array(1) { [0]=> object(stdClass)#13239 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 181

ثلاثة توجهات تحكم تطورات الداخل الروسي والأزمة الأوكرانية عام 2023

الخميس، 29 كانون1/ديسمبر 2022

شهد فجر يوم 24 فبرايرالماضي منعطفاً هاماً للأزمة الأوكرانية، بإعلان الرئيس بوتين عن بدء "عملية عسكرية خاصة" في دونباس شرق أوكرانيا بهدف تدمير البنية العسكرية الأوكرانية وتحييدها، وتأكيد حياد أوكرانيا وضمان عدم انضمامها لحلف شمال الأطلسى (الناتو)، والسيطرة على البنية النووية الأوكرانية والحيلولة دون إمتلاك كييف أسلحة نووية كما أعلن الرئيس زيلنسكى في مؤتمر ميونيخ للأمن، وحماية الروس في الدونباس ودعم جمهوريتى دونيتسك ولوجانسك في مواجهة كييف.

أ.د. نورهان الشيخ

أستاذ العلاقات الدولية ـــ جامعة القاهرة

 

وفي رد فعل فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، ومعهم كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية على روسيا، لم يسبق لها مثيل حتى في زمن الحرب الباردة، شملت حظر مختلف أوجه التعاون بين الجانبين حتى الطاقة ذى الأهمية الحيوية لأوروبا. كما حاولت واشنطن وحلفاؤها عزل روسيا سياسياً وثقافياً ورياضياً بهدف الضغط على موسكو لوقف عمليتها العسكرية في أوكرانيا، والإجهاز على الاقتصاد الروسي، وحلحة الاستقرار السياسى والإطاحة بنظام بوتين. ورغم أن العقوبات أوجعت موسكو، إلا إن الأخيرة استطاعت الصمود أمام تسونامى العقوبات، مع ألم واضح للحكومة التي تجاوزت الصدمة ليواصل الاقتصاد الروسي حركته وإن كان بصعوبات ومعدلات أقل كثيراً من التوقعات قبل الأزمة، ليصدق قول الرئيس بوتين "من المستحيل عزل روسيا ويكفي فقط النظر إلى الخريطة".

لقد أظهر الاقتصاد الروسي مرونة عالية، وأكد ذلك الرئيس بوتين خلال اجتماع المجلس الرئاسي الروسي للتنمية الاستراتيجية والمشاريع الوطنية يوم 15 ديسمبر، والذي يجتمع عادة نهاية العام لتقييم الأداء الاقتصادى خلال العام والنظر في خطط العام القادم عبر مؤشرات اقتصادية عدة. فقد أشار إلى أنه رغم العقوبات زادت الصادرات الروسية بنسبة 42% خلال الأشهر التسع الأولى من عام 2022م، وتم تنفيذ الميزانية الفيدرالية بفائض قدره 560 مليار روبل ( 8.6مليار دولار(، وزاد الفائض التجاري لصالح روسيا بمقدار 2.3 مرة إلى 138 مليار دولار، وحافظت روسيا على كونها أكبر مصدرى المنتجات الزراعية والحبوب والأسمدة والزيوت النباتية، ففي الأشهر الخمسة الأخيرة من العام وحدها صدرت روسيا حوالي 22 مليون طن من الحبوب  معظمها إلى الدول الآسيوية والإفريقية، وتم تصدير أكثر من 25 مليون طن من الأسمدة خلال أحد عشر شهرًا من عام 2022م، وأكد استعداد موسكو لنقل حوالي 260 ألف طن من الأسمدة إلى البلدان المحتاجة مجانًا وأنه تم إرسال 20 ألف طن بالفعل إلى ملاوي.

