array(1) { [0]=> object(stdClass)#12962 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

استمرار المناوشات الإسرائيلية / الإيرانية دون مواجهة عسكرية على ضوء حسابات الطرفين

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

لا شك أن العلاقة بين كل من إيران وإسرائيل سوف تظل تحظى باهتمام خاص على كافة المستويات في ضوء كونها علاقة تأخذ طابعاً متوتراً بصفة دائمة ويتراوح هذا التوتر بين إطلاق تصريحات متبادلة بالوعيد والتهديد تارة وبين القيام بعمليات تبدو في مجملها ذات طبيعة أمنية وعسكرية مباشرة وغير مباشرة تارة أخرى وذلك بالرغم من عدم إقدام أي من الطرفين على أن يعلن مسؤوليته عن أية عملية نوعية يقوم بها ضد الطرف الآخر إلا في حالات قليلة للغاية.

 من المهم أن نشير في البداية إلى أن المبدأ الرئيسي الذى يحكم العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي  يتمثل – طبقاً للرؤية الإسرائيلية - في أن الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يكون أسيراً لظروف متغيرة أو تترك مسؤوليته لأطراف خارجية وإنما يتم حمايته والحفاظ عليه بواسطة القوة الإسرائيلية فقط، وهذا هو المبدأ المسيطر على شكل ومضمون تعامل إسرائيل مع المهددات والمخاطر التي ترى أنها تهدد أمنها القومي سواء كانت هذه التهديدات إقليمية أو دولية، وهنا يمكن القول أن هذا المبدأ ينطبق تماماً على رؤية إسرائيل لكيفية التعامل مع إيران كدولة (عدو) وكذا على أذرعها المنتشرة في المنطقة وعلى رأسها حزب الله والحوثيين.

 وقد جاءت عودة "بنيامين ناتانياهو" إلى تولى رئاسة الوزراء لتضيف متغيراً جديداً يزيد من معدل وحجم التوتر في العلاقة الإسرائيلية مع إيران حيث أن "ناتانياهو" يعد من أكثر الشخصيات المتشددة تجاه إيران بل ساهم شخصياً وبجهد كبير في دفع الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وذلك في إطار التوافق التام بين كل من إسرائيل والولايات المتحدة تجاه ضرورة عدم وصول القدرات الإيرانية إلى مرحلة تصنيع وامتلاك الأسلحة النووية مهما كان المقابل.

 وفى الوقت نفسه فقد حرصت الحكومة الإسرائيلية الجديدة على أن تحدد أولوياتها خلال المرحلة المقبلة وجاءت التهديدات الإيرانية في الأولوية الأولى وذلك في ضوء القناعة الإسرائيلية بأن التهديد الإيراني يعتبر تهديداً وجودياً وليس مجرد تهديداً أمنياً وهو ما يتطلب من وجهة النظر الإسرائيلية أن تقوم باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة التي من شأنها الحفاظ على أمنها القومي في مواجهة المخاطر الإيرانية، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن التوافق الإسرائيلي / الأمريكي قد تبلور بشكل رسمي في "إعلان القدس" الذى تم التوصل إليه بين الرئيس الأمريكي "جو بايدن" ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "يائير لابيد" في 14 يوليو 2022م، والذى التزمت واشنطن بموجبه بعدم السماح لإيران بأن تمتلك سلاحاً نووياً في أي وقت .

 وقد زاد من تركيز الحكومة الإسرائيلية الجديدة على ضرورة مواجهة التهديدات الإيرانية أن الإدارة الأمريكية برئاسة "جو بايدن" استأنفت المفاوضات مع إيران في 6 إبريل 2021م، من أجل التوصل إلى اتفاق يحول بينها وبين وصولها إلى امتلاك السلاح النووي، وهنا تزايدت المخاوف الإسرائيلية من إمكانية قيام إدارة الرئيس "بايدن" بتقديم بعض التنازلات لصالح إيران للوصول إلى الاتفاق بأي ثمن وهو الأمر الذى سوف يعتبره "بايدن" أحد أهم إنجازاته قبل انتخابات الرئاسة المقبلة رغم أن المفاوضات بين الجانبين متوقفة منذ حوالي ستة أشهر وحتى الآن .

