array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

الهند خفضت وارداتها النفطية من إيران إلى صفر وتوقف مشروع سكة حديد تشهابار زهدان

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

أشعلت حادثة مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر الماضي، فتيل موجة عارمة من الاحتجاجات، بعد وفاة الفتاة صاحبة الـ 22عامًا، إثر اعتقالها من شرطة الآداب لعدم ارتدائها الحجاب بـ “الشكل الصحيح". وحملت النساء راية الاحتجاجات تحت شعار " النساء، الحياة، الحرية". ولجأن إلى إشعال النار في أغطية رؤوسهن وقص شعورهن كوسيلة للسخرية من الطبقة الحاكمة. وتضمنت التظاهرات مشاركة كافة الطبقات، فيما مارست قوات الأمن العنف ضد المحتجين: وعلى مدار الأربعة أشهر الأخيرة، قُتل نحو 500 شخص، بينهم 58 طفلاً، واعتقل ما يقرب من 20 ألف محتجًا، بينهم 30 صحفيًا. وصدرت أحكام بالإعدام على عدد من المتظاهرين وتم تنفيذ الحكم بالفعل في حق أربعة. وفي 14 من ديسمبر، قرر المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة طرد إيران من اللجنة الأممية لشؤون المرأة.

وسعت الحكومة الإيرانية إلى تبرئة ساحتها عبر وصف المحتجين بأنهم "عناصر إرهابية مدعومة من جهات أجنبية"، وإنه تم اكتشاف مخابئ للأسلحة في سيستان بلوشستان. في الوقت ذاته أضرم المتظاهرون النيران في مركبات جهات حكومية ومهاجمة عناصر الأمن. ورغم تراجع زخم الحراك السياسي على مدار الشهرين الماضيين، إلا أن الاحتجاجات لم تتوقف؛ حيث لاتزال متواصلة في مناطق مختلفة، ورفع شعارات مُناهضة للنظام، بما يعطي انطباعًا بأن الأوضاع قد آلت إلى حالة من الجمود، وليس انتصارًا محسومًا لصالح أي من الطرفين. وتبدو الحكومة الإيرانية في حالة ارتباك لاستمرار الاحتجاجات رغم الإجراءات القمعية، ما دفعها لاتخاذ خطوات لتخفيف الأوضاع بالمُسكنات. حيث أعلن المدعي العام محمد جعفر منتظري في 4 ديسمبر حل "شرطة الآداب" المتهمة بمقتل مهسا، إلا أنه تم نفي ذلك من المحسوبين على التيار المتشدد، لمخاوف من اعتبار هذا التنازل مؤشر ضعف. كذلك تواترت أنباء عن تواصل الحكومة مع التيار الإصلاحي المُتمثل في الرئيس الأسبق محمد خاتمي. إلا أنه سرعان ما تم نفي إجراء حوار من قبل التيار المتشدد، في حين أفاد مقربون من خاتمي أن المقترحات التي طرحها قوبلت برفض من الحكومة.

 استمرار الاحتجاجات الشعبية

تمتلك إيران سجلاً من الاحتجاجات الشعبية، فشهد عام 2009م، تظاهرات ضد التلاعب في نتائج الانتخابات الرئاسية؛ كما شارك نحو 50 ألف شخص ضمن تظاهرات ضد تردي الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة 2017-2018م، فيما احتج على ارتفاع أسعار البنزين وسوء الأحوال المعيشية عام 2019 نحو 200 ألف شخص. وتعد موجة الاحتجاجات الأخيرة ذات دلالة مهمة كونها جرت تحت قيادة النساء احتجاجًا على المعوقات التي فرضها " النظام الأخلاقي "كما ذهبت الاحتجاجات لما هو أبعد من ذلك مدفوعة باستياء شعبي من تردي الوضع الاقتصادي والتعدي على الحقوق الشخصية.  وظهرت لافتات تحمل “الموت لخامنئي". من جانبه، اتهم خامنئي أمريكا بالتحريض على الفوضى للإطاحة بالنظام. وقال إن الأداة الرئيسية التي طالما استخدمها الغرب ضد طهران هي الدعاية السلبية عبر وسائل الإعلام الغربية، والعربية، والعبرية وكذلك منصات التواصل الاجتماعي – في إشارة إلى الاستخدام المُكثف للشبكات الافتراضية، من 24 مليون إيراني، وهو عدد المُستخدمين لموقع "انستجرام"، من أجل تفادي الإجراءات القمعية الحكومية المفروضة على الشبكة العنكبوتية. بينما أكد خامنئي بكل ثقة فشل “هذه المكائد الغربية".

