array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

تبنى النظام الإيراني 3 آليات للاحتواء: فزاعة الفوضى وإسرائيل والوحدة الوطنية

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

من بين كل المدن الإيرانية التي شهدت الاحتجاجات التي اندلعت في أعقاب الإعلان عن وفاة الفتاة الكردية العشرينية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022م، بعد توقيفها من قبل شرطة "الأخلاق" بسبب اتهامها بعدم الالتزام بقواعد ارتداء الحجاب، كان لافتاً أن المدن والمناطق التي تقطنها القوميات الإيرانية هي الأكثر اشتعالاً وكثافة في التظاهرات والمواجهات بين المحتجين وقوات الأمن. بل إنه عندما تراجعت الاحتجاجات، نسبياً، في أواخر شهر يناير 2023م، بفعل عوامل عديدة، منها عوامل مناخية، تعمد المتظاهرون في تلك المناطق الحفاظ على تواجدهم في الشارع، وبدا ذلك جلياً في المظاهرات التي أعقبت صلاة الجمعة، في 17 فبراير 2023م، في مناطق القومية البلوشية خاصة في زاهدان، ومناطق القومية الكردية، لا سيما في سنندج.

وربما يكشف ذلك عن حقيقة مهمة تتمثل في أن المُحفِّزات الحقيقية للاحتجاجات ما زالت قائمة في إيران، خاصة فيما يتعلق بالتمييز الممنهج الذي يتعرض له المواطنون الذين ينتمون للقوميات الإيرانية المختلفة، وسياسة الإقصاء والتهميش التي يتبعها النظام الإيراني في التعامل معهم ومواجهة المشكلات التي يتعرضون لها.

ومن دون شك، فإن هذه الأزمة المجتمعية تتزايد حدتها مع الوضع في الاعتبار عاملين رئيسيين: الأول، أن إيران دولة متعددة القوميات العرقية، التي تتضمن الفارسية والكردية والبلوشية والتركمانية والآذرية والعربية. كما أنها دولة متعددة الأقليات المذهبية، التي تشمل الشيعة والسنة والأرثوذكس والأرمن واليهود والزرادشت. 

وهناك إحصاءات متعددة ومختلفة تكشف عن تعداد القوميات العرقية، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن القوميات غير الفارسية في إيران تشكل ما بين 40 إلى 50% من إجمالي عدد السكان. وتكشف إحصاءات أخرى أنه من بين تعداد سكان إيران الذي يبلغ حوالي 89 مليون نسمة، يشكل الفرس نحو 51% منهم، فيما تمثل القوميات غير الفارسية حوالي 49%. ومن بين القوميات غير الفارسية، يمثل الآذريون 24%، والأكراد 7%، والعرب 3%، والتركمان 2%، والبلوش 2%، والجيلاك والمازندرانيون 8%، واللور 2%، وأخرى 1%. فيما لا توجد إحصاءات دقيقة لتعداد الأقليات المذهبية.

ووفقاً لتقديرات موقع "World Population Review" لعام 2023م، فإن القومية الفارسية تشكل نحو 61%، فيما يشكل الآذريون 16%، والأكراد 10%، واللور 6%، والبلوش 2%، والعرب 2%، والتركمان 2%، وتشكل قوميات أخرى 1%.

والثاني، أن معظم هذه القوميات العرقية موجودة على الحدود مع الدول الأخرى. فالبلوش فى الجنوب والجنوب الشرقي، والتركمان فى الشمال والشمال الشرقي، والآذريون فى الشمال والشمال الغربي وأجزاء فى الوسط، والأكراد فى الغرب، والعرب فى الجنوب والجنوب الغربي.

وتتشابك هذه القوميات عرقياً مع الدول المجاورة لإيران. فالتركمان يجاورون دولة تركمانستان. فيما يقطن البلوش في إقليم سيستان بلوشستان الواقع على الحدود المشتركة بين إيران وأفغانستان وباكستان. ويتواجد العرب في المناطق المجاورة للعراق ودول مجلس التعاون الخليجي. ويقطن الآذريون بجوار جمهورية أذربيجان. في حين ينتمي الأكراد للإقليم الذي يشاركهم فيه أكراد تركيا والعراق.

