس التعاون والميركوسور تكاملية لا تنافسية خاصة في الغذاء

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

تُعد السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية أو ما يُعرف اختصارًا باسم (ميركوسور) تكتلًا سياسيًا واقتصاديًا مشتركًا يجمع بين الدول الأربع المؤسسة له في أمريكا الجنوبية، ألا وهي: البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وباراجواي، وقد عُلقت عضوية فنزويلا-الشريك الخامس-في هذه المعاهدة وذلك نتيجةً لما تمر به من مشاكل داخلية. ومن الجدير بالذكر أنه قد تم التوقيع على معاهدة السوق المشتركة الجنوبية في عام 1991م، وتُعد بوليفيا عضوًا منتسبًا تقدم مؤخرًا بطلب للحصول على العضوية الكاملة.

وعلى الرغم من أن السوق المشتركة الجنوبية، وكما يُنظر إليها عبر نطاق واسع، تُعد معاهدة تكامل مُكرسة وبشكل رئيسي للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين أطرافها، فإن البرازيل والأرجنتين وهما طرفان رئيسيان فيها قد شرعا في استكشاف علاقات أخرى تتمحور حول مجموعة متنوعة من القضايا الحساسة قبل تكاملهما الاقتصادي؛ فخلال الثمانينات وقعت كل من البرازيل والأرجنتين سلسلة من المعاهدات التي تسمح بالرقابة المتبادلة على منشآتهما النووية، وبفضل هذه الاتفاقات تجنبت المنطقة التصعيد النووي وظلت تلك المنطقة من العالم محافظة على سلميتها فلا تندلع فيها منازعات إقليمية ولا تُقام فيها سباقات تسلح بين بلدانها.

كما أن مجموع ناتجها المحلي الإجمالي قد بلغ 1.978.175 مليون يورو وذلك في عام (2021م)، بالمقارنة مع مجموع الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي الذي كان قد بلغ 1.602.668 مليون دولار في نفس العام.

وتُوجَه صادرات السوق المشتركة الجنوبية بشكلٍ رئيسي إلى الصين (29%) والولايات المتحدة (11%) وهولندا (4 %) ممثلةً 44% من مجموع صادرات السوق، أما بالحديث عن واردات السوق فهي تأتي من الصين (25%) والولايات المتحدة (18%) وألمانيا (5%) لتمثل هذه البلدان الثلاثة 48% من تلك الواردات.

وقد ارتفعت معدلات التجارة بين البلدان الأعضاء في السوق المشتركة الجنوبية حتى وصلت إلى 40.591 مليون دولار أمريكي وذلك في عام 2021م.

وفي الوقت الراهن تمر السوق المشتركة الجنوبية بمرحلة انتقالية سياسية؛ حيث أجرت البرازيل انتخابات رئاسية في الثالث من نوفمبر. وقد فاز الرئيس إيناسيو لولا دا سيلفا -المنتخب من قبل لفترتين رئاسيتين-بتلك الانتخابات في جولة الإعادة ضد الرئيس الحالي جايير بولسونارو لينعم بولاية ثالثة له في المنصب وليتم تنصيبه رئيسًا للبلاد في 1 يناير 2023م، كما أن الأرجنتين بصدد إجراء انتخاباتها الرئاسية خلال العام نفسه.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية لم تحقق السوق المشتركة الجنوبية أي تقدم يُذكر؛ فقد أظهر ذلك التكتل التجاري إخفاقًا تجاريًا ذريعًا على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولم تُظهر المبادلات التجارية للسلع والخدمات القائمة فيما بين أعضائه أي زيادات ذات قيمة، كما أن بعض الآراء السياسية المختلفة بشأن كيفية تنشيط هذا الميثاق التجاري قد برزت فيما بين أعضائه.

وتتعلق النقاشات الرئيسة الدائرة بين البلدان الأعضاء بدرجة انفتاح ذلك التكتل على الأسواق الأجنبية، وتُعد السوق المشتركة الجنوبية فعلياً اتحادًا جمركيًا له تعريفة خارجية مشتركة، ويتطلب تخفيض العوائق أمام الواردات الخارجية إجماع البلدان الأعضاء فيها، وخلال السنوات القليلة الماضية أدلت أوروجواي- وهي بلد صغير تكاد تنعدم فيه القدرات الصناعية- بدلوها في مسألة التفاوض من جانب واحد على اتفاقات تجارية مع بلدان أخرى ولا سيما الصين إذا لم تخفض السوق المشتركة الجنوبية عوائقها أمام التجارة الخارجية، وقد أبدت البرازيل- زعيمة ذلك التكتل التجاري- اهتماماً بتخفيض التعريفات المطبقة في سياق اقتصاد صناعي أكثر تعقيداً بما يتطلب مفاوضات مفصلة ونهجاً دقيقًا، أما الأرجنتين فقد أظهرت خلال السنوات الأخيرة أشد المواقف تصلباً ولم توافق على مسألة التعريفات المنخفضة.