 وتفيد تقارير، بظهور انقسامات بين النخبة الحاكمة؛ حيث يُنظر إلى إعدام نائب وزير الدفاع السابق علي رضا أكبري، في 14 من يناير بتهمة التجسس، بأنه استهداف للشخصيات البارزة في النظام مثل رئيس المجلس السابق علي لاريجاني، وسكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، وهما من الداعين لإصلاحات لحماية الثورة. كذلك انتقد بعض كبار الدبلوماسيين المُتقاعدين الحكومة علنا بسبب إخفاقاتها في السياسة الداخلية والخارجية، مثل الفشل في معالجة قضايا حقوق الإنسان وعدم إحياء الاتفاق النووي.

ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية جديدة

يظل السبب الأساسي المُغذي للاستياء الشعبي، هو تردي الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات الغربية الأخيرة، ما أدى لتراجع ملايين من أبناء الطبقة الوسطى لأسفل السُلم الاقتصادي، وبلغ عدد الفقراء عام 2019م، نحو 30 مليونًا، ما يمثل 36% من السكان. وتراجع معدل النمو من 12.5% في 2016م، إلى 2% حاليًا، ومن المتوقع أن تظل كذلك حتى عام 2024 و2025م، ومرة أخرى، حُرمت طهران من تصدير إنتاجها النفطي، مما أدى لتراجع مساهمة القطاع البترولي في الاقتصاد إلى 8 % فقط، لُيزيد من ارتفاع التضخم والبطالة.

وأدى إعلان واشنطن والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة ضد طهران نهاية يناير إلى تراجع قيمة العملة المحلية، فسجل الريال الإيراني في 21 يناير 447 ألفًا أمام الدولار الأمريكي، مقارنة بـ 430 ألف في اليوم السابق له. شهدت العملة الإيرانية تراجعًا كبيرًا بنسبة 29% منذ اندلاع الاحتجاجات في سبتمبر الماضي، في حين بلغ التضخم 50%، وحاول محافظ البنك المركزي الحد من الضرر، بالإشارة إلى أن سبب تراجع قيمة الريال الإيراني يعود إلى "الحرب النفسية" التي يتزعمها أعداء بلاده، بسبب تمتعها باحتياطيات وفيرة من النقد الأجنبي والذهب.

بلغت صادرات النفط الإيرانية في نوفمبر 1.3 مليون برميل يوميًا، مسجلة أعلى مستوى منذ أربعة أعوام، ومن المتوقع أن تُزيد طهران شحناتها من النفط الخام والمنتجات المكررة بمقدار 200 ألف برميل يوميًا خلال العام الجاري. فيما يرى مراقبون أن الصين هي الوجهة الأساسية لصادرات النفط الإيرانية، على الرغم من أنها توصف بأنها قادمة من ماليزيا بهدف التحايل على العقوبات الغربية. ووفقًا لتقرير وكالة "بلومبرج"، فإن العديد من العاملين في تجارة النفط يعتقدون أن "واشنطن ليست منزعجة من تدفق الشحنات الإيرانية طالما تساعد في إبقاء أسعار النفط تحت السيطرة".

وفي ظل استمرار موجة الاحتجاجات الإيرانية، أعلنت واشنطن في 23 من يناير فرض عقوبات جديدة ضد طهران، وهي الجولة التاسعة من العقوبات منذ بدء الاحتجاجات الشعبية. وتستهدف هذه العقوبات تنظيم مرتبط بالحرس الثوري، وخمسة من أعضاء مجلس إدارته، إلى جانب استهداف أربعة من قادة الحرس الثوري، ونائب وزير المخابرات والأمن. فيما يرى مسؤول أمريكي أن "بلاده "قد تستمر في محاسبة النظام الإيراني ما دام يعتمد على ممارسة العنف والمحاكمات الصورية وإعدام المتظاهرين والقمع ضد شعبه". وفي اليوم ذاته، قرر الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة على المسؤولين والمنظمات الإيرانية، على الرغم من أنه لم يُدرج الحرس الثوري على قائمته السوداء للمنظمات الإرهابية، كما فعلت واشنطن في وقت سابق.

