array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 186

مارشال عربية تمنع تمدد الأيديولوجيات الهدامة وتكون اقتصادات جاذبة للاستثمارات

الإثنين، 29 أيار 2023

إن أي تحليل واقعي لحال الأمة العربية يقوم على وصف حقيقي وشامل يتبين فيه مواطن القوة والضعف في بنيان الدول العربية، وذلك لاستشراف مستقبل العالم العربي وإمكانات توفير حياة أفضل للإنسان العربي وبناء دول مستقرة تحقق الرخاء والعيش الكريم لمواطنيها. وذلك لا يتم إلا بإيجاد حلول حقيقية لأزمات الدول العربية والتي لا يمكن لأي دولة أن تحققه لوحدها، ويفرض على دول الإقليم العمل معًا على بناء كيان عربي متكامل ومتماسك ومتطور على غرار أقاليم أخرى في العالم كالاتحاد الأوروبي أو منظمة آسيان.

 لقد مر العالم العربي بمجموعة من الأزمات خلال العقد الماضي كادت تهوي ببعض الدول إلى مستوى الدول الفاشلة...  فماهي هذه الأزمات؟ وماهي إمكانات الحلول؟ وماهي إمكانيات التعاون الإقليمي في توفير حلول حقيقية مفيدة للجميع؟ وللإجابة على هذه الأسئلة: هنالك ثلاث أزمات رئيسية متشابكة ومتداخلة تمر بها العديد من الدول العربية وهي: التكامل الوطني والاستقرار السياسي والبناء الاقتصادي.

 

أولى هذه الأزمات هي التكامل الوطني، فبعض الدول تعرضت لإمكانات التفكك إلى أقاليم متعددة. ففي سوريا والعراق وليبيا واليمن هناك جماعات إقليمية تنازع الدولة في سيطرتها على أجزاء من الإقليم الجغرافي للدولة. فبعد عقد من الصراع الداخلي أصبح هناك مناطق في شمال سوريا خارج سيطرة الدولة المركزية، وبالتالي لا يحصل السكان هناك على خدمات الدولة التعلمية والصحية والبلدية. ولا يعمل السكان لدى الدولة ولا يدفعون الضراب فبالتالي علاقتهم بالدولة المركزية ضعفت إلى أبعد حد، مما سيعقد عملية استعادة سلطة الحكومة في تلك الأقاليم. كذلك الأمر بالنسبة لليبيا. فليبيا أصلًا مكونة من ثلاثة أقاليم (طرابلس، وفزان، وبرقة) تم توحيدها تحت حكم المستعمر الإيطالي. هذه الوحدة تم تعزيزها بحرب الاستقلال، ومع ارتفاع أسعار النفط استطاع الليبيون تكوين حياة مزدهرة قامت على التجارة الخارجية مع أوروبا نسوا خلالها الاختلافات بين الأقاليم وتم تكوين وحدة وطنية عاشت في ظل الحكم الملكي، ثم تحت حكم العقيد معر القذافي. خلال العقد الماضي عادت الخلافات إلى الواجهة وتمزقت الدولة إلى قوى متناحرة ومقسمة إقليمياً وأيديولوجياً. مع أن هناك حكومة مركزية في طرابلس إلا أن سيطرة هذه الحكومة لا تبتعد كثيرًا عن العاصمة. وكذلك الأمر في كل من اليمن والعراق حيث أن الصرعات الطائفية منعت الدولة من صناعة البرامج التنموية التي تتغلغل في كافة أرجاء الدولة، بل جعلت الدولة رهينة للقوى المتصارعة وتعمل حسب رغبات الأقوى والمسيطر.

أما في السودان فقد انهارت الدولة المركزية وأصبح هناك صراعًا على السلطة راح ضحيته المئات من القتلى والآلاف من الجرحى من المواطنين. كما عانت الخدمات التي كانت ضعيفة أصلًا كالخدمات الطبية وتوفير الغذاء والسكن. في ظل ضعف السلطة المركزية قد يمتد الصراع لفترة طويلة. والأسوأ أن يتم تقسيم السودان مرة أخرى إذا استطاعت القوى المتصارعة أن تسيطر على أجزاء من الدولة دون غيرها كأن تسيطر القوى المتمردة على إقليم دارفور ومن ثم اقتسام البلاد دون أي تفكير في مستقبل الدولة ككل.