ويمكن تفسير ذلك في ضوء عدة اعتبارات أهمها كون روسيا دولة غنية بالموارد الطبيعية، وهي مكتفية ذاتياً من الحبوب والطاقة أى من الاحتياجات الأساسية الحيوية ومصدر كبير لها. كما تمكنت العديد من الشركات الروسية من إعادة توجيه نفسها إلى أسواق مبيعات أو شراء جديدة، بما في ذلك التقنيات متجاوزة العقوبات، كما حل الاستثمار المحلي والصديق محل الاسثمارات الغربية التي خرجت من روسيا. ساعد على ذلك انفتاح روسيا على فضاءات اقتصادية أوسع في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وحرص هذه الدول على حياد إيجابي يسمح لها بتحقيق مصالحها الوطنية. وكان هذا أوضح ما يكون في مواقف الصين والهند، وكذلك المملكة العربية السعودية والامارات والعديد من دول الجنوب.

كما استطاعت روسيا إيجاد أسواق بديلة للطاقة الروسية. وساعد ارتفاع أسعار النفط على ارتفاع عائدات مبيعات الطاقة الروسية أكثر مما كانت تجنيه قبل العقوبات. ومن المعروف أن عائدات صادرات الطاقة تمثل عصب الاقتصاد الروسي وأكثر من نصف إيرادات الموازنة الروسية. وقد حافظت موسكو على حجم صادراتها للخارج من خلال تقديم تخفيضات بلغت 30% من سعر السوق مما دفع الصين والهند لزيادة مشترياتهم من النفط الروسي بكميات قريبة من الأحجام التي كان الغرب يشتريها من روسيا قبل فرض العقوبات. فقد زادت الواردات الصينية من النفط الروسي بنسبة 28%، ومن الغاز المسال الروسي بنسبة تتجاوز 50%، وشحنات الفحم بنحو 6%، وصادرات الكهرباء الروسية بنسبة 39%، لتبلغ إجمالى قيمة المشتريات الصينية من إمدادات الطاقة الروسية منذ بداية العام حتى نوفمبر 2022م، نحو 60 مليار دولار، أي حوالي ضعف قيمة صادرات الفترة ذاتها من عام 2021م، والأهم إنه يتم استخدام الروبل الروسي واليوان الصيني في مدفوعات الطاقة الروسية بنسب متساوية. وقد ارتفعت حصة التعامل الروسي بالعملات الوطنية مرتين لتمثل ثلث إجمالى المعاملات مع الخارج، و50% من المعاملات مع الدول الصديقة.

يضاف إلى هذا الإجراءات الناجزة التي اتخذتها الحكومة الروسية والتي تضمنت بيع النفط والغاز إلى من تعتبرهم "دول غير صديقة" ومنها أوروبا بالروبل، والتوسع في التعامل بالعملات الوطنية مع الشركاء، وخفض سعر الفائدة أكثر من مرة كان أخرها في 16 سبتمبر لتصل إلى 7.5.%. كما ألزم البنك المركزي الروسي المصدرين في روسيا ببيع 80% من عائدات النقد الأجنبي في بورصة موسكو. مما ساعد على تحسن ملحوظ في الروبل الذي سجل مستويين قياسيين أمام الولار واليورو. أيضاً الدعم الحكومي للشركات الوطنية المتضررة من العقوبات وتخصيص الحكومة الروسية نحو 100 مليار روبل لتحسين استقرار الاقتصاد الوطني.

هذا فضلاً عن رسالة الاستقرار والانفتاح القوية التي أرسلتها روسيا عبر عقد العديد من المنتديات الاقتصادية الدولية السنوية في موعدها المعتاد، وأبرزها منتدى سان بطرسبرج في يونيو، ومنتدى الاقتصاد الشرقى في سبتمبر، وأسبوع الطاقة الروسي في أكتوبر، والمشاركة الدولية الواسعة فيهما. فقد شارك في الأول 14 ألف مشارك من 131 دولة، منها 79 دولة أرسلت ممثلين رسمين عنها، وتم توقيع صفقات وعقود بحوالي 6 تريليونات روبل (105 مليارات دولار). وشارك في الثانى 4 آلاف مشارك من 60 دولة، وشهد توقيع أكثر من 260 اتفاقية، تبلغ قيمتها الإجمالية ما يزيد عن 3.2 تريليون روبل (حوالي 53 مليار دولار). وشارك في الثالث حوالي 3000 مشارك من روسيا و83 دولة ومنطقة أجنبية منهم 15 وزيرًا من دول عربية وآسيوية وإفريقية وأمريكا اللاتينية. هذا إلى جانب انتعاش قطاع السياحة حيث أشارت وكالة السياحة الروسية إلى أن أكثر من 34 مليون شخص زاروا روسيا بهدف الاستجمام منذ بداية عام 2022 وحتى أغسطس، ويفوق هذا نظيره في العام السابق، وأعلى بقليل من المستوى الذي كان عليه في فترة ما قبل كوفيد 2019م.