وأدت الاحتجاجات بالتزامن مع الدعم الإيراني العسكري الصريح لروسيا، إلى نسف أية محاولات ترمي لإعادة إحياء الاتفاق النووي. وألقت مصادر أمريكية باللوم على إيران في عرقلة جهود إحياء الاتفاق من خلال موقفها المتردد ووضعها مطالب جديدة. كما عملت أمريكا وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي على عزل إيران منذ بدء التظاهرات. حيث أعلن بايدن، ما وصفه بـ “موت الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع الجانب الإيراني في عام 2015”، مؤكدا عزم بلاده تحرير الدولة الإيرانية من قبضة النظام القائم.

في المقابل، انتقدت مصادر إيرانية ما اعتبرته تخلي واشنطن عن الاتفاق نزولا عند رغبة إسرائيل. وهذا ما انعكس عبر تأكيد الجانبين -الأمريكي والإسرائيلي -إجراء أكبر مناورات عسكرية مشتركة اعتبارًا من 23 من يناير. وتشمل مشاركة 6400 أمريكي و1100 عسكري إسرائيلي ونشر مجموعة متنوعة من القاذفات والمقاتلات وحاملة الطائرات و12 سفينة حربية. وعلى الرغم من نفي مصادر أمريكية رسميًا أن تكون هذه التدريبات موجهة لإيران، جاءت تصريحات عن معُلقين أمريكيين آخرين أكثر حسمًا؛ حيث قال سفير أمريكي سابق لدى تل أبيب أن: “المناورات العسكرية المشتركة تريد أن تؤكد لكل من إيران، ودول الخليج، وإسرائيل مدى جدية الرئيس بايدن عند القول بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي".

 سياسية "التوجه شرقا" الإيرانية

قال الكاتب البريطاني فريد هاليداي، أن الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979م، أتت بقيم عابرة للحدود مقارنة بنظيرتها الفرنسية والروسية. وترسخت على معاداة الإمبريالية، ورفض النظام العالمي الذي يتزعمه الغرب، ونبذ الشيوعية اللادينية. وبالتالي قامت على استراتيجية " لا الشرق ولا الغرب". في فبراير من عام 1979م، أعرب المرشد العام للثورة الإيرانية خامنئي لسفير الاتحاد السوفيتي آنذاك عن رغبته في علاقات جيدة مع الاتحاد السوفيتي تخضع لمبدأ الاحترام المتبادل". وبعد مرور 10 أعوام، تخللها اندلاع الحرب الإيرانية-العراقية، التي حظيت بدعم أمريكي كامل، قال خامنئي لسفير الاتحاد السوفيتي أن بلاده "أقل شرًا"، وتوصلت طهران منذ ذلك الحين إلى بروتوكول اقتصادي مع موسكو. وهكذا ظلت السياسات الخارجية الإيرانية على مدار العقود الثلاثة الماضية، متأرجحة بين التودد تارة لواشنطن، والسعي تارة أخرى، في حال لم تجد استجابة أمريكية، إلى توطيد علاقاتها مع الشرق تماشيا مع استراتيجية "الاتجاه شرقا" التي برزت مع قدوم الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد للسلطة عام 2005م، لاسيما بعد أن قوبلت مبادرات سلفه محمد خاتمي بالرفض من أمريكا. وأشار المعلق الإيراني بهاره سازمند إلى أن أحمدي نجاد اعتبر " أمريكا تهديد وجودي واستراتيجي، وستظل كذلك بغض النظر عن أية بوادر إيجابية يتخذها الجانب الإيراني من أجل تلبية رغبات واشنطن".