إن هذا الحال يشكل أزمة كبرى للعديد من الدول فضعف الدولة المركزية لا يوثر على الدولة فقط وإنما يؤثر سلبيًا على دول الجوار فقد عانت الدول العربية المستقرة من انفلات القوى المناهضة للدولة والتي لا تحكمها قوانين أو أنظمة ففي سوريا، انتعشت تجارة المخدرات التي وجدت طريقها إلى الدول المجاورة كالأردن. كذلك الأمر في اليمن، عدم وجود سلطة مركزية بكامل سلطتها على كافة أقاليمها سيجعل دول الجوار مثل سلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية يشعرون بحالة من عدم الأمن.

أما الأزمة الثانية التي تعاني منها أعداد من الدول العربية فهي عدم الاستقرار السياسي. يقصد بعدم الاستقرار السياسي كما يعرفها مفكرو العلوم السياسية بأنها حالة" من العنف الموجه ضد النظام السياسي وذلك عندما تلجأ بعض الجماعات التي استخدمت العنف السياسي بدلًا من الأساليب الدستورية في حل الصرعات الاجتماعية". في العالم العربي أصبحت هذه الظاهرة شائعة خلال العقد الماضي. فقد بين مؤشر للاستقرار السياسي العالمي أن من بين 194دولة جاءت 6 دول عربية في ذيل القائمة (الصومال 194، سوريا 193، اليمن 192، العراق 190، السودان 184، ولبنان 175 (The Global Economy.Com) وذلك خلال الفترة من 1996-2021م. إن حالات عدم الاستقرار ليست جديدة على العديد من الدول العربية فقد عانت العديد منها من الانقلابات العسكرية وضعف السلطة المركزية، ولكن معظمها استطاع خلال عقد الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي بناء سلطة مركزية قوية مؤسسية فاعلة. خلال العقد الماضي، ونتيجة للربيع العربي وضعف التنسيق بين الدول العربية عادت الأزمة وأصبحت أكثر تعقيدًا ومتشابكة مع أزمات أخرى. ويبدو أن القادم لن يكون أفضل إلا إذا حصلت تغييرات جذرية في بنية السياسات الاجتماعية والاقتصادية في الكثير من الدول العربية. فحالات عدم الاستقرار وحسب معظم التقارير الدولية والإقليمية التي تعنى بمؤشرات الاستقرار السياسي تضع مجموعة من الدول العربية كالصومال، والسودان، ولبنان، وليبيا وإلى درجة أفضل كل من تونس والعراق ضمن أكثر دول العالم هشاشة وأكثرها عرضة لحالات عدم الاستقرار أو حتى العنف المجتمعي. كما أن الأوضاع الاقتصادية لن تسمح باتخاذ سياسات خدمية تخفف من الأوضاع القائمة في هذه الدول.

 

الأزمة الثالثة التي تعاني منها الدول العربية هي الوضع الاقتصادي. لقد أدت جائحة كورونا إلى تباطؤ شديد من الاقتصادات العربية خلال السنوات القليلة الماضية 2020/2021/2022م، وفاقم هذا الوضع أن السعي إلى التعافي فيما بعد الجائحة جاء مخيباً للآمال فحسب إحصائيات الأمم المتحدة فقد سجل العالم العربي أعلى نسبة بطالة في كل أقاليم العالم (12%) مع تحسن ضعيف متوقع في العام الحالي ليصل إلى (11.07)كما يعيش 130مليون عربيًا تحت خط الفقر حسب نفس التقرير، مع توقعات بزيادة نسبة الفقر لتصل إلى 36% من السكان في 2024م. ومع أن توقعات النمو الاقتصادي خلال العام الحالي ستكون إيجابية حيث ستصل نسبة معدل النمو إلى 3.4%، إلا أن هذا النمو غير متساو فبعض الدول العربية (دول مجلس التعاون الخليجي) شهدت نموًا واسعاً في اقتصاداتها، ودول أخرى ستعاني من ارتفاع الطاقة والغذاء.

بالإضافة للبطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي، تعاني العديد من الدول العربية من ثقل المديونية الخارجية. فدول كمصر والسودان ولبنان والبحرين بلغت فيها نسبة الديون أكثر من 90% من ناتجها المحلي الإجمالي. مع أن هذه الديون كان لها دور هام في برامج التحول الاقتصادي للدول العربية إلى الخصخصة وتحرير أسعار الصرف وتحرير التجارة الخارجية وتميل برامج التنمية والخدمات، إلا أنها أصبحت تشكل عائقًا أمام التنمية والتطوير. كما أن جائحة كورونا وتبعاتها من إغلاق للمرافق الاقتصادية والإنتاج ساهمت إلى حد كبير في تخفيض مقدرة الدول على السداد. لقد ارتفع العجز الكلي في الموازنات العربية من 3.3% عام 2019م، إلى 10.8 عام 2020م، حسب تقارير البنك الدولي. وقد بين هذا التقرير أن المستقبل سيكون مزيدًا من معاناة الديون وازدياد العجز في الموازنات، فأظهر التقرير أن دولًا كمصر وتونس والمغرب ستعاني بشدة من وطأة الدين الخارجي. فهذه الدول بشكل عام لا تمتلك ناتجًا محليًا قويًا يمكنها من سداد الدين الخارجي وفي نفس الوقت تقديم خدمات معقولة لشعوبها.

