array(1) { [0]=> object(stdClass)#13184 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 186

حل الأزمة اليمنية باتفاق إطاري ومؤسسة حكم مشتركة لفترة انتقالية

الإثنين، 29 أيار 2023

تتزايد فرص السلام في الجمهورية اليمنية في الأشهر الأخيرة مع تزايد إيقاع وزخم جهود الوساطة، والتي أدت إلى تغيير في نطاق وعمق المناقشات، في ظل تبلور ظروف جيوسياسية إقليمية ودولية جديدة داعمة ومعززة لمسار بناء الثقة بين الأطراف اليمنية. ويظهر أن اليمن حاليًا أمام أفضل فرصة للسلام منذ بدء الحرب، وتبدي الصورة العامة في اليمن أن الوضع يتجه نحو نهاية الحرب.

تحميل    ملف الدراسة

ولكن مع النجاح في إيجاد حلول لبعض عناصر الأزمة اليمنية، تبرز تحديات أخرى تحتاج إلى إبداع في جهود الوساطة للوصول إلى سلام دائم وشامل وليس حلول جزئية ومؤقتة، فضلاً عن إيجاد بدائل لتحفيز القوى السياسية اليمنية على مزيد من الانخراط الإيجابي لتحويل التهدئة الحالية النسبية والمستمرة منذ أبريل 2022 إلى سلام شامل في اليمن.

ويدرك المتابع المدقق الدور الذي لعبته -ولا تزال-جامعة الدول العربية كمنظمة دولية إقليمية في بلورة الموقف السياسي العربي الموحد من الأزمة اليمنية، فضلاً عن ميزة المتابعة والتحديث الدوري للموقف السياسي العربي الموحد من الأزمة اليمنية كل 6 أشهر ليواكب التطورات مما يعكس اهتمامًا خاصًا لجامعة الدول العربية بالأزمة اليمنية؛ فاليمن من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية في مارس 1945.

وعلى خلاف بعض التقديرات الخاطئة، يتعزز الوزن السياسي لجامعة الدول العربية في السنوات الأخيرة خصوصًا في ظل الأزمات الدولية والإقليمية المتلاحقة. وتتمتع جامعة الدول العربية بشرعية وتأثير كبيرين تدرك قيمتهما جيدًا الدول التي تمر بأزمات خانقة وتحتاج إلى دعم سياسي. ونلمس اهتمامًا دوليًا كبيرًا بقرارات جامعة الدول العربية ومواقفها بشكل عام. نذكر أنه في بعض الحالات، يستغرق تغيير أو إضافة كلمة واحدة فقط في قرار من قرارات جامعة الدول العربية نقاشات تمتد لساعات بين الدول الأعضاء مما يعكس القوة السياسية لقرارات جامعة الدول العربية فضلًا عن القيمة القانونية للقرارات.

ويعد الموقف العربي الموحد من الأزمة اليمنية مكسبًا سياسيًا مهمًا يدعم جهود تسوية الأزمة اليمنية؛ فقد ساهم في بلورة الموقف الموحد للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي من الأزمة اليمنية والذي يتجسد في قراراته. وهو أمر إيجابي لا نجده في بعض الأزمات الدولية المعروفة التي تحولت إلى أزمات مستعصية مزمنة و"قنبلة موقوتة".

ووفقًا لقرار القادة العرب في قمة جامعة الدول العربية في الجزائر في نوفمبر 2022، تتشكل عناصر الموقف العربي الموحد من الأزمة اليمنية من؛ أولًا: اليمن وحدة لا تتجزأ، ثانيًا: الأزمة اليمنية تحل سياسيًا وفق المرجعيات المعتمدة وبما يضمن أمن اليمن واستقراره وسيادته وسلامة شعبه وأمن دول الخليج العربي، ثالثًا: تجديد الهدنة الإنسانية خطوة أساسية ضرورية نحو التوصل لحل سياسي شامل للأزمة، رابعًا: استمرار دعم الحكومة الشرعية اليمنية وجهودها لتحقيق الاستقرار، والحفاظ على وحدة اليمن. خامسًا: تكثيف الانخراط العربي في تسوية المشكلات والأزمات العربية بما في ذلك الأزمة اليمنية وفقًا لمبدأ مشاكل عربية-حلول عربية.

