array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 184

الاتفاق يتماهى مع أولوية السعودية للتنمية وخروج إيران من العزلة وتحقيق مصالح الصين

الأربعاء، 29 آذار/مارس 2023

اكتسب الإعلان عن الوصول إلى اتفاق بين السعودية وإيران برعاية صينية، في 10 مارس 2023م، اهتماماً وزخماً خاصاً على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك لاعتبارات ثلاثة رئيسية: الأول، أن الاتفاق جرى بين اثنتين من أكبر القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، ويهدف ليس فقط إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ بداية يناير 2016م، بعد الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، وإنما أيضاً إلى تعزيز الجهود التي تبذل من أجل الوصول إلى تسويات سياسية للعديد من الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة اليمنية.

والثاني، أن قوة دولية جديدة قامت برعاية الاتفاق، وهي الصين، التي تحولت بمقتضى ذلك إلى ضامن دولي له، على نحو سوف يكون له تأثيرات إيجابية على استدامة هذا الاتفاق، ومدى التزام إيران به، والتي سبق أن حاولت الالتفاف على اتفاقات دولية وثنائية. ويبدو المثل الأبرز على ذلك موقفها من الاتفاق النووي، حيث قامت بتخفيض مستوى التزاماتها به رداً على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، في 8 مايو 2018م، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية عليها بداية من 7 أغسطس من العام نفسه.

وقد وصل عدم التزام إيران في هذا الشأن إلى حد رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما يقرب من 83.7% بما يعني أنه يتبقى لها 6% فقط حتى تصل إلى النسبة التي تسمح بامتلاك القدرات التقنية اللازمة لإنتاج القنبلة النووية، حيث تحتاج فقط بعد ذلك إلى قرار سياسي ثم إنتاج المفجر النووي والرؤوس الحربية النووية.

والثالث، أن الاتفاق جاء في مرحلة تشهد تحولات بارزة في أنماط التفاعلات التي تجري على الساحتين الإقليمية والدولية. فعلى المستوى الإقليمي، تبذل السعودية جهوداً حثيثة من أجل دعم الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، في وقت ما زالت تتصاعد فيه حدة الأزمات في دول مثل سوريا، ولبنان، واليمن، وليبيا وغيرها. ويتوازى ذلك كله مع استمرار التصعيد بين إيران وإسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، حول الملف النووي، في ظل تعثر المفاوضات النووية، رغم الجهود التي ما زالت تبذل حتى الآن من أجل إعادة استئنافها من جديد.

وعلى المستوى الدولي، ما زالت ارتدادات الحرب الروسية – الأوكرانية التي افتتحت عامها الثاني في 24 فبراير 2023م، قائمة وبقوة، وقد وصلت مباشرة وفي فترة قصيرة إلى منطقة الشرق الأوسط. إلا أن القوى الرئيسية في المنطقة تعاملت مع ارتداداتها بما يعزز مصالحها الوطنية ويؤكد استقلالية قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بخيارات متعددة وحرية حركة أوسع على المستوى الدولي، وهو ما يبدو جلياً في السياسة السعودية، التي حافظت على علاقاتها مع كل من روسيا والصين، في الوقت نفسه الذي تؤسس فيه علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أولاً: دلالات التوقيت:

جاء الإعلان عن الاتفاق السعودي – الإيراني في توقيت مهم سواء بالنسبة للطرفين المباشرين أو بالنسبة للوسيط. إذ يمكن القول أن هذه الخطوة تتماهى مع الاتجاه الرئيسي في السياسة السعودية القائم على منح الأولوية للتنمية، وهو ما يبدو جلياً في حجم ومستوى المشروعات العملاقة التي تقوم المملكة بتأسيسها والتي سيكون لها تأثير كبير على الموقع الاقتصادي والاستراتيجي للسعودية على المستويين الإقليمي والدولي خلال المرحلة القادمة.

كما أنه جاء في وقت تتصاعد فيه حدة الضغوط من جانب بعض القوى الدولية، كأحد انعكاسات الحرب الروسية – الأوكرانية، على بعض دول المنطقة لتبني سياسات تتجاوب مع مواقفها من الحرب. وقد بدا ذلك جلياً في التحركات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد اندلاع الحرب.

