array(1) { [0]=> object(stdClass)#12763 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 184

التربية الإعلامية حائط الصد أمام التغيرات الجوهرية في البيئة الاتصالية الحديثة

الأربعاء، 29 آذار/مارس 2023

يدرك المتأمل لنظامنا العالمي المعاصر، أن ثمة آليات وديناميات ساهمت في إعادة تشكيل هذا النظام الذي بددت سكونه ثورة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، إذ صنعت الفارق الكبير بين الأمس القريب واليوم بكمية معلوماتها ومعارفها، وسهولة استخدامها، وتداولها، وتجاوزها للزمان والمكان، فمقص الرقيب كسر، والرقيب الإعلامي قد مات،  وكان من نتائجها تشكيل طاقة خصبة من التفاعلات، في عملية اتصالية أفقية تدفقت عبرها موجات ومضامين العولمة من العواصم العالمية لتعيد استيعاب وإدماج مجتمعات الجنوب التي استقرت في هوامش النظام العالمي، وأصبحت مستقبلاً سلبياً لما تحمله إليها ناقلات الأخبار، ليتحول المجتمع الإنساني إلى قرية كونية، جعلت العالم أكثر وحدة وأكثر تماسكًا،  وتشابهاً،  وتفاعلاً، عالم يسعى لأن تصبح فضاءاته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية مفتوحة على بعضها.

 فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي يحتاج إلى العلاقات الاجتماعية مع الآخرين من أجل البقاء، والطريقة الاتصالية موجودة منذ وجد البشر، ولم تستحدثها الشبكات الاجتماعية في عصر الإنترنت؛ إلا أن الشبكات العنكبوتية أسهمت في دفع العلاقات الاجتماعية نحو فضاء رحب وغير مسبوق؛ بفضل تقنيات الأجيال المتطورة لشبكة الإنترنت، القائمة على مساهمة المستخدمين بالمحتويات في موقع الإنترنت المتعددة، ولم تكتف بهذا التقارب بين الشعوب بل أفرزت ما يعرف بـ  (المجتمع الافتراضي) الذي أصبح له وجوده المؤثر على تفاعلات المجتمع الواقعي الذي نعيش فيه.

    حيث صار بإمكان الفرد أن يتواصل و يناقش مع فرد أو أفراد آخرين دون سابق معرفة بينهم قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية وغيرها، ويتبادل معهم الأخبار والصور وأفلام الفيديو، مما ساعد على تكوين صداقات متعددة ومتنوعة يشكل فيها الشباب النسبة العظمى كما تشير إلى ذلك بعض الدراسات، تجمعهم عدداً من الصفات والتوجهات المشتركة والمتحررة من القيود بجميع أشكالها، تبلور عنها مجموعات حول مختلف القضايا  والتي كان لها انعكاساتها وآثارها الواسعة على الصعيد الفردي والأسري والمجتمعي، وقد أدى هذا إلى شيوع أنماط جديدة ومتزايدة من السلوكيات والقيم الاجتماعية التي أثرت وبشكل واسع في عملية التفاعل الاجتماعي، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

    ويشير المشهد الإعلامي الرقمي إلى أن المستخدم وخصوصاً فئة الشباب يعيشون واقعاً إعلامياً متغيراً وسريعاً؛ نتيجة للتطور المتلاحق في تقنيات الاتصال التي أتاحت الفرصة لتعرضهم لمضامين إعلامية مختلفة، ومتنوعة، ومتعارضة، بل وأحياناً متناقضة. كما أن هذه الوسائل أعلت من شأن "الفردية" التي تتجاوز الوطنية أو الإقليمية، حيث يكتسب الشباب معرفتهم وتوجهاتهم عن طريق وسائل عديدة رسمية وغير رسمية، بصورة مباشرة وغير مباشرة والتي قد تحمل معلومات غير صحيحة، خصوصاً عندما يدخلون في دائرة الأميّة الرقمية وهنا تكون أشدّ خطورة على الأمن الوطني والإقليمي.