إن الأزمة الاقتصادية تشكل وبلا أدنى شك تحديًا كبيرًا أمام مقدرة الدول العربية في بناء مستقبل واعد لشعوبها وفي تحقيق عمل عربي مشترك يقوم على التكامل الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع أسعار خدمة الديون الخارجية التي ستثقل كاهل موازنات العديد من الدول العربية والمثقلة أصلًا بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.

إن هذه الأزمات الثلاث متداخلة ومتشابكة لا يمكن حل واحدة وترك الأخرى. كما أن مقدرات الدول التي تعاني من هذه الأزمات محدودة ولا تستطيع حتى الحد من خطورتها على بقائها واستقرارها. كما أن لهذه الأزمات خاصية الانتشار الإقليمي مما سيؤثر سلبًا على دول مجاورة. لذلك تصبح الأزمات هذه مشكلة إقليمية بحاجة إلى تضافر كل الجهود ومن جميع دول العالم العربي لتوفير الحلول المناسبة والناجعة ليس فقط في حل هذه الأزمات، وإنما منعًا من التكرار كما حصل في عقود سابقة.

إن المملكة العربية السعودية كرئيس للقمة العربية الحالية والدولة الناجحة والأولى على مستوى الإقليم العربي بشكل عام وفي قيادة مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص قادرة على أن تقود جهودًا إقليمية ودولية تخرج فيها المنطقة العربية من أزماتها الكبرى وتعمل على صيانة وحدة أراضي كل دولة عربية وتحفظ سيادتها وسلطتها على كامل إقليمها وتفتح الباب لدول العالم العربي للمساهمة في البناء الحضاري العالمي. فمن خلال رئاستها للقمة العربية ومكانتها المرموقة عربيًا وعالميًا، تستطيع المملكة البدء بعملية إقناع لكافة الدول العربية بعدم الاعتراف بأي سلطة داخل أي دولة عدا السلطة المركزية. وأن توقع الدول العربية كافة على مستوى الحكومات على ميثاق شرف تلتزم فيه جميعًا بعدم منح أي تأييد مادي أو معنوي لأي جهة خارج إطار الدولة، وعدم قبول أي انفصال من أي مجموعة كانت، وتحت أي مسمى كان عرقيًا أو طائفيًا أو أيديولوجيًا. بالمقابل، على الدول التي تشهد محاولات انفصالية أن تجري محادثات جادة مع الجهات الانفصالية تنتهي إلى عفو عام وضم تلك الجهات ضمن إطار الدولة المركزية.

 إن من المؤكد أن الوصول إلى نتائج إيجابية في هذا المجال سيتطلب جهودًا جبارة للوصول إلى الحل المنشود. ولكن بمكانة المملكة ومن خلال توحيد جهود دول مجلس التعاون الخليجي أولًا ثم باقي الدول العربية ثانيًا فإن النجاح ممكن. الخطوة التالية ستكون نقل هذا الجهد إلى المستوى العالمي بحيث تمتنع الحكومات مستقبلًا من تشجيع الانفصال وتمزيق الدول.