في ضوء ذلك، اتجهت بوصلة السياسة الخارجية الإيرانية صوب روسيا، والصين، والهند في المجالات الاقتصادية، والتقنية، والعسكرية. ومشاركتها في منظمات إقليمية مثل: رابطة الدول المطلة على بحر القزوين، ورابطة حافة المحيط الهندي، ومنظمة "شنغهاي". إلا أن هذا النهج شهد تغيرًا مع وصول الرئيس روحاني، إيمانًا منه بأهمية "التفاعل البناء مع دول العالم "، وقد منح الأولوية للعلاقات مع أمريكا والغرب؛ وهو ما توج بتوقيع الاتفاق النووي. ومع الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق في 2018م، ومعاودة فرض عقوبات ضد طهران، منح ذلك زخمًا جديدًا لسياسة" الاتجاه شرقا"، حيث قال وزير الخارجية جواد ظريف أن بلاده تسعى للتعاون مع دول آسيا للتغلب على العقوبات المصرفية والنفطية". وبعد مرور عام، تأكدت هذه الرؤية التي عبر عنها الوزير الإيراني بقوله إن " مستقبل سياساتنا الخارجية يكمن في المسار الآسيوي. وبالنسبة للرئيس إبراهيم رئيسي، تمثل استراتيجية "الاتجاه شرقاً" صميم سياساته الخارجية بالتزامن مع تعميق القطيعة مع العالم الغربي خاصة أمريكا، في مقابل توطيد العلاقات مع روسيا والصين، وهو أحد الأهداف الرئيسية للسياسات الخارجية الإيرانية الراهنة.

روسيا، والصين، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتجمع بريكس

شهدت العلاقات الإيرانية-الروسية ازدهارا مدعومًا بالتبادلات التجارية الثنائية، التي بلغت قيمتها عام 2021م، نحو 4 مليارات دولار، وفي طريقها لأن تصل إلى 6 مليارات في القريب العاجل. وهناك التزام من موسكو ببناء محطة "سيريك" للطاقة وتسيير السكك الحديدية الإيرانية بالطاقة الكهربائية بقرض تصل قيمته 5 مليارات دولار. علاوة على ذلك، وقعت شركة "غازبروم" الروسية مذكرة تفاهم مع الشركة الوطنية للنفط داخل إيران من أجل استثمار 40 مليار دولار في قطاع النفط والغاز الإيراني. فيما يعد التطور الأكثر دراماتيكية في مسار العلاقات الثنائية هو توريد الطائرات الإيرانية بدون طيار التي استخدمتها روسيا في حرب أوكرانيا.  وتبلغ تكلفة هذه الطائرات، التي يبلغ مداها 1500 ميل، 20 ألف دولار فقط، ويعد ذلك نقطة إيجابية مقارنة بتكلفة صاروخ توماهوك الأمريكي والتي تصل إلى 2 مليون دولار للصاروخ.

وعززت هذه الطائرات علاقات موسكو مع طهران؛ حيث شهدت الفترة ما بين 9 إلى 19 من يناير الماضي اتصالات هاتفية بين الرئيسين الروسي بوتين ونظيره الإيراني رئيسي ناقشا تطوير استخدام "عملة رقمية مستقرة" وهي عملة مشفرة مرتبطة باحتياطيات الذهب، للتخفيف من تبعات العقوبات الغربية، وخفض الاعتماد على الدولار الأمريكي.

الصين

في مارس 2021م، وقع البلدان اتفاق شراكة لمدة 25 عامًا تضمن خارطة طريق متكاملة لشكل العلاقات بين البلدين. وقبل عام من التوقيع، وفي خضم اشتداد العداء الأمريكي الظاهر للدولتين، ظهرت تقارير، تتحدث عن أن قيمة الاتفاق المزمع بين طهران وبكين بنحو 400 مليار دولار ويشمل مضامين أمنية، ودفاعية، واقتصادية، إلى جانب قضايا الطاقة والخدمات اللوجستية. كما كان من المقرر أن يتضمن الاتفاق تأجير طويل الأجل لجزيرة إيرانية داخل المياه الخليجية، فضلاً عن نشر عناصر أمن صينية لحماية المنشآت الإيرانية. لكن لم يُبصر أي من هذه التفاصيل النور حتى الآن.