لا أحد ينكر أن وسائل التواصل الاجتماعي  تسيدت المشهد واستطاعت أن تفرض سيطرتها على جميع المجتمعات، وتحولت إلى القارة السابعة نظراً لحجم مستخدميها الذي قارب أو فاق ثلثي سكان الأرض، وصارت وسيلة شديدة التأثير في المجتمعات على اختلاف طبيعتها وثقافاتها ومستوياتها الاقتصادية والتعليمية، بشكل كبير، مما دفع الدول بكامل مؤسساتها من الأمنيين والتربويين، والوالدين لدق ناقوس الخطر في وقت مبكر،  وذلك لما تتمتع به هذه المستحدثات الاتصالية من مقدرة على الجذب، وإضاعة الوقت، وتسويق الأفكار والأيديولوجيات المختلفة، بل تحولت لجامعات مفتوحة وبنوكاً لمعرفة كل شيء!! فهي تستهوي متابعيها من جميع الفئات والأعمار.

   والأخطر هو إمكانية استغلال ما تتميز به مزايا متعددة من قبل منظمات ودول وأفراد، وشحنها برسائل قد تضر، وضررها قد يكون على المستوى الفردي، وقد يكون متعدي على المستوى الجمعي، ما حدث خلال العقد الماضي في العالم وبفضل تقنيات الاتصال والمعلومات هو انقلاب على كثير من المفاهيم والمسلمات، والقوانين، غيّر كثيرًا من المعادلات التقليدية وأثر بشكل هائل على مفاهيم الاتصال وقواعد الإعلام ومؤسسات البحث والأكاديميات الإعلامية، وأضاف عبئًا جديداً على المؤسسات الأمنية والتربوية والاقتصادية وغيرها، ليس لما تحمله من مضامين، ولكن بما تتميز به من سمات منها:

1-التفاعلية Interactivity: حيث يتبادل القائم بالاتصال والمتلقي الأدوار، ويطلق على القائمين بالاتصال لفظ مشاركين بدلاً من مصادر، وتكون ممارسة الاتصال مع المتلقي ثنائية الاتجاه وتبادلية.

2-التفتيت :Demassification وتعني تعدد الرسائل والوسائل التي يمكن الاختيار من بينها لتلائم الأفراد او الجماعات الصغيرة المتجانسة بدلًا من توحيد الرسائل لتلائم الجماهير العريضة.

3- اللاتزامنية Asynchronization: وتعني إمكانية إرسال واستقبال الرسائل في الوقت المناسب للمستخدم بغض النظر عن تواجد المتلقي للرسالة في وقت معين.

4-الحركة والمرونة Mobility: حيث يمكن تحريك الوسائل الجديدة إلى أي مكان مثل: الحاسب الشخصي والتليفون المحمول وكاميرات الفيديو المحمولة، ومصاحبتها للمستخدم في جميع الأماكن التي يتواجد بها.

5-قابلية التحويل Convertibility: حيث أتاح الاتصال الرقمي إمكانية تحويل الإشارات المسموعة إلى رسائل مطبوعة أو مصورة والعكس.

6-قابلية التوصيل Connectivity: وتعني إمكانية دمج الأجهزة ذات النظم المختلفة بغض النظر عن الشركة الصانعة.

7-الانتشار Ubiquity : يعني تحول الوسائل الجديدة من مجرد ترف وإضافات إلى وسائل ضرورية ووظيفية، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في حالة انتشار التليفون المحمول على نطاق واسع.

8-الكونية Globalization: حيث أصبحت بيئة الاتصال بيئة عالمية تتخطى حواجز الزمان والمكان والرقابة والمتابعة.