وطرأت تغيرات مهمة على الموقف العربي الموحد بشأن الأزمة اليمنية في قمة جامعة الدول العربية في جدة بالمملكة العربية السعودية بتاريخ 19 مايو 2023م، في اتجاه دعم جهود السلام في اليمن وتعزيز الثقة أكثر فأكثر بين الأطراف؛ فمقارنة بالموقف العربي السابق، تم إلغاء كلمة "إرهابية" في القرار الجديد المعني بالتطورات في الجمهورية اليمنية عند الإشارة إلى الطرف الحوثي. وتم إلغاء عبارة "دعوة الدول إلى تصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية" في القرار الجديد. كما تم إلغاء فقرة كاملة متعلقة بدعم إيران للطرف الحوثي.

وكذلك مقارنة بإعلان الجزائر الصادر عن قمة الجامعة العربية لسنة 2022م، وردت تغييرات مهمة في إعلان جدة الصادر عن القمة العربية بتاريخ 19 مايو 2023م، بشأن الأزمة اليمنية تعكس توجهًا عربيًا نحو السلام ودعم كل ما يضمن أمن واستقرار الجمهورية اليمنية؛ سواء تعلق بالجهود الأممية والإقليمية أو جهود مجلس القيادة الرئاسي نحو السلام بما يكفل إنهاء الأزمة اليمنية.  

وتبذل المملكة العربية السعودية كعضو مؤسس لجامعة الدول العربية وكقوة اقتصادية وسياسية بازغة جهدًا معتبرًا من أجل تخفيف التأثير السلبي للعامل الخارجي على مسار السلام في اليمن؛ إذ يشكل اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران في 10 مارس 2023 بوساطة جمهورية الصين الشعبية حدثًا إيجابيًا مهمًا أرسى مرحلة جديدة من جهود السلام في اليمن فضلًا عن الأثر الإيجابي لاستئناف العلاقات السعودية- السورية على فرص إحلال السلام في اليمن من خلال التأثير على الأطراف اليمنية وتطويع مواقفها لصالح السلام.

وتبذل الدول العربية خصوصًا السعودية جهودًا كبيرة لرفع المعاناة عن الشعب اليمني؛ إذ يتجاوز إجمالي مساعدات السعودية لليمن 21 مليار دولار أمريكي. وأشاد القادة العرب بهذا الجهد السعودي في القمة العربية بجدة.

كما تلقي جهود الوساطة التي تبذلها سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية لإرساء السلام في اليمن دعمًا سياسيًا كبيرًا من جامعة الدول العربية ومن الأمين العام للمنظمة من خلال ما يرد في القرارات ومن خلال البيانات الصحفية الداعمة فضلًا عن إدراج ملف الأزمة اليمنية في أغلب اللقاءات رفيعة المستوى في المحافل الدولية...؛ نذكر على سبيل المثال لا الحصر الإشادة الواردة في البيان الصادر بتاريخ 17 أبريل 2023 بعد نجاح عملية تبادل الأسرى بين الأطراف اليمنية "...ونقل جمال رشدي المتحدث الرسمي باسم الأمين العام عن أبو الغيط إشادته بالجهود السعودية المتواصلة من أجل تهيئة الأجواء لتسوية سياسية في اليمن...".

واستقبلت مصر والسعودية وغيرهما من الدول العربية الملايين من اللاجئين اليمنيين الذين فروا من ويلات الحرب، ويتم معاملتهم مثل معاملة المواطنين رغم التكلفة الاقتصادية الباهظة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

ونجحت الجهود العربية في تصويت مجلس الأمن الدولي على القرار رقم 2675 لسنة 2023 بالإجماع مقارنة بالقرار رقم 2624 لسنة 2022 الذي امتنعت 4 دول عن التصويت عليه (النرويج، المكسيك، البرازيل وأيرلندا) مما يعكس نجاحًا في تحقيق هدف تعزيز وحدة مجلس الأمن الدولي بشأن الوضع في اليمن. وهو مؤشر إيجابي بالنظر إلى تجارب عدد من الأزمات الدولية التي تحولت إلى أزمات دائمة مستمرة بسبب صراع القوى الكبرى في مجلس الأمن خصوصًا تلك التي تتمتع بحق النقض "الفيتو" وبسبب الحسابات السياسية الداخلية لبعض الدول الكبرى؛ فالموقف الموحد لأعضاء مجلس الأمن خصوصًا الدول التي تتمتع بحق النقض عامل أساسي يساعد على إيجاد مخارج للأزمة اليمنية.

