array(1) { [0]=> object(stdClass)#12852 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 182

أدى تورط إيران في حرب أوكرانيا لتحول جذري في موقف أوروبا حول أمن الخليج

الإثنين، 30 كانون2/يناير 2023

"أمن الخليج مهم لأوروبا، مثلما يشكل الأمن الأوروبي أهمية بالنسبة للخليج. وأرى أمامنا فرصة تاريخية لبناء روابط جديدة مشتركة بين المنطقتين". بهذه العبارات المهمة، افتتحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين كلمتها الرئيسية في مؤتمر" حوار المنامة"، الذي عُقد بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين خلال شهر نوفمبر الماضي. وقد عكست عبارات فون دير لاين تحولًا في الخطاب الأوروبي نحو مزيد من الاتساق والتعبير عن نظرة مستقبلية فيما يتعلق بالسياسات العامة حول الخليج. وفي حين أنه لا يزال هناك الكثير من العمل المُنتظر القيام به من حيث تحديد تفاصيل العملية التي ستوجه مسار مستقبل العلاقات بين الجانبين، إلا أن استخدام وصف "فرصة تاريخية" من قبل رئيس المفوضية الأوروبية قد يكون صحيحًا نظرًا إلى التغيرات الواسعة التي تشهدها الساحة الدولية.

عام من العمل المكثف

 يعتبر خطاب رئيسة المفوضية الأوروبية استكمالاً لعام من العمل المُكثف على صعيد العلاقات الأوروبية-الخليجية، والذي شهد انعقاد أول اجتماع وزاري مشترك للاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي منذ 6 أعوام، أعقبه إصدار ورقة عمل مشتركة بعنوان "شراكة استراتيجية مع الخليج" في 18 من مايو الماضي. ومن خلال هذه الوثيقة، استعرض الاتحاد الأوروبي المنظور الخاص به حول أسس الشراكة الاستراتيجية مع الخليج وأهدافها، كذلك أعرب عن حرصه الشديد لتوسيع نطاق العلاقات مع دول الخليج، بما يعكس المصالح الأوروبية الجوهرية والواقع الدولي الجديد الذي تقاربت فيه المناطق الجغرافية لأوروبا والخليج إلى حد كبير. في حين اتسمت الوثيقة بالوضوح الشديد فيما تضمنته من اعتراف صريح بأن "أمن واستقرار الخليج يحملان تبعات مباشرة على دول الاتحاد الأوروبي"، والتأكيد على" كم المكاسب التي ستعود على دول الاتحاد من وراء شراكة استراتيجية وقوية مع مجلس التعاون الخليجي والدول الأعضاء فيه". عاكسة في الوقت ذاته، حرص الاتحاد الأوروبي على بناء "شراكة مع دول الخليج وتنشيط التعاون الثنائي عبر شراكة استراتيجية قوية وأطر مؤسسية ثنائية ومتينة". وخلصت الوثيقة إلى أن الاتحاد الأوروبي عازما على تطويع كافة الأدوات والسبل المتاحة من أجل ضمان التطبيق العملي، والفعال، والسريع لهذه الشراكة الاستراتيجية.

وخلال الاجتماع الوزاري المشترك للاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الذي عقد في فبراير الماضي، اتفق الجانبان على تطوير خطة عمل مشتركة تستمر حتى عام 2027م، من شأنها توفير المزيد من الاستراتيجيات القابلة للتنفيذ. وبعد مرور بضعة أشهر، حظيت وثيقة الشراكة الاستراتيجية مع الخليج بموافقة المجلس الأوروبي في يونيو الماضي، لتعكس حقيقة أن النهج الأوروبي الجديد يحظى بدعم كافة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي واتخاذه الطابع الرسمي بعد المصادقة عليها. ورغم تعطل إجراءات طرح الوثيقة لبضعة أسابيع قليلة بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير الماضي، الذي سرعان ما استحوذ على أجندة الأعمال الأوروبية، إلا أنه سيكون من غير الصحيح القول بأن الوثيقة نتاج التحديات التي فرضتها الأزمة الأوكرانية. على النقيض، فإن الوعي المتنامي لدى دول الاتحاد الأوروبي بشأن ضرورة انتهاج سياسات أكثر عمقًا واتساقًا حيال الخليج، استغرق بعض الوقت كي يحظى بدعم أوروبي جماعي. حتى أن العديد من المقترحات المُتضمنة في الوثيقة تعد ثمرة عمل ومباحثات مطولة دامت على مدار عامين، أي قبل التحرك العسكري الروسي بفترة طويلة، لذلك لم يلعب غزو روسيا دورًا سوى إضفاء مزيد من الإلحاح لاستكمال مضمون الوثيقة لاسيما في الجزء المتعلق بقضايا الطاقة.