   هذه المزايا وغيرها فتحت نافذة مهمة للتفاعل بين الأفراد، وصفها البعص بإعلام العولمة، أو إعلام المواطن الذي انتقلت فيه صناعة المحتوى والرسائل الإعلامية من الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي إلى الجميع، الذي تحول بين عشية وضحاها إلى رئيس تحرير، ومالك لقناته الإعلامية دون التزامه بقواعد وقوانين وأخلاقيات المهنة التي تراعيها الوسائل الإعلامية الرسمية، متجاوزين الحدود الوطنية للدول، ورسم حدودًا افتراضية غير مرئية، حددتها شبكات اتصالية معلوماتية وهذا ما جعل هذا الإعلام الرقمي  أكثر تأثيرًا في سلوك الأفراد، وفي تكوين اتجاهاتهم وتعديلها، وتشكيل أفكارهم وتوليدها، حتى أصبح تأثير بعض الأسماء الشبحية في إدارة قضايا ومسائل وطنية يفوق أحيانًا قدرات صحف ومنابر إعلامية رسمية، وأصبحت هواتفنا المحمولة مخترقة برسائل يومية تستهدف تشكيل رأينا وصناعة مواقفنا، بالإضافة إلى:

  • تأثر بعض المستخدمين بالأفكار التكفيرية أو الشاذة.
  • سرعة انتشار الشائعات والتشهير.
  • عدم مبالاة بعض المستخدمين وعدم استشعارهم المسؤولية.
  • انتهاك الخصوصية والابتزاز والتزوير.
  • إحداث صراعات فكرية متكررة ومنهكة للأفراد.
  • الانشغال عن العمل أو الدراسة والمهام الحياتية الأخرى.
  • الآثار السلبية على الأطفال والمراهقين.
  • العرضة للعزلة الاجتماعية وضعف الترابط الأسري.
  • كثرة الحوادث والمخالفات المرورية.
  • سهولة الممارسة غير الأخلاقية.
    • التجارة غير المشروعة.
  • تبادل الأحاديث المحفزة على تعاطي المخدرات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
  • الإغراء الجنسي.
  • العلاقات الغرامية.
  • المخدرات الرقمية.
  • الانتحار.
  • القتل.
  • السرقة.
  • الإلحاد

هذا الإدمان على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمدة قد تزيد عن ستة ساعات يومياً، كما أشارت إليه بعض الدراسات، أدى لبروز عدة مشاكل صحية ونفسية، وسلوكية وتعليمية، حيث لوحظ تراجع مستوى الطلاب الدراسي، وانشغالهم بمتابعة أو إنتاج المحتوى الرقمي عن متابعة دروسهم، وحضور المحاضرات، والندوات، وإنجاز التكاليف المدرسية والأسرية، وزيادة الحوادث المرورية، وظهور اعتلالات صحية جسدية ونفسية، كما صاحب الإدمان على هذه الوسائل بروز تطلعات ونزعات مادية تعجز الأسر عن تلبيتها لأبنائها، صنع فجوة بين الطرفين، بالإضافة لتصدر المشهد أسماء وشخصيات مجهولة أصبحت هي النماذج من خلال تهافت بعض المنتجات والمشاريع التسويقية عليها، مما ساهم في انتقالها من تسيد العالم الافتراضي إلى العالم الحقيقي وتقديمها في المؤتمرات والندوات والمجالس واعطائها الوقت للتحدث، فيما لا تحسن الحديث فيه، وصارت نماذج  تحتذى لدى المراهقين من الجنسين الذين يرونها القدوة، لذا انتهج هؤلاء المراهقون مسارين، أحدهما صرف جل أوقاتهم في متابعة هؤلاء المشاهير، والمسار الآخر لم يتوان فيه البعض من محاولة ابتداع تفاهات سلوكية أو كلامية طمعاً أن تسير بها الركبان، ويكتب لها الشهرة والمجد الزائف.