فضلًا عن ذلك، نجحت الجهود العربية في إصدار قرار مجلس الأمن بشأن تمديد العقوبات على بعض الشخصيات الحوثية وغيرها بصيغة تحافظ على التهدئة النسبية المستمرة منذ أبريل 2022 ولا تؤثر على المسار الإيجابي للمحادثات الجارية؛ فلأول مرة، يسري القرار الجديد بشأن تمديد العقوبات لمدة 9 أشهر فقط وليس 12 شهرًا كما في القرار السابق وهي رسائل واضحة لتشجيع الطرف الحوثي على الانخراط الإيجابي في تسوية الأزمة اليمنية.

وبتاريخ 23 مارس 2023، رحبت جامعة الدول العربية باتفاق تبادل الأسرى؛ واعتبر المتحدث باسم الأمين العام للجامعة "شهر رمضان المبارك يُمثل مناسبة لإعلاء قيم التسامح والسلام، مُتمنياً الإقدام على مبادرات لإطلاق سراح المزيد من الأسرى...". وقد يكون إفراج تحالف الداعم للشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية بتاريخ 17 أبريل 2023 بشكل أحادي ودون تبادل عن أكثر من 100 من الأسرى الحوثيين استجابة لنداء جامعة الدول العربية. وهي مبادرة إنسانية مهمة تهدف إلى بناء الثقة ودفع محادثات السلام.

وعزز نجاح عملية تبادل الأسرى والمحتجزين في مايو 2023 مسار بناء الثقة بين الأطراف مما يظهر أن المفاوضات بين الأطراف اليمنية بإمكانها تحقيق نتائج. ومن المرجح استمرار إحراز نجاحات في ملف الأسرى والمحتجزين في الفترة القادمة وفقًا لمنطق "الكل مقابل الكل" و"تصفير السجون". وستعزز الزيارات المتبادلة للأسرى والمحتجزين الثقة بين الطرفين.

وتتعاون جامعة الدول العربية مع منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأطراف دولية أخرى بشأن الأزمة اليمنية بشكل منتظم وفي عدة ملفات منها تبادل تقييم الوضع السياسي في اليمن وفرص السلام بشكل دوري، تنسيق جهود إنقاذ ناقلة النفط صافر في البحر الأحمر لتجنب مخاطر تسرب النفط على البيئة البحرية، دعم جهود المساعدات الإنسانية في اليمن وحماية المواطنين من القنابل المضادة للأفراد، دعم جهود التنمية في اليمن. وهنا، نشير إلى قرار مجلس جامعة الدول العربية الصادر في سبتمبر 2022 والذي ينص على تكليف الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بإعداد مؤتمر لدعم التنمية في اليمن خلال عام 2023.    

وتساهم المساعدات الإنسانية والتنموية في اليمن إيجابًا على جهود الوساطة لإيجاد مخارج سلمية للأزمة اليمنية. مثل جهود مركز الملك سلمان للإغاثة والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن وباقي المساهمات الأخرى للدول الخليجية والعربية والأطراف الدولية. كما تبذل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جهودًا معتبرة لتخفيف معاناة الشعب اليمني من خلال إطلاق مشاريع تنموية عدة في مختلف المجالات فضلًا عن حماية القدرة الشرائية للمواطن اليمني من خلال منع انهيار العملة اليمنية بتحويل ودائع دولارية دوريًا إلى البنك المركزي اليمني.

ومن المؤشرات الإيجابية الأخرى، استمرار تنفيذ العديد من جوانب اتفاق الهدنة الإنسانية بعد انقضاء مدتها في 2 أكتوبر 2022م، ويشهد اليمن أطول فترة هدوء نسبي حتى الآن منذ بدء الحرب. وانخفض مستوى العنف السياسي في اليمن في أبريل 2023م، إلى أدنى مستوى له منذ بدء الحرب حسب تقرير أممي.