قواسم مشتركة:

أنضجت الاحتجاجات الأخيرة ما يمكن تسميته بالقواسم المشتركة التي تجمع بين القوميات الإيرانية المختلفة. فقد ظهرت صور الفتاة الكردية مهسا أميني في كل المحافظات والمدن الإيرانية، بما فيها مناطق القوميات الأخرى، التي رفعت الشعارات نفسها، على غرار شعار "مرگ بر ديكتاتور" أو (الموت للديكتاتور)، في إشارة واضحة إلى المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي. كما ظهر شعار "نه غزه نه لبنان جانم فدای إیران" أو "لا غزة ولا لبنان روحى فداء إيران"، في إشارة إلى رفض استنزاف الموارد الإيرانية في دعم التمدد الإيراني في المنطقة، باعتبار أن هذا التمدد جاء على حساب احتواء تداعيات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في الداخل الإيراني.

وقد بدا ذلك جلياً في الدعوات المتكررة التي وجهها إمام الجمعة وزعيم السنة في زاهدان مولوى عبد الحميد زهي، والتي عكست ما يمكن تسميته مطالب عابرة للقوميات، حيث لم تركز على مطالب القومية البلوشية فقط، وإنما عكست كل المطالب التي تتبناها القوميات الإيرانية الأخرى.

ففي خطبة الجمعة، في 17 فبراير 2023م، دعا عبد الحميد زهي المسؤولين في إيران إلى التجاوب مع المطالب التي يتبناها أغلبية الشعب بإجراء استفتاء على نظام الحكم، في إشارة واضحة إلى أن هناك رفضاً واسعاً من جانب الشعب الإيراني لنظام ولاية الفقيه الذي احتكر السلطة بعد الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979م. كما دعا إلى صياغة دستور جديد وعرضه للاستفتاء، مشيراً إلى أن المواطنين في حالة ما إذا رفضوا النظام القائم فيجب أن يتم الاستماع لهم.

وقد توازى ذلك مع التحركات التي تقوم بها المعارضة الإيرانية في الخارج من أجل تشكيل تنظيم سياسي عابر للقوميات ويستطيع أن يعبر عن آراء المحتجين والمواطنين بشكل عام. ورغم أن هذه الخطوة كانت متأخرة إلى حد كبير، فضلاً عن أنها ربما تمثل خطوة تمهيدية في طريق ما زال طويلاً، في ظل التباينات الشاسعة بين القوى السياسية الإيرانية المختلفة مع نظام ولاية الفقيه، فإنها في النهاية تؤشر إلى أن ثمة إدراكاً لضرورة التركيز على أن مطالب القوميات الإيرانية شبه موحدة، وتقوم في الأساس على ضرورة تبني سياسة متوازنة إزاء كل القوميات، بما فيها القومية الفارسية، وعدم الاعتماد على أسباب عرقية في تبني إجراءات استبعاد أو إقصاء، مع التركيز في الوقت نفسه على منح القوميات الأخرى الحريات السياسية والاجتماعية بالتساوي مع القومية الفارسية.

فزّاعة الفوضى:

حاول النظام الإيراني مع بداية الاحتجاجات احتواءها دون معالجة أسبابها الحقيقية. وقد تبنى في هذا الصدد ثلاث آليات رئيسية: الأولى، الترويج إلى أن الاحتجاجات تهدف إلى نشر الفوضى وعدم الاستقرار في إيران وتقويض دعائم النظام الحاكم. وبمعنى أدق، سعى النظام إلى تصدير "فزّاعة الفوضى" إلى الإيرانيين لدفعهم إلى عدم تأييد الاحتجاجات أو الانضمام إلى المحتجين في الشارع.

وقد استند النظام إلى هذا "الفزّاعة" في تبرير الإجراءات القمعية التي اتحذها تجاه المحتجين، بداية من فرض قيود شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي التي كان لها دور في توسيع نطاق الاحتجاجات بعد أن استخدمها النشطاء في تحديد أماكن وتوقيتات الاحتجاجات ونقل صورًا حية من انتهاكات النظام إلى الخارج، مروراً بإصدار أحكام إعدام وتنفيذ أربعة منها بحق محتجين اتهموا بالمشاركة في تقويض النظام واستهداف المنشآت العامة، وانتهاءً بتوجيه ضربات عسكرية لمناطق في شمال العراق، في 21 نوفمبر 2022م، تتواجد فيها جماعات كردية مسلحة، على غرار حزب "كومله" وحزب العمال الكردستاني الإيراني، بتهمة المساعدة في تهريب أسلحة إلى الداخل بغية استهداف عناصر من قوات الشرطة والحرس الثوري.