بالإضافة إلى تعرض المستخدمين وخصوصاً الشباب والمراهقين لبعض المخاطر الفكرية التي لا تستطيع عقولهم وتجاربهم الحذر منها، مثل: الفتاوى الإلكترونية، الصادرة ممن لا يحق له الفتيا، لما فيها من المغالطات والجهل بحقائق الدين وأصوله وفروعه، وقد حذرت هيئة كبار العلماء في السعودية من أخذ الفتوى من هذه المواقع. ليس هذا فحسب بل لجأ أصحاب المصالح والأهواء إلى حقن الفضاء الإلكتروني بالقصص التاريخية المكذوبة، وتشاؤمية النظر إلى المستقبل، والتحريض على الحكام والأوطان، وتعد خلايا الإنترنت التحريضية من أكثر الوسائل التي تلجأ إليها المنظمات الإرهابية في تجنيد الشباب، حيث شكّلت هذه الخلايا(٧٠ ٪) من بين وسائل استقطاب الشباب "المباشرة " وتهيئتهم لقبول أفكار العنف والإرهاب وتبني أدبيات الجماعات الإرهابية، في شبكات التواصل الاجتماعي، لأنها تتميز بتنوع الأساليب والوسائل والاتجاهات بحيث تغطي أغلب الميول والثغرات ــ الشبهات- الموجودة لدى الشباب ورغباتهم، ثم تنقلهم إلى منظومات عُنفية مباشرة توجههم إلى أساليب الإرهاب فكريًا وميدانيًا، إذ تمر عملية تجنيد الشباب كما يراها المختصون، بخمس حلقات  كما يلي:

الحلقة الأولى:

التعرض المعرفي المكثف (التأثير العاطفي) لمواقع وحسابات المكلفين بالدعاية الفكرية للتنظيمات المتطرفة.

الحلقة الثانية:

مرحلة الصدمة الشرعية لبناء المكون الفكري (الانفعالي).

الحلقة الثالثة:

مرحلة الصدمة الشرعية لبناء المكون الفكري (الانفعالي).

الحلقة الرابعة:

استبدال الصحبة والرفاق ثم منحه اللقب والكنية.

الحلقة الخامسة:

الهجرة واللحاق بطلائع الأمة وعدم "القعود" مع الجهلة العوام والمنافقين والكفار.

  ويمكن تفسير تجنيد الشباب عبر الانترنت من قبل التنظيمات الإرهابية من خلال عدة نظريات، منها نظرية التقليد (لجبريل تارد)، الذي يرى أن أنماط السلوك البشري قابلة للتقليد والتقمص وفق قوانين ثابته منها أن الناس يقلد بعضهم بعضاً كلما كانوا أكثر التصاقاً وقرباً، وهذا ما تفعله التنظيمات الإرهابية من خلال تواصلها الدائم بمن ترغب في تجنيده، حيث يصبح المجند دون وعي منه معزولاً اجتماعياً عن بيئته، قابلاً للتشكيل والتكيف مع التنظيم، منفذاً لما يطلب منه، نتيجة لعدد من العوامل، منها:

  • العزلة الاجتماعية: يعتبر الإنسان بطبعه مخلوقاً اجتماعياً يميل إلى العيش وسط جماعة معينة يشعر بينها بالأمن والاستقرار والطمأنينة، وحينما لا يستطيع أن يقيم هذا التعلق فإن علاقته بأعضاء الجماعة تتأثر سلباً فينسحب بعيداً عنهم ويعيش في وحدة وعزلة، وهذا ما كرسته وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، واستفادت منه التنظيمات الإرهابية.
  • خلو الساحة وإثارة الشبهات: ويمكن تسميتها بأدبيات الإرهاب، ما زالت مؤثراً أساسياً  من خلال استحضار التنظيم الإرهابي نصوصًا وتراثيات ومشاهد تاريخية ثم يقوم بتوظيفها بمهارة في غير محلها الصحيح لتأصيل وتبرير العمليات الإرهابية، فهذه التنظيمات الإرهابية لديها مخزون معرفي ضخم من فتاوى ومؤلفات وبيانات ورسائل اعتمدت على إثارة الشبهات بعد تجريدها من سياقها العام، حتى لا تستطيع عقول الشباب فهمها واستيعابها في ظل غياب العلماء المعتبرين عن مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم الحضور فيها بكثرة والتحاور مع الشباب والرد على هذه الشبهات، فالانسحاب من هذه الوسائل وعدم التواجد فيها يعني الانسحاب من المشاركة في الحياة اليومية والتأثير فيها وإخلاء الساحة لهذه التنظيمات للتغلغل فيها والسيطرة عليها.
  • سلبية الخطاب المُواجه: أغلب خطاباتنا هي ردة فعل على حدث ما، لذا يجب الاعتراف أننا لم نستطع صناعة خطاب مضاد ينجح في تفكيك وتذويب الخطاب الإرهابي، فالاقتصار على نقض خطاب التنظيم الإرهابي وتكذيبه وتخطئته لن يكون فعالاً من دون أجوبة على التساؤلات التي تحير الشباب وتعرضهم لحالات مستمرة من عدم اليقين، حيث يجب تقديم إجابات مقنعة لهم قبل أن يلجؤوا إلى الجماعات المتطرفة بحثاً عن إجابة شافية.
  • الطعن في القدوات: قيل حتى تسيطر على أمة من الأمم ركز على هدم أركانها الثلاث: الأسرة (الأم) والتعليم والقدوات، هذه التنظيمات ركزت على هدم هذه القدوات وخصوصاً العلماء من خلال الطعن فيهم والتشكيك في قدراتهم، حتى لا يسمع لهم أحد ولا يقتدي بهم أحد، حتى تخلو الساحة لهم فيسيطروا على عقول الشباب ويتمكنون منهم.
  • صناعة الرموز: الرسائل الإعلامية لا تؤثر على الجمهور بشكل قوي إلا إذا تم تمريرها من خلال أفراد يراهم المتلقي نجوماً وقياديين، وقد استغلت التنظيمات الإرهابية حماس الشباب وفهم نفسياتهم، فصنعت نجوماً في وسائل التواصل الاجتماعي من أنصاف الدعاة والمتدينين ودفعت بهم إلى الواجهة، بعد أن سعت لتحطيم القدوات، والطعن بهم.
  • النجومية القاتلة: بسبب عدم وجود أهداف في حياة الشباب يسعون إلى تحقيقها أو شعورهم بعدم القيمة أو التهميش تسعى التنظيمات الإرهابية لإيهام المجند بنشوة النجومية، وقطع طريق العودة عليه، من خلال تشجيعه في كل ما يكتبه في حسابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتعليق على كتاباته بالتشجيع والتأييد، وإعادة التغريد مستخدمين آلاف المعرفات والأسماء الوهمية من الجنسين.
  • اتساع حرية الرأي: أصبح الفرد في الإعلام الرقمي علامة فارقة ومؤثرة، بعد أن كان رقماً من أرقام الجمهور العريض، وانتقل من متلقي سلبي، إلى صانع ومشارك وناقل للأحداث بالطريقة التي يراها، وبالكيفية التي يريدها، إذ وفرت هذه المنصات فضاءً عالياً وغير مسبوق من الحرية لمستخدميها، حيث تموج في وسائل التواصل الاجتماعي آلاف الحسابات التي تتناول كل شيء مما يعد سابقة وانقلاباً على القيم الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
  • الفراغ: أبرزت التغيرات الاجتماعية الحديثة أهمية استغلال وقت الفراغ، وذلك نظراً للتشريعات العالمية الجديدة التي قللت من ساعات العمل الأسبوعية، وزيادة الإجازات والعطلات السنوية، التي لم تقم الأسر والجهات المختصة في دول العالم بتوفير برامج وأماكن يتم فيها صرف الجهد والوقت من قبل الشباب الذي وجد ضالته في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما يفسر انخراط عدداً من مواطني الدول الأوربية من الجنسين في التنظيمات الإرهابية.

إثارة روح الإحباط: تتميز التنظيمات الإرهابية بقدرتها الفائقة على توظيف الإحباط والشعور باليأس لخدمة أغراضها، واستغلال البنية النفسية الهشة عند الشباب وعدم تمتعهم بشخصية مستقلة، فيسهل على التنظيم تحريك حماسهم واستغلال اندفاعهم ثم السيطرة عليهم.

نقص الخبرة: تعد وسائل التواصل الاجتماعي من الوسائل المستحدثة نسبيًا، اندفع نحوها الغالبية العظمى من الناس بقوة دون التفكر في عواقبها، وقد أدى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مفرط وغير مسؤول من قبل البعض إلى استغلالها من قبل التنظيمات الإرهابية؛ وكان من ثمراتها نشر الأكاذيب والإشاعات والفتن، والترويج للتطرف والعنصرية والإرهاب.