وقدم تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية تسهيلات إضافية في شهر فبراير 2023م، بعد أن خفف من إجراءات التفتيش على السفن الواصلة إلى ميناء الحديدة إلى أدنى المستويات مما ساعد في انسياب الواردات من المواد الغذائية والوقود إلى ميناء الحديدة بهدف بناء الثقة وتعزيز فرص السلام في اليمن فضلًا عن توسيع المكاسب الاقتصادية والإنسانية للمدنيين.

ورغم أهمية العناصر السابقة، التقدير هو أن استمرار إصرار الدول العربية والسعودية بشكل خاص لطي ملف الأزمة اليمنية من خلال جهود الوساطة بين الأطراف اليمنية لإنهاء الأزمة وإرساء السلام هي عوامل أساسية من المرجح أنها ستسرع جلوس اليمنيين إلى طاولة المفاوضات المباشرة خلال الفترة القادمة رغم التحديات.

وتعد زيارة السفير السعودي لدى الجمهورية اليمنية إلى صنعاء ولقاء رئيس المجلس السياسي الأعلى الحوثي "مهدي المشاط" بتاريخ 10 أبريل 2023م، خطوة سعودية شجاعة إيجابية في إطار دبلوماسية العشر الأواخر من رمضان. ولقيت ترحيبًا دوليًا. وتأتي استمرارًا لجهود الرياض لإنهاء الأزمة اليمنية ودعمًا للمبادرة التي قدمتها السعودية في 2021م، فضلًا عن التصريحات السعودية الإيجابية مؤخرًا، والتي تعتبر "كافة الأطراف اليمنية جادة بشأن إنهاء القتال وإرساء السلام". وأشاد قرار جامعة الدول العربية بهذه الخطوة المهمة في قمة جدة بتاريخ 19 مايو 2023م.

مما سبق، تظهر الجهود الكبيرة لإحلال السلام في اليمن. وفي تقديرنا، من المهم الاستمرار والإصرار والإيمان بإمكانية إيجاد مخارج فعلية دائمة للأزمة اليمنية؛ فعملية السلام في اليمن صعبة نتيجة لتراكمات الحرب وما قبل الحرب كذلك.

لكن من المهم اتباع مقاربة جديدة ورؤية بعيدة المدى لأن مسار المحادثات التي تتم حاليًا توحي بأن الوضع يتجه إلى هدنة محفوفة بالمخاطر قد لا تتحول إلى سلام شامل في اليمن بل ربما العكس. ويجب إعمال الذكاء والمنطق لإقناع الأطراف اليمنية أن تعقيدات الحرب في اليمن أثبتت استحالة الحسم العسكري لطرف على حساب أطراف أخرى وأن استمرار الحرب بمثابة انتحار جماعي وأن مسار السلام يصب في مصلحة الجميع وفي مصلحة الشعب اليمني والمنطقة وأنه يمكن الاتفاق على ضمانات ألا يشكل مسار السلام خطرًا أو خسارة لأي طرف. وإذا كان كل طرف ينتظر الحلول المثالية للأزمة لصالحه على حساب باقي الأطراف، فإن ذلك لن يأتي أبدًا.

ويظهر أن التسوية السياسية في اليمن لا تحتمل مزيدًا من التأخير. وما هو متاح حاليًا قد لن يكون كذلك لاحقًا؛ فمخرجات الحوار الوطني الجنوبي مثلًا بتاريخ 8 مايو 2023م، بدأت تعقد المشهد السياسي اليمني أكثر، سواء في الجنوب أو على مستوى اليمن بشكل عام أو على مستوى الدول الإقليمية؛ في توقيت يعرف مسار المحادثات بشأن الأزمة اليمنية دينامية إيجابية مقارنة بالوضع السابق.

