array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 185

تطوير العمل العربي المشترك يتطلب الإصلاح المتدرج أو استبدال الجامعة العربية

الأحد، 30 نيسان/أبريل 2023

لعل من أبرز نتائج التطور الكبير في وسائل النقل والاتصال، أن العالم أصبح بحق قرية واحدة يعتمد فيها الجميع على بعضهم البعض على الرغم من تباعد المسافات واختلاف الأجناس الأمر الذي أحدث تغييراً جذرياً في طبيعة الاقتصاد العالمي وأوجد توجهاً واندفاعاً نحو تشكيل تكتلات اقتصادية كبيرة تمكن من المنافسة عالمياً وتخفف من حدة تقلبات الاقتصاد العالمي التي كان من أشدها وطأة أزمة الكوفيد-19.  هذه الخلفية تشكل فرصة لإعادة هيكلة المنطقة الهدف منها الاستعداد لا نقول لمرحلة ما بعد النفط، بل لطور جديد للصناعة النفطية وبناء اقتصاد المستقبل من خلال إعادة ترتيب الأولويات ووضع رؤية واضحة للعمل العربي المشترك أساسها الأوضاع الإقليمية التي تدنت إلى حدود الهاوية، واستغلال المتغيرات العالمية التي قد توفر فرصة نادرة لإحداث التغيير المنشود. 

الأسباب والدوافع وراء المقترح

إن وضع التنمية الاقتصادية أساس للعمل العربي المشترك أمر على درجة كبيرة من الأهمية ليس فقط لأن الشعارات الأخرى فشلت في تحقيق التقارب بين دول المنطقة بل لأنه يحقق مصالح آنية وبعيدة من أهمها:

أولاً-الاستجابة لمتغيرات الاقتصاد العالمي

كما أسلفنا سابقاً فإن المتغيرات العالمية كبيرة جداً ومتسارعة وخير دليل عليها هو الزيادة الكبيرة في حجم الاقتصاد العالمي حيث تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن حجم الناتج العالمي ازداد من 23 إلى 85 ترليون دولار في الفترة بين 1980 م، إلى 2020م، أي بمعدل نمو سنوي قارب 9%.  هذا النمو مرشح للاستمرار مع وجود بعض الأزمات، إذ ليس هناك ما يشير إلى حصول تباطؤ في سرعة النمو على المدى المنظور، وهذا يدل على حجم الفرص التي يوفرها الاقتصاد العالمي وأن المنافسة سوف تكون عالمية وإذا كانت كذلك فليس هناك مجال للاحتماء وراء حدود سياسية لم تعد تعني الكثير.

هذه الحقائق هي التي دفعت بالعديد من الدول المتقدمة للسعي منذ عقود لتوسيع قاعدتها الاقتصادية، لذلك رأينا الولايات المتحدة وهي التي تمثل أكبر قوة اقتصادية عالمية وتمتلك اقتصاداً متنوعاً ليس له مثيل في العالم تعمل على إنشاء اتفاق التجارة الحرة لشمال أمريكا التي تضم كذلك كندا والمكسيك وقد أشار تقرير للكونغرس الأمريكي إلى أن التجارة بين الدول الثلاث تضاعفت ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل الاتفاقية.

إن قيام التكتلات الاقتصادية العالمية يجب أن يوفر الدافع لدول المنطقة لكي تسعى هي الأخرى نحو إنشاء تكتل اقتصادي يشمل دول الإقليم أساسه الموارد الطبيعية والبشرية لدول المنطقة والاستفادة من موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية.

ثانياً-الاقتصاد أثبت فاعلية في جمع الشعوب 

الاقتصاد كان العامل الأهم في أغلب التجارب العالمية التي حققت النجاح في إحداث تقارب بين الدول في العصر الحديث.  وقد تقدم الحديث عن تجربة اتفاق حرية التجارة لشمال أمريكا كذلك فقد نجح الاقتصاد في الجمع بين الدول الأوروبية وهي التي مزقتها الصراعات الدينية والعرقية لقرون طويلة.  لكن وعلى الرغم من ذلك كله استطاعت تلك الدول أن تجد الأرضية المشتركة ليس للتقارب فحسب بل للاتحاد فيما بينها وكان أساس ذلك ليس السياسة بل الاقتصاد حيث تعود عملية توحيد أوروبا إلى عام 1951م، حين قامت فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا ولوكسمبرج بإنشاء اتحاد الحديد والفحم.  النجاح الذي تحقق من خلال ذلك العمل المحدود هو الذي تطور ليصبح النواة لتشكيل المجموعة الاقتصادية الأوروبية (في عام 1958م، والتي تطورت إلى إيجاد البرلمان الأوروبي الموحد. 