وسرعان ما اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تدعيم الاستراتيجية الجديدة عبر اتخاذ عدة خطوات ملموسة فور إصدار الوثيقة تؤكد جدية وصدق نواياه. شمل ذلك، الإعلان عن زيادة عدد مكاتب بعثة الاتحاد الأوروبي لدى دول مجلس التعاون الخليجي مع انضمام دولتي قطر وسلطنة عمان إلى تلك البعثات الكائنة بالفعل داخل المملكة العربية السعودية، والإمارات، والكويت. وقد افتتح رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل في سبتمبر الماضي مقر بعثة الاتحاد الأوروبي بالعاصمة القطرية الدوحة، ومن المقرر أن يشهد العام الجاري افتتاح مكتب آخر بمدينة مسقط في سلطنة عمان. وبنفس القدر من الأهمية، جاء قرار الاتحاد الأوروبي بتمديد سريان إعفاء مواطني دولة قطر والكويت من تأشيرة الدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي، وإصدار تأشيرات دخول متعددة بشكل منتظم وتتمتع بصلاحية طويلة الأجل، للمواطنين القادمين من دول خليجية أخرى، ومن ثم فإن اتخاذ هذه الخطوة وحدها كفيل بإزالة مصدر كبير للتوتر في العلاقات بين الجانبين لاسيما وأن المواطنين الأوروبيين ينعمون منذ فترة طويلة بإمكانية السفر إلى دول الخليج دون تأشيرة. وجدير بالذكر أن دولة الإمارات تعد أول دولة عربية وخليجية تعفى من تأشيرة الدخول لمنطقة "شنغن" منذ عام 2015م.

أهمية الاستراتيجية الأوروبية الجديدة ومحاور العمل

 تعتبر الخطوط العريضة التي وضعها الاتحاد الأوروبي من أجل "شراكة استراتيجية مع الخليج" مهمة من حيث العديد من الزوايا.

أولاً: توفير إطار عمل واسع من أجل تطوير السياسات الأوروبية داخل المنطقة. فإلى جانب مجالات التعاون التقليدية التي تشمل تعزيز التبادل التجاري، والاستثمار، والأمن الطاقي، تسلط الوثيقة الضوء على قضايا محورية مثل: الصحة العالمية، والتحول الأخضر، والرقمنة، والتنقل، والبحث، والتنمية، والاحتياجات الإنسانية، والمساهمة في خفض تصعيد التوترات داخل المنطقة. لذلك، فإنها تحمل آفاقا كبيرة لمزيد من التعاون المثمر بين الجانبين.

ثانياً: الدقة في التأكيد على الدور النشط الذي تضطلع به دول مجلس التعاون على صعيد جوارها الجغرافي الأوسع، وسطوع نجمها كجهات فاعلة ناشئة على الساحة العالمية في التعامل مع قضية مكافحة تغير المناخ، فضلاً عن دورها المحوري في مجال المساعدات الإنسانية والإنمائية. وبحسب تأكيد المسؤولين الأوروبيين خلال العديد من المناسبات، فإن العمل على إعداد الاستراتيجية الجديدة لم يتم بين ليلة وضحاها، بل إنها كانت نتاج عملية مطولة من المداولات والمباحثات التي أخذت في الحسبان كافة الآراء ووجهات النظر حول دول مجلس التعاون الخليجي. من ثم، تعد الوثيقة محاولة أكثر توازنًا نحو تعاون أكثر عمقًا وموضوعية مع دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة بعد تخلي الجانب الأوروبي عن النهج الإلزامي والمشروط الذي كان سائدًا في الماضي.