 وقد شهد الوضع بين الجانبين الإسرائيلي  والإيراني تطوراً جديداً مؤخراً تمثل في الانفجار الذى حدث في منطقة "الخميني" بمدينة "أصفهان" التي تقع جنوب العاصمة طهران يوم 29 يناير 2023م، حيث تم شن هجوم بثلاث طائرات مسيرة وتم إسقاط طائرتين بينما نجحت الطائرة الثالثة في استهداف أحد مصانع تصنيع الذخائر التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية في المدينة، وقد أشارت وزارة الدفاع الإيرانية إلى  أن هذه الطائرات من طراز "كوادكوبتر" ذات المراوح الأربع وكانت مجهزة بقنابل عنقودية، ونشير في هذا المجال إلى أن المنشآت النووية الإيرانية سبق وأن تعرضت للهجوم عدة مرات من قبل كان أهمها استهداف منشأة "نطنز" النووية عام 2021م .

 وبالرغم من أن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها رسمياً عن عملية "أصفهان" إلا أن كافة الشواهد تشير إلى أن إسرائيل تقف وراءها وذلك لتحقيق هدفين رئيسيين الهدف الأول التأكيد على أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام سعي إيران لتطوير قدراتها النووية، أما الهدف الثاني فهو توجيه رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة بأن إسرائيل سوف تظل تتابع الوضع الإيراني عن كثب ولن تنتظر مفاوضات أمريكية إيرانية بدون نهاية أو نتيجة ثم يتعرض أمنها القومي إلى مخاطر قد لا تستطيع مواجهتها، ونشير في هذا المجال إلى أن صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية قد أشارت إلى أن إسرائيل هي التي نفذت العملية وأنه تم تنسيقها مع سلاح الجو الأمريكي وأن المسيرات التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية استهدفت مواقع حيوية إرهابية تابعة للحرس الثوري في مدينة "أصفهان" .

 ومن المؤكد أن التحركات الإسرائيلية المتواصلة لمواجهة المخاطر الإيرانية لابد وأن تكون قد دفعت إسرائيل إلى أن تقوم بعمليات اختراق للأراضي الإيرانية من خلال جهود استخبارية نوعية ومتقدمة، وقد ظهر ذلك جلياً سواء خلال بعض عمليات الاغتيال التي وقعت لبعض العلماء النوويين الإيرانيين في مناطق مختلفة أو حتى بالنسبة لعملية "أصفهان" الأخيرة حيث أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن المدى القصير للطائرات المسيرة التي نفذت العملية تقود إلى احتمال أن يكون الهجوم تم من داخل الأراضي الإيرانية نفسها، وفى نفس الوقت يجب ألا ننسى أن إسرائيل نفذت عملية مخابرات متقدمة للغاية عام 2018م، حصلت بمقتضاها على آلاف الوثائق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما أن إيران بررت إعدام نائب وزير الدفاع الأسبق "على رضا أكبري" باتهامه في قضية تجسس وأن بعض المعلومات التي سربها ساعدت على اغتيال العالم النووي "محسن فخري زاده" في طهران في نوفمبر 2020م.

 وفى نفس الوقت تسعى إسرائيل بشكل متسارع إلى إجراء مزيد من التجارب للتصدي للطائرات الإيرانية المسيرة وذلك في إطار احتمالات قيام إيران بالرد على العمليات التي تقوم بها إسرائيل ضدها، وفى هذا المجال أفادت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أن العميد "دان جولد" وهو مسؤول رفيع في الجيش الإسرائيلي صرح يوم 14 فبراير 2023م، أن الليزر الذى يستخدمه الجيش قادر على إسقاط الطائرات الإيرانية المسيرة وأن مجموعة من التجارب الناجحة تم تنفيذها لتدمير الصواريخ والطائرات المسيرة وقد أدلى المسؤول العسكري الإسرائيلي بهذا التصريح خلال مؤتمر الذكاء الاصطناعي الذى عقدته مديرية البحث والتطوير الدفاعي الإسرائيلي المعروفة باسم MAFAT في جامعة تل أبيب . 

 ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن الأمر الذي يزيد الوضع تعقيداً يتمثل في قيام إيران بإمداد روسيا بطائرات إيرانية مسيرة ساهمت بدور فعال في الحرب الروسية الأوكرانية مما أثار ردود فعل سلبية من جانب الولايات المتحدة حيث رأت واشنطن أن هذا الموقف الإيراني يعد رسالة مباشرة موجهة من القيادة الإيرانية إلى الولايات المتحدة مفادها أن السياسة الإيرانية سوف تتحرك طبقاً لمصالحها ولن تستطيع أية دولة في العالم سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل أن تتصدى لهذه المصالح خاصة مع استمرار فرض العقوبات عليها.