والثانية، الربط بين الاحتجاجات والعمليات الأمنية الاستخباراتية التي تم تنفيذها داخل إيران في الفترة الماضية، وكان آخرها العملية التي استهدفت منشأة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية في مدينة أصفهان في 29 يناير 2023م. فقد كان لافتاً أيضاً أن إيران ادعت أن المكونات التي تم الاستعانة بها في تركيب وتجهيز الطائرات من دون طيار التي هاجمت المنشأة تم تهريبها من المناطق التي تتواجد فيها الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة في شمال العراق.

وهنا، فإن الربط متعمد وربما يكتسب طابعاً سياسياً في المقام الأول، باعتبار أن الهدف منه هو الترويج إلى مزاعم حول وجود دعم أو اختراق إسرائيلي للمناطق التي تقطنها القوميات الإيرانية، لا سيما القومية الكردية أو القومية البلوشية. بل إن الاتهامات بالعمالة والتبعية لإسرائيل طالت أيضاً بعض العناصر التي كانت تقطن مناطق القومية الآذرية، ما يمثل انعكاساً للتوتر المستمر والمتصاعد بين إيران وأذربيجان نتيجة الاتهامات التي توجهها الأولى إلى الثانية بالسماح لإسرائيل بتهديد أمنها القومي عبر التواجد على الحدود المشتركة بين الدولتين.

وقد انعكس هذا التوتر في الأزمة التي نشبت بين إيران وأذربيجان بعد عملية اقتحام السفارة الآذرية في طهران، والتي أدت إلى مقتل مدير أمن السفارة وجرح موظفين اثنين، في 27 يناير 2023م، حيث حمّلت باكو مسؤولية الهجوم على السلطات الإيرانية، معتبرة أنها تغاضت عن تحذيرات ومطالبات بفرض حماية أمنية أكبر على السفارة في الفترة الماضية، وأن ما يحدث يعكس حملة التحريض التي شنتها وسائل الإعلام الإيرانية تجاه باكو، بسبب علاقاتها مع تل أبيب.

والثالثة، الدعوة إلى ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية، في مواجهة ما يعتبره النظام الإيراني مخططاً خارجياً لتقسيم إيران. هذه الدعوة أطلقها المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي عندما قال، في الخطاب السنوي الذي ألقاه أمام قادة القوة الجوية في الجيش الإيراني، في 8 فبراير 2023م، إن "الهدف الرئيسي للعدو تركيع الجمهورية الإسلامية على ركبتيها وتدميرها عبر إثارة الخلافات والارتياب"، مضيفاً أن "أهم الواجبات أمام هذه الخطة القذرة حفظ استراتيجية الوحدة الوطنية"، واعتبر أن "الوحدة الوطنية هى الحاجة الأساسية والمهمة للبلاد"، على أساس أنها "لعبت دوراً مهماً في انتصار وتقدم الثورة، وشكلت سداً وحائطاً أمام الأعداء".

اللافت في هذا السياق، هو أن خامنئي نفسه سبق أن وجه انتقادات لمثل هذه الدعوات، على غرار الدعوة التي تبناها الرئيس السابق حسن روحاني في هذا الصدد، حيث اتهمه خامنئي، في 13 يونيو 2017م، بعد إعلان فوزه بفترة رئاسية ثانية على الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي، بالسعى إلى "إيجاد القطبية الثنائية" و"تقسيم المجتمع إلى شقين"، في إشارة منه إلى أن روحاني يحاول توظيف فوزه من أجل تعزيز نفوذ تيار الإصلاحيين في الداخل، من خلال تبني شعارات تحمل صبغة مجتمعية على غرار شعار "الوحدة الوطنية". ومن دون شك، فإن خامنئي يحاول في هذا السياق استقطاب قسم من الشارع الإيراني في مواجهة المحتجين، عبر اتهامهم بمحاولة تقسيم إيران، وتهديد التماسك المجتمعي للدولة، وهي الاتهامات نفسها التي يتعرض لها تيار الإصلاحيين الذي استبعد من دوائر صنع القرار في إيران، وأطلق عليه المحافظون الأصوليون "التيار المتغربن"، في إشارة إلى اتهامه بالعمالة للغرب والضغط من أجل الوصول إلى صفقات مع الولايات المتحدة الأمريكية تسعى الأخيرة من خلالها إلى تعزيز نفوذها داخل إيران.

