array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

التكتلات الإقليمية تتجاوز التنمية لتقترب من الشراكة والتكامل والنفور من الحروب

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

  • التكتلات الإقليمية لها أبعاد أممية لا تقتصر آلية التعاون البيني بينها على تحقيق التنمية في مجتمعات دول أعضائها، كما لم تقتصر أبعادها الأمنية، على محيطها الإقليمي الضيق. هذا اتجاه ليس بجديد في تكوين التكتلات الإقليمية، لتحقيق الشراكة على المستوى الأممي، بإنشاء تكتلات إقليمية تتجاوز هموم التنمية والتنسيق والشراكة من أجل خدمة القضايا المشتركة في مجالات التنمية والأمن، لتطال اهتمامات أممية تصل لحد خلق تكتلات عملاقة تتعدى المجالات الإقليمية إلى آفاق أممية استراتيجية تتعلق باستقرار النظام الدولي وإيجاد دور إيجابي في توازن النظام الدولي، بعيداً عن الاستقطاب الثنائي أو المتعدد الأقطاب، بين الدول الكبرى من أجل المنافسة على الهيمنة الكونية، لتبوء صدارتها أو المشاركة فيها.

 

 

مجموعة عدم الانحياز

 

كانت أول محاولة، في هذا المجال، بعد الحرب العالمية الثانية في ظل نظام الأمم المتحدة، إنشاء منظومة عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ، الذي عُقِدَ في مدينة باندونغ الإندونيسية في الفترة ما بين ١٨ إلى ٢٤ أبريل ١٩٥٥م، وحضرته ٢٩ دولة آسيوية وإفريقية. هذه المنظمة الإقليمية، ذات الأبعاد الأممية، جاءت بمبادرة بين زعماء دول ثلاث الرئيس المصري جمال عبد الناصر (1918– ١٩٧٠م) والرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو (1892 – ١٩٨٠م) ورئيس وزراء الهند جواهر لآل نهرو (1889– ١٩٦٤م)، الذين رأوا ضرورة إنشاء منظمة إقليمية ذات أبعاد أممية، للتعامل مع النظام ثنائي القطبية، الذي كان سائدًا في ذلك الوقت، مقسماً العالم إلى معسكرين أساسيين، على أسس أيدلوجية وأمنية واقتصادية من أجل السيطرة على نظام الأمم المتحدة، آن ذاك.

 

هذه المجموعة، التي زاد عدد أعضائها، وبلغت عند بداية أفولها، بعد انهيار المعسكر الشرقي، وهي الآن معروفة بمجموعة الـ ٧٧، لم تكن اهتماماتها أمنية، كما كان الأمر سائدًا في فترة الحرب الباردة .. ولم تكن أيدلوجية، أيضاً كما كان الأمر في حالة الصراع المحتدم آن ذاك بين المعسكرين الرئيسيين (الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة والاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي )٠ كل ما كان يشغل بال زعماء المجموعة، عند إقامة منظمتهم الإقليمية، كيف ينأون بمجتمعات دولهم، عن ذلك الصراع المحتدم في ذلك الوقت بين الدولتين العظميين، لتأكيد سيادة دولهم المستقلة حديثاً، بعدم استبدال قوىً استعمارية قديمة، بدولِ إمبريالية جديدة.  بالإضافة إلى أن يكون لهم دور إيجابي في كيفية إدارة نظام الأمم المتحدة الجديد، بعيداً عن هيمنة نظام القطبية الثنائية الجديد.

أهم ما كان يشغل بال زعماء الدول المجتمعة في باندونغ، آن ذاك، هو: حضور وتأثير نظام القطبية الثنائية الجديد، بصورة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. فتلك الدول كانت حديثة الاستقلال وجزء كبير من صراع الدول العظمى في ذلك الوقت كان: حول تقسيم دول العالم بينهما. بعبارة أخرى: كانت مناطق دول المجموعة هي مسرح عملية الحرب الباردة بين المعسكرين العظميين، من أجل التوسع والحظوة بمكانة الهيمنة الكونية. أيضاً: كانت أهداف المجموعة تغلب عليها المثالية السياسية والاستراتيجية، أكثر مما يجب أن تتصف به من الواقعية، بل وحتى العقلانية، في بعض الأحيان.

