array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

تداعيات الاحتجاجات تقود لخسارة الاقتصاد الإيراني في خمسة مجالات رئيسية

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

تشهد إيران منذ سبتمبر 2022م، بعد مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني جملة من التداعيات المتمثلة بالاحتجاجات الشعبية في أكثر من (133) مدينة والتي تتطلب بناء دولة مدنية متحضرة واقتصاد منخرط في ركب الاقتصاد العالمي، علاوة على تطور الخلافات مع العالم الغربي بشأن ملف الاتفاق النووي، والموقف الإيراني المؤيد للغزو الروسي لأوكرانيا، والواقع أن هذه التطورات جاءت في ظل بيئةٍ داخلية محتقنة على خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المضطربة ، وفي ظـل تراجع شـعبية ِحكومــة رئيســي التــي لــم تســتطع أن تُوفــي بوعودهــا للمواطنين بعــد عــامٍ ونصف مـن وصولهـا للسلطة فـي أغسـطس 2022م، كما تعكس الفجوة المتّسعة بين النظام وهُويّته التي يحاول أن يفرضها من خلال القمع، والمجتمع الذي يتطلَّع إلى تحسين شروط حياته على المستويات الاجتماعية والثقافية والتحرر من قيود الدولة خصوصًا في فرض نمطٍ معين من السلوك والمظهر على حياتهم الخاصة.

   وجدير بالذكر فإن الاحتجاجات المندلعة بأغلب أرجاء إيران منذ أكثر من خمسة شهور، مازالت تلقي بظلالها على النظام الثيوقراطي، وكان آخر تداعياتها التأثير السلبي الذي تركته على الاقتصاد الإيراني، وعلى سعر صرف العملة الإيرانية المتدهورة التي فقدت أكثر من (30%) من قيمتها خلال العام 2022م، علاوة على تصاعد معدلات التضخم التي تخطت الـــ (40%) في العام المنصرم والتي ألقت بظلالها السلبية على مستوى معيشة المواطنين الإيرانيين، حيث بات ثلث الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر.

  سنتناول في هذا المقال الوضع الاقتصادي بإيران في ظل تنامي الاحتجاجات الشعبية، وأثر الموقف الغربي من دعم إيران لروسيا في حربها على أوكرانيا، وهل سيكون لذلك انعكاسات على أسعار وإمدادات الطاقة، ومن ثم تأثير ذلك على الاقتصاد الكلي لإيران ومعدلات النمو ومستويات التضخم وأسعار العملة المحلية. 

 

أولاً-  مؤشرات الاقتصاد الكلي الإيراني:

1) معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي: 

   بالرغم من النمو الإيجابي الذي حققه الاقتصاد الإيراني بنسبة بلغت )4.7%( خلال العام المالي 2021 / 2022م، (الفترة من 21 مارس 2021 وحتى 20 مارس 2022م)، فإن ارتفاع معدلات التضخم وتراجع أداء العملة قد أثر سلباً على النشاط الاقتصادي، إذ تتوقع معظم المؤسسات الدولية تراجع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الإيراني خلال السنوات الخمسة المقبلة ليصل إلى (2.7%).

شكل (1) معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي (2020-2027) %

المصدر: صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي: مجابهة أزمة تكلفة المعيشة، أكتوبر، 2022، ص 130

   ومن المفارقة العجيبة أن هناك بوناً شاسعاً في أداء الاقتصاد الإيراني بين حكم الشاه وحكم الملالي، فبينما كان متوسط النمو الحقيقي للاقتصاد بين عامي 1961 و1976م، أكثر من (10%) نجده (2%) خلال أربعين عاماً من حكم الملالي، وإذا اخذنا بالاعتبار النمو السكاني بإيران، المقدر (1.5 إلى 2%)، فإن النمو الحقيقي سيتراوح بين صفر إلى 0.5%. وهذا يمكن تفسيره بالعيوب الهيكلية وسوء الإدارة التي أضرت بالاقتصاد الإيراني خلال العقود الأربعة المنصرمة.

 

2) ارتفاع معدل التضخم:

      يُعد ارتفاع معدل التضخم ظاهرة متأصلة في الاقتصاد الإيراني، إذ شهد ارتفاعاً ملحوظاً مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية الربع الأخير من العام المنصرم، حيث وصل في عام 2022م، إلى نحو (40%) محققاً ارتفاعاً بنحو (5.4%) مقارنة بعام 2019م،

شكل (2) متوسط التغير السنوي في أسعار المستهلك للفترة 2019-2023 %

المصدر: صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، أكتوبر، 2022، ص 135

    وتشير معظم التقديرات إلى أن التضخم وصل إلى مستويات الـ 50%، في ظل ارتفاع أسعار العديد من السلع نتيجة لإلغاء الدعم؛ مما يزيد من الضغوط على الفئات الاجتماعية بإيران خاصةً ذات الدخل المنخفض.

    ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تبقى معدلات التضخم مرتفعة بإيران عند مستويات 25% خلال الأعوام الخمسة المُقبلة، تأثُراً بتراجع قيمة العملة واستمرار العجز المالي والعقوبات الاقتصادية التي تفرضها أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي بسبب الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

3) مؤشر الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

     بالرغم من العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني ومنها حظر بيع النفط الخام المصدر من إيران للأسواق العالمية، غير أن إيران استطاعت أن ترفع صادراتها من النفط بطريقة غير شرعية من خلال تصديره إلى كل من سنغافورة وماليزيا وإعادة بيعه للصين بأسعار منخفضة جداً، ومكن هذا التحايل إيران من الحصول على إيرادات من بيع النفط للصين الذي مازالت تستورد النفط المهرب من إيران.

شكل (3) الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في إيران (2019-2027) %

المصدر: صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي: مجابهة أزمة تكلفة المعيشة، أكتوبر، 2022، ص 145

4-الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

     شهدت الموازنة العامة في إيران عجزاً مستمراً طيلة الفترة 2019-2022م، وبلغ أعلى عجز عام 2020م، حيث بلغت نسبته (9.5%) من الناتج المحلي الإجمالي، ومع التعافي النسبي من جائحة كورونا عام 2021م، انخفض هذا العجز بنحو (%5.6)، لتعود الموازنة العامة تحقق عجزاً خلال العام 2022م، وصل إلى نحو (4.5%) من الناتج المحلي الإجمالي مع بدء الاحتجاجات الداخلية في الشهور الأربعة الأخيرة من العام المنصرم.

شكل (4) عجز الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (2019-2023) %

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على: https://tradingeconomics.com/iran/government-budget

      ومن المتوقع أن ترتفع درجة العجز بالموازنة الإيرانية عام 2023م، لتصل إلى (4.7%) من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك مع بدء الغربية بتشديد الخناق على التصدير غير الرسمي للنفط الخام الإيراني للصين من خلال الضغط عليها لإيقاف استيراد النفط خارج السياقات القانونية في أسواق النفط العالمية، فقد قامت الولايات المتحدة مؤخراً بفرض عقوبات على ست شركات إيرانية لتصنيع البتروكيماويات أو شركات فرعية تابعة لها،  وثلاث شركات في ماليزيا وسنغافورة، بسبب إنتاج وبيع وشحن البتروكيماويات والنفط الإيراني بمبالغ تقدر بمئات الملايين من الدولارات.

ثالثاً-التداعيات الحالية لاحتجاجات الداخل وضغوط الخارج على الاقتصاد الإيراني:

  أثرت حركة الاحتجاجات الشعبية التي اتسع نطاقها مع زيادة حدة القمع الذي يمارسه النظام ضد المحتجين، والعقوبات التي فرضتها وتفرضها الدول الغربية على بعض الكيانات والأشخاص الذين لهم صلة بقمع الاحتجاجات إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإيراني، تمثلت في الآتي:

1-انخفاض قيمة الريال الإيراني:

     أثرت المظاهرات في استقرار سوق الصرف الأجنبي، وانخفض الريال الإيراني أمام العملات الرئيسية، خلال الأشهر القليلة الماضية وسط اضطرابات واحتجاجات حاشدة في جميع أنحاء إيران، في أعقاب موت مهسا أميني في سبتمبر 2022م، وما تلاه من رد فعل قوات الأمن الإيرانية على الاحتجاجات. وفقد الريال 29٪ من قيمته منذ بدء الاحتجاجات. وسجلت العملة الإيرانية أعلى انهيار أمام العملات الأجنبية منذ قيام الثورة عام 1979م، حيث كان الدولار يوازي حينها 70 ريالاً، ولكن الريال تراجع عشية الذكرى الـ 44 لقيام الثورة إلى نحو 6400 مرة أمام الدولار بالسوق الموازي.

   ويمكن تفسير هذا الانخفاض في قيمة الريال لتسيس الاقتصاد وتأرجح العملة الوطنية في سياق الخطط الاقتصادية المتأثرة بالسياسة، وفرض قيود على السفن وناقلات النفط المرتبطة بإيران، وتأثره بالتطورات الدولية، لاسيما مستجدات الملف النووي والتوتر مع الغرب الذي ينعكس مباشرة على زيادة العقوبات الأجنبية والتضييق على الاقتصاد الإيراني، علاوة على الضغوط السياسية المتزايدة، كوضع الحرس الثوري على قائمة التنظيمات الإرهابية، حيث أن سعر الدولار ارتفع نحو 5 آلاف ريال إثر دعوة البرلمان الأوروبي إلى وضع الحرس الثوري على لائحة المنظمات الإرهابية.