 

وقد يمثل وصول الرئيس لولا دا سيلفا إلى سدة الحكم والتغيير المحتمل في الحكومة الأرجنتينية المرتقب خلال انتخابات العام المقبل أساسًا سياسيًا لإعادة إطلاق السوق المشتركة الجنوبية تحت جدول أعمال أكثر طموحًا يشمل مجالات الطاقة وسياسة الدفاع والاتفاقيات النقدية، كما أن موقف السوق المشتركة الجنوبية الحمائي قد يواجه أيضًا تغييرات محتملة من شأنها أن تعيد إطلاق السوق في نهاية المطاف ككتلة تجارية ديناميكية.

السوق المشتركة الجنوبية وأوروبا: التحول إلى الجيوسياسية

تضرب العلاقة الاقتصادية القائمة بين السوق المشتركة الجنوبية والاتحاد الأوروبي بجذورها إلى التسعينيات عندما بدأت كلتا الكتلتان مفاوضاتهما والتي انتهت بتوقيعهما اتفاقية تجارة حرة في عام 2019م، وكان ذلك بعد عشرين عامًا. وقد أظهرت هذه المفاوضات المطولة للغاية مدى صعوبة التوصل إلى اتفاق بين الكتلتين؛ فالسوق المشتركة الجنوبية تُعد مصدرًا هامًا للمنتجات الغذائية، وقد كان لدى العديد من البلدان الأوروبية على وجه الخصوص إضافةً للاتحاد الأوروبي وجهات نظر حمائية فيما يخص المنتجات الغذائية والتي تهدف إلى الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي في توفير منتجاتها الغذائية، بينما وضعت بلدان مثل فرنسا وبولندا وأيرلندا المزيد من القيود في هذا الشأن، نظرًا لتقاليدها التاريخية ولوجود مجموعة متنوعة من مرافق الإنتاج الزراعي وإنتاج الماشية والأغذية في هذه البلدان.

وفيي عام 1962م، سن الاتحاد الأوروبي سياسته الزراعية المشتركة التي تدعم إنتاج الغذاء على الأراضي الأوروبية بمبلغ 60 مليار دولار سنويًا، وبذلك تساهم هذه السلسلة من سبل الدعم الحكومي في تغيير قواعد السوق وخلق تعريفات عالية تفسر طول وصعوبة التوصل إلى اتفاق مع السوق المشتركة الجنوبية.

وعلى الجانب الآخر فقد ولّد الغزو الروسي لأوكرانيا منعطفات حرجة أتاحت إمكانية تنفيذ الاتفاقية؛ فوفقًا لما أصدرته مجموعة أوراسيا من تقارير فإن روسيا وأوكرانيا تنتج مجتمعتان 14٪ من إمدادات القمح العالمية و 29٪ من جميع صادرات القمح، وتنتج البلدان أيضًا 14٪ من الشعير في جميع أنحاء العالم وثلث صادرات الشعير العالمية، كما أنهما تساهمان بنسبة قدرها 17٪ من صادرات الذرة العالمية، بالإضافة إلى ذلك تُعد كل من روسيا وأوكرانيا نقاطًا محورية لأسواق الزيوت النباتية والتي واجهت ضيقًا في إمداداتها لما يقرب من عامين؛ فإن ما يقرب من 80٪ من جميع صادرات زيت عباد الشمس يأتي من منطقة البحر الأسود، وكما ذكرنا في التحليلات السابقة التي قدمتها مجلة آراء فإن الصدع بين أوروبا وروسيا سيمتد لفترة طويلة بغض النظر عن نتيجة الحرب، ومن الجدير بالذكر أن الحاجة إلى التنويع في توفير المنتجات الغذائية قد شهدت زيادة كبيرة في أوروبا وقد أدى هذا المنعطف الحاسم إلى تقليص المقاومة من جانب معارضي الاتفاقية وفتح بدوره نافذةً أتاحت الفرصة أمام السوق المشتركة الجنوبية.