على الصعيد السياسى، زادت الحرب من تضامن الشعب الروسي وتأييده للقيادة الروسية. صحيح أن العقوبات فرضت ضغوط وصعوبات على المواطن الروسي، إلا إن التحرك السريع والفعال للحكومة ودعم الأسر والتدخل لتوفير السلع الأساسية وضبط أسعارها، وزيادة المعاشات التقاعدية بنسبة 10%، ساعد على تحقيق الاستقرار الاجتماعي. ورغم أن قرار التعبئة الجزئية قوبل بعدم ارتياح من جانب قطاعات من المجتمع الروسي ونزح البعض خارج روسيا إلى دول الفضاء السوفيتى السابق لاسيما كازاخستان التي استقبلت وفقاً لتقديراتها 200 ألف من المواطنين الروس. إلا إن حالة عدم الرضا الجزئية هذه لم تنل من الاستقرار السياسي العام والإلتفاف النخبوي والشعبي حول الرئيس بوتين، خاصة إنها كانت محدودة وانتهت في غضون شهر وتم معاملة هؤلاء كمتعاقدين بدفع رواتب شهرية جيدة لهم. أكد ذلك استطلاع أجرته مؤسسة الرأي العام في روسيا في الفترة من 11 إلى 13 نوفمبر، وفقاً له رأى غالبية الروس (77٪) أن الرئيس فلاديمير بوتين يؤدي عمله بشكل جيد، كما أعرب 76٪ منهم عن ثقتهم فيه.

على صعيد العملية العسكرية، استطاعت موسكو تحقيق أهدافها إلى حد بعيد وتعمل على إنجاز الهدف الأخير المتعلق بضمان حياد أوكرانيا. في هذا السياق، أكد الرئيس بوتين يوم 7 ديسمبر على أن العملية الروسية في أوكرانيا إجراء طويل الأمد، مشيدًا بنتائجها، حيث انضمت مناطق جديدة إلى روسيا، وتحوّل بحر آزوف إلى بحر داخلي روسي بفضلها، على حد تعبيره. وكانت روسيا قد أعلنت ضم جمهوريتى دونيتسك ولوجانسك ومقاطعتى خيرسون وزابورجيا، بمساحة إجمالية 109 ألف كم2 أى 20% من مساحة أوكرانيا، عبر استفتاء تم إجراؤه خلال الفترة من 23-27 سبتمبر. ولمنطقة الدونباس أهمية استراتيجية واقتصادية حيوية. فقد مكنت روسيا من الهيمنة على البحر الأسود وتحقيق حلم المياه الدفيئة الذي سعت إليه منذ العهد القيصري. كما إنها مركز الصناعات الثقيلة والعسكرية، ومركز إنتاج الحبوب وموطن مناجم الحديد، ومناجم الفحم، وفي زابوروجيه أكبر محطة نووية لإنتاج الطاقة الكهربية في أوروبا.