تجربة النجاح الأخرى التي نقف عندها هي تجربة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي وهو منتدى حكومي دولي يضم 21 دولة تهدف إلى تنمية التجارة الحرة في جميع أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادي.  تعود بداية الفكرة إلى دعوة رئيس وزراء استراليا بوب هوك في منتصف الثمانينات من القرن الماضي والتي توجت بتأسيس المنظمة في عام 1989م.

لسنا هنا بصدد الدخول في تفاصيل إنشاء المنظمة لكننا نذكر ذلك للتدليل على دور العمل المشترك في تنمية الاقتصاديات المحلية ونستشهد على ذلك بذكر مثالين لدولتين من الدول المؤسسة للمنظمة وهما الفلبين وتايلند اللتان كانتا في عداد الدول الفقيرة يدل على ذلك أن إجمالي الناتج المحلي للفلبين في عام 1990م، وهو أول عام لبداية المنظمة كان 51 مليار دولار، وتايلند كان 32 مليار دولار لكنهما ارتفعا إلى 361 و500 مليار في عام 2020م، أي بعد 30 سنة من تأسيس المنظمة كما هو مبين في الرسم البياني أدناه.

 عملية بسيطة لحساب حصة الفرد من الناتج المحلي توضح وبصورة جلية لكي نبين حجم التطور الكبير في اقتصاد البلدين بصورة أوضح نعود إلى حساب حصة الفرد من الناتج المحلي التي كانت بحدود 700 دولار سنوياً في البلدين عام 1990م، وارتفعت إلى 3200 دولار للفلبين عام 2020م، وإلى 7000 دولار بالنسبة لتايلند بحلول عام 2020م.

ثالثاً-معالجة الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها المنطقة

ليس خافياً على أحد حجم التحديات الاقتصادية التي تعاني منها العديد من دول المنطقة والتي تجلت بوضوح في التدني الكبير في قيمة العديد من العملات العربية خلال السنوات الخمس الأخيرة باستثناء الدول النفطية التي تربط عملاتها بالدولار فقد خسر الجنيه المصري حوالي 80% من قيمته خلال الفترة وفقدت الليرة السورية 400% وخسرت الليرة اللبنانية 900% من قيمتها في نفس الفترة وهي نسب مرشحة للزيادة. 

العامل الثاني الذي يثير للقلق بالنسبة للعديد من دول المنطقة هو ارتفاع معدلات المديونية فبحسب أرقام البنك الدولي فإن العديد من الدول العربية تعاني من ارتفاع كبير في نسبة المديونية مقارنة بالناتج المحلي كما هو مبين في الرسم البياني أدناه:

 إن الارتفاع الكبير في نسب المديونية لا يشكل مشكلة اقتصادية فحسب بل هو مشكلة سياسية تهدد سيادة وأمن الدول المدينة لأن مصادر الدين سواء كانت دولاً أو منظمات دولية تسعى دائماً إلى فرض شروطها على الدولة المدينة وهي شروط في عمومها لا تخدم السياسة العامة للدولة ولا تهدف إلى التنمية الاقتصادية وإنما تسعى في أفضل الأحوال إلى توفير المال لخدمة الديون كما أن بعض الدول الدائنة تسعى إلى الحصول على تنازلات سيادية مثل إدارة المرافق الحيوية أو الحصول على تنازلات أمنية وعسكرية مقابل الديون.

المتغيرات العالمية تشكل فرصة لإحداث تغيير بنيوي في المنطقة

المقاربة الدولية تجاه المنطقة والمتمثلة بموقف الدول الكبرى في العقود الأخيرة كانت مبنية على أساس رعاية مصالحها في المنطقة التي تم اختزالها إلى أربعة وهي:

  1. ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري على دول المنطقة مجتمعة ومنفردة ومن ذلك التأكد من عدم امتلاك أي من دول المنطقة باستثناء إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل لأن ذلك من شأنه أن يخل بميزان القوى الإقليمي.
  2. مكافحة الإرهاب والتطرف الذي يمكن أن يهدد مصالح الدول الكبرى سواء في المنطقة أو خارجها.
  3. ضمان استمرار تدفق النفط من المنطقة من دون حدوث هزات تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي.
  4. التعاون الأمني والعسكري مع دول المنطقة وتقوية الترابط مع القوات المسلحة فيها لضمان تنمية مبيعات السلاح والإبقاء على إمكانياتها العسكرية ضمن الحدود المرسومة لها.