ولا يخفى على أحد أنه وبعد أيام فقط من بدء الصراع بين روسيا وأوكرانيا شهدت أسعار النفط والغاز والمنتجات الغذائية ارتفاعًا ملحوظًا، وقد تعرض الاقتصاد السياسي للطاقة في أوروبا للتغيير بعد عقود من الاعتماد على النفط والغاز الروسي؛ حيث تزود روسيا أوروبا بنسبة 45% من الغاز و30% من الفحم و25% من النفط، أما ألمانيا وهي المدافع الرئيسي عن عقيدة الاحتواء الروسي فهي تستورد 70 ٪ من غازها من تلك الدولة، وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب ألغت ألمانيا خط الأنابيب المثير للجدل تحت بحر البلطيق والذي يربط بين بنيتها التحتية للغاز وبين روسيا، وقد كانت هذه التطورات بمثابة غيض من فيض؛ فأوروبا تغير اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية من الناحية البنيوية، وتشير الأدلة المتاحة اليوم إلى أن روسيا سوف تحتاج إلى بيع نفطها وغازها إلى الصين والهند في نهاية المطاف باعتبارهما أسواقها الرئيسية؛ فقد اتخذت أوروبا قرارات قاسية بعد الحرب العالمية الثانية مما أدى إلى تبنيها سياسات زراعية دعمت وبقوة المصادر الأوروبية للإمدادات الغذائية، وقد كان هدفها هو ضمان استقلاليتها في إنتاج الغذاء لتواجه مشاكل نقص الغذاء وتوابعه، وقد يتبع ذلك موقفاً مماثلاً فيما يتعلق بسياستها في مجال الطاقة؛ حيث تُعد فرص التعجيل بالانتقال نحو اعتماد مصادر الطاقة النظيفة فرصًا كبيرة، وفي الوقت نفسه يشهد قطاع مقدمي الوقود الأحفوري تغييرات هيكلية فقد عقدت أوروبا بالفعل صفقات مع كل من الجزائر ومصر والبرازيل بهدف الحد من اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، وبذلك لا يتيح تعديل الأولويات الأوروبية من حيث موردي الطاقة فرصة للسوق المشتركة الجنوبية فحسب بل يغير ذلك التعديل في الوقت نفسه الخريطة العالمية لموردي الطاقة ومستهلكيها.

أما بالحديث عن القيود الرئيسة الأخرى التي تبديها البلدان الأوروبية تجاه تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة فهي تركز على السياسات البيئية؛ فقد أرغمت الحرب المندلعة في أوكرانيا أوروبا على العودة إلى الاعتماد على الوقود الأحفوري والنووي في الأمدين القصير والمتوسط ولكنها في الوقت نفسه قد سارعت بالتحول نحو استخدام الطاقة المتجددة، وقد أدى توافق الآراء هذا في أوروبا إلى وقف الدعم المقدم لإبرام اتفاقية مع السوق المشتركة الجنوبية وذلك بسبب السياسات البيئية المتبعة في البرازيل، حيث تعتبر أوروبا والولايات المتحدة حوض الأمازون الضخم في البرازيل حاجزًا رئيسًا لاحتواء ظاهرة تغير المناخ العالمي، وقد تكون إزالة الغابات في منطقة الأمازون للأغراض الزراعية مسألة كارثية تواجه الجهود العالمية المبذولة والرامية إلى احتواء الارتفاعات التي تشهدها درجات الحرارة، وقد اتخذ الرئيس البرازيلي بولسونارو موقفاً قاسياً ضد أنصار تغير المناخ؛ فأقام تحالفاً مع القطاعات الزراعية في البرازيل مما يسمح بإزالة الغابات بدرجة كبيرة في منطقة الأمازون بهدف الحصول على أراض جديدة لزراعتها، وقد استعان المعارضون الأوروبيون للاتفاقية بمثل هذه المخاوف البيئية لوقف تنفيذها، ومن المحتمل أن تؤدي فترة لولا الجديدة في منصبه إلى تراجع السياسات الداعمة لإزالة الغابات والتي اضطلع بها من سبقه في هذا المنصب وبالتالي ستحد من معارضة النشطاء البيئيين للاتفاقية بين الكتلتين.

وكما هو معروف فإن ثمة تنافس بين السوق المشتركة الجنوبية والاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمسألة إنتاج المنتجات الغذائية؛ فهذه المنطقة تحمل أهمية استراتيجية لأوروبا لأسباب تاريخية، وبعد مرور ستين عامًا على تنفيذ السياسة الزراعية المشتركة تؤيد اليوم أوروبا تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين الكتلتين الاقتصاديتين، وفي سبيل ذلك فقد اتفقت البلدان الأوروبية على مجموعة من آليات التعويض التي تُمنح للمنتجين الزراعيين الفرنسيين لكي تخفض مقاومة فرنسا لتنفيذ الاتفاقية.