تعد السمة الرئيسية لسياسات بكين حيال المنطقة، هي إقامة علاقات متوازنة مع كافة الأطراف. لأن بكين لديها علاقات مع كافة دول المنطقة في الطاقة والتجارة، كما أنها تدرك أهمية الاستقرار الإقليمي لنجاح مبادراتها "الحزام والطريق". ومن هذا المنطلق، وقعت بكين اتفاقيات شراكة استراتيجية مع السعودية وإيران عام 2016م، والتي تجسد أعلى مستويات العلاقات الخارجية الصينية. فيما جاءت هذه الاتفاقيات بعد أسابيع قليلة من قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية، وبالمثل، أجرت الصين عام 2019م، مناورات بحرية مع إيران والسعودية، بفاصل زمني قصير بينهما لم يتجاوز بضعة أسابيع. كما أشار البيان المشترك الصادر عن لقاء الرئيس شي جين بينغ مع القادة العرب خلال زيارته للرياض في ديسمبر الماضي، إلى الجزر الثلاث المتنازع عليها بين إيران والإمارات، ودعا البيان إلى ضرورة التوصل لحل سلمي للخلاف، وفقًا للقانون الدولي والشرعية الدولية. إلا أن هذه الصيغة أثارت انتقادات إيرانية كبيرة، واستدعت السفير الصيني في طهران وقدمت له مذكرة احتجاج. وسرعان ما تم احتواء التوتر عقب زيارة وفد صيني لطهران. كما تم للمرة الأولى إرساء سفينة حاويات صينية في ميناء تشهابار، وافتتاح قنصلية صينية في بندر عباس في 21 من ديسمبر الماضي، بعدما كان يقتصر الوجود الدبلوماسي فيها على قنصليتي الهند وكازاخستان. ساهم ذلك في توفير حضور دبلوماسي أيضا للصين عند مصب نهر هرمز، بالقرب من ميناء جوادر في باكستان، الذي يخضع لسيطرة للصين.

منظمة شنغهاي– تجمع بريكس

 يعتبر انضمام إيران لمنظمة شنغهاي مثال على نجاح سياساتها بشأن "الاتجاه شرقا". فبعد عدم حصول طلبها السابق للانضمام على دعم روسيا والصين، بسبب قلقهما من معاداة أحمدي نجاد لأمريكا، ومبادرات الرئيس روحاني فيما بعد للتواصل مع واشنطن بشأن الملف النووي. تبدل موقف موسكو وبكين في أعقاب انسحاب واشنطن من خطة العمل الشاملة وفرض عقوبات على طهران، مما أثمر عن إعلان منظمة شنغهاي للتعاون في دوشانبي في سبتمبر 2021م، بدء إجراءات منح العضوية الكاملة لإيران، والتي استكملت بعد عام لاحق، مما مكن إيران من الانضمام كعضو كامل بحلول أبريل 2023م.

ولعبت روسيا دورًا رئيسيًا في حصول إيران على عضوية شنغهاي، حيث تستلزم الاستراتيجية تعزيز الروابط الاقتصادية مع الدول لاحتواء تداعيات العقوبات، وإقامة علاقات مع دول الجوار، إلى جانب بناء تحالفات مع روسيا والصين للحصول على دعم استراتيجي ضد المعسكر الغربي. وهو ما أكده وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بالقول "حصول بلاده على عضوية شنغهاي يعد انتصاراً، كما يعكس التزام طهران بالسعي إلى انتهاج سياسات خارجية تتسم بالتوازن، والذكاء، والنشاط، والديناميكية، والتأكيد على نهج التعددية الآسيوية". أما عن قيمة ودلالة انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي، فإنها تتبلور من خلال نظرة إيران لنفسها باعتبارها “دولة مركزية" تلعب دورًا محوريًا في الربط بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب عبر أورو آسيا.