إلا أن دول المنطقة كانت حريصة على توجيه رسالة مباشرة وحازمة مفادها أنها لا ولن تكون طرفاً في الحرب، وأنها معنية بتكريس التوازن في أنماط علاقاتها مع القوى الدولية في مرحلة ما بعد نشوب الحرب، وأن مُحرِّكها الرئيسي في ذلك هو مصالحها الوطنية التي تضعها على قمة أولوياتها.

وقد بدا ذلك جلياً في المواقف التي اتخذتها السعودية إزاء تداعيات ما بعد الحرب. إذ استضافت الرياض الرئيس الأمريكي جو بايدن في 15 و16 يوليو 2022م، حيث شارك في ثلاث قمم سعودية وخليجية وعربية. لكن في الوقت نفسه كان لافتاً أن المملكة حريصة على تأكيد علاقاتها القوية مع روسيا، التي شارك وزير خارجيتها سيرجي لافروف في اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض في أول يونيو 2022م. لكن الرسالة الأهم كانت في استضافة الرئيس الصيني شي جينبينج الذي شارك بدوره في ثلاث قمم سعودية وخليجية وعربية في الفترة من 7 إلى 9 ديسمبر 2022م.

من هنا، يمكن فهم أحد دوافع دعم دور الصين كوسيط في الاتفاق الأخير. ففضلاً عن كون ذلك يضع بكين في موقف الطرف الضامن للاتفاق بكل ما يمكن أن يفرضه ذلك من تداعيات، خاصة على الموقف الإيراني،

 فإنه يكرس السياسة المتوازنة التي تتبعها السعودية على مستوى علاقاتها مع القوى الدولية.

أما بالنسبة لإيران، فإن الاتفاق مع السعودية على استئناف العلاقات الدبلوماسية يمكن أن يفتح مجالاً لها – إذا صدقت النوايا الإيرانية -لإعادة تغيير أنماط تفاعلات على الساحة الإقليمية، لا سيما على صعيد علاقاتها مع العديد من الدول العربية. فقد كان لافتاً أن الاتفاق مع الرياض جاء في وقت تحسنت فيه العلاقات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد الزيارة التي قام بها المدير العام للوكالة رفاييل غروسي إلى طهران في 3 و4 مارس 2023م، والتي التقى خلالها بالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي وأعلن بعدها عن التوصل إلى اتفاق بشأن رفع مستوى عمليات التفتيش داخل المنشآت النووية، وفتح المجال أمام تسوية الملف العالق حول الأسئلة التي طرحتها الوكالة بشأن العثور على جزيئات يورانيوم في ثلاث منشآت إيرانية دون أن تتلقى إجابة عليها من جانب إيران. كما كان لافتاً أن إيران بدأت في الترويج إلى أنها قد تقدم على إبرام صفقة لتبادل السجناء مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو نوع من الصفقات يسبق دائماً محاولات تقليص حدة التوتر بين الطرفين أو تعزيز فرص الوصول إلى صفقة نووية في حالة ما إذا تم استئناف المفاوضات مع القوى الدولية من جديد في فيينا.

وبعد الإعلان عن الاتفاق مع السعودية، قام رئيس الوفد الإيراني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني بزيارة الإمارات، في 16 مارس 2023م، رداً على الزيارة التي قام بها مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان إلى طهران في 6 ديسمبر 2021م. ثم قام شمخاني بزيارة العراق، لتوقيع اتفاق أمني مع الأخيرة، على نحو يوحي بأن هناك توجهاً لدى طهران لتغيير اتجاهات علاقاتها مع بعض دول المنطقة.

هذا التوجه المحتمل عبّر عنه شمخاني بقوله إن "التعاون والتقارب مع دول منطقة الخليج العربي يجب أن يحل مكان الخصومة والعداوة من أجل التغلب على التحديات القائمة التي لا يعود استمرارها بالنفع على أي دولة في المنطقة".

هنا، فإن التوقيت يطرح دلالة مهمة تتصل بـ "الفارق" الشاسع بين وضع السعودية وإيران في المرحلة الحالية التي وقع فيها الاتفاق. إذ أبرمت السعودية الاتفاق مع إيران وهي تتطلع إلى مواصلة عملية التنمية على المستويات المختلفة، وتؤسس علاقات استراتيجية قوية على مستوى العالم، بل وتقوم بدور الوسيط في الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث نجحت المبادرة التي طرحها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولى العهد ورئيس مجلس الوزراء في الإفراج عن 10 أسرى من مواطني المغرب والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والسويد وكرواتيا في إطار عملية تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا في 22 سبتمبر 2022م.