هذه المصالح هي التي دفعت بالمواقف الدولية خصوصاً في العقود الثلاث التي تلت غزو العراق للكويت إلى عدم التفكير بإحداث عملية تنمية في المنطقة لا بل ربما العكس فلم تكن تلك القوى ترى بأساً في دوامة الفوضى التي عمت المنطقة وديمومتها من خلال إطالة أمد الحروب والصراعات مثل الحرب العراقية-الإيرانية وكذلك الحال بالنسبة للصراعات المسلحة في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان والصومال.

  المتغيرات العالمية الجديدة التي برزت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة ومن أهمها تحول العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والصين وروسيا وحلفائهم من جهة أخرى من علاقة شراكة اقتصادية إلى حرب باردة لابد أن تكون لها تبعات على المواقف الأمريكية والدولية تجاه مناطق الصراع بسبب ارتفاع وتيرة التنافس الدولي لدرجة ربما تكون أشد ضراوة من التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

بمناسبة الحديث عن الحرب الباردة ربما يكون من المفيد العودة إلى تلك الفترة ودراسة التغيير الذي حصل على النظام العالمي ومحاولة إيجاد أوجه شبه بين ما حصل آنذاك وما يحصل اليوم. 

أقامت الولايات المتحدة النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية على أساس "الشرطة الأربعة" وهي القوى العالمية التي كان من المفترض أن تتحمل مجتمعة مسؤولية الأمن العالمي وكانت تشمل كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وجمهورية الصين الوطنية.  وقد تم إضافة فرنسا فيما بعد لتصبح الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.  هذه الدول مجتمعة كانت ترى أن ألمانيا واليابان هما مصدر الخطر على السلم العالمي لذلك قررت فرض عقوبات قاسية عليهما ومن ذلك نزع السلاح وتفكيك المصانع التي يمكن أن تشكل أساساً للصناعة العسكرية بالطبع فسر ذلك في حينها على أنه يشمل جميع المصانع التي تم نقلها إلى الدول المنتصرة ودفع تعويضات مالية كبيرة واقتطاع أجزاء من أراضيها وتقسيم ألمانيا إلى قسمين بالإضافة إلى التهجير القسري لأعداد كبيرة من الألمان إلى الاتحاد السوفيتي. 

لكن وبعد سنوات قليلة تغيرت المعادلة الدولية بالكامل وجاءت الضربة الأولى للنظام العالمي عندما انتصر التمرد الشيوعي في الصين بقيادة ماو على القوات الحكومية وفرار كاي شيك وكادره الحكومي إلى جزيرة تايوان وإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية على الأراضي الصينية.  بالطبع شكلت العملية انتصاراً كبيرًا للمعسكر الشيوعي الذي بدأ يضع العراقيل أمام المشاريع الأمريكية التي كانت تسعى لترتيب الأوضاع العالمية لمرحلة ما بعد الحرب على أساس الاتفاقات التي تمت بين القوى الأربع.

 قامت وزارة الخارجية الأمريكية بالطلب إلى سفارتها في موسكو بتقديم تفسير للمواقف التي تتخذها قيادة الاتحاد السوفيتي حيث جاء الرد على شكل البرقية المطولة التي كتبها نائب رئيس البعثة جورج كينان التي شرح فيها سياسة الاتحاد السوفيتي وأهمية تغيير النظرة تجاهه والعمل على احتوائه لأنه بات يشكل مصدر خطر.  شكلت تلك البرقية أساس السياسة الخارجية الأمريكية لمرحلة الحرب الباردة وتم نقل كاتبها إلى واشنطن ليصبح رئيساً لقسم التخطيط والدراسات في الخارجية الأمريكية.  قام القسم بتقديم ورقة ثانية شرح فيها تفاصيل التغيير المطلوب في السياسة الأمريكية تجاه دول وسط أوروبا ومن ضمنها ألمانيا والذي تضمن الإسراع في إحداث تنمية اقتصادية في دول وسط أوروبا للحيلولة بينها وبين الوقوع تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي. تم تبني المشروع بسرعة كبيرة وخرج تحت تسمية "خطة مارشال" على اسم وزير الخارجية الأمريكي آنذاك.  تسارعت الخطوات في تنفيذ المشروع لدرجة أن بعض الجهات كانت لاتزال تعمل على تنفيذ السياسة السابقة وهي تفكيك المصانع الألمانية ونقلها إلى الدول الغربية في نفس الوقت الذي تقوم به جهات أخرى بتنفيذ السياسة الجديدة في دعم عملية إعادة بناء ألمانيا وهو الأمر الذي دفع بالمستشار الألماني أديناور إلى التساؤل عن طبيعة السياسة الأمريكية تجاه بلده.  بالطبع لم يمض وقت طويل حتى تحولت اليابان هي الأخرى إلى حليف للولايات المتحدة في حربها على شبه الجزيرة الكورية، وكذلك ألمانيا التي كانت أكبر حلفاء الولايات المتحدة في الحرب الباردة.  واليوم تدفع الولايات المتحدة بالبلدين إلى تطوير إمكانياتهما العسكرية ومن ذلك تطوير القدرات العسكرية الهجومية.