  • الجاذبية: تتميز وسائل التواصل الاجتماعي بسهولة استخدامها، وبتنوع محتواها، وبتعدد مستخدميها، وبغياب الرقابة إلى حد كبير، كل هذه الأمور وغيرها جعلت الشباب ينجذبون إليها دون سواها، بل ويتحولون إلى مدمنين عليها فاقدين أحساسهم بعالمهم الحقيقي.

 

 ومع بروز ثورة الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، تضاعفت التحذيرات على مستوى الأمم والمنظمات، والمؤسسات الأمنية والتربوية والدينية، لذا لم يكن مستغرباً أن يتضمن التقرير السنوي لدافوس التنبيه على مجموعة من المخاطر، التي تهدد العالم خلال هذا العقد وكان من بينها المخاطر الإعلامية، وهناك من ذهب لأبعد من هذا، بوقوع تسونامي سيبراني كارثي خلال العامين القادمين، ما يعني انتقال الحروب بين الدول إلى حرب الجيل الخامس، التي ستعمل على اللجوء لتوظيف أدوات جديدة في الصراع، لا تخسر فيها الدول المهاجمة جندياً واحداً، فضلاً عن صعوبة إمكانية الجزم بمصدر الهجوم، وتبعاته الأخلاقية والقانونية، بل إن دول الاتحاد الأوروبي بعد استشرافها لمستقبل استخدام الذكاء الاصطناعي، بادرت للعمل على مشروع قانون الذكاء الاصطناعي، الذي ربما تنتهي صياغته وإقراره مع مطلع العام القادم 2024م،  هذه الإضاءات وغيرها دقت ناقوس الخطر الذي يجب أن تلتقطه دول الخليج العربي، لتتبنى استراتيجيات دفاعية جديدة وغير تقليدية لمواجهة الحرب التي لن يقودها جنرالات، بل ستحركها روبوتات اصطناعية من أماكن مجهولة قريبة كانت أو بعيدة.

  ما سبق لا يعني ان هذه الثورة التقنية شر محض، بل فيها من الخير الكثير، فالثورة الصناعية الرابعة القائمة بشكل رئيس على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضراً في المجالات كافة، وسوف يغير وجه الحياة، وسيتم إدخال الروبوت في الطب والعمليات الجراحية والعسكرية والتجارية، والصناعية والإعلامية وغيرها، ولذا بدأت دول الخليج العربي بإنشاء مؤسسات وبرامج خاصة للذكاء الاصطناعي، كما إن ما سبق من ممارسات سلبية لوسائل التواصل الاجتماعي لا ينفي مزاياها، وإيجابياتها؛ ومنها:

  • انتشار المعرفة.
  • التفاعلية والمشاركة.
  • حرية الرأي والتعبير.
  • كسر الحواجز والخطوط الحمراء.
  • إلغاء الفروق الثقافية بين المجتمعات.
  • التجارة.
  • تسويق الإيديولوجيا.
  • بروز ظاهرة البروفايلات، التي تخص الإبداع والكتابة، للترويج لكثير من الكتاب ومؤلفاتهم.
  • انتشار الصفحات والمجموعات التي تجمع هواة كتابة الأدب.
  • الانتشار خارج الحدود المحلية مما حسن إيقاع الحياة الثقافية والاجتماعية والمعرفية.
  • التراسل الفوري للمثقفين الذي أدى إلى إنشاء مجموعات ثقافية فنية للتبادل المعرفي.
  • إسهام الاختلاط الثقافي والفكري في تطوير القدرات الثقافية والإبداعية للشباب.
  • الإعلام الرقمي .. قناة معرفية ديناميكية.
  • التعرُّف على الثقافات، والدول، والحضارات، والاطّلاع على عاداتهم وأسلوب حياتهم.
  • سهولة الوصول للمعلومة.
  • عرض المواهب والإنجازات المُختلفة.
  • إتاحة الفرص أمام كافة الناس للتعبير عن آرائهم.
  • تعزيز التواصل بين الأفراد حول العالم.
  • تلبية الحاجات الترفيهية وتقديم برامج ممتعة للجميع.
  • استخدامها في التوعية.
  • استخدامها من قبل المنظمات الحكومية والخاصة للتواصل مع جماهيرها.
  • التواصل مع المسؤولين بشكل مباشر.
  • البحث عن وظيفة.
  • تسويق الذات.