2-ارتفاع معدلات البطالة: يعاني الاقتصاد الإيراني من ارتفاع معدلات البطالة ووفقاً لبيانات البنك الدولي بلغ معدل البطالة في إيران 11.5% من إجمالي القوة العاملة خلال عام 2021م، وبلغت البطالة بين الإناث نحو 19% وبين الذكور حوالي 9.9%.

شكل (5) معدل البطالة العام وبطالة الشباب في إيران (2021-2023) %

https://financialtribune.com/articles/domestic-economy/113272/imf-iran-s-unemployment-to-exceed-10-percent-in-2022-23

    كما أن ثلث الرجال ونصف النساء دون عمر الثلاثين الحاصلين على شهادات جامعية عاطلون من العمل. و(44%) من العاطلين من العمل في إيران يحملون شهادة جامعية. وتفيد وزارة التعليم الإيرانية بأن (20) ألف شخص يبدؤون برامج الدكتوراه سنوياً، ولكن لا تتوافر الوظائف سوى لأربعة أو خمسة آلاف منهم.

 

3-تدهور الأوضاع المعيشية وتزايد معدلات الفقر: 

  يعاني الإيرانيون من تراجع مستويات المعيشة، في ظل القرارات التي اتخذتها الحكومة بشأن التخلي عن دعم الدولار المخصص لاستيراد السلع الغذائية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية بما في ذلك القمح، مما زاد من الضغوط على الأسر الإيرانية. ولم تنجح سياسات الحكومة الإيرانية في تعويض الفئات المتضررة من آثار ارتفاع الأسعار.

وساهم تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خلال السنوات الماضية، في ارتفاع معدلات الفقر في إيران حتى وصل الحال إلى أن ثلث الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، فيما تشير أحدث إحصاءات صادرة عن البنك الدولي إلى أن معدل الفقر في إيران قد بلغ حوالي 27.6% عام 2019م. يعيش اليوم أكثر من ثلث سكان إيران في فقر، مقارنة بـ 20٪ في عام 2015م.

شكل (6) نسبة السكان الإيرانيين الذين يقعون تحت خط الفقر الوطني %

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على تقارير مركز أبحاث البرلماني الإسلامي، وزارة التعاونيات والعمل والرعاية الاجتماعية والبنك الدولي

4-تقلص دور الطبقة الوسطى في إيران:

   ساهمت الطبقة المتوسطة في استقرار إيران بعد ثورة 1979م، وكانت محركها الاقتصادي وسط العقوبات الأمريكية واستمرت هذه الطبقة بالنمو على مدى العقود الأربعة الماضية لتصل إلى 60٪ من السكان، غير أنها بدأت بالتناقص نتيجة لتعرضها لثلاثية الركود والتضخم وتراجع قيمة العملة حيث تجاوز التضخم الـــ 40٪، مع هبوط قيمة العملة الإيرانية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1979م، وركود اقتصادي كبير، الأمر الذي قلص من قواتها الشرائية وأصبحت الآن تتجه صوب الطبقة الفقيرة التي باتت تتسع نتيجة لإفقار الطبقة الوسطى.

5-تدني إنتاج النفط

    كانت إيران في يوم من الأيام واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، وتضخ الآن حوالي 2.5 مليون برميل يوميًا، انخفاضًا من أكثر من (6) ملايين في سبعينات القرن الماضي و4 ملايين حتى عام 2016م، وهي السنة التي قرر فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة العمل بالعقوبات الاقتصادية التي تم رفعها في عهد الرئيس أوباما. وباتت إيران اليوم خامس أكبر منتج للنفط الخام ضمن أوبك عام 2022م، بعد كل من السعودية والعراق والإمارات والكويت.

شكل (7) إنتاج الخمسة الكبار بمنظمة أوبك للنفط الخام لعام 2022" مليون برميل" يومياً

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على النشرة الشهرية لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط " أوبك"

    وطبقاً لبيانات الجمارك الصينية لعام 2022م، وصل إجمالي النفط الخام الإيراني الذي استوردته الصين (780.4) ألف طن. وتُعد الصين أكبر مشتر للنفط الإيراني المهرب، لكن معظم الصادرات الإيرانية يُعاد تصنيفها على أن منشأها دول أخرى كماليزيا للتهرب من العقوبات الأمريكية. وارتفعت صادرات النفط الإيراني في ديسمبر إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 مليون برميل يومياً، بزيادة 130% عنها قبل عام. ويبدو أن الولايات المتحدة تغض الطرف على النفط الإيراني الذي يتسرب للأسواق وذلك لكيلا تحصل زيادة أعلى في السعر الذي ينعكس سلباً داخل أمريكا.