وفي يونيو الماضي، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية أن كلاً من" إيران والأرجنتين تقدمتا بطلب للانضمام إلى تكتل دول بريكس. وتُشكل دول بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا) 40% من تعداد سكان العالم، و26% من الاقتصاد العالمي. وتتمتع أجندة تكتل بريكس الاقتصادية بجاذبية كبيرة للأطراف الفاعلة الصاعدة في الاقتصاد العالمي مثل: إيران، ومصر، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات. ومنذ عام 2017م، كانت هناك تطلعات لدى تكتل بريكس من أجل التوسع ليصبح كيانًا أكبر نطاقًا "بريكس بلس"، مع احتمالات ضم أعضاء جدد، حيث تحدث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن ضم 15 إلى 17 دولة جديدة. ويُنظر إلى تكتل بريكس من المعسكر الغربي باعتباره ائتلاف مناهض للغرب، وقد يتطور مع مرور الوقت ليصبح منصة للتعاون الاقتصادي تهدد التجانس الاقتصادي الغربي القائم، مثلما تشكل منظمة شنغهاي تحديًا للهيمنة الأمريكية.

العلاقات الإيرانية ــ الهندية

برغم من أن الهند وإيران تشيران بانتظام للعلاقات التاريخية بين البلدين، إلا أن علاقاتهما نادرًا ما ترقى إلى مستوى "الوعد أو الإمكانات". ولذلك، قرر زعماء البلدين أثناء زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى طهران في مايو 2016م، عقد اتفاق ثلاثي مع أفغانستان بشأن "إنشاء ممر للنقل الدولي والعبور".  كما نص الاتفاق على إقامة ربط متعدد الوسائط من ميناء تشهابار إلى أفغانستان، إلى جانب ربط الميناء بعواصم جمهوريات آسيا الوسطى. في حين تم التعاقد مع الهند لبناء محطتين وخمسة أرصفة في ميناء شهيد بهشتي في تشهابار. وفي ديسمبر 2017م، تم افتتاح هذا الميناء، وبدء تشغيل العمليات اعتبارًا من 2018م، مع ذلك، تسبب الانسحاب الأمريكي من خطة الاتفاق النووي، وفرض عقوبات على طهران عام 2019م، إلى خفض الهند وارداتها من النفط الإيراني إلى نسبة صفر، كما أشارت نيودلهي إلى عدم تمكنها من الاستمرار في مشروع خط سكة حديد تشهابار زهدان؛ وتم إسناد المشروع لاحقًا إلى الصين.

ومنذ عام 2003م، ظلت العلاقات الإيرانية-الهندية رهينة مسار العلاقات بين واشنطن وطهران، نظرًا إلى إخضاع الجانب الهندي علاقاته مع إيران للشراكة الأمريكية. رغم ذلك، حافظت البلدان على وتيرة ثابتة من العلاقات الدبلوماسية رفيعة المستوى، مع تأكيد المعلقين المعنيين باستمرار العلاقات الثنائية، لاسيما الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها ميناء تشهابار.

 وأدت العقوبات الأمريكية إلى تثبيط أي تقدم جاد في تنفيذ المشروعات المُخطط لها بين الهند وإيران. بعد أن تحدث وزير الشحن الهندي عن أهمية ربط تشهابار بممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي، الذي يربط سانت بطرسبرغ بالموانئ الإيرانية، مشيرًا إلى أن هذا سيوفر روابط مباشرة من الموانئ الهندية إلى منطقة آسيا الوسطى والأسواق الأوروبية، لم يتم تنفيذ أي خطوة حتى الآن لتحقيق هذه الرؤية. وفي نوفمبر الماضي، قال نائب وزير الخارجية الإيرانية خلال زيارته إلى نيودلهي أن البلدين" شريكان ويكملان بعضهما البعض": كما أشار إلى أن هناك تكامل أيضًا بين الاقتصاد الإيراني والهندي، حيث توفر إيران عنصر أمن الطاقة، في حين تعد الهند مصدر للأمن الغذائي. وأشار المسؤول الإيراني إلى أنه يمكن للدولتين في ظل حرب أوكرانيا المستمرة، بناء شراكة فيما بينهما من أجل إعلاء التعاون الإقليمي. وبعد شهر من زيارة المسؤول الإيراني، أفادت تقارير إعلامية هندية أن الجانب الإيراني كان اقترح إجراء اتفاق شراكة استراتيجية مع الهند مماثلة لاتفاق شراكة الـ 25 عامًا بين طهران وبكين. لكن حتى الآن تغيب عن الأفق أية مؤشرات بشأن استجابة الهند بشكل إيجابي لهذه المبادرات المطروحة.