إلا أن مجمل هذه الجهود التي بذلها خامنئي وكثير من قادة النظام الإيراني الموالين له، على غرار الرئيس إبراهيم رئيسي، لم تنجح في احتواء الاحتجاجات، أو إضفاء وجاهة خاصة على الاتهامات التي توجهها إلى المحتجين وذلك لاعتبارت ثلاثة رئيسية:

الأول، أن المحتجين أدركوا من البداية مغزى تركيز النظام على الترويج إلى "فزّاعة الفوضى"، ومن ثم فإنهم حرصوا على تبني شعارات لا تعبر عن قومية معينة، من أجل تفويت الفرصة على النظام للتحذير من "خطر" استمرار الاحتجاجات، وتأكيد أن هناك أسباب حقيقية لاندلاع الاحتجاجات، منها فشل الحكومات المتعاقبة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والمجتمعية المزمنة التي تواجهها إيران وتفاقمت حدتها بفعل العقوبات الأمريكية والغربية بشكل عام المفروضة عليها، فضلاً عن تصاعد معدلات التضخم والبطالة والفقر، وانهيار العملة الوطنية، بالتوازي مع تردي الأوضاع المعيشية، لا سيما في المناطق التي تقطنها القوميات الإيرانية.

وقد تسببت هذه الأزمات المختلفة في تحول الاحتجاجات من احتجاجات "عِشرية"(·)إلى احتجاجات شبه "يومية". وحسب تقديرات عديدة، فقد وصل عدد الاحتجاجات في إيران إلى أكثر من 4000 احتجاج خلال عام 2021م.

والثاني، أن الخبرة التاريخية، خاصة في القرن الأخير، تفيد بأن الاحتجاجات أو الثورات أو التحولات السياسية الجذرية لم تؤثر على التماسك المجتمعي في إيران. ففي عام 1905 م، نشبت ما يسمى بـ"الثورة الدستورية" أو "المشروطية"، ثم قاد الشاه رضا خان (رضا بهلوي) انقلاباً في عام 1921م، أنهى حكم القاجار وأسس لحكم الأسرة البهلوية، ووقع الانقلاب الذي أطاح بحكومة الدكتور محمد مصدق وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة عام 1953م، واندلعت الثورة الوطنية في عام 1979م، والتي أنهت حكم الأسرة البهلوية، ثم نشبت الحرب العراقية-الإيرانية خلال الفترة من عام 1980 وحتى عام 1988م،

فخلال كل تلك التحولات، لم تتعرض إيران لأزمات مجتمعية حادة، أو حروب أهلية نتيجة التشابك العرقي الواسع الذي يتسم به المجتمع الإيراني، وهو ما يقلص من وجاهة "الفزّاعة" التي دائماً ما يستخدمها النظام الإيراني الحالي ويحاول توظيفها لدفع الإيرانيين إلى عدم تأييد أية احتجاجات تندلع في مواجهته اعتراضاً على السياسات التي يتبناها على المستويين الداخلي والخارجي.

والثالث، أن إمعان النظام الإيراني في تبني سياسة راديكالية متشددة على الصعيد الخارجي كان سبباً في تصاعد حدة الاستياء المجتمعي داخل إيران. إذ أن التدخلات الخارجية الإيرانية لم تتسبب فقط في تفاقم الأزمات الإقليمية التي تشهدها دول مثل اليمن والعراق وسوريا ولبنان، بسبب إصرار إيران على دعم بعض المليشيات المسلحة أو الفاعلين من غير الدول، وعرقلة الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى تسويات سياسية لها، وإنما تسببت أيضاً في تفاقم الأزمات المعيشية داخل إيران نفسها، بعد أن حرص النظام على استنزاف الخزينة الإيرانية في دعم هذه التدخلات الخارجية.