أما إيران فقد أبرمت الاتفاق مع السعودية وهي تتطلع إلى فك العزلة الدولية والإقليمية المفروضة عليها، وتقليص حدة الأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها بسبب العقوبات الأمريكية، والغربية عموماً، سواء بسبب تعثر المفاوضات النووية أو بسبب تدخلاتها الإقليمية، أو بسبب انخراطها كطرف مباشر في الحرب الروسية – الأوكرانية عبر تزويد روسيا بالطائرات من دون طيار التي تستخدمها بكثافة لتدمير البنية التحتية الأوكرانية. وقد بدا هذا الانخراط المباشر في تعليق أوكرانيا على الهجوم الذي تعرضت لها منشأة عسكرية إيرانية في أصفهان في 28 يناير 2023م، حيث اعتبرت على لسان مستشار الرئيس الأوكراني ميخايلو بودولياك أن "منطق الحرب يجعل المرتكبين والمتواطئين يدفعون الثمن".

أما الصين، فإن انخراطها في المباحثات بين السعودية وإيران التي انتهت بالإعلان عن الاتفاق جاء في توقيت هام بالنسبة لها. إذ أنها تدرك أهمية علاقاتها الاقتصادية مع الدولتين، باعتبارها الشريك التجاري الأول لهما. فضلاً عن أن مصالحها الاقتصادية ضخمة في المنطقة، حيث تحصل على نصف وارداتها من النفط عبرها. وبالتالي فإن تقليص مستوى التصعيد وإعادة استئناف العلاقات بين الرياض وطهران يدعم هذه المصالح الصينية.

وبالطبع، فإن الأمر لا يخلو بدوره من توجيه رسائل صينية مباشرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي اتبعت في الفترة الأخيرة سياسة "التوجه شرقاً" وتحديداً في منطقة "الإندوباسيفيك"، وقامت بتصعيد الخلاف مع الصين حول ملف تايوان مجدداً، ويعني ذلك أن بكين تريد أن تؤكد أنها لن توفر جهداً في حماية مصالحها ومواجهة ضغوط خصومها سواء في المنطقة أو في العالم.

ثانيًا: أهداف متقاطعة:

يمكن القول إن الدول الثلاث تسعى عبر الاتفاق إلى تحقيق أهداف تتماهى مع مصالحها ورؤيتها للتطورات التي تجري على الساحتين الإقليمية والدولية. وكما سبقت الإشارة، فإن السعودية تسعى إلى استثمار الاتفاق في دعم توجهها نحو التنمية التي تعتبرها خيارها الأول في المرحلة الحالية. ووفقاً لرؤية الرياض، فإن أحد المداخل الأساسية التي يمكن أن تساعد في تحقيق هذا الهدف يتمثل في العمل على دعم الأمن والاستقرار على المستوى الإقليمي، من خلال تعزيز فرص الوصول إلى تسويات للأزمات التي تواجهها العديد من دول المنطقة، على غرار اليمن وسوريا ولبنان وغيرها، وهى الدول التي تمارس فيها إيران دوراً بفعل العلاقات التي تؤسسها مع العديد من الفواعل من غير الدول، لا سيما الميليشيات المسلحة، على غرار ميليشيا المتمردين الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والميليشيات التي قامت بتكوينها وتدريبها للمشاركة في الصراع السوري.

ورغم أن هذا الاتفاق ليس الأول من نوعه بين السعودية وإيران، حيث تم توقيع اتفاق أمني في أبريل 2001م، لم تلتزم به إيران، فإن ما يضفي عليه هذه المرة نوعاً من الخصوصية هو وجود ضامن دولي يتمثل في الصين، على نحو يمكن أن يساهم في دفع إيران إلى الالتزام ببنوده وعدم محاولة الالتفاف عليه، في ظل التأثير الذي يفرضه الدور الصيني في هذا الصدد، خاصة أن إيران تبدي اهتماماً خاصاً بمواصلة تطوير علاقاتها الثنائية مع الأخيرة، لا سيما على المستوى الاقتصادي، وهو ما يبدو جلياً في الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى الصين في الفترة من 14 إلى 16 فبراير 2023م، والتي سعت إيران عبرها، ضمن أهداف عديدة، إلى تفعيل اتفاقية التعاون الاستراتيجي التي وقعت بين الطرفين في 27 مارس 2021م، وتقضي بضخ استثمارات صينية في إيران بقيمة نحو 400 مليار دولار على مدى 25 عاماً.