 

في حقيقة الأمر، معظم تلك الدول كانت تحت تأثير مباشر أو غير مباشر، وبمستويات متفاوتة بأحد المعسكرين، لدرجة يصعب الفكاك منها، في بعض الحالات. ثم إن بعض تلك الدول كان نفوذ أحد القطبين الرئيسيين أو كليهما طاغٍ عليها، لدرجة يصعب الاختيار بينهما، دعك من الفكاك منهما. ولا ننسى الخلافات البينية بين دول منظومة عدم الانحياز، سواء في مشاكل الحدود، مثل علاقة دول شبه القارة الهندية (الهند وباكستان) ببعضهما البعض أو علاقتهما بجارة كلٍ منهما الشمالية (الصين).

 

أول مبادرة سلام في المنطقة

 

كما علينا ألا ننسى المشاكل الأمنية الإقليمية، التي تفرض واقعها على سلوك بعض الدول الأعضاء، بل وحالت دون مشاركة بعض تلك الدول في منظومة عدم الانحياز الجديدة. لقد نجح العرب بقيادة مصر، في ذلك الوقت، من منع إسرائيل المشاركة في مؤتمر باندونغ، إلا بشرط انسحاب إسرائيل إلى حدود مشروع التقسيم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: ١٨١، لسنة ١٩٤٧م، والاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية وفقاً للحدود التي رسمها ذلك القرار لتقسيم فلسطين التاريخية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية.

 

هذه في حقيقة الأمر كانت أول عمل إيجابي لذلك المؤتمر، بتقديم مشروع سلام في المنطقة بموجب خريطة قرار التقسيم، مما شَكّل فعلياً اعترافَ العرب بإسرائيل في مقابل قيام الدولة الفلسطينية، منذ نشوب أول حرب عربية إسرائيلية سنة ١٩٤٨م. لو قبلت إسرائيل بهذا الشرط لحضورها المؤتمر وانضمامها لمجموعة عدم الانحياز، لكانت ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط، التي كانت ومازالت تشكل الوقود المستعر للصراع العربي الإسرائيلي، بوصفه أعقد بؤر عدم استقرار نظام الأمم المتحدة، قد حُلّت.

 

لكن في حقيقة الأمر، لم يكن العربُ جادين في عرضهم، إلا من خلال تبرير عدم موافقتهم على حضور إسرائيل المؤتمر، كما أن إسرائيل بمشروعها التوسعي لم تكن مستعدة للتنازل عن مكاسبها الإقليمية في الأراضي الفلسطينية، التي كسبتها بعد حرب ١٩٤٨م، لأن ذلك يتعارض مع مشروعها التوسعي الكبير في الأراضي العربية وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، الذي لا يقف عند حدود فلسطين التاريخية، بل يمتد من النيل إلى الفرات. هذا ما أكدته حروب إسرائيل ضد العرب، ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣م، وعدوان إسرائيل على العرب المستمر إلى اليوم. أطماع إسرائيل التوسعية في أرض العربُ لا تعرف حدوداً، ولا ترعى سلاماً حقيقياً، ولا حتى تكتفي ببناء إسرائيل الكبرى، إن تمكنت من ذلك. إسرائيل لا ترضى بأقل من أن تكون دولة مهيمنة إقليمياً في المنطقة، بيدها استقرارها ومستقبل السلام بها.  

 

من العزلة القسرية إلى العالمية

 

لعلّ أهم إنجاز أممي لمجموعة عدم الانحياز التبشير بسطوع نجم في سماء النظام الدولي الملبد بالغيوم، في ذلك الوقت. الصين كان مؤتمر باندونغ من خلال فضاء منظومة عدم الانحياز، البوابة التي من خلالها أطلت على العالم، كقوة عظمى مرشحة لأن تنافس على مكانة الهيمنة الكونية، بعد أن فُرضت عليها عزلة دولية، من كلا معسكري النظام الدولي في ذلك الوقت. بكين، حينها حُرمت قسراً، من تمثيل الصين في الأمم المتحدة وأُعطي مقعدها للحكومة الوطنية بقيادة تشاي كاي شي (١٨٨٧ – ١٩٧٥م)، التي هربت من البر الصيني، لتنشئ جمهورية الصين الوطنية في جزيرة تايوان، التي كانت تعرف حينها بفرموزا.