نخلص من هذا السرد إلى أن المواقف الدولية والسياسات العالمية تتغير وأن التغيير يحدث بسرعة كبيرة استجابة لمستجدات المعادلة الدولية كما نرى ونلاحظ اليوم.

   الخطوات العملية المقترحة

ليس هناك عصا سحرية يمكن أن تستخدم لتحقيق مشروع كبير كهذا وإنما يكون النجاح إذا توفرت الرؤية الصحيحة والتنفيذ الدقيق. ولعل من أول الخطوات العملية توفير البيئة الملائمة لعملية التنمية من خلال تصفير المشكلات الداخلية والخارجية والعمل الدؤوب على إيجاد حلول للنزاعات التي أدخلت المنطقة في دوامة من الصراعات أدت استنزاف قدراتها وتدمير البنية.  لذلك لابد من مبادرات تؤدي إلى حل جميع المشكلات الداخلية والخارجية بالنسبة لدول المنطقة.  هنا لابد من الإشادة بالاتفاق السعودي-الإيراني لإعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح قنوات التواصل بين الدولتين.  ذلك أن حل الخلافات مع إيران وبناء علاقات حسن جوار أساسها المصالح المشتركة التي تجمع بين دول الإقليم هو من أولويات إيجاد البيئة التنموية المطلوبة ونأمل أن يؤدي ذلك إلى إيجاد حلول للمشكلات العالقة في كل من اليمن ولبنان والعراق.

إن الانتقال بالعمل العربي المشترك قد يأخذ واحداً من طريقين مختلفين وهما:

الطريق الأول وهو الخطوة الكبيرة: وتتمثل بإلغاء الجامعة العربية وإبدالها بمنظمة جديدة تسعى لتحقيق التنمية الاقتصادية العربية التي فشلت الجامعة في تحقيق أي تقدم فيها منذ تأسيسها عام 1945م، لكنها لم تحقق شيئاً ملموساً على أرض الواقع على الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي توفرت لها حيث تبلغ ميزانيتها السنوية حوالي مائة مليون دولار.  لقد أثبتت الأحداث يوماً بعد يوم أن الجامعة العربية منظومة قد عفا عليها الزمن وأنها عصية على التطور والاستجابة لاحتياجات دول المنطقة ناهيك عن تلبية تطلعات شعوبها.

 إن الحاجة الملحة لدول المنطقة لعملية التنمية مع عجز الجامعة العربية عن الاستجابة لحاجيات المنطقة تجعل من التفكير بإيجاد البديل أمراً لا مفر منه.  كما وأن المنطقة ربما تكون بحاجة إلى عمل بحجم إلغاء الجامعة لإثبات جدية التوجه نحو البديل التنموي لأن الإنسان لا يفكر بالمستقبل قبل أن يدفن الماضي. 

إن عملية تطوير أو استبدال المنظمات الدولية ليست غريبة فعلى سبيل المثال فإن منظمة الوحدة الإفريقية التي كانت تعاني مثل الجامعة تم استبدالها بمنظمة جديدة هي الاتحاد الإفريقي في عام 2002م، هذه المنظمة الجديدة التي استطاعت أن تسبق الجامعة العربية بأشواط لم تكتف بتلك النقلة بل تقوم بمراجعة أدائها وتتطور لتواكب مستجدات الواقع وانتهاز الفرص والاستجابة لاحتياجات الدول الأعضاء.  لذلك قامت بتشكيل لجنة برئاسة رئيس رواندا بول كاغامي في 2016م، لتقييم الأداء وتقديم مقترحات للقمة الإفريقية لتطوير عمل المنظمة كما أن المنظمة تمتلك خطة خمسينية (أجندة 2063م) لتطوير القارة تركز على النواحي الاقتصادية والبشرية فأين جامعتنا الموقرة من هذه المبادرات؟