علاوةً على ذلك فإن السوق المشتركة الجنوبية تُعد شريكًا محتملًا وضخمًا للبلدان الأوروبية في توفير النفط والغاز؛ وكما ذكرنا أعلاه فقد وقعت البرازيل بالفعل اتفاقيات مع بلدان أوروبية لتوفير الطاقة وقد تحذو الأرجنتين حذوها قريبًا،

وتعد البرازيل والأرجنتين طرفين فاعلين رئيسين في مجال الطاقة النظيفة، كما أن الحرب في أوكرانيا قد عجلت بالتحول نحو اعتماد مصادر الطاقة المتجددة في أوروبا وقد تعهدت الشركات العالمية الرئيسة بتحقيق انبعاثات كربونية صفرية في عملياتها وبذلك قد تجذب المناطق الشاسعة في البرازيل والأرجنتين ذات الإمكانيات الشمسية والريحية الضخمة استثمارات جديدة تغادر الصين وروسيا للبحث عن دول بلا صراعات ودول ذات قدرة على إنتاج سلع وخدمات خالية من الكربون.

وبذلك نصل هنا إلى الاستنتاج الرئيسي بشأن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة الجنوبية والذي يؤكد أنه وحتى في ظل ظروف المنافسة الاقتصادية داخل المناطق التي يعتبرها الأوروبيون مناطق ذات أهمية استراتيجية فإن كلا الكتلتين الاقتصاديتين كانتا قادرتين على التغلب على سلطات حق النقض (الفيتو) والتي تمارسها البلدان الأوروبية الرئيسة، وقد أنتجت التغيرات التي طرأت على الجغرافيا السياسية العالمية في السنوات القليلة الماضية تصورات مختلفة بشأن التحالفات الاستراتيجية في المجالات الرئيسة مثل الغذاء والطاقة.

دول مجلس التعاون الخليجي والسوق المشتركة الجنوبية: الطاقة والأمن الغذائي

إن الحجة وراء المساعي المبذولة لاستكشاف سبل الشراكة بين دول مجلس التعاون الخليجي والسوق المشتركة الجنوبية هي حجة بسيطة وغير معقدة؛ حيث تبين الأحداث التاريخية المذكورة في القسم السابق من المقال أنه قد كان لكل من أوروبا والسوق المشتركة الجنوبية مصالح تنافسية تدور حول مجموعة متنوعة من المجالات وأنهما قد استطاعتا على الرغم من ذلك التوصل إلى اتفاقية هامة جدًا بشأن التجارة الحرة، وعلى الجانب الآخر فإن دول مجلس التعاون الخليجي والسوق المشتركة الجنوبية تعدان أبعد ما يكون عن المنافسة بل وتظهران أوجه تكامل في مجموعة متنوعة من المجالات الاقتصادية ولا سيما في مجالي الطاقة والغذاء، كما أن هناك إمكانيات هائلة للنمو؛ فكلتا المنطقتين مصدرتان ضخمتان لسلع وخدمات بعينها ومع ذلك فإن تبادلهما التجاري لا يأتي إلا على نطاق ضيق جدًا.

وبتنحية مسألة القدرة التنافسية جانبًا فإن كلتا المنطقتين تظهران أوجه تكامل ضخمة؛ حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بميزة كبيرة من حيث البراعة في قطاع الطاقة لديها وفائض رأس المال الذي يمكن أن يزيد من نفوذ المنطقة في السوق العالمية للطاقة، كما تمتلك بلدان مجلس التعاون الخليجي أكثر قطاعات النفط تقدمًا في العالم بينما لا تزال بلدان السوق المشتركة الجنوبية مثل البرازيل والأرجنتين في المراحل الأولى من تطوير احتياطيات ضخمة من النفط والغاز خارج الحدود وفي مجال استخراج الصخر الزيتي. وتمتلك البرازيل بنية تحتية متطورة للحفر خارج الحدود بقيادة شركة بتروبراس-شركتها الوطنية الخاصة-باحتياطيات ضخمة مؤكدة، كما أطلقت الأرجنتين مناقصة دولية لاستغلال احتياطاتها في البحر والتي تضمنت مشاركة من شركات قطرية.