أما في موضوع الاستقرار السياسي فالجهد يجب أن ينصب بالدرجة الأولى على الدولة وفئاتها المتصارعة. فعلى الدول التي تعاني من حالات عدم الاستقرار أن تبدأ بتوسيع آفاقها بحيث تفسح المجال للقوى المعارضة بالمشاركة الإيجابية في عملية بناء أوطانها. فمن غير المعقول أن يُطلب من المملكة العربية السعودية بشكل خاص ومن دول مجلس التعاون بشكل عام بذل جهود مصالحة وطنية بين عناصر لا ترغب بتلك المصالحة. ولعل أزمة السودان خير مثال، حيث بذلت المملكة الكثير من الجهد وصرفت الكثير من الموارد من أجل لم شمل الأطراف هناك، ولكن لا تزال المشكلة قائمة. لذلك، فإن أي جهد لبناء استقرار سياسي في أي دولة عربية، يجب أن يبدأ بإقناع الأطراف بأن المجال السياسي يتسع للجميع وأن اللعبة الصفرية مدمرة للجميع. لذلك، على الجهات المعارضة أن تقتنع بأنها ليست بديلًا للجهة الحاكمة وإنما شريك لها. وكذلك على الجهة الحاكمة أن تقتنع بأن القوى السياسية الأخرى ليست العدو وإنما شريك بوجهة نظر مختلفة. عند اقتناع الجميع بالعمل معًا ضمن إطار وطني موحد للدولة وأن اختلاف الآراء رحمة وإثراءً للعمل السياسي الوطني طالما يعمل الجميع لخدمة أوطانهم فقط. بالتالي، فإن بناء الاستقرار السياسي، وإذا أرادت المملكة العربية السعودية قيادته فيبدأ كما تفعل المملكة دوما بجمع القوى السياسية المختلفة وطرح السبل الكفيلة بالمشاركة الفاعلة من قبل الجميع. هذه المشاركة يجب أن تكون كليًا سلمية. أي أن تبدأ الأطراف بنبذ العنف بشكل كامل والعمل على أساس بناء الثقة والرغبة الجماعية بتحقيق الاستقرار السياسي كمطلب جماعي من أجل تحسين ظروف العيش لكافة المواطنين. ومن خلال مكانتها الإقليمية والدولية، تستطيع المملكة، وبالاشتراك مع دول أخرى كدول مجلس التعاون الخليجي، أن تلعب دور الوسيط الفعال والمحايد. أي الوسيط الذي يقدم مقترحات حلول للأطراف ومساعدتهم للخروج من شرنقة التفكير الأحادي إلى المجال الرحب من الثقة المتبادلة التي تؤدي إلى استقرار شامل تسعى فيه كافة الأطراف إلى النهوض بالوطن. وللتخلص من المؤثرات الخارجية، بالإمكان التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يفرض عقوبات على أي دولة تعبث باستقرار الدول الأخرى.

أما الأزمة الاقتصادية فهي الأصعب والتي لا يمكن للدولة التي تعاني من هذه الأزمة أن تديرها لوحدها. لذلك فهي بحاجة إلى المساعدة الخارجية. إن المملكة العربية السعودية وبالاشتراك مع دول مجلس التعاون الخليجي لها المقدرة في المساهمة في إيجاد حل فعال وطويل الأمد لهذه الأزمة. إن الأزمة الاقتصادية هي المكون الرئيسي للأزمات الأخرى وإيجاد حل لها سيساهم إلى حد كبير في حلحلة الأزمات الأخرى وسيسمح للمنطقة العربية باللحاق بأقاليم العالم الأكثر تطورًا وتقدمًا واستقرارًا.

إن الأزمة الاقتصادية ذات أبعاد عالمية وإقليمية، لذلك يجب أن يكون الحل ضمن إطار إقليمي وعالمي، والجهد الذي قد تبذله المملكة بالإضافة إلى دول مجلس التعاون يجب أن ينصب على المجالين الإقليمي والدولي وليس مساعدة دول بعينها. يبدأ العمل بحملة عالمية مكثفة تجاه مؤسسات الإقراض الدولية لإقناعها بالعمل على عفو جزئي أو كلي عن المديونية للدول التي اضطرت للاقتراض أثناء أزمة كورونا، حيث أن هذه الدول لم تستطع خلال فترة الجائحة بناء اقتصاد منتج تستطيع من خلاله السداد. فكان هنالك فترات مطولة من الإغلاق الجزئي أو الكلي ولفترة طويلة. لذلك فإن تراكم الدين سيؤدي إلى المزيد من الفقر والبطالة وعدم الاستقرار. إن الإعفاء من الديون الخارجية ليس بالظاهرة الجديدة في العلاقات الاقتصادية الدولية. فقد سبق لصندوق النقد والبنك الدوليين أن قدما في العام 1996م، مبادرة الإعفاء للدول الفقيرة المثقلة بالديون والتي هدفت إلى التأكد من أن الدول الأكثر فقرًا لا تواجه أزمة ديون لا قبل لهم بإدارتها. ومن ثم تم تطوير تلك المبادرة في العام 2005م، بحيث منحت عدة جهات من مؤسسات الإقراض الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين وصندوق التنمية الإفريقي إعفاء بنسبة 100% للدول الفقيرة وذلك للمساعدة في تسريع مقدرة الدول في الوصول إلى هدف الأمم المتحدة بالتنمية المستدامة. وفي العام 2007م، قدم بنك الأمريكيتين للتنمية إعفاءات للدول الفقيرة في أمريكا اللاتينية والوسطى. وإذا تعذرت الإعفاءات فمن الممكن السماح للدول بشراء ديونها بخصومات معقولة. ولهذه الطريقة أيضًا سابقة. ففي عام 1989م، وافق مجلسا إدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية على إنشاء صندوق تسهيل خفض الديون للبلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية فقط، والذي قدم تمويلًا على شكل منح للحكومات المؤهلة لإعادة شراء الديون المستحقة للدائنين التجاريين الخارجيين بخصم كبير. ومنذ إنشائه، استفادت منه 22 دولة من البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية فقط، مما أدى إلى إطفاء حوالي 10.3 مليار دولار من أصل الدين التجاري الخارجي وأكثر من 3.5 مليار دولار من متأخرات الفوائد والغرامات المرتبطة بها.