 

جمهورية الصين الشعبية، التي يحكمها الحزب الشيوعي الصيني، بعدد ساكنها الذي يزيد قليلاً عن نصف مليار نسمة، لم يكن نظام الأمم المتحدة في ذلك الوقت يعترف بها وفرض عليها عزلة سياسية ومقاطعة اقتصادية، استمرت لأكثر من عشرين سنة من مؤتمر باندونغ. وكانت الصين الوطنية في تايبيه هي الممثل الشرعي للصين، في نظر نظام الأمم المتحدة، وهي من يحتل مقعد الصين في مجلس الأمن حتى بداية سبعينيات القرن الماضي.

 

كان مؤتمر باندونغ، إذن: هو الإطلالة الإقليمية، بأبعادها الأممية، التي أطلت منها الصين على العالم، لتصبح بعد ٦٧ سنة من مؤتمر باندونغ الاقتصاد الثاني في العالم والقوة الدولية الثانية، التي لديها القوة والإرادة للمنافسة على مكانة الهيمنة الكونية، كما صرح مؤخراً وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن.

 

الصين، منذ مؤتمر باندونغ وانضمامها لمجموعة عدم الانحياز، أخذت تتوغل ببطء لكن بثقة في مسرح السياسة الدولية، لتتواجد في مجتمعات دول بآسيا وإفريقيا، وحتى حديثاً بدول في وسط وشرق أوروبا، بحثاً وراء الأسواق والتواجد العسكري والنفوذ الاقتصادي. الصين، التي مازالت متمسكة بنظامها الشيوعي الماركسي، اختارت أن تأخذ من النظرية والممارسة الليبرالية، جانبها الاقتصادي، في كل ما يخص قوى السوق ونفوذ رأس المال وابتعاد الدولة عن التدخل في العملية الاقتصادية، وهي الدولة الاشتراكية المفترض تحكمها طبقة البروليتاريا، لتوفير الموارد اللازمة لتمويل مشاريع تنموية عملاقة. هذا المزج المبدع بين النظرية الليبرالية في الاقتصاد والممارسة الفعلية لحكم الحزب الشيوعي، استطاعت أن تحقق الصين نموًا اقتصاديًا وتقدماً تكنلوجياً وتطوراً صناعياً، خلال نصف قرن، مما جعل منها ثاني اقتصاديات العالم، ولا تخفي طموحها الأممي، للمنافسة على الهيمنة الكونية، كما وعد رئيس الصين والأب الروحي للصين الحديثة دنغ هيساو بينغ (١٩٠٤ – ١٩٧٩م).

 

لقد كان رهان دول عدم الانحياز على الحصان الصيني مربحاً، ولم تنس بكين أبداً مواقف دول عدم الانحياز، التي واجهت عنتاً شديداً من قبل موسكو وواشنطن، حينها، نظير دعمها لبكين وسبباً في خروجها من العزلة المفروضة عليها… وكان هذا هو التحدي الرئيس الذي أقدمت عليه مجموعة عدم الانحياز، ليكون لها موقف سياسي وأخلاقي عملي في شؤون النظام الدولي، بعيداً عن حركة الصراع المحتدم بين قطبي نظام الحرب الباردة، الذي يحكم علاقة العملاقين العظميين، في ذلك الوقت، ودورهما في إدارة حركة السياسة الدولية.

 

التعاون من أجل التكامل الإقليمي

 

لم يكن نفوذ وتأثير كلٌ من موسكو وواشنطن، على مجال نفوذهما القريب على المسرح الأوروبي، يأخذ شكلاً واحداً في علاقاتهما بحلفائها المقربين على تخوم حدود نفوذهما المباشر، في مسرح السياسة الدولية في قلب أوروبا، الذي شهد خلال عقدين من الزمان حربين عالميتين كبريين (الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ -١٩١٩م، والحرب العالمية الثانية: ١٩٣٩ – ١٩٤٥م). كان الاتحاد السوڤيتي يأخذ بنهج الاحتلال العسكري المباشر لدول معسكره في حلف وارسو في وسط وشرق أوروبا، بينما تأخذ واشنطن بنهج الاحتواء الحاضن، لدول حلف شمال الأطلسي في غرب أوروبا واليابان، مع الالتزام بالدفاع الاستراتيجي .. والدعم الاقتصادي .. والترويج للديمقراطية، في تلك المجتمعات.