وفي تقديرنا، من المهم إعادة التفكير حول مخرج ملائم من الأزمة اليمنية وإيجاد صيغة ترضي الجميع. ويبذل المبعوث الأممي إلى اليمن جهودًا معتبرة، لكن قد يحتاج إلى دعم وعصف ذهني يعمل ومساعده بأفكار خلاقة وجديدة؛ فالأزمة اليمنية ليست ضمن فئة الأزمات الدولية التي يصفها البعض بـ "الأزمات المستحيلة الحل سياسيًا"، بل هي أزمة قابلة للحل إذا توفر إخلاص النخبة اليمنية للشعب والوطن؛ فاستمرارية المشهد السياسي اليمني الحالي لا تخدم أي طرف ولا تخدم الشعب اليمني ولا الأمة العربية. كما أن تحول الوضع الحالي المستقر نسبيًا إلى حرب استنزاف طويلة بين الأطراف لا يرغب فيه أي طرف.

ومن منظور الواقعية السياسية، يبدأ الخروج من الأزمة اليمنية في تقديرنا بنهج شامل يتجسد في اتفاق إطاري بين الطرفين الرئيسيين في الأزمة اليمنية يتضمن تحديدًا واضحًا لمسار الخروج من الأزمة بضمانة الدول التي تطلبها الأطراف اليمنية المعنية إن كانت ثمة حاجة للضمانات. ويحدد الاتفاق الإطاري المقترح المرحلة الانتقالية ومتطلباتها بما في ذلك خلق جسم مؤسسي جديد مشترك تحت مسمى "المجلس الأعلى للدولة" أو أي مسمى آخر يتشكل من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي وأعضاء ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" في صنعاء. ويمكن تصور رئاسة دورية للمجلس شهرًا بشهر مثلًا بين الطرفين. وللمجلس الأعلى للدولة صلاحية إنشاء مجلس وطني استشاري موسع يشمل مزيدًا من الأطياف اليمنية وشرائح المجتمع اليمني بما فيه الشباب والنساء وكل القوى السياسية الفاعلة. وهنا نختلف مع رؤية المبعوث الأممي إلى اليمن بشأن ما يعتبره "ضمان عدم تحديد أجندة المفاوضات من قبل الأطراف المتحاربة فقط"، فكلما زاد عدد الأطراف كلما تعقدت المفاوضات أكثر، والمثالية الزائدة تعقد الوضع.

ومن المنظور القانوني، يتوافق نص المادة 8 من الإعلان الرئاسي اليمني الصادر بتاريخ 7 أبريل 2022م، بشأن نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي مع مقترح إنشاء "المجلس الأعلى للدولة" لقيادة المرحلة الانتقالية إذ تنص على: "تنتهي ولاية مجلس القيادة الرئاسي وفقاً للحل السياسي الشامل وإقرار السلام الكامل في كافة أنحاء الجمهورية والذي يتضمن تحديد المرحلة الانتقالية ومتطلباتها، أو عند إجراء الانتخابات العامة وفقاً للدستور الجديد وتنصيب رئيس الجمهورية الجديد".

ويلبي هذا المقترح تطلعات كل الأطراف اليمنية، كما لا يتعارض مع الرؤية الإقليمية والعربية لتسوية الأزمة اليمنية. ومن المرجح أن يخرج النخبة اليمنية من الحلقة المفرغة من النقاش الذي لا ينتهي حول من انقلب على من؟، ومن يقتل من؟ من الشرعي ومن غير الشرعي، هل هو انقلاب أم ثورة؟

ولتحفيز الطرف الحوثي الذي له مطالب محددة من قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية لقبول هذا المسار، يمكن تقديم ضمانات مسبقة كافية ومنصوص عليها في الاتفاق الإطاري المقترح تفيد بأن المطالب التي يشترطها حاليًا سيتم تنفيذها في إطار المجلس الأعلى للدولة اليمني. وأنه وبشكل استثنائي، سيوافق المجلس الأعلى للدولة على المطالب المحددة للطرف الحوثي عندما يتقدم بها مطلبًا، مطلبًا أو كرزمة مطالب. وأنه يتعين على المجلس الأعلى للدولة توقيع اتفاقيات باسم الجمهورية اليمنية مع الأطراف الدولية المعنية لتجسيد المطالب الحوثية المتفق عليها مسبقًا (مثل مسألة إبقاء قوات التحالف في اليمن أو خروجها، مرافقة إعمار اليمن...). وكل ذلك سيتم في إطار شرعي قانوني سلس بعيدًا عن التعقيدات.