هذه الحقيقة تدركها السعودية جيداً، وهو ما انعكس في تصريحات مسؤول سعودي نقلتها تقارير عديدة، في 15 مارس 2023م، قال فيها أن "الصين لديها نفوذ على إيران، وإذا لم يتم الالتزام بالاتفاق الموقع مع المملكة في بكين فستجد إيران صعوبة في تفسير ذلك".

إيران بدورها ترى أن الاتفاق يُهيِّئ لها فرصة جديدة لإثبات قدرتها على المشاركة في الجهود التي تبذل، وتمثل السعودية فيها رقماً مهماً، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، بعد التحولات التي شهدتها خلال العقود الأربعة الماضية. وبالطبع، فإن ما يزيد من أهمية هذا الهدف بالنسبة لطهران هو تصاعد حدة الضغوط التي تتعرض لها على المستويات المختلفة. إذ أن أزمة ملفها النووي ما زالت تواجه مسارات غامضة في المرحلة الحالية رغم الرسائل الإيجابية التي وجهتها إيران في الفترة الأخيرة. كما أن التأثيرات التي فرضتها العقوبات الأمريكية، والغربية، بشكل عام كانت قوية لدرجة أنتجت أزمة اقتصادية داخلية لم تنجح الإجراءات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة في تقليص حدتها أو احتواء انعكاساتها، على نحو بدا جلياً في الاحتجاجات التي اندلعت في منتصف سبتمبر 2022م، واستمرت أكثر من خمسة أشهر، بسبب الاعتراض على وفاة الفتاة العشرينية الكردية مهسا أميني بعد توقيفها من قبل شرطة الأخلاق التي اتهمتها بعدم الالتزام بقواعد ارتداء الحجاب.

وربما كان لافتاً أن إيران تعمدت تكليف المجلس الأعلى للأمن القومي، وليس وزارة الخارجية، بقيادة المباحثات مع السعودية، سواء في العراق أو في الصين. وقد كان ذلك خطوة متعمدة من جانب إيران تسعى من خلالها إلى توجيه رسائل إيجابية إلى السعودية تحديداً، مفادها أن الاتفاق الأخير معها يحظى باهتمام خاص من جانب القيادة العليا في النظام الإيراني ممثلة في المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي الذي يمارس نفوذاً واضحاً في المجلس.

وبمعنى آخر، فإن إيران سعت عبر تكليف المجلس وليس وزارة الخارجية بملف المفاوضات ثم الاتفاق مع السعودية إلى تأكيد أنها معنية هذه المرة باتخاذ إجراءات تتخطى مستوى الحكومة الإيرانية إلى ما يعلوها من مؤسسات، خاصة أن الحكومات السابقة التي كانت توصف بالإصلاحية، على غرار حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي التي وقع الاتفاق الأمني مع السعودية في عهدها في عام 2001م، لم تثبت قدرتها على تنفيذ ما تضمنته بنوده، في ظل العقبات التي وضعتها مؤسسات أخرى في الدولة مثل الحرس الثوري.

في حين تسعى الصين إلى ضمان الحفاظ على مصالحها في المنطقة دون المغامرة بتعرضها لتهديدات مباشرة قد تنتج عن استمرار التصعيد في المنطقة. وربما يمكن القول إن الصين تعمدت توجيه رسائل مباشرة إلى إيران في الفترة الماضية، مفادها أنها سوف تدعم الجهود التي تبذلها السعودية وغيرها من دول المنطقة لتعزيز الأمن والاستقرار ولن تتغاضى عن التحركات التي تؤدي إلى عرقلة ذلك. وبدا ذلك جلياً فيما تضمنته القمم الثلاث التي شارك فيها الرئيس الصيني شي جينبينج خلال زيارته للمملكة في الفترة من 7 إلى 9 ديسمبر 2022م، من رسائل إلى إيران بضرورة الالتزام بمبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ثالثاً: عوامل الثبات والاستمرار:

لا يمثل الاتفاق السعودي – الإيراني خطوة تكتيكية تسعى الدولتان، إلى جانب الصين، من خلالها إلى تحقيق مكاسب مرحلية محدودة، بل إنه يعبر عن توجه استراتيجي تتبناه السعودية والصين على الأقل، اللتان تطمحان في أن تنخرط إيران في السياق ذاته، وأن تكون مشاركتها في المباحثات ثم الاتفاق مؤشراً على جديتها في الالتزام به.