لم يؤثر انسحاب روسيا التكتيكي من الضفة الغربية لنهر دنيبر على المكتسبات الروسية واتجاهها للتصعيد. فالانسحاب تم من مدينة خيرسون أي الجزء الواقع غرب النهر فقط وليس من كل مقاطعة خيرسون. وجاء الانسحاب بهدف الحفاظ على القوات الروسية وحمايتها من انقطاع الإمدادات حال تفجير جسر أنتونوفسكي الذي يربط الضفتين الغربية والشرقية للنهر، أو حال استمرار قصف القوات المسلحة الأوكرانية لسد كاخوفكا وانهياره ومن ثم إغراق المياه لخطوط دفاع القوات الروسية وعزل الأخيرة ومحاصرتها. يسمح هذا أيضاً بالتركيز على جبهة دونيتسك وهو ما ساعد على تحقيق القوات الروسية تقدم واضح عليها. كما إن الضفة الشرقية جغرافياً أعلى من نظيرتها الغربية مما يعطى تمركز القوات الروسية بها ميزة نسبية في استهداف القوات الأوكرانية بالضفة الغربية. وجاء الانسحاب وفق خطة تضمنت عملية الإخلاء الجماعى للسكان من مدينة خيرسون في 8 نوفمبر، ليبدأ سحب القوات والمعدات في اليوم التالى، 9 نوفمبر، ليتم إعلان الانتهاء من إعادة تموضع للقوات الروسية بنقل 30 ألف عسكري و5 آلاف قطعة ومعدة عسكرية في 11 نوفمبر. وتم إعلان مدينة "جينيتشيسك" الواقعة على شواطئ بحر آزوف، عاصمة إدارية مؤقتة لمقاطعة خيرسون، بدلاً من مدينة خيرسون التي انسحبت منها القوات الروسية.

 

ربما السؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا بعد؟، وماذا يحمل عام 2023م، من مؤشرات لروسيا؟ الواقع أنه من الصعب افتراض مسار واحد للتطورات المستقبلية، فالمتغيرات متداخلة ومتسارعة، إلا إنه يمكن تحديد ثلاثة توجهات أساسية تحكم تطورات الداخل الروسي والأزمة الأوكرانية.

أولها، استمرار الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الروسي، في ضوء استمرار العقوبات المفروضة على روسيا وربما تشديدها وفرض المزيد منها. لقد فرض الاتحاد الأوروبى وحده تسع حزم من العقوبات على روسيا ويسعى لتسقيف سعر الغاز الروسي. كما تستمر الجهود الأمريكية للتضييق على روسيا والضغط على مختلف شركاء موسكو للحد من التعاون معها. في هذا الإطار، يحمل عام 2023م، تحديات عدة للاقتصاد الروسي، ووفقا لتوقعات وزارة التنمية الاقتصادية الروسية قد ينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 0.8% أخرى عام 2023م، إلى جانب التعقيدات الناجمة عن فرض الاتحاد الأوروبي، في 2 ديسمبر، سقف لسعر النفط الروسي بوضع حد أقصى له واللحاق بالولايات المتحدة وكندا واستراليا في هذا الخصوص والتي لم تتضح أبعادها وتداعياتها بعد خاصة مع اتجاهه لفرض سقف على أسعار الغاز الروسي أيضاً. وكانت روسيا قد حققت 67 مليار يورو من مبيعاتها النفطية و100 مليار دولار من مبيعاتها من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي ويمثل هذا ضعف ما كان عليه العام السابق. ويفترض أن يمنع القرار الشركات الأوروبية من تقديم خدمات تسمح بالنقل البحري (الشحن والتأمين وغيرها) للنفط الروسي بما يتجاوز الحد الأقصى البالغ 60 دولارا، ومن المعروف أن شركات الاتحاد الأوروبى تهيمن على 90% من هذه العمليات. إلا إن تقديرات تشير إلى أن القرار محدود الفاعلية حيث يبلغ سعر النفط الروسي حوالي 65 دولارا للبرميل، وهو بالكاد أعلى من السقف الأوروبي، لذلك سيكون تأثير الإجراء الأوروبي محدوداً في الأمد القصير. كما أن ردود أفعال المشترين الكبار للنفط الروسي، الصين والهند، وكذلك كبار المنتجين لاسيما المملكة العربية السعودية و"أوبك +" سيحدد فعالية القرار ومدى تأثيره. ويخشى البعض من أن يؤدي القرار إلى ما هو أبعد من إيلام روسيا بزعزعة استقرار سوق النفط العالمية مع إعلان الكرملين امتناع روسيا عن بيع النفط إلى الدول التي تتبنى هذا السقف، وإضطرارها إلى خفض إنتاجها.