التوقعات عام 2023

عن التوقعات بشأن سياسات إيران الخارجية في 2023م، فإنها تعد أقل يقينًا، لكن حتى الآن من المستبعد أن يتم في المستقبل القريب، إعادة إحياء مفاوضات الاتفاق النووي. في ضوء العداء المُتجدد بين الجانبين على خلفية قضية الطائرات بدون طيار التي يتم توريدها من طهران إلى موسكو، بالتزامن مع حالة الاستقطاب الحاد الذي تشهده الساحة السياسية الأمريكية. لكن بقاء الأوضاع كذلك سيحمل تداعيات سلبية على الأمن الإقليمي؛ فمع غياب خطة العمل الشاملة المشتركة ستصبح إيران على أعتاب التسلح النووي، حيث يتم تخصيب 70 كجم من اليورانيوم بنسبة 60٪.  كما تتنامى احتمالات لجوء إسرائيل إلى استخدام القوة العسكرية لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، ربما بدعم واشنطن، وذلك في ظل مجيء حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، وانشغال القيادة الأمريكية بالتركيز على مجابهة صعود النفوذ الروسي والصيني الذي يشكل تحديًا للهيمنة الأمريكية، بما يُنذر بحدوث عواقب وخيمة على منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

على جانب آخر، من المتوقع أن تواصل الدول العربية تأكيد استقلاليتها الاستراتيجية، والسعي لإقامة علاقات وطيدة مع روسيا والصين، ودعم نظام عالمي متعدد الأقطاب. رغم ذلك، تظل الضبابية غالبة بشكل كبير على التوقعات بشأن علاقات العرب مع إيران. ويعود ذلك إلى استمرار غياب الثقة المتبادلة مما خلق فجوة بين الدول الواقعة على جانبي الخليج. ومن غير المرجح أن تسعى هذه الدول لتجاوز الفجوة فيما بينها، مما يستدعي تدشين جهود دبلوماسية كبيرة تتسم بالصبر وعلى المدى البعيد من أطراف فاعلة خارجية تتمتع بالمصداقية ولديها مصلحة في الحفاظ على الأمن الإقليمي. وهو الدور الذي يمكن أن تضطلع به كل من الهند، والصين، وروسيا: حيث تحظى الدول الثلاث بأعلى مكانة ومصداقية ممكنة بين كافة دول المنطقة؛ كما أن لديها مصلحة مشتركة في الحفاظ على الأمن الإقليمي، على ضوء مصالحها المتعددة داخل المنطقة؛ فضلاً عن حرص الجانبين الهندي والصيني بشكل خاص على حماية مواطنيهم المقيمين في المنطقة.

 بلا شك ستواجه هذه المبادرة الدبلوماسية تحديات عديدة لأسباب ليس أقلها الخلافات المتسببة في انقسامات بين الهند والصين. لكن يجب أن تكون الشواغل المتعلقة بمعالجة التداعيات الوخيمة التي قد تحل على المنطقة جراء صراع واسع النطاق، دافعًا قويًا لتوافر الإرادة والحماس من أجل العمل معًا لإنجاح هذه الجهود الدبلوماسية. كما تعد الدول الثلاث مؤهلة للعمل على تدعيم الثقة بين الجيران المتباعدين، وتشكيل ترتيب أمني إقليمي شامل مع مرور الوقت.  وشأن ذلك يتيح مناخ جيد مريح لكافة دول المنطقة ويشجعها على التعاون فيما بينها في قضايا مثل الحد من الفقر، والتنمية، وتسخير التكنولوجيا، وتحول الطاقة، وتغير المناخ – باختصار، نتحدث عن رؤية لنظام عالمي جديد لا يوجد فيه أطراف مهيمنة بل شركاء فقط.

مقالات لنفس الكاتب