وفي الواقع، يمكن القول إن ثمة متغيرات أربعة أساسية يمكن أن تساعد في استدامة هذا الاتفاق خلال المرحلة القادمة: المتغير الأول، يتمثل في التوافق الملحوظ في سياسة كل من السعودية والصين إزاء ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من تطورات. وينطلق هذا التوافق من ضرورة العمل على دعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، والوصول إلى تسويات سياسية للأزمات الإقليمية المختلفة، واحتواء مسببات ومحفزات تأجيج الصراعات الداخلية في بعض الدول، ومكافحة التنظيمات الإرهابية. ومن دون شك، فإن ما يعزز من استمرار هذا التوافق هو رؤية الدولتين لموقع كل منهما وأهميتهما الاستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي.

والمتغير الثاني، يتعلق بإدراك كل من السعودية وإيران لصعوبة الوصول إلى ما يمكن تسميته بـ"التطابق" في المواقف، وهو ما يتيح حرية حركة أكبر ويوفر فرصة ويعطي دفعة لاستمرار الاتفاق. إذ أن هذه الرؤية تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تشير إلى أن "الخلافات التي يمكن احتواءها أو تحييدها" تبقى علامة صحية على أي اتفاق محتمل، بسبب التباين في رؤية كلتا الدولتين لبعض الملفات أو التطورات، وتقاطع أنماط تفاعلاتهما وتحالفاتهما على المستويين الإقليمي والدولي. وقد كان السعودية واضحة في هذا الشأن، وهو ما بدا جلياً في تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في 12 مارس 2023م، والتي قال فيها أن "اتفاقنا مع إيران لا يعني حل كل الخلافات"، مضيفاً: "إن الاتفاق دليل على رغبتنا المشتركة بحل الخلافات عبر التواصل والحوار بالطرق السلمية والأدوات الدبلوماسية".

والمتغير الثالث، ينصرف إلى ما يمكن تسميته بـ"كُلفة عدم الالتزام"، حيث أن هناك ضامناً دولياً سوف يمارس دوره في مراقبة مستوى الالتزام بالاتفاق، لا سيما من جانب إيران، وسيتدخل في حالة ما إذا وجد ما يمكن أن يؤثر على استدامته خلال المرحلة القادمة، وهى مسألة تعيها إيران جيداً وستضعها في اعتبارها عند تنفيذ الاتفاق خلال المرحلة القادمة.

والمتغير الرابع، يتصل باستمرار المباحثات بين الطرفين خلال الشهرين القادمين، وفقاً لما جاء في الاتفاق، خاصة على مستوى وزارتى الخارجية، على نحو سوف يساهم في تقليص التباينات القائمة وتوسيع نطاق التفاهمات حول الملفات الخلافية المختلفة.

اختبار طهران:

على ضوء ذلك، يمكن القول إن الوصول إلى هذا الاتفاق يضفي وجاهة خاصة على الرؤية السعودية القائمة على محورين رئيسيين: الأول، أن تأسيس علاقات دبلوماسية مع الدول هو الأصل في العلاقات الدولية، وأن الاستثناء هو القطيعة. والثاني، أن دعم الاستقرار في إيران نفسها يخدم الأهداف السعودية القائمة على المضي قدماً في مشروعات وخطط التنمية، خاصة أن إيران إحدى دول الجوار وما يجري فيها يفرض تداعيات مباشرة على مستوى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص.

كما أن الاتفاق بالتوازي مع ذلك، سوف يمثل محور اختبار حقيقياً لمدى جدية إيران في تنفيذ بنوده، وإثبات قدرتها على الانخراط في التزامات دولية صارمة، وهو ما سوف يكون أيضاً مؤشراً لمدى التزام إيران بأية اتفاقات مستقبلية، خاصة على الصعيد النووي، في ظل استمرار تطلع العديد من القوى الدولية للوصول إلى اتفاق نووي جديد يجنب المنطقة الدخول في مرحلة جديدة من التصعيد التي سوف تفرض تأثيرات سلبية على جهود تحقيق الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة بشكل عام.

مقالات لنفس الكاتب