 

وختامًا تبقى التربية الإعلامية بمفهومها الشامل هي حائط الصد المنيع، فقد برز مفهوم التربية الإعلامية نتيجة للتغيرات الجوهرية في البيئة الاتصالية الحديثة التي أتاحت مجالاً واسعًا للتواصل بين البشر، بعد أن خرج عن دائرة العمل الإعلامي التقليدية، إلى منصات إلكترونية فردية مكنت الجميع من إنتاج المحتوى الإعلامي وتداوله عبر فضاء مفتوح اخترق حاجز الزمان والمكان والثقافة، وغابت فيه فاعلية أنظمة الرقابة الإعلامية ومواثيقها،  وهذا أحد الأسباب التي دعت اليونسكو في بداية التسعينات وبدعم من وزارات التربية والتعليم في الاتحاد الأوربي لتبني مشروع (مينتور) لنشر التربية الإعلامية في أوروبا ودول حوض البحر المتوسط،  ثم توسع المشروع  بعد أن قرر عدد من الخبراء والمستشارين فيه تأسيس منظمة دولية تتولى نشرها على مستوى العالم وتحقق ذلك في مايو2002م، من خلال تأسيس المنظمة الدولية للتربية الإعلامية، وهذا إقرار من اليونسكو بضرورة التربية الإعلامية.

 فاليونسكو في مؤتمراتها ترفع شعار: "يجب أن نعد النشء للعيش في عالم سلطة الصورة والصوت والكلمة"، وهي بذلك تشير إلى أن الإعلام يملك سلطة مؤثرة على القيم والمعتقدات والتوجهات والممارسات، في مختلف الجوانب اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، ولا يمكن عبور مخاطر الإعلام وأمواجه المتلاطمة من كل مكان، إلا بزورق التربية الإعلامية من خلال إتاحتها مساحة كبيرة من الفرص المواتية لمعالجة المشكلات النفسية والثقافية والاجتماعية التي يعاني منها الطلاب في التعليم بمراحله المختلفة؛ كمشكلة الأمية الحضارية، والأمية التكنولوجية، والأمية السياسية، علاوة على التوترات التي تنشأ بفعل الاتصال مع الآخرين، وعدم الألفة، والتنمر والاستغراق في المحلية وغيرها.

فمن خلال التربية الإعلامية الواعية يمكن إكساب الطلاب الثقافة الاجتماعية النقية، وامتلاكهم مهارات النقد والتقويم والتحليل وحل المشكلات والربط بين الأشياء وبين المتغيرات، والمهارات التركيبية، ومهارات الحديث والقراءة والكتابة والمهارات الاجتماعية والثقافية التي تساعدهم على الاتصال الفعال، وتمكنهم من استيعاب الخصوصيات الثقافية في علاقتها مع العموميات والمتغيرات الثقافية الأخرى، وهذا ما دفع اليونسكو للمطالبة باعتماد التربية الإعلامية كأحد  الحقوق الأساسية لكل مواطن، في كل بلدان العالم، وأوصت بضرورة إدخال التربية الإعلامية ضمن المناهج التربوية الوطنية، وكذلك إدخالها ضمن أنظمة التعليم غير الرسمية، والتعلم مدى الحياة،  وهذا البعد أكدت عليه نتائج دراسة سعودية حديثة نسبياً، فغالبية النخب التربوية والإعلامية (عينة الدراسة بنسبة 96،6 %) تؤكد على ضرورة إقرار مادة التربية الإعلامية في مناهج التعليم على مستوى العملية التعليمية في المجتمع السعودي، وما ينطبق على السعودية يمكن تعميمه على المجتمعات الخليجية.

مقالات لنفس الكاتب