 

لكن، كلاً من حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو، لا يمكن إخفاء أبعادهما الاستراتيجية الأممية، حتى مع محدودية وضيق مسرح عملياتهما المباشر في قلب العالم القديم (أوروبا). كما أن الحلفين، قاما بتطوير ترسانة مقدرة قيادتهما المركزية في واشنطن وموسكو، بأسلحة الدمار الشامل والهلاك المتبادل الأكيد، مكنت نظام الأمم المتحدة من الاستمتاع بشيءٍ من الاستقرار، على المسرح الأوروبي، بل وعلى مستوى العالم، ككل.

 

الولايات المتحدة، بعد تجربة تدخلها القسري في العالم القديم، خروجاً عن عزلتها التقليدية، لم تكن تحتمل صراعاً جديداً في أوروبا، يضطرها للتدخل للمرة الثالثة، وقد تكون هذه المرة باستخدام أسلحة الدمار الشامل، النووية بالذات. خطة مارشال، لإعادة إعمار أوروبا، التي رفضها السوفييت، لأسباب أيدلوجية وأمنية، لم تكن مشروعًا اقتصادياً، فحسب، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً يعتمد على نظريات التعاون لا الصراع، من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي، وخدمة السلام على مستوى العالم.

 

صحيح الولايات المتحدة، بموجب مشروع مارشال أعادت إعمار أوروبا، لكن الإنجاز الاستراتيجي الأهم، في هذا المجال على المستويين الإقليمي والأممي، هو إقناع أعداء الأمس بعدم جدوى استمرار الصراع بينها، ورؤية إمكانات التعاون الاقتصادي بينها، مع تأسيس بنى تحتية ليبرالية، لضمان عدم عودة الأنظمة الشمولية والفاشية للقارة الأوروبية، وكانت الركيزة الأممية الثانية لخطة مارشال، هي: إعادة إعمار اليابان على الجانب الآخر الشديد السخونة في مسرح السياسة الدولية، على جبهة الباسفيك، الأقرب والأشد خطراً على أمن الولايات المتحدة القومي.

 

تقديم الحماية الاستراتيجية، بتوفير مظلة غير تقليدية لحماية حلفاء أمريكا في العالم القديم، مع توفير دعم اقتصادي سخي لإعادة إعمار ما خلفته الحرب العالمية الثانية من دمار في مجتمعات أوروبا الغربية واليابان، كان حافزاً لإنشاء كيانات إقليمية عملاقة تتكامل فيها اقتصاديات متقدمة، كمقدمة لما يشبه الكيانات الإقليمية فوق الأممية ( Supranational Organizations  )، لا تضمن فقط عدم عودة الصراع التقليدي المرير للقارة الأوروبية ووقف تمدد الأنظمة الشمولية في غرب الباسفيك، بل إحداث قدراً كبيرًا من التكامل البيني بين دول تلك المجتمعات، يقفز على خلافاتها التقليدية ويبشر بمرحلة استقرار تتضح فيها عوائد التكامل الإقليمي وتتوارى فيها مغريات وأهواء الصراع بتكلفته العالية، ونتائجه غير المضمونة، وغير المتوقع نجاحها.

 

بعد أكثر من سبعة عقود ونصف من تجربة التكامل الإقليمي في أوروبا، التي وللمصادفة التاريخية واكبت تجربة مجموعة عدم الانحياز، شهد العالم استقرارًا لافتاً .. وأخذت فرص السلام تتقدم على احتمالات الحرب والصراع، الأمر الذي مكن البشرية من إحداث اختراقات علمية واقتصادية وتنموية، لم تشهدها البشرية، طوال تاريخها. وللمفارقة، كان للتقدم في نظم الأسلحة غير التقليدية، النووية بالذات، أثرٌ إيجابي، في هذا الاستقرار العالمي وسيادة السلام، رغم هشاشته، بما لم يحدث في تاريخ البشرية. كان نظام توازن الرعب النووي، بالرغم من محاذيره المهلكة المتبادلة، أكثر استقراراً من نظام توازن القوى التقليدي، الذي أفشل نظام عصبة الأمم ودفع العالم لحربين عالميتين، راح ضحيتهما أكثر من ثمانين مليون إنسان، ٦٠ مليون نسمة في الحرب العالمية، وحدها.