رابعاً-التداعيات المستقبلية للاحتجاجات على الاقتصاد الإيراني

   من المتوقع أن تؤدي الاحتجاجات الراهنة، لاسيما حال تصاعد وتيرتها، إلى عدد من التداعيات الاقتصادية السلبية، يتمثل أبرزها فيما يلي:

1-الإضرار بالممتلكات والبنية التحتية:

 من المتوقع أن تتضرر البنية التحتية والممتلكات سلباً نتيجة للاحتجاجات الإيرانية، لاسيما في حال استمرار تصاعدها، وقيام المتظاهرين الغاضبين بإشعال النيران وإلحاق الضرر بالمباني والممتلكات العامة. وهذا سوف يستدعي تخصيصات مالية كبيرة في الموازنة الإيرانية التي تعاني من عجز مستدام منذ سنوات.

2-خسائر انقطاع الإنترنت:

   تقوم قوات الأمن الإيرانية لمواجهة تصاعد حدة الاحتجاجات بقطع الاتصال بالأنترنت لكيلا يتم نقل الصورة التي يتعامل بها نظام الملالي مع مواطنيه للمجتمع الدولي. وتشير بعض التقديرات إلى أن انقطاع الإنترنت ليوم واحد يكلف الاقتصاد الإيراني أكثر من (38) مليون دولار، ويلحق أضرار بالغة بالقطاعات التجارية والاقتصادية وعشرات الآلاف من الشركات الصغيرة التي تعتمد على المبيعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع استمرار الاحتجاجات الشعبية ستستمر الحكومة الإيرانية بقطع الانترنت، الأمر الذي سينعكس سلباً سبل عيش أصحاب المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، علاوة على نشاط المصارف والأسواق المالية.

3-مقاطعة شركات الحرس الثوري:

 بدأ المستهلكون الإيرانيون مقاطعة كبار تجار التجزئة والشركات التي يُعتقد تبعيتها لسيطرة الحرس الثوري، حيث تشير التقديرات إلى أن الحرس الثوري يسيطر على قرابة ثلث الاقتصاد الإيراني، ويهيمن على المطارات والموانئ، كما يُدير العديد من الشركات. 

4-تأثُر الاستثمارات

   تظهر الإحصائيات أنه تم تحويل ما لا يقل عن (11) مليار دولار من إيران إلى تركيا بهدف شراء العقارات والاستثمار بالشركات خلال السنوات الثماني الماضية. وهو رقم يعادل (22٪) من الموازنة الإيرانية ويعادل إجمالي الدعم النقدي الذي يجب أن تقدمه الحكومة للإيرانيين في العام المقبل.

  وتوضح تقارير صادرة عن اتحاد الغرف التجارية التركية أنه في عام 2010م، أنشأ الإيرانيون 54 شركة فقط، غير أن هذا الرقم وصل مع هروب أصحاب رؤوس الأموال من إيران نتيجة للاحتجاجات في عام 2022م، إلى 1300 شركة، وسوف يستمر نزيف خروج رأس المال من إيران، طالما بقي النظام الثيوقراطي بالحكم.

5-زيادة معدلات هجرة العقول: 

  تعزز الاضطرابات الاجتماعية من رغبة الشباب الإيراني بالهجرة للخارج في ظل تأزم أوضاع الاقتصاد الإيراني، بحثاً عن فرص تعليمية ومهنية أفضل. ويقدر صندوق النقد الدولي الخسائر المترتبة على هجرة العقول في إيران بنحو (50) مليار دولار سنوياً. ومنذ عام 1979 مع استلام الملالي الحكم في إيران، غادرها نحو ثمانية ملايين شخص، أي ما يناهز (10%) من السكان، منهم حوالي (4.2) مليون شخص حاصل على مؤهل علمي عالٍ ويتمتعون بمهارات رفيعة.

  كما تسارعت هجرة العقول خلال الفترة (2019-2022)، مع مغادرة 4000 طبيب في المتوسط كل عام.
ووفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، ينتظر حالياً (30) ألف من الأطباء الممارسين العامين وكبار الممرضات شهادات حسن السيرة المهنية التي تطلبها الدول المتقدمة من أولئك الراغبين في الهجرة إليها.