 ومع هذه التطورات المرتبطة بموقف إيران والتوتر القائم والمتواصل بينها وبين إسرائيل، فقد شهدت إيران احتجاجات دامية وواسعة النطاق ابتداء من 16 سبتمبر 2022م، في أعقاب قتل إحدى وحدات الشرطة الفتاة الكردية الإيرانية "مهنسا أمينى" الأمر الذى أثر على وضعية وصورة القيادة الإيرانية وتزايدت الانتقادات الدولية للتعامل الإيراني العنيف مع المتظاهرين والذى أدى إلى وفاة أكثر من 500 مواطن وإعدام مواطنين واعتقال الآلاف، وقد اتهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية "آية الله على خامنئي" كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بالتحريض على تأجيج هذه الاحتجاجات.

 وقد حاولت القيادة الإيرانية اتخاذ بعض القرارات التي من شأنها تخفيف حدة المظاهرات من بينها إلغاء شرطة الأخلاق في الرابع من ديسمبر 2022م، إلا أنه يمكن القول إنه بالرغم من حجم الخسائر البشرية واستخدام القبضة الحديدية في مواجهة المتظاهرين إلا أن هذا الحراك أصبح سابقة لدى المواطنين الإيرانيين من أجل تأكيد قدراتهم على تنظيم التظاهرات ضد الحكومة احتجاجاً على بعض السياسات الحكومية ومن أهمها الأوضاع الاقتصادية المتردية والأوضاع الاجتماعية.

 ومن الضروري أن نشير هنا إلى إعلان إيران في 30 ديسمبر 2022م، عن إجراء مناورة عسكرية برية وبحرية في اتجاه أذربيجان وشرق مضيق هرمز أطلق عليها اسم "مناورة ذو الفقار 104" تمت بالتعاون بين الجيش الإيراني والحرس الثوري وذلك بهدف دعم الاستعدادات القتالية للدولة الإيرانية، ونشير في هذا المجال إلى أن هذه المناورة أجريت قبل فترة وجيزة من المناورة الأمريكية الإسرائيلية الجوية التي تمت يوم 29 نوفمبر2022م، لمحاكاة هجوم على المنشآت النووية الإيرانية والتصدي لهجوم إيراني محتمل وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تشير فيها الولايات المتحدة بشكل صريح إلى إمكانية شن هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك على المنشآت النووية الإيرانية، ثم أجريت مناورة مشتركة أمريكية إسرائيلية أخرى يوم 23 يناير 2023م، استهدفت نفس الغرض من المناورة الأولى .

 ومن ناحية أخرى وحتى تكون الصورة مكتملة لابد من الإشارة إلى أن الأراضي السورية أصبحت أحد أهم ميادين الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل حيث شهدت سوريا منذ بدء ثورات الربيع العربي مجموعة من المتغيرات الرئيسية أهمها تدعيم روسيا وضعيتها وقواعدها العسكرية لحماية نظام بشار الأسد، ثم جاء التواجد الإيراني على الأراضي السورية ومحاولة إقامة قاعدة عسكرية إيرانية هناك وما تطلبه ذلك من إرسال قوات الحرس الثوري الإيراني وتأسيس مخازن للذخيرة والأسلحة المتقدمة لاستخدامها طبقاً لتطورات الأوضاع على الأرض، بالإضافة إلى التواجد التركي الذى احتل مساحات كبيرة في الشمال السوري تحت مبرر مواجهة الأكراد .

 وقد تعاملت إسرائيل مع تطورات الأزمة السورية من منطلق أمني بحت باعتبارها أزمة تعدت الموقف السياسي وتعقيداته إلى مرحلة المساس بالأمن القومي الإسرائيلي، ومن ثم لم تهتم تل أبيب كثيراً ببقاء نظام "بشار الأسد" من عدمه مادامت قادرة على تأمين أراضيها، كما مثل التواجد الإيراني في سوريا الهاجس الرئيسي لإسرائيل وذلك في ضوء حرص إيران على أن تثبت من جانبها قدرتها على الوقوف ضد كل من إسرائيل والولايات المتحدة حتى إذا بدا الأمر وكأنه يقترب من مواجهة عسكرية مباشرة، كما حرصت إيران على أن تجعل من الأراضي السورية نقطة تمركز عسكري في مواجهة إسرائيل، وكذا محاولة الاستفادة من هذا التواجد في تدعيم موقفها التفاوضي في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي .

 واستناداً على التنسيق المسبق التي حرصت إسرائيل على تثبيته كمبدأ غير قابل للتغيير مع روسيا وأنها سوف تتدخل عسكرياً في سوريا إذا استشعرت في أي وقت أن هناك تهديداً لأمنها فقد بدأت في التعامل مع هذا المتغير بكل جدية منذ اللحظة الأولى وأصبح التواجد العسكري الإيراني في سوريا وخاصة مخازن الأسلحة والصواريخ أهم الأهداف العسكرية المباشرة للجيش الإسرائيلي، وبالتالي لم تتوان إسرائيل في أي وقت عن تدمير الأسلحة الإيرانية في أي مكان في سوريا مع العمل قدر المستطاع على تجنب الاشتباك مع القوات الروسية وهو الأمر الذي نجحت فيه حتى الآن، وقد حرصت إسرائيل أيضاً من خلال عملياتها العسكرية على التصدي لمحاولات إيران تهريب الأسلحة إلى حزب الله في لبنان .

 وفى هذا المجال لابد من الإشارة إلى أحد الأبعاد الهامة المرتبطة بالوضع الراهن حيث لازالت إدارة الرئيس "جو بايدن" حريصة على مواصلة المفاوضات مع إيران في الملف النووي التي تم استئنافها في 6 إبريل 2021م، ولم تغلق المجال أمام إمكانية الوصول إلى اتفاق مرضٍ لجميع الأطراف خاصة مع توجه إيران لاستخدام بعض وكلائها في المنطقة وخاصة الحوثيين في دعم موقفها التفاوضي من خلال ضرب بعض الأهداف الخليجية في فترات سابقة، ويمكن القول في هذا المجال إن الولايات المتحدة لازالت حتى الآن لا تضع العمل العسكري ضد إيران كأولوية أولى لها بغض النظر عن نتائج المفاوضات، كما أن هناك تساؤلاً يطرح نفسه حول الأهداف الأمريكية تجاه إيران وهل تتعلق هذه الأهداف بإسقاط النظام الإيراني أم مجرد ترويضه وتحجيمه فقط .

 وإذا كانت إسرائيل قد صعدت خلال الفترة الأخيرة من عملياتها ضد إيران على الأراضي السورية، ففي تقديرنا أن هذا التصعيد يرتبط أساساً بحرص تل أبيب على أن تحول بين إيران وبين أن تجعل من سوريا قاعدة إيرانية عسكرية متقدمة مهما استدعى الموقف مواصلة العمليات الإسرائيلية وتكثيفها ومهما بلغت حجم الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها إيران أو سوريا، ومن الأمور الهامة التي تجدر الإشارة إليها في هذا الشأن أن إيران تتلقى العديد من الضربات الإسرائيلية دون أن تقوم بالرد إلا في حالات قليلة للغاية وهو الأمر الذى يؤكد أن حسابات إيران العسكرية تندرج في إطار عدم رغبتها في التصعيد في معركة لن تكون في مجملها لصالحها ومادامت غير مستعدة للانخراط في مواجهة لن تحقق المكاسب التي تهدف إليها .

 وفى نفس الوقت ففي التقدير أن الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة "ناتانياهو" كما نجحت من قبل في دفع الإدارة الأمريكية السابقة للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران فإنها أيضاً سوف تحاول أن تضغط على إدارة الرئيس "بايدن" على الأقل من أجل وقف المفاوضات نهائياً مع إيران كبديل – ولو حتى مؤقت -عن العمل العسكري وهو الأمر الذي لم يلق قبولاً أمريكياً حتى الآن.

 وفى التقدير أن تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران في سوريا مهما كان حجمها فإنها لن تخرج عن الإطار الذي حددته إسرائيل من قبل وهو الحيلولة دون تعرض الأمن القومي الإسرائيلي إلى أي تهديد انطلاقاً من الأراضي السورية، أما مسألة قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية مباشرة إلى إيران ففي التقدير أنها غير واردة في المدى المنظور.

 كما أن إسرائيل لن تقدم على هذه العملية العسكرية ضد إيران إلا بتنسيق مسبق مع واشنطن التي لازالت تستبعد حتى الآن الحل العسكري، ومن ثم فإن المواجهة العسكرية الموسعة بين إسرائيل وإيران غير واردة مهما كان حجم المناوشات التي سوف نشهدها بين الطرفين من حين لآخر، وإن كان في التقدير أيضاً أن إسرائيل لن تتوقف عن التأكيد على أن كافة الوسائل مطروحة من أجل منع إيران من امتلاك السلاح النووي.