وفي حال النجاح في تجسيد مؤسسة الحكم الانتقالية التوافقية والتشاركية في اليمن "المجلس الأعلى للدولة" وبدء نشاطه بنجاح، قد يجد أنصار استمرار وحدة اليمن مصلحة في عدم الاستعجال في طلب خروج قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية من اليمن باعتبار أن استمرار وحدة اليمن واستقراره مسألة حيوية واستراتيجية في غاية الأهمية للمملكة العربية السعودية أيضًا وبقاء قوات التحالف في اليمن يشكل ضامنًا لاستمرار وحدة واستقرار اليمن. والمفارقة هي أنه قد يكون من مصلحة الطرف الحوثي اشتراط استمرار بقاء قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن إلى حين استقرار الوضع بشكل كامل وانتعاش الاقتصاد، لأن ذلك سيعني استمرار ممارسة الرياض التأثير على باقي الأطراف اليمنية وغير اليمنية لضمان إنجاح مرحلة الحكم الانتقالي وإنجاح تجربة المجلس الأعلى للدولة وتجنب مخاطر انهيار الوضع في اليمن إلى حرب أهلية. والتقدير أنه ينبغي على الأطراف اليمنية التي تدعو إلى خروج قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية بسرعة من اليمن بمبرر أن اليمنيين قادرون على تسوية مشاكلهم بأنفسهم ولن تقع حرب أهلية في اليمن بعد خروج قوات التحالف مراجعة الموقف والتفكير بواقعية. 

لذلك من الفطنة السياسية في تقديرنا أن تتفاعل الأطراف اليمنية مع هذا المقترح بشأن الاتفاق الإطاري وإنشاء مؤسسة حكم مشتركة خلال الفترة الانتقالية تحت مسمى المجلس الأعلى للدولة في اليمن لأنه يحقق شروط الطرفين بشكل كامل تقريبًا وأهم من ذلك سينقذ اليمن من الانهيار بشكل كامل والدخول في حرب أهلية. وميزة فكرة المجلس الأعلى للدولة المقترحة أنها ستجعل الطرف الحوثي يتفاعل مع المملكة العربية السعودية كدولة تلعب دور الوساطة في اليمن وكدولة طرف مفاوض في نفس الوقت وكدولة جارة قوية وغنية سترافق مسار الاستقرار والازدهار في اليمن.

ولإنجاح تجربة المجلس الأعلى للدولة المقترح، ينبغي أن يتم تنفيذ نهج السلام الشامل المجسد في الاتفاق الإطاري باتباع نهج بسيط، خطوة بخطوة ومنطق "القليل مقابل القليل" و"المزيد مقابل المزيد" لإخراج اليمن من دوامة النمط السياسي التصادمي المتشكل حاليًا تدريجيًا. ومن المهم أن يركز المجلس الأعلى للدولة اليمني المقترح بداية على الوقف الشامل لإطلاق النار والتركيز على المسائل الإنسانية والتنموية وتوحيد البنك المركزي وتوحيد العملة وسعر الصرف ودفع رواتب الموظفين وتعويض المتضررين واعادة إعمار اليمن...وتجنب المسائل السياسية الخلافية المعقدة.

وزمنيًا، يمكن أن تمتد مهام المجلس الأعلى للدولة اليمني المقترح ما بين 3 إلى 5 سنوات أو أكثر أو أقل حتى تتوفر الظروف الملائمة لعودة النشاط السياسي في اليمن بعد إكمال توحيد السلاح في يد الدولة وإتمام بناء المؤسسة العسكرية الوطنية اليمنية وإتمام بناء الاقتصاد واطمئنان الجميع. فالهدف الأسمى هو إراحة الشعب اليمني من ويلات الحرب والعيش في سلام وليس التعجل في تحقيق أهداف سياسية شخصية أو فئوية أو طائفية. وستشكل فترة الاستقرار والازدهار في اليمن في إطار المجلس الأعلى للدولة المقترح فرصة لرد مظلومية سكان الجنوب من خلال تعزيز التنمية في الجنوب مما قد يجنب اليمن الانقسام وتداعياته أو ما يسمى استعادة دولة الجنوب... 