يتزامن هذا مع توجه روسي متزايد لمسارات بديله لاقتصادها والاقتصاد العالمي منها إنشاء منصة رقمية لتحديد أسعار الغاز العام المقبل، كذلك مشروع إنشاء اتحاد غاز ثلاثي بين روسيا وكازاخستان وأوزبكستان. هذا إلى جانب اتفاق إنشاء مركز للغاز الروسي على الأراضي التركية، بين موسكو وأنقره مستفيدة في ذلك من خط السيل التركي الذي يحمل الغاز الروسي إلى تركيا عبر البحر الأسود. كل هذه الخطوات الغربية والخطوات الروسية المضادة، إلى جانب مواقف شركاء روسيا، ستحدد المسار النهائي للاقتصاد الروسي خلال عام 2023م.

ثانيها، عزم روسيا على المضى قدماً في عملياتها العسكرية حتى تحقيق أهدافها بالكامل. ومن المنتظر استمرار التصعيد خلال الفترة القادمة، رغم صعوبة العمليات خلال فصل الشتاء. ويخشى الكثيرون من أن تنزلق الأطراف المختلفة إلى حرب عالمية ثالثة نووية، وهو ما بدا جلياً في أعقاب حادثة سقوط صواريخ على بولندا واتهام روسيا بها ثم اتضاح كونها أوكرانية مما نزع فتيل الأزمة. إلا إن الخطر مازال قائماً وقد أشار الرئيس بوتين يوم 7 ديسمبر إلى أن "خطر الحرب النووية نووية يتعاظم ولكننا لم نصب بالجنون". ووفقاً للعقيدة النووية الروسية الصادرة في 2 يونيو 2020م، تحتفظ روسيا بالحق في استخدام الأسلحة النووية ردا على استخدام الأسلحة النووية وأنواع أخرى من أسلحة الدمار الشامل ضدها و (أو) ضد حلفائها، وكذلك في حالة حدوث عدوان ضد الاتحاد الروسي باستخدام الأسلحة التقليدية يمثل تهديداً لوجود الدولة. وكانت هناك مخاوف من أن تضطر روسيا إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية محدودة أو جزئية، أو تحدث تطورات نتيجة القصف الأوكرانى المتكرر لمحطة زابورجية النووية أو تفجر الوضع باستخدام روسى واسع النطاق يطال مراكز صنع قرار في دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تضطر معه واشنطن للرد. ورغم أن هذه الاحتمالات تظل قائمة إلا إن هناك اتجاه واضح لدى مختلف الأطراف لتجنب كل هذه السيناريوهات المدمرة للعالم أجمع.

ثالثها، إن روسيا على استعداد للوقف الفورى للعمليات العسكرية إذا قبلت أوكرانيا بالوضع القائم، ويعني ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والدونباس، وهو ما ترفضه كييف. ومن المعروف أن خمس جولات من المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، ثلاثة في بلوروسيا والرابعة عبر الفيديوكونفرس، وخامسة في أسطنبول لم تسفر عن تسوية مقبولة للطرفين. إلا إن الظروف قد تدفع الأطراف المختلفة في هذا الاتجاه، فالأوضاع تزداد كارثية في أوكرانيا حيث أدت القصف الروسي إلى تدمير 40% من البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. ورغم استمرار التعهد بدعم أوكرانيا فإن العديد من المصادر الغربية تشير إلى صعوبات في هذا الصدد.