ثالثًا: التأكيد على أهمية اتباع نهج ذي شقين يضع في عين الاعتبار بناء شراكات ثنائية متكاملة، إلى جانب الاقتراح الخاص بتعزيز العلاقات متعددة الأطراف. حيث تقترح الوثيقة مشاركة أطرافًا أخرى فاعلة في المنطقة في مجالات مُحددة والحديث هنا بالأخص عن دولتي العراق وإيران، بما يساعد في جعل الاتحاد الأوروبي أقرب لسياسة خليجية أكثر شمولًا. وهذا لا يعني استمرار تفوق الشراكات الثنائية على أي جهد متعدد الأطراف، على العكس من ذلك، يظل التركيز والاهتمام منصبًا على البرجماتية والمضي قدمًا من أجل التوصل لأفضل آلية ممكنة في معالجة وضع ما.

رابعًا: تعكس الوثيقة تحولاً في المواقف عندما يتعلق بدور أوروبي أمني محتمل في منطقة الخليج، بما في ذلك الاعتراف بأن الأنشطة الإيرانية في الشرق الأوسط الكبير تسببت في مزيد من الاضطرابات وانعدام الاستقرار، في دول مثل سوريا ولبنان، كما خصت استنتاجات المجلس الأوروبي لعام 2022م، بالذكر أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، وتحميل جماعة الحوثي في اليمن المسؤولية الرئيسية على عدم تجديد اتفاق الهدنة. بالتالي يمكن قراءة هذه كأمثلة على ماهية الموقف الأوروبي الجديد، وبالمثل، يعكس حرص الدول الأوروبية على التأكيد على أن إعادة تنفيذ اتفاق نووي ناجح مع طهران وإن كان يظل هدفا لها، لا ينبغي إن يكون غاية في حد ذاته، بل من المهم أن يخدم أيضا كمنصة لمزيد من الجهود الرامية للحد من التوترات وبناء الثقة في المنطقة"، اعترافا مهما من قبل الاتحاد الأوروبي بأمر لطالما جادلت به دول مجلس التعاون الخليجي. وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، تتبلور مكانة مجلس التعاون الخليجي بوضوح كشريك مفضل من جانب الاتحاد الأوروبي من أجل اعتبارات الأمن الإقليمي.

خامسًا: تتضمن وثيقة الشراكة مقترحات محددة حول كيفية تطوير العلاقات الأوروبية الخليجية. ويشمل ذلك تعزيز الحوار القائم بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي بشأن التجارة والاستثمار، وإنشاء مجموعة خبراء متخصصة في مجالي الطاقة والمناخ، إلى جانب تعزيز الحوار السياسي والأمني بين الجانبين، وتنظيم اجتماع وزاري بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي حول المساعدات الإنسانية خلال عام 2023م. فيما يُنظر إلى قرار تعيين مبعوث خاص للاتحاد الأوروبي لأمن الخليج باعتباره خطوة ذات دلالة خاصة، حيث يضمن وجود نقطة ارتكاز وتنسيق لسياسات الاتحاد الأوروبي حول الخليج، والتقاء المسارات المختلفة لسياسات الدول الأعضاء بالاتحاد ضمن نهج أكثر تماسكًا يعمل تحت مظلة الكيان الموحد في بروكسل. ومن المقرر أن يشهد الاجتماع الوزاري المشترك بين الجانبين الأوروبي والخليجي خلال الربيع المقبل تكثيف العمل على العديد من المحاور المذكورة أعلاه.

بشكل عام، يمكن القول إن وثيقة الشراكة هي خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. وأنها تمثل بلا شك دافع إيجابي يساعد في تعزيز العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي خاصة في هذه الأوقات الحرجة وما تفرضه من تحديات على أمن المنطقتين، وزيادة الضبابية المُحيطة بمسار الازدهار الاقتصادي الخاص بكل منهما. ومع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، تبلورت بشكل متزايد أهمية الدور الخليجي بالنسبة لأوروبا، لا سيما فيما يتعلق بأمن الطاقة. وعلى هذا النحو، من المتوقع أن يصبح الانتقال الطاقي المحور الرئيسي للعلاقات بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، الحريص على تأمين إمدادات الطاقة من الخليج كي يعوض اعتماده المفرط في الماضي على مصادر الطاقة الروسية. لذلك، يمكن اعتبار الإمكانات الهائلة التي تنعم بها الدول الخليجية على صعيد الطاقة، هي القوة الدافعة لتطوير علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، الذي يدرك تمامًا استمرار اعتماده على واردات الطاقة في المستقبل، حتى فيما يتعلق بالانتقال صوب مصادر الطاقة المتجددة.