وقد تشكل مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر المقدمة من شركات قائمة في منطقة الخليج إضافةً إلى صناديق الثروة السيادية القائمة في مشاريع محددة في المراحل التمهيدية والنهائية نطاقات ذات فائدة متبادلة، ويمكن للبلدان في كلا الإقليمين أن تدمج سلاسل القيمة الخاصة بها لغرض إنتاج الغاز الطبيعي المُسال وتوزيعه عالميًا، كما أنه يتعين أيضًا تشغيل البنية التحتية الداخلية مثل خطوط الأنابيب التي توجه الغاز إلى الموانئ الساحلية بحلول يونيو 2023م، ومن الجدير بالذكر أنه يُجري بالفعل تنفيذ بعض المشاريع التي يرأسها شركاء دوليون ووطنيون مثل شيفرون وبتروناس وقطر إنرجي.

ومن المؤكد هنا أن روسيا لن تفتقر إلى قدرتها على الوصول إلى الأسواق الأوروبية لفترة طويلة فحسب بل إنها سوف تفتقر أيضاً إلى جذب الاستثمارات الدولية اللازمة لتطوير العديد من حقول النفط والغاز القائمة لديها وذلك بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وقد يبحث هذا الفائض من رأس المال في قطاع الطاقة عن فرص أخرى في مواقع أخرى.

وتُعد الزراعة أيضًا مثالاً آخر لقطاع اقتصادي ذي إمكانيات هائلة؛ حيث تنتج كل من البرازيل والأرجنتين مجتمعتان منتجات غذائية يستهلكها 1000 مليون إنسان، وتتميز النظم البيئية لإنتاج المنتجات الغذائية فيها بأنها متطورة للغاية ويمكنها إنتاج مواد خام كبيرة الحجم لتوليد البروتينات الحيوانية وفي الوقت نفسه يمكنها تطوير منتجات محددة عالية الجودة لأسواق الخليج مثل اللحوم الحلال ومنتجات الألبان والسلع العضوية.

وقد تؤدي ظاهرة تغير المناخ وآثارها على الإنتاج المحلي للمنتجات الغذائية في شبه الجزيرة العربية إلى خلق دوافع لتطوير الاستثمارات في إنتاج إمدادات متنوعة من السلع في أسواق مثل السوق المشتركة الجنوبية.

وقد تعزز الموجة الثانية من الاستثمارات في الشركات الزراعية المدرجة في البورصات الدولية من الاستراتيجية التي وضعتها دول منطقة الخليج لتأمين إمدادات متنوعة وعالية الجودة من المنتجات الغذائية والزراعية.

التغيرات الطارئة على سيناريو الطاقة في السوق المشتركة الجنوبية: الإنتاجية والتوازن المالي والتوافق السياسي

لقد وقعت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة معاهدات لحماية الاستثمارات وخفض التعريفات مع البرازيل والأرجنتين، وقد هدفت هذه الإجراءات إلى الحفاظ على حقوق الملكية والاستثمارات الطويلة الأجل، وعلى الرغم من أنها شروط ضرورية فهي لا تُعد كافية لإقامة شراكات طويلة الأجل.

وقد أثبتت احتياطيات البرازيل خارج الحدود كونها احتياطيات ذات إمكانيات هائلة، بينما تمتلك الأرجنتين ثاني احتياطي من الغاز الصخري ورابع احتياطي من النفط الصخري في العالم. وكما أشرنا من قبل فإن الأرجنتين قد شرعت في التنقيب عن المناطق خارج الحدود ذات الإمكانيات الهائلة. ومن الجدير بالذكر أن الدولة تمارس نشاطًا ملحوظًا منذ الستينيات في استخدام النفط خارج الحدود في مناطق أخرى من ساحلها. وفي السنوات الخمس الماضية شهدت الإنتاجية في حقول الأرجنتين ارتفاعًا كبيرًا، كما شابه إنتاجها ذلك الذي تنتجه منشآت النفط والغاز الصخري الأمريكية، وقد تحققت هذه الأهداف بفضل الاتفاقيات المبرمة بين الشركات الخاصة والحكومات الوطنية وحكومات المقاطعات ونقابات العمال.

والأهم من ذلك كله أن الائتلافين السياسيين الرئيسين في كل من الأرجنتين والبرازيل يدعمان نموذجًا تجاريًا يفضل التعامل عبر الاستثمارات الدولية والسبب وراء هذا الاتفاق يكمن في حقيقة أن احتياطيات النفط والغاز تشكل ركائز أساسية للتوازن المالي بين البلدين، وبالتالي فإن الدوافع التي قد تحث أي حكومة مستقبلية على تعطيل هذا التوازن لا تُعد أمرًا محتملًا.

ويمكننا هنا أن نقول إن الجمع بين الظروف الخارجية والتوازنات الداخلية في كل من البرازيل والأرجنتين يمثل منعطفًا حرجًا من شأنه أن يغير قواعد اللعبة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي والسوق المشتركة الجنوبية.

مقالات لنفس الكاتب