   وتجدر الإشارة إلى أن عدد المهاجرين الإيرانيين للولايات المتحدة قد تضاعف بين عامي 1980 و2000م، من 122 ألفًا إلى 283 ألفًا. واستمر هذا النمو السكاني في القرن الحادي والعشرين، وإن كان بوتيرة أبطأ، حيث يعيش 385 ألف مهاجر إيراني بالولايات المتحدة في عام 2019م.

شكل (8) عدد الإيرانيين المهاجرون للولايات المتحدة (1980-2019)

Sources: Data from U.S. Census Bureau 2010 and 2019 American Community Surveys (ACS), and Campbell J. Gibson and Kay Jung, "Historical Census Statistics on the Foreign-Born Population of the United States: 1850-2000" (Working Paper no. 81, U.S. Census Bureau, Washington, DC, February 2006)

   وطبقاً لدراسة أجرتها جامعة شريف بطهران على مدار ثلاث سنوات، تبين بأن (17078) شخصاً في جميع مقاطعات إيران الـــ (31)، أن (70%) من كبار المديرين والموظفين ذوي المهارات العالية بالقطاع العام يرغبون بالهجرة. كما تُظهر الدراسة أن غالبية المهاجرين المحتملين هم من الشباب ذوي التعليم العالي من غير المتزوجين من سكان المدن، أي كلما ارتفع تعليم الفرد زادت رغبته في الرحيل. وتُبين الدراسة أيضاً أن الرغبة في الفرار من إيران ليست ناجمة عن المصاعب الاقتصادية نتيجة البطالة أو التضخم. فليس الفقراء أو العاطلون عن العمل وحدهم هم من يرغبون بالفرار، وإنما أيضاً أصحاب الوظائف الجيدة، أو المرشحون لوظائف بأجر جيد في ظل حكم الملالي.

    من المتوقع أن تغذي عوامل عدة حالة الحراك الاجتماعي بإيران في الأشهر المقبلة، من ضمنها الإخفاق في مواجهة التحديات الاقتصادية، فقد لا ينجح النظام الإيراني بالفترة المقبلة بالتعامل مع التحديات الاقتصادية والعقوبات الغربية على النحو الذي يطمح له الإيرانيون، في ظل محدودية الاحتياطات من العملات الأجنبية التي يمكن الوصول إليها، فضلاً عن تزايد العجز المالي للحكومة. ولذا فإن استمرار الاحتجاجات وتوسّع نطاقها سينعكس على مستوى الاقتصاد الإيراني من نواحي عدة تتمثل الآتي:

  • خسائر مالية ناتجة عن تعطّل دوران عجلة الإنتاج وتوقّف عمل المصالح الإدارية والاقتصادية وتوقّف مصادر دخل أعداد كبيرة من العاملين، خصوصًا العاملين باليومية.
  • استمرار تراجع أسعار صرف الريال أمام العملات الأجنبية لتزداد الضغوط التضخمية وترتفع مستويات أسعار السلع، خصوصًا السلع الغذائية المستوردة.
  • احتكارات السلع المختلفة والتحكم في أسعارها.
  • هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، وهبوط سوق الأوراق المالية بعد موجات بيع كبيرة لمالكي الأوراق.

إن مواجهة التحديات الاقتصادية الناجمة عن الاحتجاجات الشعبية والعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران تتطلب القيام بما يلي:

  • إجراء إصلاحات جوهرية وهيكلية خاصة في مختلف القطاعات الاقتصادية مثل إصلاح النظام المصرفي والميزانية وأسعار السلع والطاقة.
  • استعادة الثقة المفقودة لدى الناس من خلال استعادة التراضي الاجتماعي الذي لن يكون بالطبع مهمة سهلة، كما أن عدم جعل حياة الناس أكثر صعوبة وتقييداً من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، سيشكل خطوة إيجابية على طريق كسب الثقة المفقودة.
  • مراجعة البرامج والخطط الاقتصادية لفائدة الطبقات الدنيا في المجتمع لتحسين ظروفهم المعيشية.

وختاماً نقول إن الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة تعكس درجة كبيرة من الإحباط الشعبي بسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وبالوقت نفسه ستتسبب بأضرار ستزيد من إضعاف الاقتصاد الإيراني المتأزم بالفعل. ومن المرشح استمرار تلك الاحتجاجات في الفترة المقبلة، لطالما بقيت السياسات الإيرانية قائمة من دون تغيير لأن النظام الثيوقراطي غير قابل للتأهيل من ذاته في ظل السعي لفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية نتيجة للموقف الإيراني المساند لروسيا في غزوها لأوكرانيا.

مقالات لنفس الكاتب