تجنب ثغرات الماضي

من السهل ملاحظة الزخم الذي يشهده التعاون الأوروبي الخليجي حاليًا، ويعد التوافد المستمر للمسؤولين الأوروبيين على المنطقة الخليجية دليل على جدية الاتحاد الأوروبي في مواصلة مبادراته بشأن تقارب مع الخليج. في الوقت ذاته، ثمة شعور مسبق بشأن تكرار ما حدث في الماضي، حيث كانت هناك العديد من التصريحات والمبادرات التي لم يتحقق معظمها، إما أن بعضها لم يرتق لمستوى توقعات الجانب الآخر. ويعتبر غياب الاتفاق بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي "خير مثال" على المواضع التي شهدت فشل المقترحات الطموحة في بلوغ أهدافها. وبرغم حرص الجانبين حاليًا على وجود خطة عمل مشتركة تخدم كوثيقة توجيهية لضمان استمرار العلاقات على المسار الصحيح، إلا أن خطة العمل السابقة، التي استمرت ما بين عام 2010 إلى 2013م، سرعان ما تبخرت بعد انتهاء مرحلتها الأولى دون إحراز أية نتائج ملموسة. لذلك يظل السؤال الآن كيف من الممكن للاتحاد الأوروبي والخليج تفادي تكرار التجربة والوقوع مرة أخرى في فخ ما يسمى بــ “الإمكانات غير المُحققة".

فمن ناحية، يعد الشعور بتعاون أكبر بين الجانبين ملموساً في قضايا مثل إيران والطاقة، بينما من ناحية أخرى، ظل الهيكل المؤسسي كما هو دون تغيير، حيث لا تزال الساحة الاقتصادية هي الأداة المفضلة لدى الجانب الأوروبي في تعاونه مع الشركاء الدوليين. ثمة انطباع سائد أيضًا لدى دول مجلس التعاون الخليجي بأن دور أوروبا كطرف فاعل على صعيد الجغرافيا السياسية لا يزال متذبذبًا وغير حاسم، وأنه يُركز بشكل حصري على "الأمن اللين بدلا من الأمن الصلب"، بالإضافة إلى اتباع نهج مشروط في تعامله مع المقترحات المطروحة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي. على الجانب الأوروبي، توجد مخاوف حيال انتهاج دول الخليج سياسة الحياد، وشعور بعض الأطراف الأوروبية بعدم وضوح الموقف الخليجي إزاء التحرك لإدانة العدوان الروسي على أوكرانيا على سبيل المثال. وبالتالي، لا تزال هناك بعض المناطق الرمادية غير الواضحة في الطريق نحو بناء تحالف شامل بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

رغم ذلك، طرأت تغيرات جذرية على السياق العام الذي تعمل من خلاله المؤسسات الأوروبية والخليجية، مثلما انعكس ذلك من خلال الأزمة الأوكرانية وتأثيرها على الأمن الأوروبي والعالمي أيضًا. في حين أدى تورط إيران الأخير في الحرب الأوكرانية عبر تزويدها الجيش الروسي بطائرات بدون طيار، إلى تحول جذري في الموقف الأمني لأوروبا حول منطقة الخليج. وبالنظر إلى هذه الاعتبارات مجتمعة، فإنها تتيح على الأقل إمكانية التقاء المصالح السياسية الأوروبية والخليجية، مع أهمية الأخذ في الاعتبار أيضًا أن هذا التقارب قد لا يُترجم بالضرورة إلى مجالات تعاون قابلة للتنفيذ.