وسيشكل النجاح الاقتصادي للمجلس الأعلى للدولة في إعادة إعمار اليمن حجر الأساس لاستقرار مستدام في اليمن والمنطقة. وستلعب الدول العربية وجامعة الدول العربية دورًا رائدًا في دعم ومرافقة الجمهورية اليمنية في هذا المسار وجبر أضرار الحرب على الشعب اليمني بل أكثر من ذلك مساعدة ودعم اليمن على تحقيق أهداف التنمية المستدامة...ومن المهم أيضًا تفعيل وتثمين كل الموارد المالية اليمنية المتاحة بما في ذلك التسريع في عودة تصدير النفط اليمني مما سيؤدي إلى الانتقال بسرعة من مرحلة المساعدات الإنسانية إلى مرحلة التنمية المستدامة.

فعندما يجد الشباب اليمني فرص عمل متاحة ورواتب مناسبة ومصدر دخل آمن يغطي احتياجاته يتخلى عن مصدر دخل يهدد حياته وهو رفع السلاح، ويبتعد تدريجيًا عن الجماعات المسلحة. والقناعة هي أن جذور الأزمة اليمنية وكثير من الأزمات العربية فضلًا عن ظاهرة الإرهاب سببها الرئيسي هو الوضع الاقتصادي المتردي والبطالة وانسداد الأفق أمام المواطن. لذلك يمكن القول إن السلام الدائم في الجمهورية اليمنية يحتاج إلى اقتصاد مستدام.

وفي إطار قيادة تشاركية انتقالية لليمن في إطار المجلس الأعلى للدولة، سيدعم السلام والاستقرار السياسي اقتصاد البلاد ويقلص البطالة ويزيد من مداخيل ممراته البحرية وموانئه، بفضل موقعه على طول الطرق البحرية الرئيسية. كما سيوفر السلام والاستقرار ظروفًا ملائمة لإنعاش قطاع النفط والغاز، وبالتالي دعم الموارد المالية للدولة، وسيضع حلولًا جذرية لأزمة الطاقة الخانقة التي ألقت بظلالها على حياة المواطن اليمني، وعطلت وسائل النقل والخدمات.

وبعد استقرار الوضع الإنساني والاقتصادي في اليمن بوقت كاف، يمكن لأعضاء المجلس الأعلى للدولة الذي اقترحناه في هذا المقال الدخول في مرحلة التفاوض على شكل الدولة اليمنية المستقبلية ومصير الجنوب ومسائل أخرى، ثم الدخول أخيرًا في مرحلة بناء المؤسسات المنتخبة بما في ذلك انتخاب رئيسًا للجمهورية اليمنية، وانتخاب المجالس المحلية والوطنية. ومن المهم عدم استعجال الدخول في المسائل الخلافية الحساسة حتى تستعيد الدولة اليمنية عافيتها بشكل كامل.

وأخيرا، اليمن تسع كل أبنائها باختلاف أطيافهم، وإن كانت النظرة الواقعية البراغماتية طغت على المقاربة المعتمدة في هذا المقال، لكن نرى أن المنظور المثالي للوضع في اليمن عامل مساعد ومكمل للمنظور الواقعي، فللشعب اليمني تاريخ عريق من القيم والأخلاق والحكمة وفي ديننا أروع القصص عن التسامح؛ ونموذج تعامل سيدنا يوسف مع إخوته عبرة وقدوة. فرغم الظلم الذي تعرض له سيدنا يوسف من إخوته إلا أنه رد ذلك إلى الشيطان الذي نزغ بينه وبين إخوته. وأغلب الظن أن النخبة اليمنية تستطيع أن تسمو بأخلاقها فوق جراحها، وتجلس معًا للتحاور بشكل جاد وتنهي السبع العجاف من الحرب والدمار على الشعب اليمني، وتدخل بقوة في السبع السمان من الاستقرار والازدهار.

مقالات لنفس الكاتب