  الطريق الثاني هو التدرج في الخطوات: ربما يقول قائل بأن إصلاح المنظومة العربية مرة واحدة قد لا يكون في متناول اليد بسبب صعوبة تحقيق الإجماع العربي ونحن لا نمتلك الوقت بسبب ضغط المتغيرات الدولية والإقليمية. لذلك نقترح على سبيل المثال أن يتم توسيع الأنشطة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي لكي يكون نواة السوق الاقتصادية الموحدة لدول المجلس الست بالإضافة إلى العراق واليمن وهي الخطة الأساسية التي وضعت عند تأسيس المجلس عام 1981م.  هذه المجموعة لابد أن تقيم علاقات خاصة مع الأردن ومصر كخطوة أولية تستبق عضوية البلدين والانفتاح بعد ذلك على الدول العربية الأخرى ضمن خطوات مدروسة مبنية على حسابات دقيقة بعيدة عن المؤثرات العاطفية.  هذه المنظومة سوف تكون أقدر على بناء علاقات خاصة مع القوى الإقليمية وخصوصاً تركيا وإيران بسبب الفوائد الكبيرة التي تجنيها تلك الدول من عملية التنمية الاقتصادية

موقف القوى العالمية من العمل المشترك

موقف القوى العالمية من أي مشروع يعتمد على عدة عوامل من أهمها طبيعة المشروع وأبعاده المستقبلية وطريقة عرضه وتسويقه وموقف المبادرة من مصالح تلك الدول.  لقد ذكرنا عملية تكوين منظمة تعاون دول آسيا والمحيط الهادي لنبين حقيقة مهمة وهي أن عضوية المنظمة تضم شركاء متشاكسون مثل الولايات المتحدة والصين واليابان. لكنهم يجتمعون في هذه المنظمة لأنها تخدم مصالحهم جميعاً ولذلك نراهم يتعاونون في هذا المجال مع الاختلافات الكبيرة بينهم.

إن الرغبة الدولية في التعاون الاقتصادي تشهد عليها اتفاقات الشراكة الاستراتيجية التي وقعتها دول المنطقة مع العديد من الدول مثل الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا واليابان والولايات المتحدة وغيرها. هذه الاتفاقات يمكن أن تشكل نقطة البداية للتعاون الاقتصادي الدولي مع منظومة التعاون الاقتصادي الإقليمي التي لن تقوم على حساب إقصاء أو تفضيل طرف معين على آخر، بل الغاية منها تسخير كل الجهود والإمكانيات الموجودة في المنطقة بالتعاون مع الشركاء الرئيسيين في سبيل تحقيق المصالح المشتركة. 

يبقى السؤال الأساسي الذي لابد من التطرق إليه عن الموقف الإسرائيلي من عملية التنمية في المنطقة وهو موقف مهم بسبب الدور الكبير الذي تلعبه إسرائيل ليس في المنطقة فحسب وإنما من خلال نفوذها القوي وتأثيرها على القرار في الدول العظمى.  هذا الموضوع زاد تعقيداً في الآونة الأخيرة مع وصول أحزاب اليمين المتشدد إلى الحكم في إسرائيل التي تسعى إلى التصعيد الأمني في الساحتين الداخلية والإقليمية مما أدى إلى تأزيم الأوضاع السياسية في إسرائيل وإحداث انقسام داخلي كبير فيها وأدى كذلك إلى تعقيد العلاقة مع دول المنطقة بالإضافة إلى واشنطن التي تدعو إلى تهدئة الأوضاع في سبيل توفير البيئة المناسبة لمبادرتها تجاه المنطقة التي تسعى من خلالها إلى تطبيع العلاقات بين دول المنطقة وإسرائيل.

الجميع يعلم بأن الحل للعديد من الأزمات في المنطقة يمر من خلال إيجاد التسوية الدائمة للقضية الفلسطينية والمتمثلة بقيام الدولة الفلسطينية التي تتمتع بالسيادة وتمتلك القدرات الاقتصادية لتوفير الحياة الكريمة للشعب الفلسطيني وهو الحل الذي وضعته المبادرة العربية قبل سنوات ليست بالقليلة. فهل تتطور الأمور الداخلية في إسرائيل باتجاه الانفتاح على جيرانها من خلال القبول بالمبادرة العربية وبداية مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي؟ أم أن الأوضاع سوف تسير باتجاه المزيد من التصعيد الذي سيؤدي إلى انفجار الصراع في الإقليم ودخول المنطقة في نفق الحروب المظلم مرة ثانية، وهي حرب ليس فيها رابح.

مقالات لنفس الكاتب