 ما تؤكده المعطيات سالفة الذكر، هو أهمية اغتنام الزخم الحالي في العلاقات الأوروبية الخليجية وسرعة متابعة العمل على المقترحات المتضمنة ضمن الوثيقة الأوروبية، من خلال طرح استراتيجيات واقعية قابلة للتنفيذ تضمن إحراز نتائج ملموسة في أسرع وقت ممكن. وفي هذا السياق، فإن قرار مثل زيادة مكاتب بعثات الاتحاد الأوروبي داخل دول الخليج وتكثيف تبادل زيارات المسؤولين والوفود بين الجانبين، تُمثل بعدًا مهمًا أخر للعلاقات الثنائية، من شأنه أن يضمن إطالة عمر المقترحات الحالية بحيث لا تتبخر بين ليلة وضحاها. من ثم، يتم العمل حاليًا على وضع الأساس الهيكلي الذي يشكل مرجعية لشراكة استراتيجية بين أوروبا والخليج. ويمكن تدعيم هذا الأساس عبر اتخاذ خطوات ملموسة خاصة على صعيد الجبهة الأمنية، حيث لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي راغبة في رؤية دور أوروبي أكثر وضوحًا وحسمًا، كما ينبغي أن تشهد الفترة المقبلة تركيزًا أوروبيًا أكبر على مجالات مثل توسيع المشاركة في الأمن البحري، وتجديد جهود منع انتشار أسلحة الدمار الشامل داخل منطقة الشرق الأوسط، واتخاذ المزيد من الخطوات السياسية للمساعدة في تسوية النزاعات في مناطق الأزمات مثل لبنان، وسوريا، وليبيا، واليمن. فيما يعد تعزيز التعاون مع دول الخليج في كافة المجالات المذكورة أمر بالغ الأهمية، كونه يؤكد استعدادًا متزايدًا لديها للقيام بدورها في المعادلة، فضلًا عن ضمان توصل الجانبين إلى درجة من الفهم والتحليل المشترك للأزمات المطروحة، والحلول التي يمكن اقتراحها وتطبيقها.

ومع اكتساب العمل المناخي زخمًا غير مسبوق لدى دول مجلس التعاون الخليجي بفضل سياسات صافي الصفر، تشهد الأهداف الموضوعة بشأن الحد من انبعاثات الكربون تقدمًا كبيرًا إلى جانب الأطر المؤسسية، واستراتيجيات الحوكمة، ذلك بالتزامن مع مضاعفة الاتحاد الأوروبي التزاماته بموجب الصفقة الخضراء وحشد تمويل إضافي لضمان استمرار الزخم المتعلق بالانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة. كذلك يجب اغتنام الفرص المتاحة على صعيد الطاقة، والاقتصاد، والبيئة، بما يشمل ذلك تجاوز التعاون على المستوى الوزاري والتشجيع على بناء الشراكات بين مراكز الفكر، والجامعات، ومراكز البحث والتطوير، وكذلك منتديات الأعمال التجارية من أجل معالجة أفضل للتحديات الرئيسية التي تحيط بعملية الانتقال الطاقي. ومع تولي دولة الإمارات العربية المتحدة رئاسة المؤتمر المناخ المقبل "كوب 28"، ينبغي حينها النظر في تركيز العمل على خيارين قائمين وهما العلاقة بين الطاقة والمياه، إلى جانب إحياء شبكة تكنولوجيا الطاقة النظيفة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

ومن الأهمية بمكان، أن تعمل الحكومات الأوروبية والخليجية على تمكين المؤسسات داخل المنطقتين على المستويين الحكومي وغير الحكومي من أجل إثراء محتوى وثيقة الشراكة الاستراتيجية. فلا يمكن أن تتولى الحكومات وحدها مسؤولية تنفيذ جدول الأعمال الطموح على النحو المبين في وثيقة الشراكة، بل يتطلب ذلك تضافر جهود قطاعات واسعة من المجتمع. وبالتالي، ينبغي التركيز بشكل خاص على تفعيل التبادل التعليمي وبرامج تنقل الشباب على النحو المقترح. خلاصة القول هي أنه كلما طال أمد الانتظار، كلما تضاعفت الفرص لأن تتسلل خيبة الأمل مرة أخرى إلى قلب العلاقات الأوروبية-الخليجية، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى وضع يجد خلاله كلا الطرفان إنهما قد فشلا في العمل وغير قادرين على الحفاظ على الزخم القائم. ويظل أن نرى ما إذا كانت العلاقات الأوروبية -الخليجية ستشهد حقًا بداية حقبة جديدة من الشراكة خاصة في ظل التركيز الحالي على مجالات عمل محددة والذي يوحي بالتقاء مصالح الجانبين، بما قد يمنح علاقتهما فرصة حقيقة، لكن الزمن وحده كفيل ببيان أي مسار ستنتهجه العلاقات بين الجانبين في المستقبل.

مقالات لنفس الكاتب