فبالتالي هناك سوابق وإمكانات. ولكن، هذا الإعفاء أو التخفيض ليس مجانيًا. فعلى الدول المستفيدة أن تقدم سياسات وبرامج حقيقية لمكافحة الفقر والبطالة. فالهدف من الإعفاء من الديون عادة هو تأهيل الدول للخروج من حالة الحاجة إلى الاستدانة وبناء اقتصاداتها على نحو مفيد لمواطنيها. لذلك سيترتب على الدول التي قد يتم إعفاؤها من الديون الخارجية أن تقدم برامج تنموية توافق عليها إدارات الصناديق الدولية. وهذه معادلة عادلة.

بالإضافة إلى الإعفاء من الديون، ومن خلال مقدراتها الاقتصادية وبالاشتراك والتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي، تستطيع المملكة أن تقود حملة استثمارية تؤدي إلى إعادة إعمار الدول التي عانت من حالات الصراعات وعدم الاستقرار الداخلي. فعلى غرار خطة مارشال التي قامت فيها الولايات المتحدة بإعادة إعمار أوروبا بعيد الحرب العالمية الثانية. فمن خلال هذه الخطة استطاعت الولايات المتحدة أن تبني قارة من الاستقرار الدائم والتقدم المضطرد والحلفاء الدائمون. كما نتج عن الخطة أسواق ضخمة وحيوية قادرة على استيعاب الكثير من المنتجات والاستثمارات الأمريكية. لقد قامت خطة مارشال لتحقيق هدفين: منع التمدد الشيوعي في أوروبا وبناء نظام دولي مستقر يقبل بالاستقرار السياسي واقتصاد السوق الحرة. وهذا ما يمكن تحقيقه من خطة إعمار في العالم العربي: منع تمدد الأيديولوجيات الهادمة للاستقرار كداعش وغيرها، بالإضافة إلى تكوين اقتصادات جاذبة للاستثمارات وسوق مستقر لتبادل السلع والخدمات بين جميع الدول العربية. هكذا خطة وهكذا جهود ستؤدي حتمًا بناء نظام إقليمي عربي مستقر إلى خلق فرص للمواطن العربي للعيش بكرامة ورفاه في وطنه. كما ستوفر هذه الخطة فرصًا استثمارية ناجحة في سوق عدد سكانه أكثر من 423 مليون نسمة ويتزايدون بنسبة 2.9% سنويًا ويعيشون على مساحة 13,487,814 كم مربع. هذه المساحة متعددة التضاريس، ففيها السواحل والصحاري والجبال والأراضي الزراعية والمدن الكبرى القادرة على توفير قاعدة صناعية ناجحة وأرياف قادرة على توفير الغذاء بدلًا من استيراده بأعلى الأثمان.

إن نجاح المملكة العربية السعودية في مجابهة هذه التحديات والأزمات على مستوى إقليم العالم العربي سيجعل منها مركزًا لصناعة الاستراتيجيات المستقبلية الواعدة على المستويين الإقليمي والدولي. كما أن المملكة في برنامجها التنموي 2030 والذي تسعى فيه لأن تكون مركزًا للاستثمار والسياحة العالمية، فمن الضروري أن تتأكد من وجود محيط إقليمي مستقر ومتكامل. وهناك فرصة سانحة للنجاح، فالعالم يمر بفترة من التحولات في النظام الدولي من نظام أحادي القطبية إلى نظام آخر لم تتضح ملامحه بعد. ولكن الفترة الانتقالية هي التي تضمن وجود مؤيدين ومعارضين. التحدي هو بزيادة أعداد الدول المؤيدة لبناء عالم عربي مستقر وناجح والإقلال من الرافضين. كما أن توجهات المملكة نحو تصفير المشاكل وبناء علاقات إيجابية مع كل دول الجوار وإدارتها الشمولية لأعمال القمة العربية تصب كلها في إنجاح الجهود الرامية إلى بناء عالم عربي متطور ومستقر ويبتعد عن الأزمات.

مقالات لنفس الكاتب