 

مِنْ الإقليمية إلى الأممية

 

نموذجي مجموعة عدم الانحياز في تجربة العالم الثالث مع واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستبدال القوى الاستعمارية بالقوى الإمبريالية، الأكثر تعطشاً للتوسع والهيمنة، سواء في نموذجها الشمولي، كما هو حال هيمنة الاتحاد السوفيتي على معسكره الاشتراكي، في وسط وشرق أوروبا .. أو في النموذج الليبرالي، بصيغته الأمريكية، كما هو حال المعسكر الرأسمالي في شرق الأطلسي، وغرب الباسفيك، إنما يعكسان دور ترتيبات الشراكة الإقليمية، بأن يكون لها امتدادات أممية، تتجاوز محيطها الجغرافي والديمغرافي، ليمتد نفوذها وتأثيرها، على النظام الدولي، بأسره.

 

مجموعة عدم الانحياز، سعت لإنشاء كيان إقليمي، تكون له امتدادات أممية، تتعدى الهيمنة التقليدية للنفوذ الاستعماري التقليدي، وكذا النفوذ التوسعي الامبريالي الجديد، لحلفي وارسو وشمال الأطلسي ( النيتو )، بخلفيتهما الايدلوجية والاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. لقد نجحت تجربة منظومة عدم الانحياز في تمكين دول العالم الأقل تقدماً والأفقر اقتصادياً والأوسع جغرافياً والأغنى بشرياً، في تأكيد استقلالها والنأي بمجتمعاتها عن الصراع المحتدم بين موسكو وواشنطن، على الهيمنة الكونية .. وأن يكون لدول مجموعة عدم الانحياز طريقٌ ثالثٌ، غير ذلك الذي يسلكه، ويجبر العالم على المشي في دروبه، معسكري موسكو الاشتراكي وواشنطن الرأسمالي.

 

وإن نجحت مجموعة عدم الانحياز على المستوى الاستراتيجي والسياسي، ولو بشكل محدود لكنه لافتاً، إلا أنه لم يحالفها الحظ، على المستوى الاقتصادي والتنموي. كل مشاريع التكامل الاقتصادي في مجتمعات العالم الثالث، التي تضم في عضويتها مجموعة عدم الانحياز، لم تنجح أي تجربة تكاملية، فيما بينها، مثل ما كان الحال في تجربة الاتحاد الأوروبي.

 

حتى على المستوى السياسي والاستراتيجي، كانت أحلام وطموحات مجموعة عدم الانحياز لم تتلاق مع واقع السياسة الدولية، كما لم تتمكن دول المجموعة، إلى اليوم في صيغتها الجديدة المسماة بمجموعة الـ ٧٧، من تحقيق حلم الفكاك من ربقة الدول العظمى .. ولم تتمكن، أبداً من تحويل استقلالها السياسي، إلى إنجاز اقتصادي ولا حتى على تنمية سياسية حقيقية، تسود في مجتمعاتها قيم الممارسة الديمقراطية وتعلى بها قضايا حقوق الإنسان وكرامته.

 

لكن، يمكن القول: بثقة كبيرة، أن هناك أبعاداً أممية للكيانات والتكتلات الإقليمية، تتجاوز اهتمامات قضاياها الإقليمية المشتركة، في التنمية والأمن والتكامل الاقتصادي، بل وحتى التعامل مع مشاكل وتعقيدات علاقاتها التاريخية ببعضها البعض، لتقترب أكثر من تبصر فضيلة التعاون والشراكة والتكامل، والنفور من مغريات وأهواء وخطأ حسابات الانجرار لحركة الصراع وخيار الحروب.

مقالات لنفس الكاتب