 وقد شهدت الأيام الأخيرة بعض التطورات الهامة المرتبطة بالأوضاع المتوترة بشأن إيران واحتمالات تصاعد الموقف بينها وبين إسرائيل، وفى هذا المجال نشير إلى التطورات الرئيسية التالية:

  ** التطور الأول: تأكيد مجموعة العمل الخليجية ـ الأمريكية المشتركة الخاصة بإيران خلال اجتماعها الذي عقد في المملكة العربية السعودية في 15 فبراير 2023م، على إدانة سياسة إيران المتواصلة لزعزعة الاستقرار في المنطقة واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات السيبرانية ونشرها في المنطقة.

** التطور الثاني : الإعلان عن تعرض أحد سفن البترول الإسرائيلية إلى قصف خلال مرورها في الخليج العربي (دون تحديد توقيت هذه العملية)، ويلاحظ في هذا الشأن أن المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني العميد "رمضان الشريف" أشار في تصريح له يوم 9 فبراير 2023م، أن إسرائيل تلقت ردوداً موجعة على هجماتها الفاشلة ضد إيران، كما أنه ليست هناك ضرورة حالياً للإعلان عن تلك الردود الإيرانية، وأن إيران لديها كافة الآليات اللازمة للدفاع عن مصالحها الوطنية، بالإضافة إلى أن إسرائيل تحاول مهاجمة الأمن القومي الإيراني من خلال العمليات التخريبية والاختراقات والاغتيالات .

** التطور الثالث: تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي "يوآف جالانت" خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي انطلقت أعماله يوم 17 فبراير 2023م، بأنه يجب طرح كل الوسائل الممكنة على المائدة من أجل منع إيران من الحصول على السلاح النووي.

 وفى تقديرنا أن عام 2023م، سوف يشهد استمرار الإطار العام الذي يحكم طبيعة التوتر بدرجاته المختلفة بين كل من إيران وإسرائيل وذلك في ثلاثة مجالات رئيسية نوضحها فيما يلي:

** المجال الأول: عدم اتجاه كل من الولايات المتحدة وإيران إلى إعلان أي منهما الفشل التام للمفاوضات الخاصة بالاتفاق النووي أو إنهاء مرحلة التفاوض وسوف تقوم واشنطن بمنح مزيد من الفرص أمام إمكانية التوصل إلى الاتفاق مع محاولة ممارسة بعض الضغوط الداخلية والخارجية على النظام الإيراني لدفعها لتقديم التنازلات المطلوبة.

** المجال الثاني: مواصلة إسرائيل انتهاج مهاجمة الأهداف العسكرية الإيرانية سواء في سوريا أو داخل إيران من خلال ضربات محدودة وذلك كلما كان الأمر ضرورياً على غرار عملية "أصفهان" بالإضافة إلى تنفيذ عمليات الأمن السيبرانى ضد بعض المنشآت الإيرانية.

** المجال الثالث: قيام إيران باستخدام طائراتها المسيرة في ضرب بعض الأهداف البحرية الإسرائيلية أو الانتقال إلى مهاجمة بعض الأهداف الخليجية إذا استدعى الأمر ذلك، بالإضافة إلى استخدام أذرعها في المنطقة لضرب نفس الأهداف ولكن دون الدخول في مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة.

 وفى النهاية سوف تستمر المناوشات بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني وقد تتصاعد حدتها في بعض الأوقات ولكن دون الوصول إلى المواجهة العسكرية المباشرة وذلك في ضوء حسابات كل طرف تجاه التداعيات المترتبة على هذه المواجهة، ولكن في كل الأحوال فإن هناك توافق إسرائيلي أمريكي عربي دولي بضرورة عدم وصول إيران إلى امتلاك السلاح النووي وسوف تظل المعادلة الصعبة قائمة بشأن كيفية منع إيران من الوصول إلى هذه المرحلة دون الدخول في مواجهة عسكرية معها، كما سيظل السؤال مطروحاً هل يمكن أن تنجح المفاوضات بين واشنطن وطهران في حل هذه الأزمة وهذا هو التحدي الذى يجب على الجميع التكاتف من أجله خلال الأشهر القليلة المقبلة لمنع عملية عسكرية سوف تكون نتائجها خارج كل التوقعات.

مقالات لنفس الكاتب