فقد أشارت تقارير إلى أن القوات الأوكرانية، تستهلك بسرعة فائقة مخزونات الأسلحة والذخيرة في الولايات المتحدة والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، مما يخلق صعوبة في تجديدها. وأن المصانع الحربية الأمريكية، تنتج في وقت السلم، 30 ألف قذيفة لمدافع هاوتزر من عيار 155 مم في العام الواحد، إلا إن هذه الكمية تكفي القوات الأوكرانية لمدة أسبوعين فقط تقريبًا. وأن الولايات المتحدة أرسلت ثلث مخزونها من صواريخ "جافلين" ونصف مخزونها من صواريخ "ستينجر" إلى أوكرانيا. وفي أكتوبر الماضي، أشارت وكالة "بلومبرج" أن العديد من الدول الأوروبية تعاني من نقص في مخزونها من الذخيرة والأسلحة بسبب الإمدادات الكبيرة إلى أوكرانيا. وهو ما أكده الرئيس ماكرون عندما أشار إلى أنه "لم يعد بالمقدور إرسال مخزون الأسلحة لأوكرانيا، دعونا نركز على المساعدات الإنسانية". كذلك أكد مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل ذلك، في 11 ديسمبر، حين أشار إلى أن دول الاتحاد استنفدت مخزوناتها العسكرية بسبب توفير الأسلحة لدعم أوكرانيا. وكشفت تقارير إعلامية بريطانية أن هناك نقصًا في الأسلحة في مستودعات ألمانيا بسبب الإمدادات الكبيرة التي تم إرسالها إلى أوكرانيا، وإن ما بقي بحوزة الجيش الألماني من الأسلحة يكفي فقط ليومين من القتال العنيف إذا لزم الأمر. كما أن عمليات إنتاج بعض أنواع الأسلحة، التي تتناقص كمياتها بسبب توريدها إلى أوكرانيا، توقف في بعض الدول الغربية، واستئناف هذه العمليات يتطلب عمالة ماهرة ذات خبرة عالية، وهو أمر بات يواجه عجزاً منذ سنوات.

على صعيد أخر، فإن تركيز واشنطن على مواجهة الصين وتطويقها، الأمر الذي عكسته بوضوح القمة الأمريكية الإفريقية في ديسمبر والاستراتيجية الدفاعية الجديدة للولايات المتحدة (NDS) التي أصدرها البنتاجون في 27 أكتوبر 2022م، قد يدفعها إلى تهدئة أو تجميد الصراع في أوكرانيا للتركيز على دعم تايوان وحلفائها في شرق آسيا، خاصة وأن تقارير لوسائل إعلام أمريكية أشارت إلى تأخير تسليم الأسلحة المقررة إلى تايوان نتيجة توجيه المساعدات إلى أوكرانيا.

كل هذه العوامل إلى جانب التدهور الحاد في أوضاع الطاقة والأوضاع الاقتصادية والمعيشية في أوروبا قد تدفع الأطراف الغربية إلى القبول بتسوية ما حتى ولو لم تكن مرضية، ويظل لواشنطن القول الفصل في ذلك، وهو ما لم يتأكد بعد.

إن عام 2023م، يحمل العديد من التحديات ليس فقط لروسيا ولكن للعالم أجمع، في ضوء حالة الركود والانكماش في الاقتصاد العالمى، والارتفاع غير المسبوق في نسب التضخم وما يصاحبه من تدهور حاد في الأوضاع المعيشية، وأمن الطاقة والأمن الغذائى للعديد من دول العالم بما فيها دول الرفاهة في أوروبا. الأمر الذي ينذر بموجات من عدم الاستقرار السياسى وهزات ستتعرض لها العديد من النظم، لنقف بنهاية العام أمام مشهد دولي مختلف كثيراً عما ألفناه لقرون ماضية. وكلما كانت قراءة الدولة صائبة ومبكرة للتطورات الجارية، وتعاطت معها بفاعلية وعقلانية، كلما انتزعت لنفسها مكانة عالمية هامة ومؤثرة.

مقالات لنفس الكاتب