وقد عبر المحتجون عن استيائهم من هذه السياسة عبر تحركات عديدة، كان من بينها تبني شعارات تعبر عن رفض التدخلات الخارجية، وتدعو إلى الاهتمام بالأوضاع الداخلية. كما كان لافتاً أن الاحتجاجات الأخيرة التي ما زالت قائمة حتى الآن شهدت ظواهر من قبل إحراق صور وتماثيل القائد السابق لـ"فيلق القدس" التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، الذي قتل برفقة نائب أمين عام مليشيا الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في 3 يناير 2020م، خلال العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد بواسطة طائرة من دون طيار.

إذ أن هذا التحرك الذي أثار ردود فعل عنيفة من جانب النظام، وجه رسالة مباشرة إلى الأخير، مفادها أن المحتجين يرفضون التدخلات الخارجية الإيرانية التي تسببت في تدهور الأوضاع المعيشية داخل إيران، كما يرفضون محاولات النظام إضفاء نوع من "القداسة" على بعض رموز النظام، مثل سليماني.

أزمة قائمة:

نجحت الاحتجاجات الحالية في تحقيق نتائج بارزة على المستوى الداخلي الإيراني، ربما يكون أهمها أنها وجهت رسالة حادة للنظام بأن المحتجين كسروا حاجز الخوف، بدليل قدرتهم على مواجهة الآلة القمعية التي استخدمها النظام في التعامل معهم. إذ حاول الأخير اتباع السياسة نفسها التي سبق أن تبناها في التعامل مع الاحتجاجات السابقة التي اندلعت في أعوام 2009، و2017، و2019م، معتقداً أنه يستطيع احتواء الاحتجاجات سريعاً. إلا أن استمرار الاحتجاجات حتى الآن، على نحو يقربها من نصف عام، فاجأ النظام، وتسبب في ارتباك مواقفه وإجراءاته بشكل واضح.

ومع ذلك، فإن النظام ما زال مصراً على عدم إدراك الأسباب الحقيقية لهذه الاحتجاجات، وعلى ربطها بوجود مخطط خارجي لتقويض دعائمه ونشر الفوضى وعدم الاستقرار داخل إيران. وهنا، فإن هذه الرواية التقليدية التي يتبناها النظام باستمرار تعني في المقام الأول أنه لم ينجح في معالجة الأسباب الحقيقية للاحتجاجات، وهو ما سوف يدفعها إلى التجدد مرة أخرى.

لكن تجدد الاحتجاجات مرة أخرى قد يتحول إلى انتفاضة أو ثورة حقيقية في مواجهة النظام، بعد أن أثبتت الاحتجاجات الحالية أن الآليات التي استخدمها فقدت قوتها وزخمها ولم تعد تتوافق مع المعطيات الجديدة التي فرضتها هذه الاحتجاجات.

وبالطبع، فإن ما يزيد من حدة الأزمة الحالية التي يواجهها النظام هو عدم استيعابه للتغير الملحوظ في التركيبة المجتمعية في إيران، والتي باتت تفرض هوة شاسعة بين قمة النظام والشارع الإيراني، حيث يمثل عدد من تقل أعمارهم عن 24 عاماً نحو 37% من المجتمع الإيراني، وهو جيل جديد يتطلع إلى الانفتاح على الخارج، وتحسين العلاقات مع دول الجوار، وعدم الخضوع لسياسات راديكالية تنتج باستمرار مفاعيل عكسية تتمثل في التعرض لعزلة دولية وإقليمية وعقوبات اقتصادية أصبح الشعب الإيراني هو أول من يدفع ثمنها.

 

  • كانت إيران تشهد كل عشرة أعوام حدثاً كبيراً يشكل تحولاً سياساً. ففي عام 1979، اندلعت الثورة ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وتأسس على إثرها نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي عام 1989، توفى الخميني وصعد على خامنئي رئيس الجمهورية آنذاك إلى منصب المرشد، فيما تولى هاشمي رفسنجاني منصب الرئيس. وفي عام 1999، اندلعت أزمة سياسية حادة بعد اقتحام الحرس الثوري للمدينة الجامعة لجامعة طهران. وفي عام 2009، ظهرت ما يسمى بـ"الحركة الخضراء" التي نظمت احتجاجات اعتراضاً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في هذا العام وأسفرت عن فوز الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية. وفي عام 2019، أثارت القرارات التي اتخذتها الحكومة برفع الدعم عن الوقود احتجاجات داخلية في محافظات ومدن إيرانية مختلفة، أسفرت عن مقتل نحو 1500 شخص.
مقالات لنفس الكاتب